التَحْلِيلُ اللغوي لِلخِطَابِ
القُرْآنِي فِي ضَوءِ تَفْسِيرِ الإِمَامِ الحَسَنِ العَسْكَرِي (عليه السلام)
The
Linguistic Analysis of the Quranic Discourse in Light of Imam Al-Hasan
Al-Askari's (PBUH) Interpretation
أ.م.د. عمَّار حسن الخزاعي
مؤسَّسة علوم نهج البلاغة التابعة للعتبة الحسينيَّة المقدَّسة
Asst.
Prof. Dr. Ammar Hassan Khuzaie
Nahj Al-Balagha Sciences
Foundation affiliated with the Imam Al-Hussein (PBUH) Holy Shrine
الملخص:
المنهج اللغوي، هو أحد المناهج الفاعلة في تحليل الخطاب،
ويهدف إلى دراسة الجملة وتفكيكها عبر تقنياته التحليلية، فيصنف مستوياتها اللغوية
من صوتٍ وصرفٍ وتركيبٍ ودلالة، واشتغاله على الجملة لا يعني توقفه عند حدود
التركيب العام لها؛ بل إنَّه يُفكِّك هذه الجملة إلى مكوناتها الأوليَّة من
الكلمات، فيقف عند حدود كلِّ كلمةٍ، باحثاً عن علاقاتها مع بني جنسها من الكلمات
الأخرى في داخل الجملة، ولا يعزلها عن ظروف إنتاجها والملابسات التي صاحبت تكوين
حدثها، وقد أخذ هذا المنهج مكانه في الساحة البحثيَّة في الآونة الأخيرة، لما حقَّقه
من نتائج في الدِّراسات التي اعتمدت عليه في تحليل عيناتها اللغويَّة، ومن هنا
استقرَّ الرأي على اعتماد هذا المنهج في دراسة بعض النماذج التفسيريَّة للإمام
الحسن العسكري (عليه السلام)، وذلك عبر المقاربة بين مقولات المنهج وروايات الإمام
الحسن العسكري (عليه السلام) في تفسيره للقرآن الكريم.
الكلمات المفتاحية: التحليل
اللغوي، الخطاب القرآني، تفسير الإمام الحسن العسكري.
Abstract:
The linguistic approach is one of the effective
methods in discourse analysis. It aims to study and deconstruct sentences
through its analytical techniques. It classifies their linguistic levels
including phonetics, morphology, syntax, and semantics. Its work on sentences does not mean stopping at the
boundaries of their general structure; rather, it deconstructs these sentences
into their primary components of words, examining the boundaries of each word
while searching for its relationships with other words of its kind within the
sentence. It does not isolate them from their generation circumstances and the
contexts that accompanied the formation of their occurrence. This approach has
taken its place in the research arena recently due to the results it has
achieved in studies that depended on it to analyze their linguistic samples.
Hence, the decision was made to adopt this approach in studying some
interpretative models of Imam Al-HasanAl-Askari (PBUH), through a comparison
between the approach's propositions and the narrations of Imam
Al-HasanAl-Askari (PBUH) in his interpretation of the Noble Quran.
key words: The Linguistic Analysis, Quranic discourse,
Imam Al-Hasan Al-Askari's interpretation.
المقدِّمة:
الحمد لله الملك الجليل، المنزَّه عن النظير والعديل،
المنعِم بقبول القليل، المتكرِّم بإعطاء الجزيل، تقدَّس عمَّا يقول أهل التعطيل،
وتعالى عمَّا يعتقد أهل التمثيل، نَصبَ للعقل على وجوده أوضح دليل، وهدى إلى وجوده
أَبْيَن سبيل، وأزكى الصلاة وأتمُّ السلام على سادة خلق الله أجمعين، ومحالِّ علم
الله، محمد (صلى الله عليه وآله)
خاتم النبيين، وآله الأئمَّةِ المعصومين، وسلم تسليماً كثيراً.
أنزل الله تعالى القرآن الكريم بوصفه غايةً إلهيًّةً
تهدف إلى صناعة الإنسان، بغير قيد الزمن والمكان، فأودع الحقُّ تعالى فيه مكنون
حقائق العلم وسرائره، حتَّى صار يتسامى تألقاً كلَّما اقترب الإنسان من حقيقة
المعرفة، يتفرَّع مع تفرُّع الحياة، وكأنَّه يرسم مسارات حركتها ويدون خرائط
مسيرتها، وإزاء ذلك جعل الله تعالى له عدل يكشف عن مقاصده ويبيِّن للنَّاس ما لم
يتفطَّنوا إليه من أسراره وعجائبه، وهو النبيُّ وأهل بيته الذين أذهب الله عنهم
الرِّجس وطهرهم تطهيراً، وقد بذلوا في سبيل ذلك الجهود الكبيرة، التي امتلأت بها
المصنَّفات، ومن هنا قررنا الولوج إلى دراسة بعض النماذج التفسيريَّة التي وردت عن
أحد أئمَّة أهل البيت (عليهم السلام)، وهو الإمام الحسن العسكري؛ لكونهم الأعلم
بمجريات الحدث التَّخاطبي للقرآن الكريم، وقد اعتمدنا في هذه الدِّراسة على المنهج
اللغوي، الذي يعتمد على الجملة في تحليله لمقولات اللغة، وذلك عبر تحليلها إلى
مكوناتها الفرديَّة في مستويات اللغة من تركيب ودلالة.
وقد اقتضت طبيعة المادَّة تقسيمها على مقدِّمةٍ تلاها
تمهيد ضمَّ التعريف بالمنهج اللغوي بشكل موجز عبر عرض أهم تعريفاته وأفكاره، ثمَّ
جاء المبحث الأول ليدرس المستوى النحوي، وقد ركَّزنا فيه على حيثيَّة حرف المعنى؛
لما له من خصوبة معرفيَّة في تفسير الإمام الحسن العسكري(عليه السلام). بعده يأتي
المبحث الثاني الذي درس المستوى المعجمي بمظهرين من مظاهر التغيُّر، هما: تعميم
الدَّلالة وهبوطها. وختم البحث بخاتمةٍ ضمَّت أهم النتائج التي توصَّل إليه البحث.
وقد اعتمدت في هذه الدِّراسة على مجموعةٍ من المصادر توزَّعت بين القديم والحديث،
وختاماً لا أدَّعي الكمال فيما سطَّرت؛ لأنَّه نتاج عقل يخطئ ويصيب، فإن ارتقى إلى
درجة القبول فذلك من نعمة الله تعالى، وإن كانت الأخرى فمن نفسي، وحسبي أنِّي بذلت
جهدي، وفوق كل ذي علمٍ عليم.
التَّمْهِيد:
المنهج اللغوي، هو واحد من المناهج المهمَّة في تحليل
الخطاب[1]،
وماهية الدِّراسة فيه تتمحور حول الجملة، فيتَّخذُ منها مسرحاً لإعمال تقنياته
التحليلية، فيصف المستويات اللغوية فيها من صوتٍ وصرفٍ وتركيبٍ ودلالة، واشتغاله
على الجملة لا يعني توقفه عند حدود التركيب العام لها؛ بل إنَّه يُفكِّك هذه
الجملة إلى مكوناتها الأوليَّة من الكلمات فيقف عند حدود كلِّ كلمةٍ، باحثاً عن
علاقاتها مع بني جنسها من الكلمات الأخرى في داخل الجملة، ولا يعزلها عن ظروف
انتاجها والملابسات التي صاحبت تكوين حدثها. وقد أشار إلى هذا المنهج في تحليل
الخطاب كل من (ديبورا شيفرن)[2]،
وديبوا (Dubois) وآخرون[3].
