الإمام الحسن العسكري(عليه السلام)
وعلماء النصارى قراءة موضوعية
Imam
Al-Hasan Al-Askari (PBUH) and Christian Scholars: An Objective Reading
د. جنان غالب ظاهر
ديوان الوقف الشيعي
Dr. janaan ghalib zahir
Shiite Endowment Diwan
الملخص:
جاء هذا البحث ليكشف لنا عن دور الإمام الحادي عشر
الإمام الحسن العسكري(عليه السلام)، مع قصر مدة إمامته وما صاحبها من ظروف قاسية
تحظر حرية الفكر والحركة الدعويّة وتفرض الحصار وتراقب النشاطات كافة، إلا أن
العسكري(عليه السلام) لم يتوقف عن أداء وظيفته في دعوة غير المسلمين إلى الإسلام
واتباع نهج محمد وآل محمد(عليه السلام)، حتى كانت معرفة من دخل للإسلام على يديه
أكبر من معرفة كثيرٍ ممن يدّعون انتسابهم للإسلام في ذلك الوقت، فكان له أثر كبير
وواضح في دعوة أهل الكتاب. وركز هذا البحث على دراسة وتحليل مواقف الإمام الحسن
العسكري(عليه السلام) في التعامل مع علماء النصارى، يأتي هذا التركيز نظرًا لتأثير
العلماء بشكل عام على مختلف شرائح المجتمع، ولدور علماء النصارى البارز في الدولة
العباسية، حيث شغلوا مناصب مهمة مثل الكتابة للسلاطين، والندامة للملوك، والأطباء
للعائلات الحاكمة، والتجار، والمترجمين للكتب، فيقوم البحث بدراسة ما اتسمت به
دعوة الإمام العسكري(عليه السلام) باستقطاب هذه الشريحة العلمائية من النصارى على
اختلاف وتنوع علومهم ابتداءً، وما يترتب على هداية هؤلاء العلماء من فوائدَ ونفعٍ
كبير على الأمة الإسلامية عمومًا وأتباع أهل البيت(عليهم السلام) على وجه الخصوص.
الكلمات المفتاحية:
الإمام الحسن العسكري(عليه السلام)، النصارى، المستوى
التطبيقي، الإنجيل.
Abstract:
The study revealed the role of the eleventh
Imam, Imam Al-Hasan Al-Askari (PBUH). Despite the shortness of his Imamate
period and the harsh circumstances surrounding him, which prohibited freedom of
thought, missionary movement, imposed siege and monitored all other activities,
Al-Askari (PBUH) did not stop performing his duty in calling non-Muslims to
Islam to follow Mohammed and the family of Mohammed (PBUT) path. The knowledge
of those who entered Islam at his hands was greater than the knowledge of many
who claimed their affiliation to Islam at that time. He had a great and clear
impact on calling the People of the Book. The study focused on studying and
analyzing the positions of Imam Al-Hasan Al-Askari (PBUH) in dealing with
Christian scholars. The importance of the study comes due to the influence of
scholars in general on various segments of society, and the prominent role of
Christian scholars in the Abbasid state, where they occupied important
positions such as writing for sultans, companionship to kings, physicians for
ruling families, merchants, and translators of books. The study investigated
what characterized Imam Al-Askari's (PBUH) call by attracting Christians with
their different and diverse sciences and what results from guiding these scholars
in terms of benefits and great advantage for the Islamic nation in general and
the followers of the People of the House (PBUT) in particular.
key words: Imam Al-Hasan Al-Askari (PBUH), Christians,
practical level, the Bible.
المقدمة
الحمد لله الذي أظهر من آثار سلطانه وجلال كبريائه ما
حيّر معقل العيون من عجائب قدرته، ودرع خطرات همم النفوس عن عرفان كنه صفته،
والصلاة والسلام على خاتم النبيين وعلى آله الطيبين الطاهرين.
منذ نزول القرآن الكريم على صدر الرسول الأعظم(صلى الله
عليه وآله)، قام النبي(صلى الله عليه وآله)
بدعوة الناس كافة – على اختلاف مشاربهم- إلى دين الحق، إذا لا يُقبل من أحدٍ أن
يأتي على الله تعالى بغير ذلك الدين القويم، وتعددت أساليب الدعوة تبعاً للفئة
المستهدفة منها، فكان لدعوة أهل الكتاب خصوصية؛ نظراً لما يتمتعون به من مشتركاتٍ
عقديةٍ مهمةٍ، كإيمانهم بالله عزّ وجلّ والاعتقاد بمبدأ الرسل والأنبياء وتعدد
رسالاتهم، وأنه سبحانه جامع الناس ليومٍ لا ريب فيه، وازدادت خصوصية النصارى من
بين أهل الكتاب عامة في دعوتهم إلى الإسلام.
ومن بعد النبي(صلى الله عليه وآله) استمرت الدعوة لهم عن
طريق أوصيائه الأئمة الاثني عشر (عليهم السلام) الذين أدّوا ما كان يؤديه من دور
ووظيفة دعويّة لهداية الناس كافةً، وسلك كل واحدٍ منهم ما سلكه الأنبياء في
دعواتهم، في إكمال ما انتهى إليه من سبقه في الجهد والجهاد، كلٌ بحسب ظروف عصره
وطبيعة المجتمعات التي عاشوا فيها، حتى جاء دور إلى الإمام الحادي عشر الإمام
الحسن بن محمد العسكري (عليه السلام)، مع قصر مدة إمامته وما صاحبها من ظروف قاسية
تحظر حرية الفكر والحركة الدعويّة وتفرض الحصار وتراقب النشاطات كافة؛ لخوف السلطات
الحاكمة من تأليب الناس ضد ممارساتها تجاه أهل البيت (عليهم السلام) وأتباعهم، إلا
أن الإمام العسكري (عليه السلام) لم يتوقف عن أداء وظيفته في دعوة غير المسلمين
إلى الإسلام واتباع نهج محمد وآل محمد (عليهم السلام)، حتى كانت معرفة من دخل
للإسلام على يديه أكبر بكثير من معرفة كثيرٍ ممن يدّعون انتسابهم للإسلام في ذلك
الوقت، فكان له إسهامٌ كبير وواضح في دعوة أهل الكتاب، مستثمراً ما كانت تسنح به
الفرصة لهدايتهم عبر مواقف متعددة.
فجاء هذا البحث بعنوان: (الإمام الحسن العسكري(عليه
السلام) وعلماء النصارى قراءة موضوعية)؛ ليقف على دراسة بعض المواقف وتحليلها من
طريق ما أُثر عنه(عليه السلام)، معتمداً المنهج الاستقرائي في الروايات ذات الصلة
بالموضوع، ومن ثم المنهج التحليلي لتبيين ما أُجمل في تلك الروايات؛ ليسلط الضوء
على مواقف الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) مع علماء النصارى (خاصة) وبيان دوره
الكبير في دعوتهم إلى دين الحق، وقد اقتضت طبيعة البحث أن يشتمل على مقدمة وخاتمة
يتوسطهما مبحثان، جاء الأول بما يناسب البحث نظرياً، فتكفّل ببيان دعوة النصارى
إلى الإسلام عن طريق القرآن الكريم والسنة الشريفة، وبيان ماكان لعلماء النصارى من
مكانة اجتماعية وسياسية في ظل الدولة العباسية، حتى أصبحوا الفئة المستهدفة - في
البحث - في دعوتهم إلى الإسلام من قِبل الإمام العسكري (عليه السلام).
بينما مثّل المبحث الثاني الجانب التطبيقي للبحث، فوقف
على تبيين كيفية دعوة الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) لبعض علماء النصارى،
بوصفهم الفئة المستهدفة؛ لما تتمتع به من مقومات علمية وإيمانية، وجديتهم في البحث
عن الحقيقة، مضافاً إلى ما كانوا عليه من تأثيرٍ مجتمعي واسع النطاق، وهذا بدوره
يؤدي إلى اختزالٍ في الجهد والوقت – في زمنٍ عزّ على الإمام العسكري (عليه السلام)
بسبب الحصار والمراقبة الشديدة- في دعوة أتباعهم ومريديهم، ودخولهم في الإيمان
بالاعتماد على إيمان أولئك العلماء، وهي نتيجة طبيعية ويمكن وصفها بالناجحة
والإيجابية.
فما جاء في هذا البحث هو محاولة حقيقية من باحث عن
الحقيقة والقرب من أهل بيت الرحمة نبينا محمد وآله الطاهرين (صلوات الله عليهم
أجمعين)، فما كان فيه ما يحقق الغاية فبضل الله تعالى ومنّه، وما كان فيه غير ذلك
فنرجو من الله سبحانه العفو والغفران، وآخر دعوانا إن الحمد لله رب العالمين.
المبحث الأول: دعوة النصارى إلى الإسلام
ومكانتهم في العصر العباسي
توطئة:
قبل الدخول في أصل البحث لابد من بيان ما المقصود من
(النصارى )؛ ليتسنى لنا الاسترسال بالبحث على أسس بيّنة وواضحة، فإنّ مفهوم
(النصارى) في المعاجم اللغوية يراد بهِ «جمع نَصرانٍ ونَصْرانةٍ، مثل الندامى جمع
نَدْمانٍ ونَدْمانةٍ، ولكن لم يستعمل نَصْرانٌ إلا بياء النسب؛ لأنَّهم قالوا:
رجلٌ نَصْرانيٌّ وامرأةٌ نَصرانيَّةٌ، ونَصَّرَهُ: جعله نَصْرانِيّاً»[1]،
ففي قولنا: نصراني «نسبة إلى نصران أو الناصرة، وهي قرية في الخليل من فلسطين بلد
عيسى المسيح (عليه السلام)»[2].
بينما يُعرّف النصارى في اصطلاح علماء العقيدة والأديان
- بوصفهم أهل ديانة وعقيدة خاصة - بأنهم: «أمة المسيح عيسى بن مريم رسول الله
وكلمته(عليه السلام)، وهو المبعوث حقاً بعد موسى (عليه السلام) المبشر به في
التوراة»[3].
وهذه الأمة تنفرد عن غيرها من الأمم المنتسبة إلى ديانتها، فيقال لهذه الديانة
النصرانية، نسبة إلى «الدين المنزل من الله تعالى على عيسى، وكتابها الإنجيل،
ومكملة رسالة موسى ومتممة لها جاء في التوراة من تعاليم وموجهة خاصة لبني إسرائيل،
ويطلق عليهم النصارى وأهل الكتاب وأهل الإنجيل»[4].
فسيقف البحث على ما أُثر عن الحسن العسكري(عليه السلام)
وإسهامه في توجيه دعوته من بين أهل الكتاب -من اليهود والنصارى والصابئيين، ويلحق
بهم المجوس- إلى علماء النصارى تحديداً؛ لما للعلماء بشكل عام من تأثير على شرائح
المجتمع المختلفة، وكثرة حضور وتواجد علماء النصارى في مفاصل الدولة العباسية
وإشغالهم لمناصبَ ومهامٍ كبيرةٍ، فكان منهم الكتّاب للسلاطين وندماء الملوك وأطباء
الأُسر الحاكمة والعطّارين ومترجمي الكُتب وغيرهم، مما أدى إلى أن تكون لهم مكانةٌ
خاصةٌ وجاهٌ عظيمٌ عند الحكّام والمجتمع، فيقوم البحث بدراسة ما اتسمت به دعوة
الإمام العسكري (عليه السلام) بدعوة واستقطاب هذه الشريحة العلمائية من النصارى
على اختلاف وتنوع علومهم ابتداءً، وما يترتب على ذلك من أثرهم في الإتباع
والمريدين لهم محصلةً، وما يترتب على هداية هؤلاء العلماء هو تحقيق هدف الرسالة
الإسلامية في إيصال البلاغ الإلهي وإعلاء كلمة الله العليا.
المطلب الأول: دعوة القرآن الكريم أهل الكتاب إلى
الإسلام
جرت سنة الله تعالى في خلقه واقتضت مشيئته سبحانه أن
تكون الشرائع السماوية الداعية إليه متسلسلة، بحيث تكمل إحداها الأخرى، وكان
الأنبياء هم الدعاة إلى كل شريعة تأتي لتحل محل الشريعة السابقة، حتى ختمت جميع
الشرائع بالشريعة الإسلامية، ودعا إليها خاتم الأنبياء والمرسلين نبينا محمد (صلى
الله عليه وآله)،
فكان القرآن الكريم خاتماً الكتب السماوية ومجدداً دعوتها الصحيحة إلى دين الحق،
ولقد خص القرآن الكريم أهل الكتاب ومن بينهم (النصارى) بعديد من الآيات الكريمة
التي تدعوهم إلى الإسلام منها قولة تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ
تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا
اللهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً
مِنْ دُونِ اللهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾
[آل عمران:64]، فهذه الآية الكريمة هي خطاب لعامة أهل الكتاب، أي: تعالوا إلى كلمة
سواء بيننا وبينكم وهي التوحيد، ولازم التوحيد رفض الشركاء وعدم اتخاذ الأرباب من
دون الله سبحانه[5].
ونجد أن القرآن الكريم قد حدد لنا منهجاً في التعامل مع
أهل الكتاب بشكل عام، فقد نهى عن مجادلتهم إلا بالطريقة الأحسن، يقول الله عز وجل:
﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا
الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آَمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا
وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ
مُسْلِمُونَ﴾ [العنكبوت: 46]. والمجادلة تكون بالتي هي أحسن، أي بالأساليب
والطرق الصحيحة والمناسبة للتباحث التعبير بـ «التي هي أحسن» تعبير جامع يشمل كل
الأساليب والطرق المناسبة في الألفاظ والمحتوى، وفي طريقة الكلام والحركات
والإشارات المصاحبة له[6].
ويصف القرآن الكريم الذين آمنوا من النصارى وصفاً طيباً؛
بسبب سرعة استجابة بعض علمائهم إلى الإيمان برسالة الإسلام ونبوة النبي محمد (صلى
الله عليه وآله)، كما في قوله تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً
لِلَّذِينَ آَمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ
أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى
ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ
(82) وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ
مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آَمَنَّا
فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (83) وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللهِ وَمَا
جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ
الصَّالِحِينَ (84) فَأَثَابَهُمُ اللهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ
تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾
[المائدة:82]، قيل: إنّ هذه الآية نزلت بحق النجاشي وأصحابه عندما دعوا جعفر بن
أبي طالب وأصحابه، وأحضروا القسيسين والرهبان، وأمروا جعفراً أن يقرأ عليهم
القرآن، فقرأ سورة مريم، فبكوا وآمنوا بالقرآن. وفي هذه الآيات علّل الله سبحانه
قرب النصارى من قبول الدعوة الحقّة الدينية ذلك؛ لأنّ فيهم قسيسين ورهباناً، وأنهم
لا يستكبرون، ففيهم علماء يذكرونهم بمقام الحق ومعارف الدين قولاً، وفيهم زهاد
يذكرونهم بعظمة ربهم وأهمية سعادتهم الأخروية والدنيوية عملاً، وفيهم عدم استكبار
عن قبول الحق[7].
كان أسلوب القرآن الكريم متميزاً في دعوته للنصارى، وذلك
بخلاف غيرهم من أهل الكتاب الذين ذمّهم القرآن ووصفهم بصفاتٍ مُهينة، كما هو الحال
في وصفه لليهود الذين أنكروا على النبي (صلى الله عليه وآله) دعوته وكذّبوه وقد
حرّف اليهود التوراة، مع أن التوراة تأمرهم باتباع النبي
الخاتم(صلى الله عليه وآله) القرآن، يشبّه اليهود في هذا السياق بما يهينهم، في
قول الله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ
يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ
الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللهِ وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾
[الجمعة: 5].