ومصطلح (الملفوظ) تتعامل معه المعجمات اللسانية على وفق
مجموعةٍ من التصورات أهمُّها ما قيل فيه بأنَّه: «كلُّ تتابع منتهٍ من الكلمات
للسانٍ مرسلٍ عبر متكلِّم واحدٍ أو عدَّة متكلِّمين، وانتهاؤه يكون بمدَّةٍ أو
وقفةٍ زمنيةٍ من السكوت قبل تتابع الكلمات وبعده، والملفوظ بهذا المعنى يمكن أن
يكون لفظاً واحداً أو مجموعةً من الألفاظ، والملفوظ بهذا المعنى يمكن أن يكون
نحوياً أو دلالياً أو أدبياً وغير ذلك»[4].
وهذا التعدد بالتصور المعجمي تبعه تعددٌ بالتعريفات
الاصطلاحية للملفوظ، فهو بحسب رؤية بنفينيست (E. Benveniste): «مجموع الوقائع الكلامية أو اللغوية التي
يؤدِّيها المتكلم، وهو تمثيل جزئي للتلفظ يأتي به المتلفظ مؤكِّداً أو آمراً أو
مفترضاً»[5]،
وقد نظر إليه «من جهة اشتغاله في التواصل»[6].
أمَّا لانس (Lynes) فقد نظر إلى
الملفوظ على أنَّه وحدةٌ قابلة للوصف اللساني، ولم يبتعد هاريس (Z.Harris) عن هذا
المعنى عندما عرَّف الملفوظ بأنَّه كلُّ جزءٍ من أجزاء الكلام يؤدِّيه متكلم ما،
وقبل هذا الجزء وبعده يوجد صمت من لدن هذا المتكلم[7]،
ويرى لويس هلمسليف (Helmslife) أنَّ
الملفوظ: «كلُّ مادَّةٍ لسانيةٍ مدروسةٍ تشكِّل نصّاً يكون قابلاً للتحليل إلى
صفات هي نفسها قابلة للتجزئة إلى أقسام، وهكذا إلى أن تنتهي إمكانية التقسيم»[8].
ويظهر ممَّا تقدَّم من التعريفات أنَّ مصطلح الملفوظ
يُستعمل مرادفاً للجملة أو مجموعة من جملٍ متتالية[9]، أو
بما هو جزء من الجملة قابل للوصف اللساني؛ ولذلك هو وحدة متكاملة دلاليّاً لها
تجليات كثيرة[10]،
على أنَّ كثيراً من المصادر اللسانية ترى أنَّ الملفوظ بمفهومه العام مرادفٌ
للجملة[11].
وهناك من فرَّق بين الجملة (phrase) والملفوظ (enonce)، وهو أوز فولد ديكرو (O. Ducrot) فقال: أنا
أقصد بمصطلح (جملة) كياناً تجريديًّا ونظريّاً خالصاً في هذه الأحوال، وهي مجموع
الكلمات المركبة حسب القواعد النحوية، ومجموع مأخوذ خارج عن كلِّ وضعية خطابية،
وما ينتجه المتكلم وما يسمعه المخاطب ليس بجملة، ولكنَّه ملفوظ خاص بالجملة[12]،
وبذلك تكون الجملة أكبر وحدة قابلة للوصف النحوي كما قرره بلومفيلد (Bloomfield)[13]، في حين
يكون الملفوظ أكبر وحدة قابلة للوصف اللساني[14].
وأجدني أميل إلى وصف ديكرو؛ لأنَّه الأقرب إلى معنى
الخطاب الذي يعني الانجاز في ضوء المعطيات العامَّة لسياق التخاطب، والخطاب ليس من
شأنه البحث عن المفهوم التجريدي للجملة الذي لا يخرج عن التصور الذهني لنظام
اللغة. وهذا التفريق بين الجملة والملفوظ يذكرنا بتفريق سوسير في ثنائياته بين
اللغة والكلام، فاللغة عنده هي النظام ومحلُّه الذهن، وأمَّا الكلام، فهو التمثيل
الواقعي لذلك النظام. فالجملة نظريّاً نوعان[15]:
1. (جملة – نظام) «system sentence: وهو شكل
الجملة المجردة الذّي يولِّد جميع الجمل الممكنة والمقبولة في نحو لغة ما.
2. (جملة – نصية) (:(Texte sentenceوهي الجملة المنجزة فعلاً في المقام، وفي هذا المقام
تتوفر ملابسات لا يمكن حصرها، يقوم عليها الفهم والإفهام، وهذا المفهوم يقترب
ممَّا حدَّه كل من غريماس (Greimas) وكورتاس (courtes)[16]. وهو لا
يختلف عمَّا نعدُّه ملفوظاً بما يُشكِّل جزءاً من الخطاب.
فالملفوظ: «إنتاج إجرائي وعملي، لساني واجتماعي، أما
الجملة فإنَّها تنتمي إلى بنية نظرية مجردة ومستقلة، خاضعة للوصف النّحوي، فإذا
أخذنا جملة ما وجرّدناها من كلِّ سياق فهي تعد جملة، وأمَّا إذا سُجِّلت في سياق
معيَّن فهي ملفوظ»[17]،
وهذا المفهوم هو ما نتبنَّاه في هذا الفصل من الدِّراسة.
أمَّا طريقة التحليل في هذا المنهج فسنعتمد على الإطار
المنهجي الذي أقرَّه فان ديك (Van
Dijk) بقوله: حتَّى يمكننا الوصول إلى فهم ملفوظٍ معيَّن، يجب أولاً
معرفة الدَّلالة اللسانية للملفوظ، وذلك بالاعتماد على معرفة دلالة مكوناته
الحرفية، ثمَّ ربط هذه الدَّلالة بالسياق الذي ورد فيه، والوضعية الخطابية التي
أُنتج فيها، ثمَّ معرفة الدَّلالة المقصودة من طرف المتكلِّم، التي يمكن الوصول
إليها عن طريق معرفة دلالة الملفوظ وربطها بـ القواعد الحواريَّة (converationnelles les
maximes)،
وببعض المقاصد الأخرى[18].
وعلى وفق هذه الرؤية سندرس في هذا الفصل تحليل الخطاب
القرآني في ضوء ما ورد من تفسير للإمام العسكري (عليه السلام)،
وسنعتمد في الوصول إلى ذلك على مستويين: نحوي، ومعجمي، بحسب العينات المتوفِّرة
وبحسب ما يقتضيه المقام من الاختصار.
المبحث الأوَّل: الْمُسْتَوَى النَّحْوِي
فِي تَحْلِيلِ الخِطَابِ القُرْآنِي عِنْدَ الإِمَامِ العَسْكَرِي (عَلَيهِ
السَّلَامُ)
اللغة ليست مجرَّد كلماتٍ مرصوفةٍ جنباً إلى جنب؛
وإنَّما هي معانٍ صُبَّت في قوالبٍ من الألفاظ فاشتبكتا معاً بحسب الوضع اللغوي،
فتشكَّل إثر ذلك رمزٌ يشير إلى صورةٍ واقعيَّةٍ أو ذهنيَّةٍ، وقيمة هذه الرموز
تكمن فيما ينشأ بينها من علاقاتٍ إثر رصفها بعضها بعضاً. فالرمز المفرد لا يؤدِّي
الفائدة التواصليَّة المرجوة منه إلَّا إذا ضُمَّ إلى آخر ينسجم معه بحسب نظام
اللغة، ويتَّسق مع غرض المتكلم، بحيث يصبح مشاركةً تواصليةً يُحسن السكوت عليها.