المطلب الثاني: مهمة الرسول وأهل بيته (عليهم
السلام) في دعوة النصارى إلى دين الحق
من المعلوم لدى المؤمنين أن الإسلام هو آخر الأديان
السماوية، وأن النبي
محمداً (صلى الله عليه وآله) هو خاتم الأنبياء والمرسلين، وقد أرسله الله إلى الجن
والإنس كافة وأمر الله (عزّ وجلّ) النبي (صلى الله عليه وآله) بالدعوة إلى توحيد
الله في كثير من الآيات القرآنية، منها قول الله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي
أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللهِ
وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف: 108]
ومن الذين دعاهم النبي(صلى الله عليه وآله) إلى للدخول
في الإسلام هم النصارى من أهل الكتاب وكان بأسلوب الموعظة الحسنة ﴿ادْعُ إِلَى
سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ
بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ
وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [النحل: 125]، ونجد ذلك في كتب النبي (صلى
الله عليه وآله) إلى النجاشي، حيث يقول: «بسم الله الرحمن الرحيم:من محمد رسول الله إلى النجاشي
ملك الحبشة،إني أحمد إليك الله الملك القدوس السلام
المهيمن، وأشهد أن عيسى بن مريم روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم
البتول الطيبة، فحلمت بعيسى، وأني أدعوك إلى الله وحده لا شريك له،
فإن تبعتني وتؤمن بالذي جاءني فإني رسول الله ، وقد بعثت إليك ابن
عمي جعفراً ومعه نفر من المسلمين، والسلام على من اتبع الهدى»[8].
وهكذا تعامل النبي (صلى الله عليه وآله) مع وفد نصارى نجران
حين قدموا إلى المدينة وأخذوا يُجادلون في نبي الله عيسى(عليه السلام)
ويزعمون فيه ما يزعمون من البنوة والإلهية دعاهم إلى المباهلة، وكانت النتيجة أن
جاء أبو حارثة إلى النبي(صلى الله عليه وآله) فقال: «يا أبا القاسم، انّا لا
نباهلك ولكن نصالحك، فصالحنا على ما ننهض له. فصالحهم على ألفي حلّة قيمة كل حلّة
أربعون درهماً وعلى عارية ثلاثين درعاً وثلاثين رمحاً وثلاثين فرساً إن كان حرب،
فكتب لهم بذلك كتابا فانصرفوا راجعين إلى بلادهم»[9].
ثم سار الأئمة من بعده على هذا النهج، ومنهم أمير
المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام) في مواقفه وتعامله مع أهل الكتاب، وخاصة
النصارى. وكان لهذه المواقف أثر بالغ في نفوس النصارى ودخولهم في الإسلام، ومن
الأمثلة على ذلك موقف حدث مع جاثليق النصارى. حيث أجاب أمير المؤمنين علي(عليه
السلام) عن أسئلة الجاثليق، وبالتالي صدّق الجاثليق كلام أمير المؤمنين ودخل
الإسلام بقوله: «والله الذي بعث المسيح، وما اطلع على ما أخبرتني به إلا الله
تعالى، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله (صلى الله عليه وآله)،
وأنك وصي رسول الله، وأحق الناس بمقامه». وأسلم الذين كانوا مع الجاثليق كما أسلم
هو. وقالوا: «نرجع إلى صاحبنا لنخبره بما وجدنا عليه هذا الأمر، وندعوه إلى الحق»[10].
وهذا ما وجدناه عند الإمام
الباقر(عليه السلام) في كيفية تعامله مع أحد النصارى وتأثيره فيه من طريق أخلاق
الأنبياء الداعين إلى الحق، عندما جاء له النصراني وقال له: «أنت بقر!. فقال
الإمام (عليه السلام): لا، أنا باقر، قال: أنت ابن الطبّاخة!،قال: ذاك حرفتها،
قال: أنت ابن السوداء الزنجية البذيّة، قال: إن كنت صدقت غفر الله لها، وإن كنت
كذبت غفر الله لك. فأسلم النصراني»[11].
وهكذا بقية الأئمة (عليهم السلام) ساروا على هذا النهج،
-وكان ما قد تقدم بمثابة إنموذجٍ لدعوة الأئمة (عليهم السلام) للنصارى- وما كان
لهم من أثر كبير في دخول الكثير من النصارى إلى الإسلام ومنهم الإمام الحسن
العسكري(عليهم السلام)، الذي سنتناول بعض التطبيقات الإجرائية في دعوته إلى علماء
النصارى في المبحث الثاني من البحث إن شاء الله تعالى.
المطلب الثالث: مكانة النصارى في ظل الدولة العباسية
من المعروف أنّ الدولة العباسية كانت منفتحة على
الثقافات المختلفة والديانات المتعددة. ولم تكن تتردد في أن يكون بعض عمالها
والمشاركين في رسم سياستها من غير المسلمين، فقد شارك النصارى في العصر العباسي في
مختلف نواحي الحياة؛ الاقتصادية والاجتماعية والأدبية والعلمية، وفي مختلف المهن
بشكل عام، وشغلوا مناصب عديدة في الدولة، وكان ذلك بسبب اهتمام السلاطين العباسيين
بترجمة الجوانب المهمة مما كانوا يحتاجونه في الشؤون السياسية والاجتماعية خاصة في
مجالات الطب والفلك والنجوم والرياضيات والفلسفة والمعارف والعلوم الأخرى.
وقد وصف الجاحظ (ت:255هـ) وضع المسيحيين خلال العصر
العباسي بقوله: «إن النصارى متكلمين وأطباء ومنجمين وعندهم عقلاء وفلاسفة
وحكماء... وان منهم كتّاب السلاطين وفرّاشي الملوك وأطباء الأشراف والعطّارين
والصيارفة... فقد علمنا أنهم اتخذوا البراذين الشهرية، والخيل العتاق، واتخذوا
الجوقات، وضربوا بالصوالجة، وتحذفوا المديني، ولبسوا الملحم والمطبقة، واتخذوا
الشاكرية، وامتنع كثير من كبرائهم من إعطاء الجزية»[12].
ولنقف على مكانة بعض علماء النصارى في العصر العباسي
وعظم شأنهم، فقد بلغ النصارى في عهد العباسي مكانة سامية ومكانة عالية، ومن هؤلاء
(ال بختيشوع) اشتهر منهم جبرائيل بن بختيشوع (ت: 213هـ) كان طبيب الرشيد، بلغ من
عظم المنزلة والحال وكثرة المال ما لم يبلغ أحد حتى قال هارون العباسي لأصحابه:
«من كانت له حاجة الي فليخاطب بها جبرائيل، فإني أفعل كل ما يسألني في كل
أمورهم»[13]، ولما توفي
هارون خدم ابنيه الأمين والمأمون إلى أن توفي، ودفن في ديرمارجرجس بالمدائن سنة
(213 هـ). وكذلك الطبيب يوحنا بن ماسويه (ت:200هـ) مسيحي المذهب،
سرياني، كان أميناً على الترجمة، وخدم هارون الرشيد والأمين والمأمون وبقي على ذلك
إلى أيام المتوكل، وكان مُعظماً ببغداد، جليل القدر، وجعله المأمون رئيساً لبيت
الحكمة[14].
كما هو الحال بالنسبة إلى يحيى بن البطريق (ت: 200
هـ) فهو مترجم نقل كتب الطب وغيرها من اللسان اليوناني إلى اللسان العربي، وكان مولى للمأمون
بن هارون الرشيد، ويعرف أيضاً بـ(يوحنا الترجمان).[15]
وكذلك حنين بن إسحاق النصراني (ت: 873م) كان له مكانته
العالية في الدولة العباسية، فهو مؤرخ ومترجم من كبار المترجمين، وكان علّامة وقته
في الطب وبارعاً في لغة اليونان عينه العباسي المأمون مسؤولاً عن بيت الحكمة وديوان
الترجمة، وكان يعطيه بعض الذهب مقابل ما يترجمه إلى العربية من الكتب، وعينه
الخليفة المتوكل على الله طبيبه الخاص وبعد وفاته انتقلت تلك المكانة الكبيرة
لابنه إسحاق بن حنين، الذي تابع مسيرة أبيه في الترجمة والطب، وكان على صلة بكبار
وزراء الدولة العباسية في عهد الخليفة العباسي المعتضد بالله[16].