واللغة على هذا الأساس «عبارة عن مجموعةٍ من العلاقاتٍ
الحيَّةِ المتنامية، وليست مجرَّد رصفٍ للألفاظ بلا تعلُّق فيما بينها، وأنَّ هذه
العلاقاتِ تبرز عن طريق الصنعة التي يُستعان عليها بالفكرة والروِّية والذوق»[19]،
وهذا يجعلها تنتقل من الدائرة العفوية إلى مرحلة الوعي الإبداعي، وهو ممَّا لا
يمكن أن ينحصر في البنية الإفراديَّة للألفاظ؛ بل لابدَّ من تجاوزه إلى التشكيل
التركيبي[20]،
فينتج عن ذلك وجوه تركيب الكلام وتأليفه؛ إذ لا فصل بين الألفاظ ومعانيها، ولا بين
الصورة ومحتواها الواقعي أو الذهني، ولا بين الشكل والمضمون[21].
فأيُّ لغةٍ «إنَّما تتمثَّل بالمفردات أولاً، ثمَّ
بالتراكيب ثانياً، والتراكيب هي محط الفائدة التي يتوخَّاها المتكلم ويتطلبها
المتلقي»[22]،
على أنَّ لكلِّ لغةٍ نظامها الخاص في «تأليف الكلمات وتركيبها، وهذا النظام يُعرف
من مواقع بعض الكلمات من بعض في الجملة، وللعربية نظامها الخاص في ذلك، والجملة هي
التي تشكِّل تركيباً مفهوماً»[23].
ومن هنا ينبثق موضوع علم النحو الذي هو: «علم بقوانين
يعرف بها أحوال التراكيب العربية في الإعراب والبناء وغيرهما»[24]،
والتركيب ما تركَّب «من كلمتين أُسندت إحداهما إلى الأخرى»[25]،
أوهو «ضمُّ كلمةٍ إلى أُخرى فأكثر»[26]،
أو هو إلفة تنشأ بين جزأين[27].
ومن المحدثين من عرَّف التركيب بأنَّه ما يُقابل المفرد و«يشمل ما تركَّب من
كلمتين أو أكثر وأصبح لهيأته التركيبية سمة خاصة يعرف بها، ويؤدِّي وظيفة نحوية»[28].
والتركيب بصفته التجريدية خارج نطاق التحليل الملفوظي للخطاب كما قُرِّر في موضعه؛
بل يكون البحث عن مكونات الجملة بما تُشكِّل حدثاً تواصليّاً داخل المحاورة في
الاتِّصال اللغوي، مع انعام النظر في المقام الذي أُنتج فيه الملفوظ. وما نقصده من
مغادرة المفهوم التجريدي في التحليل هو عندما يكون لذاته من دون ربطٍ بالواقع
التواصلي، وأمَّا لو كان للمحتوى التجريدي الذهني لتركيب الملفوظ أثرٌ في بيان
قصدية الخطاب فعند ذلك يكون آليةً فاعلةً في التحليل الملفوظي؛ لأنَّه سيكون في
هذه الحالة أداةً من أدواته يسعى عن طريقها إلى خدمة غرضه المنشود وهو اكتشاف
إنجازية الخطاب، وليس بيان البنية التجريدية بما هي افتراضات خارج نطاق الاستعمال.
وقد رسَّخ النُحاة العرب البحث النحوي على دعامتين: الوظيفة والدَّلالة[29]،
وهاتان الوظيفتان عندما تتواشجان ينتجان القصدية التواصليَّة في حالة الانجاز.
وسنحاول بيان بعض الأمثلة التي حلَّل فيها الإمام
العسكري(عليه السلام) الخطاب القرآني بالاعتماد على المستوى النحوي بوصفه أحد
المستويات اللغويَّة المهمَّة في اكتشاف قصديَّة الخطاب، على أنَّنا سنركز على
محورية حرف المعنى؛ لما شكَّل من ظاهرةٍ جليَّة في تفسير الإمام العسكري (عليه
السلام).
أوَّلاً: مِحْوَرِيَّةُ حَرْفِ المَعْنَى بَينَ
تَوْجِيهِ الإعْرَابِ وَصِيَاغَةِ المَعْنَى
يستمدُّ (حرف المعنى) وجوده من التركيب الذي تنتظم في
ضوئه مكونات الجملة؛ فيأخذ أثراً في بناء الترابط بين المكونات بحسب النظام الذي
يستدعيه الغرض من إلقاء الجملة، وغالباً ما تكون الريادة بعد رصف الموادِّ
اللغويَّة للفظةٍ تُشكِّل المحور في بناء الجملة، وحيازتها على هذا المركز الخطير
متأتٍ ممَّا تحمل هذه اللفظة من سماتٍ معجميَّةٍ أو عرفيَّة أو قدسيَّةٍ دينيَّة
تمنحها السلطة في تكوين مسارات التركيب والمعنى. ومن هنا ينبثق سؤالٌ مفاده أنَّ
هذا الأصل يشمل أنواع الكلمة الثلاثة أم أنَّه مقصورٌ على الاسم والفعل من دون
الحرف، أمَّا أمثلته في الاسم والفعل فواضحة وظاهرة وهي غير خفيَّة.
أمَّا تمثَّلات هذا الأصل في الكلام على مستوى حرف
المعنى فتكاد تكون غير متَّفق عليها أو غير معترفٍ بها؛ لما قُيِّد حرف المعنى
منذُ انبثاق الدِّراسات اللُّغويَّة بعدم استقلاليَّته بالمعنى بنفسه، وإنَّما جعل
الباحثون الأوائل معناه في غيره، وقد أجمع جُلُّهم على ذلك مكتفين بإسناد وظيفة
الربط للحرف، وقد تواترت كلماتهم في ذلك، وممَّا جاء منها:
أجمع النحويون[30] على
أنَّ تعريف (حرف المعنى): هو «مَا دلّ على معنى فِي غَيره»[31]
نَحْو قَوْلك: «أخذت درهماً من مَال زيد، فـ (من) تدخل للتَّبْعِيض لِلْمَالِ،
وَالْبَعْض هُوَ الدِّرْهَم من المَال»[32]،
والحرف «لم ينفك من اسم أو فعل يصحبه إلَّا في مواضع مخصوصة حذف فيها الفعل واقتصر
على الحرف فجرى مجرى النائب، نحو قولهم: نعم وبلى وإي وإنه ويا»[33]،
«وَلَفظ (دلّ) أوْلى من قَوْلك: (جَاءَ)؛ لِأَن الْحُدُود الْحَقِيقِيَّة دَالَّة
على ذَات الْمَحْدُود بهَا، وَقَوْلنَا: (مَا جَاءَ لِمَعْنى) بَيَان الْعلَّة
الَّتِى لأَجلهَا جَاءَ وَعلة الشَّيْء غيرُه»[34]،
أمَّا معنى قولهم: (يدل على معنى في غيره) فذلك «أنَّ دلالة الحرف على معناه
الإفرادي متوقفة على ذكر متعلقه، بخلاف الاسم والفعل؛ فإنَّ دلالة كلٌّ منهما على
معناه الإفرادي غير متوقفة على ذكر متعلق، ألا ترى أنَّك إذا قلت: الغلام فُهِم
منه التعريف، ولو قلت (ال) مفردة لم يُفهم منه معنى، فإذا قُرِن بالاسم أفاد
التعريف»[35]،
وهناك من عرَّفه بصيغةٍ أُخرى مع الاتِّحاد بالمفهوم فقال: «وَإِن شِئْت اعتبرته
بامتناع حد الِاسْم وَالْفِعْل مِنْهُ، أَو بامتناع خواصِّهما مِنْهُ»[36]،
وهناك من عرَّفه بالنظر إلى وظيفته في التركيب فقال: «هو ما كان موصلاً الفعل إلى الاسم، أو عاطفاً، أو تابعاً، لتحدث به المعرفة أو كان عاملاً»[37].