وبعض النصارى وصلوا إلى مقام الوزراء في سنة(282هـ)،
تولى عبدون بن صاعد منصب الوزير في خلافة المعتضد العباسي، بينما كان الوزير في
عهد المتقي نصرانياً، كما عهد المعتضد إلى نصراني بقيادة المكتب الحربي في الجيش
الإسلامي[17].
وكانوا حكام بني العباس يشاركون النصارى في احتفالاتهم
بالأعياد الكبرى، كالميلاد والشعانين، ويخرجون معهم إلى أماكن النزهة كأنهم أمة
واحدة ولم يكن ذلك مقصوراً على العراق والشام، فإنّ المصريين كانوا يحتفلون بأعياد
النصارى السنوية كما يحتفل بها النصارى أنفسهم، وكان الخليفة يفرق في الناس
الهدايا في عيد الميلاد والغطاس، ويفرح المصريون جميعهم معاً[18].
وهكذا تبين لنا كيف إن النصارى كان لهم دور كبير في
مفاصل الدولة العباسية وإشغالهم لمناصبَ ومهامٍ كبيرةٍ، فكان منهم الكتّاب
للسلاطين وندماء الملوك وأطباء الأُسر الحاكمة والعطّارين ومترجمين الكُتب، فعندما
تتوجه دعوة الإمام العسكري(عليه السلام) لهم في دخول الإسلام، فإنهم – والحال
سيكونون مستهدفين أكثر بسبب ما يتمتعون به من أرضية علمية خصبة. هذه الأرضية
تؤهلهم لقبول الحق. ومع ذلك، ليس لديهم حاجة للتزلف أو التقرب من الحكام بعد
إسلامهم؛ لأن مكانتهم محفوظة لدى حكام الدولة الإسلامية حتى وهم على تنصرهم
ومخالفتهم للدين الإسلامي في عقيدتهم، وهذا يجعلهم أكثر قناعة وأكثر تبصراً في
قبولهم دعوة الإمام (عليه السلام) دون أن يكون الدافع لذلك هو ما يُذكر.
المبحث الثاني: دعوة الإمام الحسن العسكري (عليه
السلام) لعلماء النصارى في مستواها التطبيقي
نحاول الوقوف – في هذا المبحث- على بعض الروايات الدالة
على تأثّر بعض علماء النصارى بالإمام
الحسن العسكري(عليه السلام) ودخولهم الإسلام على يديه، بوصفها إجراءات تطبيقية
لإسهامات الإمام(عليه السلام) في دعوته لعلماء النصارى.
المطلب الأول: إسلام الكاتب آنوش النصراني
تمثلت إسهامات الإمام الحسن العسكري(عليه السلام) في
دعوة عدد من أصحاب العلم والفضيلة من علماء النصارى، ومنهم آنوش[19]،
وهو الكاتب المسيحي في عهد الخليفة المعتمد العباسي، الذي سأل السلطان أن يدعو
الإمام الحسن
العسكري(عليه السلام) إلى بيته؛ ليشارك احتفاله بختان ولديه، كما جاء ذلك في ما
روي عن أبي جعفر أحمد القصير البصري قال: «حضرنا عند سيدنا أبي محمد (عليه
السلام) بالعسكر فدخل عليه خادم من دار السلطان، جليل فقال له: أمير المؤمنين يقرأ
عليك السلام ويقول لك: كاتبنا آنوش النصراني يريد أن يطهر ابنين له، وقد سألنا
مُساءلتك أن تركب إلى داره وتدعو لابنه بالسلامة والبقاء، فأحب أن تركب وأن تفعل
ذلك فإنا لم نجشمك هذا العناء إلاّ لأنه قال: نحن نتبرك بدعاء بقايا النبوة
والرسالة. فقال مولانا (عليه السلام): الحمد لله الذي جعل النصارى أعرف بحقنا من
المسلمين.ثم قال: أسرجوا لنا. فركب حتى وردنا آنوش، فخرج إليه مكشوف الرأس حافي
القدمين، وحوله القسيسون والشمامسة والرهبان، وعلى صدره الإنجيل، فتلقاه على بابه
وقال للإمام(عليه السلام): يا سيدنا أتوسل إليك بهذا الكتاب الذي أنت أعرف به منا
إلاّ غفرت لي ذنبي في عناك، وحق المسيح عيسى بن مريم وما جاء به من الإنجيل من عند
الله، ما سألت أمير المؤمنين مسألتك هذه إلاّ لأنّا وجدناكم في هذا الإنجيل مثل المسيح
عيسى بن مريم عند الله. فقال الإمام (عليه السلام): أما ابنك هذا فباق عليك، وأما
الآخر فمأخوذ عنك بعد ثلاثة أيام، أي ميت،وهذا الباقي يسلم ويحسن إسلامه ويتولانا
أهل البيت. فقال آنوش: والله يا سيدي إن قولك الحق ولقد سهل عليَّ موت ابني
هذا لما عرّفتني إنّ الآخر يسلم ويتولاكم أهل البيت. فقال له بعض القسيسين: ما لك
لا تُسلم؟ فقال آنوش: أنا مسلم ومولانا يعلم ذلك. فقال مولانا (عليه السلام):
صدق، ولولا أن يقول الناس: إنا أخبرناك بوفاة ابنك ولم يكن ذلك كما أخبرناك،
لسألنا الله تعالى بقاءه عليك. فقال آنوش: لا أريد يا سيدي إلاّ ما تريد. قال أبو
جعفر أحمد القصير البصري راوي الحديث:مات والله ذلك الابن بعد ثلاثة أيام وأسلم
الآخر بعد سنة (كذا)، ولزم الباب معنا إلى وفاة سيدنا أبي محمد (عليه السلام)[20].
إذا ما نظرنا إلى الرواية السابقة بإمعان نجد أنّ
محتواها ومضمونها يدل على عدد من الأمور المهمة، نأتي على بيان بعضها فيما يأتي:
أولاً: النصارى وحق أهل البيت (عليهم
السلام)
صرّح القرآن الكريم أنّ النصارى من أهل الكتاب هم أقرب
إلى المسلمين من اليهود والمشركين وغيرهم، وجاء ذلك في قوله تعالى: ﴿
لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آَمَنُوا الْيَهُودَ
وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آَمَنُوا
الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ
وَرُهْبَاناً وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [المائدة: 82]، وقد تبين سبب
كون النصارى أقرب الناس مودّة للمؤمنين؛ لأنّ منهم قسيسين، وهم علماء النصارى
وعبادهم ورؤساؤهم[21].
من هنا كان ماجاء في القرآن الكريم موافقاً لما صرح به
الإمام الحسن
العسكري(عليه السلام) من أنّ النصارى أصبحوا أعرف بحق أئمة أهل البيت (عليه
السلام) أكثر من بعض المسلمين في عصره، ويتضح ذلك من خلال تعقبه على قول القس أنوش:
«نحن نتبرك بدعاء بقايا النبوة والرسالة»، بقوله (عليه السلام): «الحمد لله الذي
جعل النصارى أعرف بحقنا من المسلمين». وهذه العبارة تحمل في طياتها
دلائل كثيرة، منها ما فيه دلالة على الآلام المغمورة في نفس الإمام(عليه السلام)،
وكأنه يريد أن يُبين أنّ أمة جدّه(صلى الله عليه وآله) لم تعطِ أهل البيت (عليهم
السلام) حقهم من المنزلة والرفعة والاحترام والمقام الذي يستحقونه، فقد غصبوا
الخلافة منهم ونصبوا أنفسهم حكاماً على المسلمين، ومع ذاك فإنّ الإمام (عليه
السلام)
يحمد الله سبحانه وتعالى على هذا؛ لما يمتلك من تسليم بهذا الابتلاء الذي ابتلي
بهِ، من عدم معرفة مكانتهم ومنزلتهم من قبل أمته.
ثم ما الحق الذي أراده الإمام؟ ما هو إلا الحق الذي منحه
الله عزّ وجلّ لهم في أن يكونوا أولياء وأوصياء من بعد خاتم الأنبياء والمرسلين،
هذا الحق الذي يخوله، ويجعله حامياً لشريعة خاتم الأنبياء والمرسلين، وقيماً على
الناس فيما يصلح لهم دنياهم وأخراهم، ومتصرفاً بأذن الله في شؤون الخلق.
فكان من علماء النصارى من يحترم أهل البيت (عليهم
السلام)، ومما يؤكد ذلك آلية استقبال آنوش للإمام(عليه السلام)، حيث جاء في
الرواية «أنه خرج اليه مكشوف الرأس حافي القدمين وحوله القسيسون والشمامسة
والرهبان وعلى صدره الإنجيل فتلقاه على باب داره»، فهذه الكيفية في الاستقبال
المهيب من الكاتب آنوش والقسيسين والشمامسة والرهبان تدل على معرفة كبيرة من قبلهم
بالإمام (عليه السلام).
ثانياً: محفل إعلان إسلام الكاتب آنوش النصراني
يظهر من الرواية أنّ الكاتب آنوش النصراني كان يريد أن
يعلن إسلامه في هذا المناسبة، وهي (ختان ولديه)، وبحضور القسيسين والشمامسة
والرهبان، وما يترتب على هداية هؤلاء العلماء من تأثير كبير على مختلف شرائح
المجتمع.
فإقامة آنوش النصراني الاحتفال بختان ولديه وطلبه من
الخليفة المعتمد حضور الإمام(عليه السلام) لديه؛ من أجل الدعاء لولديه، وذلك
لعقيدة آنوش بأنّ
الإمام (عليه السلام) بقية النبوة كما ذلك بقوله: «نحن نتبرك بدعاء بقايا النبوة
والرسالة».
كما أعلن إسلامه أمام القسيسين والشمامسة والرهبان، مع
ما أن الإمام يعلم ذلك عندما طلب منه بعض القسيسين أن يسلّم بقوله: «أنا مسلم
ومولانا يعلم ذلك»، أي: أنه ما كان سبب مجيء الإمام واستقدامه إلا لإعلان اعتناق
الإسلام الرسمي؛ لما رآه منه (عليه السلام)، حتى صار مسلِّماً له تسليماً منقطع
النظير، عندما أخبره بموت أحد أبنائه وبقاء الأخر، مع أنّ ما أخبره به يكون في
الأمر الطبيعي صعباً جداً؛ لما لفقد الولد بالنسبة للوالد من ألم لا يشعر به إلا
فاقد الولد، وهو غير مرغوب فيه، قد يكون يُشكّل صدمة لدى متلقيه بطبيعة الحال،
ولكن نجد أنّ كلام الإمام قد نفذ إلى قلب ذلك النصراني، وبدل أن يكون خبراً
محزناً، كان بمثابة سلوى ومواساة من الإمام (عليه السلام) مقابل ما قام به
النصراني من تسليم مطلق بقضاء الله وقدره والرضا بما كتب له، وهو بذلك ينبئ أنّ ما
أخبر به الإمام الحسن
العسكري(عليه السلام) واقع لا محال، وكأنه يتعامل كمن كان قد فقد ولده حقاً، لا
مجرد تلقي خبر وقد يحدث وقد لا يحدث، بل نجده يتلبس بموقف المؤمن فيقول له: «والله
يا سيدي إنّ قولك الحق ولقد سهل عليَّ موت ابني» مع أنه لم يفقد ولده بعد؛ لما
أخبر به الإمام من أنه سيكون ذلك بعد ثلاثة أيام فهو حي، ولكن جعله في عداد
الأموات وقبِل ذلك برحابة صدر.
ثم إنّ آنوش النصراني قد فرح بإسلام ولده من بعده، نجد
ذلك في كلامه للإمام (عليه السلام) بقوله: «والله يا سيدي إنّ قولك الحق ولقد سهل
عليَّ موت ابني هذا لما عرّفتني إنّ الآخر يسلم، ويتولاكم أهل البيت». وهذا يعني
أنه لم يهتم لفقد أحد أبنائه بقدر اهتمامه بإسلام الآخر وما بشره به الإمام من أنه
سيكون من المسلمين ومن أتباع أهل البيت (عليهم السلام)، والمعروف أن البشارة تكون
بالخبر السار، وهو ما حدث لآنوش النصراني تحديداً.
ثالثاً: أهل البيت (عليهم السلام)
والإنجيل
بيّن الكاتب آنوش النصراني سبب توسله إلى الإمام الحسن
العسكري (عليه السلام) في شفاء ولديه؛ لأنه وجد منزلته في الإنجيل كمنزلة المسيح
بن مريم (عليه السلام) كما جاء ذلك بقوله: «ما سألت من أمير المؤمنين مسألتك هذه
إلا لأنّا وجدناكم في هذا الإنجيل مثل المسيح بن مريم عند الله»، وهذا مما يؤكد
وجود إشارات إلى أولياء الله تعالى والصالحين –وحتماً أن من أفاضلهم الأئمة
من أهل البيت (عليهم السلام)- في نصوص الإنجيل غير المحرّفة مما أوحي به إلى عيسى
(عليه السلام).
وقد توسل الكاتب آنوش للإمام (عليه السلام)
أن يغفر له ذنب معاناة مجيء الإمام إليه، ويُقسم عليه بالإنجيل والنبي عيسى(عليه
السلام). وقد اعترف للإمام أنه أعرف منهم بكتاب الإنجيل بقوله: «يا سيدنا أتوسل
إليك بهذا الكتاب الذي أنت أعرف به منا».
ولدى عقد مقارنة بسيطة بين ما أخبر به القرآن الكريم عن
النبي عيسى (عليه السلام)
وبين ما جاء في الكتاب المقدس عند النصارى وعلاقة ذلك بما عند الإمام الحسن
العسكري (عليه السلام) الذي كان سبباً رئيساً في إسلام آنوش النصراني وغيره، نجد
جملة من الأمور المشتركة، أهمها: علاج الأكمه والأبرص، وإحياء الموتى، والعلم
بالغيب.
فمن معجزات عيسى(عليه السلام) شفاء
الأكمه والأبرص بإذن الله (عزّ وجلّ) كما جاء ذلك في قوله: ﴿وَرَسُولاً
إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآَيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي
أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ
طَيْراً بِإِذْنِ اللهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي
الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ
فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾
[آل عمران:49]، وهذا ما ذكر في إنجيل لوقا: (وَكَانَ فِي إِحْدَى الْمُدُنِ.
فَإِذَا رَجُلٌ مَمْلُوءٌ بَرَصاً. فَلَمَّا رَأَى يَسُوعَ خَرَّ عَلَى وَجْهِهِ
وَطَلَبَ إِلَيْهِ قَائِلاً: يَا سَيِّدُ، إِنْ أَرَدْتَ تَقْدِر أَنْ
تُطَهِّرَنِي. فَمَدَّ يَدَهُ وَلَمَسَهُ قَائِلاً: أُرِيدُ فَاطْهُرْ.
وَلِلْوَقْتِ ذَهَبَ عَنْهُ الْبَرَصُ) [لوقا 5: 12- 14]، لهذا طلب آنوش النصراني
من الإمام الحسن العسكري(عليه السلام) الدعاء لولديه من أجل الشفاء والعافية؛ لأنه
يعتقد بأنّ الإمام (عليه السلام) من بقايا النبوة والرسالة كما صرّح.