وقد خرق الإجماع المتقدِّم الشَّيْخ بهاء الدّين بن
النّحاس (ت: 698 هـ) فذهب إلى أنَّ (حرف المعنى) يدلُّ على معنى في نفسه، وعلَّل
ذلك بقوله: «لِأَنَّهُ إِن خُوطِبَ بِهِ من لَا يفهم مَوْضُوعه لُغَة فَلَا دَلِيل
فِي عدم فهم الْمَعْنى على أَنَّه لَا معنى لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَو خُوطِبَ
بِالِاسْمِ وَالْفِعْل وَهُوَ لَا يفهم موضوعهما لُغَة كَانَ كَذَلِك، وَإِن
خُوطِبَ بِهِ من يفهمهُ فَإِنَّهُ يفهم مِنْهُ معنى عملاً بفهمه مَوْضُوعه لُغَة،
كَمَا إِذا خُوطِبَ بـ (هَل) من يفهم أَن موضوعها الِاسْتِفْهَام، وَكَذَا سَائِر
الْحُرُوف، قَالَ: وَالْفرق بَينه وَبَين الِاسْم وَالْفِعْل أَنَّ الْمَعْنى
الْمَفْهُوم مِنْهُ مَعَ غَيره أتم من الْمَفْهُوم مِنْهُ حَال الْإِفْرَاد
بخلافهما، فالمفهوم مِنْهُمَا فِي التَّرْكِيب عين الْمَفْهُوم مِنْهُمَا فِي
الْإِفْرَاد»[38].
وأجدني أميل مع الشيخ النحاس فيما خالف به النُحاة، ذلك
أنَّ الحرف يمتلك معنًى بنفسه، وهو ظاهر لكلِّ من له معرفة باستعمالاته؛ إلَّا
أنَّ بيانه أشدُّ وأظهر داخل النظام والتركيب، ويمكن أن نلمَس ذلك في حروف المعنى
(على، من، إلى، في...الخ)، فهذه الحروف تحمل معنًى بنفسها بعيداً عن التركيب، وإذا
دخلت التركيب ظهر معناها بوضوحٍ أكثر. على أنَّ قيد دلالة الحرف على معنى بغيره لم
يذكره أقدم نصٍّ عُرف بين النحاة في تحديد معنى الحرف، وهو ما ورد عن أمير
المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام)
(ت: 40 هـ) عندما حدَّ الحرف بقوله: «ما أنبأ عن معنى ليس باسم ولا فعل»[39]،
فأمير المؤمنين(عليه السلام) ينصُّ على أنَّ للحرف معنى ينبئ به، وقد تابعه في ذلك
سيبويه (ت: 180 هـ) بقوله: «فالكَلِم: اسمٌ، وفِعْلٌ، وحَرْفٌ جاء لمعنًى ليس باسم
ولا فعل... نحو: ثُمَّ، وسَوْف، وواو القسم ولام الإضافة، ونحوها»[40].
فسيبويه في هذا النص أثبت المعنى للحرف من دون الإشارة
إلى أنَّ معناه بغيره، والأصل عدم التقييد، ومن هنا فإنَّنا نقرأ كلام سيبويه
باحتواء (حرف المعنى) على معنًى بنفسه وإن كان بدرجةٍ أقل من قرينيه الاسم والفعل،
وهذا بعينه ما ذهب إليه الدكتور عبد الهادي الفضلي الذي رأى أنَّ حروف المعاني
تدلّ على معانيها في نفسها وهي مُنفردة، فحين تقول: (إلى)، تَفهمُ أنّه بمعنى بلوغ
الغاية، و(على) بمعنى العُلوّ، و(لن) بمعنى النفي؛ ولكن معناها هذا مُقيّد وليس
مُطلَقاً، مُقيّد بالسياق الذي ترِد فيه، وإنّما وجدت الحروف لتؤدِّي معاني
الألفاظ المتعلّقة بها، وليس لتؤدّي معناها الذاتي؛ لأنّه معنًى غيرُ مكتملٍ[41]،
وإلى مثل هذا ذهب الدكتور صباح عباس السالم عندما عرَّف الحرفَ بأنَّه «أداة تدل
على معنى مبهم إنْ أُفردتْ، ومخصَّص إنْ ركِّبت في جملة»[42].
أمَّا علماء الأصول فمنهم من انتهى إلى أنَّ الحرف يمتلك
معنًى بنفسه ولكن ليس بما موجود بالاسم والفعل، وممَّن قال بهذا السيد أبو القاسم
الخوئي (قدس سره) الذي ناقش الآراء المتعدِّدة بالحرف وانتهى إلى أنَّ الحرف قبال
الاسم يمتلك معنى بنفسه في عالم التجرد العقلاني، فهي غير مستقلة، بخلاف المعاني
الاسمية والفعليَّة[43].
ومن هنا، فإنَّنا نرفض ما ذهب إليه الدكتور تمام حسَّان
الذي ذهب إلى أنَّ حروف المعاني كلمات وظيفية تعبِّر عن العَلاقات الداخلية بين
أجزاء الجملة، وهي عَلاقات سياقيّة لها فعل نحويّ أكثر منه لغويّ، ولذا فإنَّها لا
تمتلك معنًى مُعجمياً؛ بل لها معنًى وظيفيٌ عام هو التعلّق[44]،
وكذلك ما صرَّح به الدكتور مهدي المخزومي، الذي عدل عن مصطلح الحرف إلى الأداة،
وعرَّفها بأنَّها ما لا تدلُ على معنًى إلَّا في أثناء الجملة، وإذا ما أُخذت
مفردة غير مؤلفة فليس لها دلالة على معنى[45]،
وأجده في حدِّه هذا متأثِّراً بالرضي الاسترابادي (ت: 688 هـ) الذي قال عن الحرف
بأنَّه: «فالحرف وحدَهُ لا معنى له أصلاً؛ إذ هو كالعلم المنصوب بجنب شيء، ليدل
على أنَّ في ذلك الشيء فائدة، فإذا انفرد عن ذلك الشيء بقي غير دال على معنى
أصلاً»[46].
وبعد هذا المخاض، فإنَّنا يمكن أن نجيب عن التساؤل الذي
قدَّمناه في بداية الحديث عن إمكانية تلبُّس (حرف المعنى) وظيفة المحور في بناء
التركيب وصناعة المعنى؛ لكونه كلمةً تحمل نسبةً من المعنى بنفسها، وهي نسبةٌ لا
يُستهانُ بها، وهذا يؤهله لأن يكون عمدةً في بناء معنى الجملة، وتكون قصدية
المتكلِّم متمحورةً حول المعنى الذي يؤدِّيه أو المعنى الذي يصنعه داخل التركيب،
أمَّا باقي مكونات الجملة فتكون معضِّده للقصديَّة المترشِّحة من (حرف المعنى).
وهذا الأصل نجد له أمثلةً متعدِّدةً في الخطاب القرآني، ويمكن ملاحظته بتحليل الإمام
العسكري (عليه السلام) للخطاب القرآني، وسنبحث ذلك في حرفين على النحو الآتي:
1. (لَعَلَّ) بَين اسْنَادِ رَجَائِهَا
إِلَى المُخَاطَبِ وَاسْتِعْمَالَهَا مَجَازاً:
(لعلَّ)، من الأحرف المشبَّهة بالفعل التي تنسخ
الابتداء، وقد اختلف في عملها فالبصريون ذهبوا إلى أنَّها تنصب المبتدأ اسماً لها
وترفع الخبر خبراً لها[47]،
وخالفهم الكوفيون فقالوا بأنَّ هذه الأحرف لا تعمل عملين وإنَّما عملها في المبتدأ
فقط[48].
و(لعلَّ) في أصل وضعها تفيد تَوقُّع شيءٍ مَرجوٍّ أو
مَخوفٍ[49]،
فتكونُ في الترجّي للمَرجوِّ المَحبوب، وللإشفاقِ في المخوفِ المكروه[50]،
وتختصُّ بالْمُمْكن الْمُتوَقّع[51]،
وهي لا تدل على قطع أنَّه يكون أو لا يكون؛ بل هي طمع أن يكون، وإشفاقاً من ألَّا
يكون[52]،
وهذا «المعنى ممَّا يستحيل صدور مثله عن الإله تعالى؛ لانطوائه بالضرورة على الجهل
بعاقبة الأمر المتوقَّع، ألا ترى أنَّ العالم بعاقبة الأمر إنَّما يكون متحققاً لا
متوقعاً له»[53].
وقد تخرُج عن دَلالتها الأصليّة إلى دَلالاتٍ أخرى تُفهم من السياق الذي ترد فيه.
وحرف المعنى (لعلَّ) له في الخطاب القرآني «حضورٌ
متميِّز يلفت النظر بتواتره، بدخوله في أسلوب قرآنيٍّ مخصوصٍ فيه ذكر من الله
تعالى لأفضاله على عباده، يعقبه رجاءٌ منه أن يستقيموا وأن يُصلحوا بمثل قوله: (لَعَلَّكُمْ
تَتَّقُونَ)، (لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ)، (لَعَلَّهُمْ
يَشْكُرُونَ)... ويطرح هذا الحرف في تعبيره إشكالاً تأوليّاً»[54]
ممَّا دفع المفسِّرين إلى البحث عن تفسيرٍ للموارد التي وردت بها (لعلَّ) على لسان
الباري (جلَّ شأنه)، وقد كان السبق لأهل البيت (عليهم السلام) في بيان ذلك؛ إذ
خرَّجوها بمسارين: الأول، إسناد الرجاء إلى المخاطب لا المتكلم (الله تعالى)،
والآخر، خروج (لعلَّ) عن معناها الأصلي إلى معنًى آخر.
وممَّا ورد في تفسير الإمام العسكري(عليه السلام) بخصوص
لعلَّ ما ورد بقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي
خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) [البقرة:
21]. فــ (لعلَّ) في هذه الآية الكريمة حلَّلها الإمام الحسن العسكري (عليه
السلام) بوجهين: «أحدهما خلقكم وخلق الذين من قبلكم لعلّكم - كلّكم تتّقون أي
لتتّقوا، كما قال الله تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا
لِيَعْبُدُونِ) [الذاريات: 56]. والوجه الآخر، اعبدوا ربَّكم الذي خلقكم
والذين من قبلكم، أي اعبدوه لعلّكم تتّقون النار، ولعلّ من الله واجب؛ لأنَّه أكرم
من أن يعني عبده بلا منفعة ويطمعه في فضله، ثمّ يخيّبه، ألا تراه كيف قبَّح من عبد
من عباده إذا قال لرجلٍ: أخدمني لعلّك تنتفع بي وبخدمتي، ولعلّي أنفعك بها،
فيخدمه، ثمّ يخيّبه ولا ينفعه، فإنَّ الله (U) أكرم في أفعاله، وأبعد من القبيح في أعماله
من عباده»[55].
فالإمام الحسن العسكري (عليه السلام) ينتهي بـ (لعلَّ)
إلى توجهين يسيران باتِّجاهين مختلفين: الأول، يجعلها فيه بمعنى التعليل، وبذلك
تكون العلة من خلق النَّاس حتَّى يكونوا مُتَّقين، والآخر، جعلها فيه بمعنى
الترجِّي على أن يكون من طرف النَّاس لا من طرف الله تعالى؛ لأنَّ هذا المعنى لا
يناسبه، ثمَّ علَّل ذلك بتعليل لم أجد شبيهه عند المفسِّرين، وذلك قوله: «لأنَّه
أكرم من أن يعني عبده بلا منفعة ويطمعه في فضله، ثمّ يخيّبه، ألا تراه كيف قبَّح
من عبد من عباده إذا قال لرجلٍ: أخدمني لعلّك تنتفع بي وبخدمتي، ولعلّي أنفعك بها،
فيخدمه، ثمّ يخيّبه ولا ينفعه، فإنَّ الله (U) أكرم في أفعاله، وأبعد من القبيح في أعماله
من عباده»، فــ (لعلَّ) حينما يترجَّى العبد بها الله تعالى أو يأمره بترجيه بــ
(لعلَّ) فإنَّها تخرج عن موضع الشكِّ إلى اليقين، ويكون معناها واقعاً وليس
معلَّقاً بالرجاء وغيره؛ إذ لو أدَّى العبد ما عليه فإنَّ الله تعالى حتماً
ويقيناً سيُحقِّق له مراده؛ لأنَّ عكس ذلك يقبح من الإنسان الاعتيادي فكيف بواجب
الوجود تعالى عن ذلك علواً كبيراً.
ولا يوجد تعارض بين الوجهين؛ بل نراهما منسجمين يؤدِّي
أحدهما إلى الآخر، فالأول، المتضمِّن علة خلق النَّاس لأن يكونوا مُتَّقين فهذا لا
إشكال فيه؛ لأنَّ الله تعالى يريد من الإنسان أن يتكامل إلى أعلى الدَّرجات ولا
يوجد طريق إلى ذلك بغير التقوى، وأمَّا الآخر، فهو مُسلَّمة لا نقاش عليها؛ لأنَّ
العبد إذا اتقى الله تعالى كان حقاً عليه سبحانه أن يؤجره على ذلك، والمحصِّلة
أنَّ الله تعالى خلق الناس ليكونوا متَّقين، وإذا ما اتَّقوا فحتماً سينالون
جزاءهم من الله تعالى بلا نقصان.