الحال ذاتها تنطبق على علم الغيب من معجزات النبي عيسى
(عليه السلام) إخباره بأمور غائبة عن الحس ولم يعاينها أحد، فقد كان ينبئ صحابته
وتلاميذه بما يأكلون وما يدخرون في بيوتهم، وهذا الأمر معلوم بالنسبة لعلماء
النصارى؛ لأنه جاء في إنجيل متى ما يشير إلى ذلك. حيث يقول: «وعندما قال لتلاميذه
تحرزوا من خمير الصدوقيين فكروا في أنفسهم قائلين: إننا لم نأخذ خبزاً، فعلم يسوع
وقال لهم: لماذا تفكرون في أنفسكم يا قليلي الإيمان أنكم لم تأخذوا خبزاً» [متى
16: 8]، والشاهد أن بعض علم بالغيب كان متحققاً بإذن الله تعالى عند الإمام الحسن
العسكري (عليه السلام)،
وقد جاء ذلك فيما أخبر به الكاتب آنوش النصراني عن حال ولديه، حيث قال إن أحدهما
سوف يبقى ويدخل الإسلام، والآخر سيتوفى بعد ثلاثة أيام، والباقي سوف يكون مسلماً
وعلى مذهب أهل البيت (عليهم السلام) قال الإمام (عليه السلام): «وهذا الباقي يسلم
ويحسن إسلامه ويتولانا أهل البيت»، وقد تحقق ذلك بالفعل.
كما ذكر أبو جعفر أحمد القصير البصري راوي الحديث؛ إذ
يقول: «أحد الأبناء مات والله بعد ثلاثة أيام وأسلم الآخر بعد سنة (كذا)، ولزم
الباب معنا إلى وفاة سيدنا أبي محمد».
المطلب الثاني: إسلام أبي القلا صاعد النصراني
من الروايات التي تظهر تعامل الإمام الحسن العسكري (عليه
السلام) مع بعض علماء النصارى، ما جاء عن محمد بن هارون في روايته، حيث قال:
«أنفذني والدي مع بعض أصحاب أبي القلا صاعد النصراني[22]؛ لأسمع منه
ما روي عن أبيه من حديث مولانا أبي محمّد الحسن بن علي العسكري(عليه السلام)،
فأوصلني إليه فرأيت رجلاً معظماً، وأعلمته السبب في قصدي فأدناني وقال:حدثني أبي
أنه خرج وإخوته وجماعة من أهله من البصرة إلى سرّ من رأى للظلامة من العامل،
[فبينما هم] بسرّ من رأى في بعض الأيام يقول: إذا بمولانا أبي محمد(عليه السلام)
على بغلة، وعلى رأسه شاشة، وعلى كتفه طيلسان[23]، فقلت في
نفسي: هذا الرجل يدّعي بعض المسلمين أنه يعلم الغيب، وقلت: إن كان الأمر على هذا
فيحوّل مقدّم الشاشة إلى مؤخّرها، ففعل ذلك، فقلت: هذا اتفاق، ولكنه سيحوّل
طيلسانه الأيمن إلى الأيسر والأيسر إلى الأيمن، ففعل ذلك وهو يسير، وقد وصل إليّ
وقال: يا صاعد، لمَ لا تشغل بأكل حيدانك عمّا لا أنت منه ولا إليه، وكنّا
نأكل سمكاً، وأسلم صاعد بن مخلّد، وكان وزيراً للمعتمد »[24].
ويبيّن الشيخ المجلسي (ت: 1111هـ) في بحاره بعض الأمور
الواردة في الرواية فيقول ما نصّه: «(لمَ لا تشغل بأكل حيدانك) كذا كان في المنقول
منه، ولعله تصحيف جيداتك أي اللحوم الجيدة، أوحنذاتك من قولهم: حنذت الشاة حنذا
أي: شويتها وجعلت فوقها حجارة محماة لينضجها، فهي حنيذ ووصف السمك بأنه لا أنت منه
ولا إليه؛ لأنه يحصل من الماء ويعيش فيه، وأصل الإنسان من التراب، ومرجعه إليه،
فلا يوافقه في الطبع»[25].
عند دراسة هذه الرواية، يمكننا استخلاص مجموعة من النقاط
المهمة، وأبرزها ما يلي:
الإمام الحسن العسكري (عليه السلام)
والعلم بالغيب
لابد من التفريق بين علم الأئمّة (عليهم السلام) بالغيب
وعلم الله عز وجل بالغيب، فالغيب هو «الأمر الخفي الذي لا يدركه الحس ولا تقتضيه بداهة
العقل» [26]، وقد إشار
القرآن الكريم في كثيرٍ من آياته الكريمة أن علم الغيب مما اختص الله تعالى به دون
غيره، ومنها قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا
إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام: 59]، وفي آيات أخرى تحدث على أن علم الغيب علم مختص
بالله تعالى يهبه إلى عباده الذين ارتضى لهم ذلك لحكمة هو يعلمها كما جاء ذلك في
قوله عز وجل ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً (26)
إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ
وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً﴾ [الجن: 26-27]، وقد عني بعالم الغيب: عالم ما غاب عن
أبصار خلقه، فلم يروه، فلا يظهر على غيبه أحداً، فيعلمه أو يريه إياه إلا من ارتضى
من رسول، فإنه يظهره على ما شاء من ذلك[27].
فإنَّ أهل البيت(عليهم السلام) يعلمون من الغيب بتعليم
من الله جلَّ وعلا، وليس علمهم بالغيب بشكلٍ مستقلٍ ومن ذواتهم، وإنما هو مما
يفيضه عليهم سبحانه وتعالى وأنه بالاستقلال خاص بالله تعالى ولا يطلع عليه أحد إلا
بأذنه عزّ وجلّ، نعم، المطهرون هم الذين يلمسون الحقيقة القرآنية ويصلون إلى غور
معارف القرآن[28].
من هنا كان علم الغيب ينقسم إلى قسمين: قسم خاص بالله
(عزّ وجلّ) لا يعلمه إلا هو، والقسم الأخر علّمه الأنبياء والأولياء كما روري عن
عن الإمام
الرضا(عليه السلام) قوله لعمرو بن هذاب عندما نفى عن الأئمة (عليهم السلام) علم
الغيب، : «إن رسول الله هو المرتضى عند الله، ونحن ورثة ذلك الرسول الذي أطلعه
الله على غيبه فعلمنا ما كان وما يكون إلى يوم القيامة»[29].
وبالتالي فهذا العلم بالغيب كان له أثر كبير في إسلام
أبي القلا صاعد النصراني، وهو من القسم الآخر الذي علّمه الله للأنبياء والأولياء.
المطلب الثالث: إسلام راهب دير العاقول
ومن المواقف البارزة للإمام الحسن العسكري (عليه السلام)
في دعوة علماء النصارى إلى الإسلام، ما رواه الشيخ الكليني (المتوفى سنة 329هـ)
بسند متصل عن الحسن المكفوف، حيث قال: «حدثني بعض أصحابنا عن بعض فصّادي العسكر
-أي سامراء- من النصارى: أن أبا محمد (عليه السلام) بعث إلي يوماً في وقت صلاة
الظهر فقال لي: افصد هذا العرق. قال: وناولني عرقاً لم أفهمه من العروق التي تفصد،
فقلت في نفسي: ما رأيت أمراً أعجب من هذا، يأمرني أن أفصد في وقت ليس بوقت فصد،
والثانية عرق لا أفهمه! ثم قال لي: انتظر وكن في الدار، فلما أمسى دعاني فقال لي:
سرّح الدم فسرّحت. ثم قال لي: أمسك. فأمسكت، ثم قال لي: كن في الدار، فلما كان نصف
الليل أرسل إلي وقال لي: سرّح الدم، قال: فتعجبت أكثر من عجبي الأول وكرهت أن
أسأله: قال: فسرحت فخرج دم أبيض كأنه الملح. قال: ثم قال لي: احبس. فحبست، ثم قال:
كن في الدار، فلما أصبحت قدم إلي تخت ثياب وخمسين ديناراً وقال: خذها واعذر
وانصرف. فصرت إلى بختيشوع وقلت له القصة، ففكر ساعة ثم مكثنا ثلاثة أيام بلياليها
نقرأ الكتب على أن نجد لهذه القصة ذكراً في العالم فلم نجد، ثم قال بختيشوع: لم
يبقَ اليوم في النصرانية أعلم بالطب من راهب بدير العاقول، فكتب إليه كتاباً يذكر
فيه ما جرى، فخرجت وناديته فأشرف عليّ فقال: من أنت؟ قلت: صاحب بختيشوع، قال: أمعك
كتابه؟ قلت: نعم. فأرخى لي زنبيلاً، فجعلت الكتاب فيه فرفعه فقرأ الكتاب ونزل من
ساعته وقال: أنت الذي فصدت الرجل؟ قلت: نعم، قال: طوبى لأمك، وركب بغلاً، وسرنا،
فوافينا (سرّ من رأى) وقد بقي من الليل ثلثه، قلت: أين تحب؟ دار استاذنا أم دار
الرجل؟ أي: دار الإمام الحسن العسكري. قال: دار الرجل، فصرنا إلى بابه قبل الأذان
الأول ففتح الباب وخرج إلينا خادم أسود وقال: أيكما راهب دير العاقول؟ فقال: أنا
جعلت فداك. فقال: انزل، وقال لي الخادم: احتفظ بالبغلين، وأخذ بيده ودخلا، فأقمت
إلى أن أصبحنا وارتفع النهار ثم خرج الراهب، وقد رمى بثياب الرهبانية ولبس ثياباً
بيضاً وأسلم، فقال: خذني الآن إلى دار أستاذك. فصرنا إلى باب بختيشوع، فلما رآه
بادر يعدو إليه ثم قال: ما الذي أزالك عن دينك؟ قال: وجدت المسيح وأسلمت على يده.