وقد وقف عند هذه الآية الكريمة جمع من المفسِّرين، فذهب
الطبري (ت: 310) إلى أنَّ (لعلَّ) تفيد التعليل في هذا الموضع ونفى أن تكون بمعنى
الترجِّي المؤدِّي إلى الشكِّ فقال: «فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ: فَكَيْفَ قَالَ
جَلَّ ثَنَاؤُهُ: (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) أَوَلَمْ يَكُنْ عَالِماً بِمَا
يَصِيرُ إِلَيْهِ أَمْرُهُمْ إِذَا هُمْ عَبَدُوهُ وَأَطَاعُوهُ، حَتَّى قَالَ
لَهُمْ: لَعَلَّكُمْ إِذَا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ أَنْ تَتَّقُوا، فَأَخْرَجَ
الْخَبَرَ عَنْ عَاقِبَةِ عِبَادَتِهِمْ إِيَّاهُ مَخْرَجَ الشَّكِّ؟ قِيلَ لَهُ:
ذَلِكَ عَلَى غَيْرِ الْمَعْنَى الَّذِي تَوَهَّمْتَ، وَإِنَّمَا مَعْنَى ذَلِكَ: (اعْبُدُوا
رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ) [البقرة: 21]،
لِتَتَّقُوهُ بِطَاعَتِهِ وَتَوْحِيدِهِ وَإِفْرَادِهِ بِالرُّبُوبِيَّةِ
وَالْعِبَادَةِ»[56]،
وتابعه غير واحدٍ في النصِّ على أنَّ (لعلَّ) في هذا الموضع تفيد التعليل بمعنى
(كي)[57]،
وذهب فريق آخر إلى أنَّ (لعلَّ) هنا بمعنى الترجِّي وهي عائدة على الخلق لا
الخالق، فقال: «لكي تتقوا النار في ظنِّكم ورجائكم؛ لأنَّهم لا يعلمون أنَّهم
يوقون النار في الآخرة؛ لأنَّ ذلك من علم الغيب الذي لا يعلمه إلَّا الله، قال:
لعلَّكم تتقون ذلك في ظنِّكم ورجائكم، وأجري (لعلَّ) على العباد دون نفسه تعالى
الله عن ذلك... و(لعل) في الآية يجوز أن تكون متعلقة بالتقوى، ويجوز أن تكون
متعلقة بالعبادة في قوله: (اعبدوا) وهو الأقوى»[58]،
وقيل: «خلقكم لتتقوه وتعبدوه... وقيل: معناه اعبدوه لتتقوا، وقيل: معناه لعلَّكم
تتقون الحرمات بينكم، وتكفون عما حرم الله»[59]؛
«لأن (لعلَّ) بمعنى لام كي وعند المفسرين (لعلَّ) من الله واجب، فإذا كان خلق
جميعهم للتقوى فقد أراد من جميعهم التقوى»[60]،
وقيل أيضاً في هذا المجال: «كونوا على رجاء وطمع أن تتقوا بعبادتكم عقوبة الله أن
تحلَّ بكم»[61].
ولم يخرج المفسِّرون عمَّا قرَّره الإمام الحسن
العسكري(عليه السلام)؛ إذ توزَّعوا ما بين مؤيِّد لإحدى الرؤيتينِ اللتينِ
أقرَّهما، أو مرجِّحٍ لكليهما. وقد شاهدنا كيف استحوذ حرف المعنى (لعلَّ) على
النصِّ الذي ورد فيه بحيث شغل أذهان المفسِّرين، وعليه توقَّف فهم القصدية من
الآية الكريمة، وما ذلك إلَّا لكونه شكَّل المحور في بناء قصدية النصِّ بما يمتلك
من بُعدٍ تركيبيٍّ ومعنويٍّ.
2. (أو) مِنْ شَكِّ المُتَكَلِّمِ إلَى
إِيهَامِ المُخَاطَبِ:
(أو) حرف عطفٍ وضع للدَّلالة على أحد الشيئين المذكورين
معها، ولذلك وقع في الخبر المشكوك فيه، من حيث كان الشك تردداً بين أمرين من غير
ترجيح لأحدهما على الآخر[62]،
«ومذهب الجمهور أنَّها تشرك في الإعراب، لا في المعنى، لأنَّك إذا قلت: قام زيد أو
عمرو، فالفعل واقع من أحدهما»[63]،
وفضلاً على دلالتها الأصلية على الشكِّ فإنَّها تدلُّ على معانٍ أُخرى، منها:
الإبهام، والفرق بينه وبين الشك «أنَّ الشكَّ من جهة المتكلم، والإبهام على
السامع»[64]،
والتخيير، والإباحة، «والفرق بينهما جواز الجمع في الإباحة، ومنع الجمع في
التخيير»[65]،
وبمعنى (إلَّا أنَّ)، وبمعنى الواو، وبمعنى تبيين قسمة، وبمعنى (بل) في الإضراب،
ومعنى (ولا)[66]،
وبمعنى (إلى)، وبمعنى التقريب، وبمعنى الشّرطِيَّة، وبمعنى التبعيض[67].
وعلى الرغم من كثرة هذه المعاني إلَّا أنَّ دلالتها الأصليَّة هي الشك، وقد سبقت
الإشارة إلى أنَّ الشكَّ يكون من جهة المتكِّلم، ومن هنا يبرز الإشكال في كيفيَّة
ورودها في كلام الله تعالى في القرآن الكريم، وهو لا يجوز عليه الشك؛ بل هذا الأمر
ممتنع عليه تعالى، وعلى الرغم من ذلك نجد هذه الأداة بوفرة في الخطاب القرآني،
وممَّا وردت فيه: (أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ) [البقرة: 19]، وقوله
تعالى: (وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ) [الصافات:
147]، وقوله تعالى: (وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ
مُبِينٍ) [سبأ: 24]، وقوله تعالى: (فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى)
[النجم: 9]، وقوله تعالى: (وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ
أَوْ هُوَ أَقْرَبُ) [النحل: 77]...الخ ممَّا ورد من الآيات، وسنعمل على قراءة
قصديَّة هذه الأداة في الخطاب القرآني عند الإمام العسكري (عليه السلام)، وسنعتمد
على قوله تعالى أنموذجاً في ذلك: (ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ
فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا
يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ
مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ الله وَمَا الله
بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) [البقرة: 74]. وهذه الآية الكريمة قد أخذت
جانباً مهمّاً من اهتمام مفسِّري القرآن الكريم وأهل اللغة؛ لما تحمل من مفارقةٍ
في الدَّلالة والاستعمال، وقد وقفوا عندها كثيراً، وممَّا قالوا فيها: إنَّها
بمعنى (بل) أي: بل أشدُّ قسوة[68]،
«لِتَوَفُّرِ شَرْطِهَا وَهُوَ كَوْنُ مَعْطُوفِهَا جُمْلَةً»[69]،
ولذلك ارْتَفع أَشدُّ وَهو لَيْسَ بنسقٍ على الْحِجَارَة[70]،
أي على أنَّه خبر المبتدأ، وقيل هي للإباحة[71] على
معنى «إِن شبهتم قُلُوب هَؤُلَاءِ بِالْحِجَارَةِ أصبْتُم، أَو بِمَا هُوَ أَشد
قسوة من الْحِجَارَة أصبْتُم، وَإِن شبهتم قُلُوبهم بِالْحِجَارَةِ وَمَا هُوَ
أَشد قسوة مِنْهَا لم تخطئوا»[72]،
وهناك من منع هذا المعنى بقوله: «وعندي أنَّ (أَوْ) لم توضع للإباحة في شيء من
الكلام؛ ولكنَّها على بابها»[73]،
وقيل: هي للتخيير[74]
على معنى «إن قلت: إنَّ قلوبهم كالحجارة جاز، وإن قلت: إنَّها أشدُّ قسوة جاز»[75]،
وهو قول حسن[76]؛
«لأنَّ الغرض الإخبار عن قلوبهم بصلابة يبالغ فيها، فتشبيههم إيَّاها بالحجارة؛