قال: وجدت المسيح؟ ! قال: أو نظيره، فإنّ هذه الفصدة لم يفعلها في العالم
إلاّ المسيح وهذا. ثم انصرف إليه ولزم خدمته إلى أن مات»[30].
يجب التركيز على بعض النقاط المهمة المذكورة في هذه
الرواية، مثل توضيح معنى(الفصد) في اللغة،: «وهو قطع العِرقِ حتَّى يسيل،
والفَصيد: دمٌ كان يُجعَل في مِعىً من فَصد عروق الإبل، ويُشوَى ويُؤكل»[31]،
وقد ورد في بعض المصادر العلمية بأنه « قطع متعمد في أحد أوردة الجسم ليهدر منه
قدر من الدم يقدر مقداره الطبيب المعالج»[32]. فهو إجراء
طبي يتمثل في قطع وريد معين في الجسم بهدف إخراج كمية محددة من الدم.
وكان هذا الإجراء شائعاً في الطب القديم حيث يتم
استخدامه لعلاج حالات معينة، مثل زيادة كمية الدم في الجسم أو سوء جودة الدم، ويتم
الفصد بناءً على تقدير الطبيب المعالج، ويمكن أن يكون لسببين رئيسين: إما لمنع
حدوث الأمراض عند الأشخاص المعرضين لها بسبب زيادة الدم، أو لعلاج الأشخاص الذين
يعانون بالفعل من الأمراض. يمكن أن يكون الفصد لثلاثة أسباب: كثرة الدم، أو رداءة
الدم، أو كليهما[33].
كما تختلف الحجامة عن الفصد في العديد من الجوانب.
فبينما يتم الفصد عن طريق شق الوريد لإخراج الدم النقي أو الغليظ، تستخدم الحجامة
أداة مصّ لإخراج الدم الفاسد من الشعيرات الدموية الدقيقة في اللحم. يؤدي الفصد
إلى تقليل كمية الدم في الجسم، مما قد يتطلب تعويضاً، في حين تهدف الحجامة إلى
تنقية الدم وتصفيته دون فقدان كميات كبيرة منه. بالإضافة إلى ذلك، تعمل الحجامة
على تنشيط الدورة الدموية وتحسين الصحة العامة دون أن تسبب ضعفاً في البدن مثلما
يحدث في الفصد[34].
يشار إلى أنّ النبي محمداً(صلى الله عليه وآله) أشار إلى
أهمية الحجامة والفصد في العلاج، حيث قال في حديثين مختلفين: «خيرُ ما تداويتم به
الحجامةُ والفصدُ»[35]،
وفي حديثٍ: «خيرُ الدواءِ الحجامةُ، والفصدُ»[36].
وهناك نصوص من الإنجيل تبين أنّ السيد المسيح كان يفصد،
وفصده متميز. ومنها ما ذكره الكاتب لوقا في الإنجيل بقوله: (وَإِذْ كَانَ فِي
جِهَادٍ كَانَ يُصَلِّي بِأَشَدِّ لَجَاجَةٍ، وَصَارَ عَرَقُهُ كَقَطَرَاتِ دَمٍ
نَازِلَةٍ عَلَى الأَرْضِ) [لوقا 44:22] هذا وصف يسجله لوقا البشير بلغة الطب:
(كان في جهاد)، فقد دخل السيد المسيح في صراع حقيقي حتى صار عرقه كقطرات دم نازلة
على الأرض. لقد صار هابيل الجديد الذي تتقبل الأرض دمه، لكن الأول، تقبلته كثمرة
حسد وحقد في قلب قايين أخيه، أما الثاني فتتقبله ثمرة حب حقيقي نحو البشرية كلها.
دم هابيل يطلب النقمة من قاتله، أما دم السيد المسيح فيطلب النعمة لكل مؤمن به[37]،
وهكذا تبين لماذا شبّه راهب دير العاقول الإمام الحسن العسكري(عليه السلام)
بالمسيح(عليه السلام)؛ لأنه قد درس وعلم وفهم وتثبت من النصوص الإنجيلية، ووجد في
الواقع ما ينطبق عليهما فهمُه وقراءته ودرسُه في تلك النصوص، متمثلاً بما فعله
الإمام الحسن العسكري(عليه السلام)، ولعلمه بهذا العمل أنه لايقوم بهِ إلا نبي، من
هنا كان قد شبّه الإمام الحسن العسكري (عليه السلام)
بالسيد المسيح، وهكذا يكون الإمام الحسن العسكري(عليه السلام) قد أسهم في دخول أحد
علماء النصارى الذي كان يقصد إليه كما اتضح في الرواية السابقة، وهذا أيضاً له
أثرفي نفوس أتباعه ممن هو في مقام(بختيشوع) ومولاه وأتباعه.
ومما تقدم في هذا المبحث نكون قد وقفنا على بعض
التطبيقات التي تثبت إسهام الإمام الحسن العسكري(عليه السلام) في دعوة علماء
النصارى إلى الإسلام، مع أن الامام لم يكن متاحاً له الظروف المناسبة في دعوة جميع
النصارى أو غيرهم إلى الإسلام، وإنما هو أسهم في بعض المواقف وممارسته العملية،
مستثمراً الفرص التي تسنح له الاتصال ببعض علماء النصارى، من قبيل ممارسته
الطبيعية الحياتية ولقائهم بشكل عفوي، ويأتي بما يؤثر في نفوسهم ويجعلهم راضخين
إلى الحق ويؤمنون بصدق نبوة النبي محمد (صلى الله عليه وآله) ويؤمنون بصدق أحقية
أوليائه من بعده لما شاهدوا وتلمسوه من سيرة وأفعال وأقول الإمام الحسن العسكري
(عليه السلام).
الخاتمة
تطرقنا في هذا البحث المتواضع إلى ما ورد عن الإمام
الحسن العسكري (عليه السلام) في مروياته الخاصة بدعوة بعض علماء النصارى في زمانه،
فيمكن إجمال ما توصل إليه البحث بما يأتي.
إنّ النبي(صلى الله عليه وآله) والأئمة (عليهم السلام)
كان لهم مكانة كبيرة في دخول الكثير من النصارى إلى الإسلام.
إنّ النصارى كان لهم دور كبير في مفاصل الدولة العباسية
وإشغالهم لمناصبَ ومهامٍ كبيرةٍ، فكان منهم الكتّاب للسلاطين وندماء الملوك وأطباء
الأُسر الحاكمة والعطارون ومترجمون فكانت مكانتهم محفوظة لدى حكّام الدولة
الإسلامية مع ما هم عليه من التنصّر ومخالفة للدين الإسلامي في عقيدتهم.
تعامل الإمام الحسن
العسكري(عليه السلام) مع النصارى وعلمائهم كان على قدر عال من الأهمية، ويمكن
الاستفادة من هذا التعامل في رسالة التبليغ الإسلامي.
دخول الكثير من علماء النصارى إلى الإسلام؛ بسبب تشبيه
الإمام الحسن العسكري(عليه السلام)، بالسيد المسيح عندهم بحسب ما جاء في الكتاب
المقدس.
بعض علماء النصارى كانوا أقرب إلى الإمام الحسن (عليه
السلام) أكثر من المسلمين في عصره.
إنّ إخبار الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) بالغيبيات
في العديد من المواقف كان له تأثير كبير في إسلام بعض علماء النصارى.
دعوة الإمام الحسن (عليه السلام) لعلماء النصارى كانت
بالقدوة الحسنة من أعظم أسباب إقبال النصارى عليه.
قائمة المصادر والمراجع:
القرآن الكريم.
إبراهيم، مصطفى، أحمد، الزيات، حامد، عبد القادر، محمد،
النجار، المعجم الوسيط، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان، (د.ت).
ابن سينا(ت 428ق)، القانون في الطب، دار احياء التراث العربي، بيروت، 2005 م.
ابن فارس، أبو الحسين أحمد بن فارس بن زكريا (ت 395ﻫ)،
معجم مقاييس اللغة، تحقيق عبد السلام محمد هارون، دار الفكر، 1399هـ، 1979م.
ابن منظور، جمال الدين أبو الفضل محمد بن مكرم (ت711ﻫ)،
لسان العرب، دار صادر، ط3، 1414 هـ.
أبو أصيبعة، أحمد بن القاسم بن خليفة بن يونس الخزرجي
موفق الدين أبو العباس(ت 668هـ)، عيون الأنباء في طبقات الأطباء، تحقيق الدكتور
نزار رضا، دار مكتبة الحياة، بيروت.
الأصفهاني، السيد محمد باقر بن المرتضى الموسوي الموحد
الأبطحي، مستدرك
عوالم العلوم والمعارف، تحقيق مؤسسة الإمام المهدي، مطبعة أمير، قم، ط1، 1413هـ،
1993م.
الآلوسي، شهاب الدين محمود بن عبد الله (ت 1270ﻫ)، روح
المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، ضبط: علي عبد الباري، دار الكتب
العلمية، بيروت، ط2، 1426ﻫ، 2005م.
الأمين، السيد محسن، أعيان الشيعة، تحقيق حسن الأمين،
دار التعارف للمطبوعات، بيروت،(د.ت)
البحراني، السيد هاشم بن سلمان (ت ١١٠٧هـ)، حلية الأبرار
في أحوال محمد وآله الأطهار(عليهم السلام)، مؤسسة المعارف الإسلامية، تحقيق لام
رضا مولانا البروجردي، بهمن، قم، ط1، 1414ه.ق.
البحراني، السيد هاشم بن سلمان (ت1107هـ)، مدينة معاجز
الأئمة الاثني عشر ودلائل الحجج على البشر، مؤسسة المعارف الإسلامية.
البرسي، حافظ رجب، مشارق أنوار اليقين في أسرار أمير
المؤمنين(عليه السلام)، ط1، تحقيق العلامة السيد علي عاشور، مؤسسة الأعلمي،
بيروت، لبنان، 1419هـ، 1999م.
البغدادي، أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد بن مهدي
الخطيب (ت463هـ)، تاريخ بغداد، تحقيق الدكتور بشار عواد معروف، دار الغرب
الإسلامي، بيروت، 1422هـ، 2002 م.
التهانوي، محمد بن علي بن علي (ت1158ﻫ)، كشاف اصطلاحات
الفنون، وضع حواشيه أحمد حسن بسبح، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1988م.
الجاحظ، عمرو بن بحر (ت:255هـ)، رسائل الجاحظ، تحقيق
السلام محمد هارون، مكتبة الخانجي، القاهرة، ١٣٨٤ هـ، ١٩٦٤م.
الجوزيّ، شمس الدّين محمّد بن أبي بكر بن أيّوب الزّرعي
ابن قيّم، الطبّ النبوي، دار إحياء الكتب العربية، القاهرة، ١٣٧٧ هـ.ق.
الخصيبى، حسين بن حمدان، البلاغ الهداية الكبرى، مؤسسة البلاغة، بيروت، لبنان، ط4، 1411هـ،1991م.
الذهبي، شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان
بن قَايْماز (ت 748هـ)، سير أعلام النبلاء، تحقيق مجموعة من المحققين بإشراف الشيخ
شعيب الأرناؤوط، ط3، مؤسسة الرسالة، 1405 هـ، 1985م.
الرهاوي، اسحق بن علي، أدب الطبيب، مصحح، کمال السامرائي، داود سلمان علي،
جامعة إيران للعلوم الطبية، تهران، 1387.
الزركلي، خير الدين (ت١٣٩٦هـ)، الأعلام قاموس تراجم
لأشهر الرجال والنساء من العرب والمستعربين والمستشرقين، ط5، دار العلم للملايين،
بيروت، لبنان، 2002م.
زيدان، جرجي، تاريخ التمدن الإسلامي، هنداوي، مصر،2012
الشاهرودي، الشيخ علي النمازي (ت 1405 هـ ق.)، مستدرك
سفينة البحار، تحقيق الشيخ حسن بن علي النمازي، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة
لجماعة المدرسين، قم.(د.ت)
الشيرازي، ناصر مكرم، الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل،
دار إحياء التراث العربي، ط2:1426 ﻫ، 2005م.
الطباطبائي، محمد حسين (ت 1402ﻫ)، القرآن في الإسلام،
المترجم: السيد أحمد الحسيني، دار الزهراء، ط1 بيروت، 1393 هـ، 1973.
الطباطبائي، محمد حسين (ت 1402ﻫ)، الميزان في تفسير
القرآن، مؤسسة الاعلمي، بيروت، ط1، 1417ﻫ، 1997م.
الطبري، أبو جعفر محمد بن جرير (ت 310ﻫ)، جامع البيان في
تفسير القرآن، دار المعرفة للطباعة، بيروت، لبنان، ط4، 1400ﻫ.
عبد المجيد، عبد الرزاق، مصادر النصرانية، دار التوحيد،
الرياض، 1426هـ.
علي بن موسى، امام هشتم (عليه السلام) (ت 203 ق)، طبّ الإمام
الرضا(عليه السلام) (الرسالة الذهبية)، تحقيق محمد مهدي نجف، ناشر، دار الخيام، قم.
قلعجي، محمد رواس، قنيبي، حامد صادق، معجم لغة الفقهاء،
دار النفائس للطباعة والنشر والتوزيع،ط2، 1408 هـ، 1988 م.
القمي، الشيخ عباس (ت١٣٥٩)، الأنوار البهية، تح: مؤسسة
النشر الإسلام، ط1، قم، إيران، 1417هـ.
الكتاب المقدس (التوراة والإنجيل)، ط1، دار الكتاب
المقدس، القاهرة، 2001م.
الكعبي، علي موسى، الإمام الحسن العسكري(عليه السلام)
سيرة وتاريخ، مركز الرسالة.
المازندراني، أبو جعفر بن شهر آشوب (ت588هـ)، مناقب آل
أبي طالب، تحقيق آشتیانی محمد حسین ورسولي هاشم، العلمية، قم، 1379 ق.
المجلسي، محمد باقر (ت 1111ﻫ)، بحار الأنوار الجامعة
لدرر أخبار الأئمة الأطهار، تحقيق لجنة من العلماء، دار إحياء التراث العربي،
بيروت، ط1، 1412ﻫ، 1992م.
الملايري، الحاج الشيخ إسماعيل المعزي، جامع أحاديث
الشيعة في أحكام الشريعة، المهر، قم 1373 هـ ش، 1415 هـ ق.
المواقع الالكترونية:
1. شرح الكتاب المقدس، العهد الجديد، القمص تادرس يعقوب
ملطي متاح على الموقع الالكتروني https://st-takla.org/pub_Bible- -.