لأنَّها من الموصوفات بالصلابة صحيح، وتشبيههم إيَّاها بما هو أصلب منه صحيح»[77]،
والفرق بين الإباحة والتخيير هو «أَنَّ التَّخْيِيرَ فِيمَا أَصْلُهُ الْمَنْعُ،
ثُمَّ يَرِدُ الْأَمْرُ بِأَحَدِهِمَا لَا عَلَى التَّعْيِينِ، وَيَمْتَنِعُ
الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا، وَأَمَّا الْإِبَاحَةُ فَأَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْهُمَا
مُبَاحاً وَيَطْلُبَ الْإِتْيَانَ بِأَحَدِهِمَا وَلَا يَمْتَنِعُ مِنَ الْجَمْعِ
بَيْنَهُمَا، وَإِنَّمَا يَذْكُرُ بِـ (أَوْ) لِئَلَّا يُوهِمَ بِأَنَّ الْجَمْعَ
بَيْنَهُمَا هُوَ الْوَاجِبُ»[78]،
وقال آخرون: للتفصيل والتمييز[79]
على معنى «بعضها كالحجارة وبعضها أشدّ قسوة، أي هي ضربان: ضرب كذا أو ضرب كذا»[80]،
وهو أحسن الأقوال[81]،
وقيل: للتنويع، «أَيْ أَنَّ قُلُوبَهُمْ تَارَةً تَزْدَادُ قَسْوَةً، وَتَارَةً
تُرَدُّ إِلَى قَسْوَتِهَا الْأُولَى؛ فَجِيءَ بِـ (أَوْ) لاختلاف أحوال قلوبهم»[82]
وقيل: هي بمعنى الواو[83]،
والألف صلة زائدة[84]،
وهناك من رفض هذا المعنى فقال: «ولا يصلح أن تكون (أو) ههنا بمعنى الواو»[85]،
وقيل: هي للشكِّ على بابها؛ لكنَّ الشكَّ مصروفٌ إلى المخاطب لا إلى المتكلِّم،
على معنى هي كالحجارة أو أشدِّ قسوة عندكم وفي نظركم[86]،
فيكون المعنى «عندكم أيُّها المخاطبون وفي نظركم، أن لو شاهدتم قسوتها لشككتم أهي
كالحجارة أو أشد من الحجارة»[87]،
وقد أُعترض على هذا المعنى بأنَّ فيه إخراج للألفاظ عن أوضاعها الأصليَّة، فهي
إنَّما وضعت ليعبِّر بها المتكلم عمَّا في ضميره وقصده[88]،
«والحق جواز اعتبار السامع في معاني الألفاظ عند امتناع جريها على الأصل بالنظر
إلى المتكلم»[89]،
وقيل: «معنى أن تكون كالحجارة، تنبيها لهم بما يعرفون من قسوة الحجر، ويكون (أَوْ
أَشَدُّ قَسْوَةً) بما يعرفه الله دونهم والله تعالى أعلم به»[90]،
«وَلِكُلٍّ مِمَّا قِيلَ مِنْ هَذِهِ الْأَقْوَالِ الَّتِي حَكَيْنَا وَجْهٌ
وَمَخْرَجٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ»[91].
أمَّا أهل البيت (عليهم السلام) فقد ذهبوا بالآية
الكريمة منحًى آخر، فرفضوا جُلَّ المعاني المذكورة آنفاً واعتمدوا معنًى واحداً
لهذه الأداة، وقد صرَّح بذلك الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) (ت: 260 هـ) في
تحليله للآية السالفة الذكر بقوله: «(أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً) إنَّما هي في
قساوة الأحجار، أو أشد قسوة، أُبهم على السامعين، ولم يبين لهم، كما قال القائل:
أكلت خبزاً أو لحماً، وهو لا يريد به: أنِّي لا أدري ما أكلت؛ بل يريد أن يبهمَ
على السَّامع حتَّى لا يعلم ما أكل، وإن كان يعلم أنَّه قد أكل، وليس معناه: بل
أشد قسوة؛ لأنَّ هذا استدراك غلط، وهو (U) يرتفع عن أن يغلط في خبر، ثمَّ يستدرك على نفسه الغلط؛ لأنَّه
العالم بما كان وما يكون وما لا يكون أن لو كان كيف كان يكون، وإنَّما يستدرك
الغلط على نفسه المخلوق المنقوص، ولا يريد به أيضاً فهي كالحجارة أو أشد، أي وأشد
قسوة؛ لأنَّ هذا تكذيب الأول بالثاني، لأنَّه قال: (فَهِيَ كَالْحِجارَةِ)
في الشدة لا أشد منها ولا ألين، فإذا قال بعد ذلك: (أَوْ أَشَدُّ) فقد رجع
عن قوله الأول: إنِّها ليست بأشد، وهو مثل أن يقول: لا يجيء من قلوبكم خير، لا
قليل ولا كثير، فأَبهم (U)
في الأول حيث قال: (أَوْ أَشَدُّ) وبيَّن في الثاني أنَّ قلوبهم أشد قسوة
من الحجارة، لا بقوله: (أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً)؛ ولكن بقوله: (وإِنَّ
مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْه الأَنْهارُ) أي فهي في القساوة بحيث
لا يجيء منها الخير يا يهود، وفي الحجارة لما يتفجر منه الأنهار، فيجيء بالخير
والغياث لبني آدم»[92].
فالإمام (عليه السلام) حلَّل العطف تحليلاً نحويّاً؛ إذ
رفض المعاني المجازيَّة وتمسَّك بالأصل الذي وضعت من أجله الأداة، وهو الدَّلالة
على أحد الشيئين، على أن يكون الإبهام من جهة المتلقي لا من جهة المتكلِّم، أي
أنَّ المتكلِّم هو من قصد إلى الإبهام على المخاطب على الرغم من معرفته بحقيقة
الخبر، وقد ينبثق إشكال فحواه: كيف يقع هذا الإبهام من الله (U) على خلقه،
وهو إنَّما خاطبهم قصد البيان والإفهام لإقامة الحجة عليهم بما أنزل ويهديهم إلى
سبيل الرشاد؟
وقد قيل في الجواب على ذلك: إنَّما خوطبوا على قدر ما
يجري في كلامهم من إفهام بعضهم بعضاً، أو لعلَّها أُبهمت عليهم في الإخبار؛ لعجزهم
عن بلوغ حقائق الأشياء، وأنَّهم يصلون منها إلى مقاربة، أو أنَّ ذلك غرض كامن في
قصد المتكلِّم؛ إذ قد يُبهم المتكلم؛ لقلة الفائدة في التفصيل، وإن كان عالِماً
بحقيقة الخبر[93].
وهذه الإجابة نُسلِّم بها لو كان الإمام العسكري (عليه
السلام) قد انتهى إلى القول بإفادة الإبهام فقط، وهذا الأمر لم يحدث في تحليل
الإمام (عليه السلام)، فهو عندما قال بإفادة الإبهام للأداة (أو) لم ينتهِ عند هذا
الحد، وإنَّما بيَّن أنَّ هذا الإبهام قد فُسِّر بما تلاه من كلمات، وهو قوله
تعالى: (وإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْه الأَنْهارُ)، وهذا
الأسلوب في الكلام يتضمَّن إثارة المتلقي نحو الحدث في الخطاب، وهو كالمنشِّط أو
المعزِّز الأسلوبي لرفع كفاءة التلقي لدى المخاطب، وآية ذلك أنَّ الخطاب القرآني
عندما بدأ بخبر مبهم، فإنَّ ذلك يؤدِّي بطبيعة الحال إلى أنَّ المتلقِّي ينتبه
ويستحضر قدر ما يستطيع من طاقاته لاستقبال الحدث والتفكِّر بماهيَّته؛ لأنَّه لم
يأخذ درجته الكافية من الوعي والفهم، وبذلك يكون القرآن الكريم قد هيَّئ المخاطب
تهيئةً تامَّةً لاستقبال ما يُشبع حاجته المعرفيَّة التي رُفِعت إلى أوجِّها في
مقدِّمة الخطاب الأولى المبهمة، وصار الفكر متلهفاً لاستقبال الحلِّ الذي يردم به
الفجوة التي حصلت بين محطَّات التلقي لديه، وهنا يأتي الحل الذي يُفسِّر الإبهام
المتأتي من (أو) العاطفة.
ولو تفطَّنا أكثر في تحليل الإمام (عليه السلام) فستظهر
لنا جملةٌ من المعطيات منها: أنَّ الإمام العسكري (عليه السلام) يميل إلى التمسُّك
بالمعنى الحقيقي للأداة، ولا يبيح العدول عنه مادام في الأمر متَّسع لقبول الأصل
الذي وضع من أجله، ومن ذلك أيضاً أنَّ الإمام العسكري (عليه السلام) يقول
بالتضمين، وهو «إشراب اللفظ معنى لفظٍ آخر وإعطاؤه حكمه؛ لتصير الكلمة تؤدِّي
مؤدَّى كلمتين»[94]،
وقد أقرَّ الإمام العسكري (عليه السلام) تضمين (أو) لمعنى أداةٍ أُخرى كـ (بل)
و(الواو)؛ إلَّا أنَّه رفض هذا التضمين في سياق كلام الباري (جلَّ شأنه)؛ لما
يستلزم من معنى استدراك الغلط، أو تكذيب الأول بالثاني، وهذا لا يجوز على الخالق
(جلَّ وعلا). ويمكن لنا أيضاً أن نقرأ تحليل الإمام (عليه السلام) في ضوء ما سيأتي
لاحقاً في موضوع (التفسير بالمصاحبة)، وذلك عن طريق تفسير الخطاب بالخطاب على
الشكل الأفقي، وفحوى ذلك أن يُفسَّر الحدث اللغوي بما يأتي بعده ضمن المسار
الأفقي، وقد أشار الإمام العسكري (عليه السلام) إلى أنَّ الإبهام الذي ترشَّح عن
أداة العطف (أو) فسَّره ما جاء بعده من المتواليات وهو قوله تعالى: (وإِنَّ
مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْه الأَنْهارُ)، أي أنَّ الإبهام حصل في
قوله: (أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً) ثمَّ جاء بعد ذلك البيان الذي انتهى به إلى
أنَّ الحجارة يمكن أن يأتي منها خير لبني آدم فتتفجر منها الأنهار أمَّا قلوب
اليهود، فهي لا تأتِي بخيرٍ أبداً؛ لما تحمل من قساوةٍ شديدة.
وهذا المعنى (الإبهام) أشار له جمع من اللغويين
والمفسِّرين فأشاروا إلى أنَّ (أو) يمكن أن تكون بمعنى الإبهام في الآية السابقة[95]،
وفحواه أن المتكلِّم يعلمه؛ لكنَّه أبهمه عَلَى المخاطَب وطواه عنه[96]،
وعلَّل بعضهم ذلك بأنَّه تعالى: «لم يقصد في إخبارهم عن ذلك إلَّا التفصيل؛ بل علم
(U) أنَّ
خطابهم بالإجمال أبلغ في مصلحتهم، فأخبر تعالى أنَّ قسوة قلوب هؤلاء الذين ذمَّهم
كالحجارة أو أشد قسوة، والمعنى أنَّها كانت كأحد هذين لا يخرج عنهما»[97].
إلَّا أنَّ هذا المعنى ظلَّ محتملاً عند جُلِّ المفسِّرين ولم نجد مرجِّحاً له
إلَّا ابن جرير الطبري (ت: 310) والشيخ الطوسي (ت: 460 هـ)[98]،
وقد علَّل الطبري ذلك الترجيح بقوله: «لِأَنَّ أَوْ وَإِنِ اسْتُعْمِلَتَ فِي
أَمَاكِنَ مِنْ أَمَاكِنِ الْوَاوِ حَتَّى يَلْتَبِسَ مَعْنَاهَا وَمَعْنَى
الْوَاوِ لِتَقَارُبِ مَعْنَيَيْهِمَا فِي بَعْضِ تِلْكَ الْأَمَاكِنِ، فَإِنَّ
أَصْلَهَا أَنْ تَأْتِيَ بِمَعْنَى أَحِدِ الِاثْنَيْنِ، فَتَوْجِيهُهَا إِلَى
أَصْلِهَا مَنْ وَجَدَ إِلَى ذَلِكَ سَبِيلاً أَعْجَبُ إِلَيَّ مِنْ إِخْرَاجِهَا
عَنْ أَصْلِهَا وَمَعْنَاهَا الْمَعْرُوفِ لَهَا»[99]
وممَّا يُلاحظ على جُلِّ كلمات الذين قالوا بهذا المعنى
من مفسِّرين ولغويين أنَّهم رددوا كلمات الإمام العسكري (عليه السلام) بنحو
مُباشرٍ أو غير مباشر، وخصوصاً في المقطع الذي يقول فيه: «أو أشد قسوة، أبهم على
السامعين، ولم يبين لهم، كما قال القائل: أكلت خبزاً أو لحماً، وهو لا يريد به:
أنِّي لا أدري ما أكلت؛ بل يريد أن يبهم على السامع حتى لا يعلم ما أكل، وإن كان
يعلم أنه قد أكل»، وهناك من تجاوز هذا المقطع إلى أكثر من ذلك كما نجده عند ابن
جريرٍ الطبري (ت: 310هـ)، الذي تابع بتفاوتٍ يسير الإمام (عليه السلام) بتفسير
لفظة (قَسَتْ) الذي قال فيها: «(ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ): أَيْ جَفَّتْ
وَغَلُظَتْ وَعَسَّتْ»[100]،
أمَّا قول الإمام العسكري (عليه السلام) في ذلك «(ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ)
عست وجفَّت ويبست من الخيرِ والرحمةِ قلوبكم»[101].
أمَّا تحليل الإمام (عليه السلام) لمعنى الإبهام وتفسيره
بما تلاه من الخطاب فقد تفرَّد به، ولم نجد له مثيلاً عند غيره ممَّن مررنا به من
المفسِّرين.
وممَّا تقدَّم نخلص إلى أنَّ حرف المعنى قد شكَّل عصب
التحليل والبحث عن القصدية في الخطاب القرآني، فشكَّل البؤرة والمحور في صناعة
الخطاب وقصديته، وعليه أصبح المعوَّل في إفراز المعنى ونسجه، ولم يكن في النصِّ
لفظةٌ خاملةٌ؛ وإنَّما كان نابضاً بالمعنى متحرِّكاً في فتح مجالاتٍ متنوِّعة عبر
تنقلاته الاستعماليَّة بين الحقيقة والمجاز.
ثانياً: فَاعِلِيَّةُ التَّنْكِيرِ
وَالتَّعْرِيفِ فِي تَحْلِيلِ الخِطَابِ القُرْآنِي:
التنكير والتعريف ظاهرة لغوية متعلقة بالاسم سِوَى غيره
من أقسام الكلام، وهذه الظاهرة عامَّة تشمل كلَّ اللغات وإن تباينت بالوسائل
والأدوات المعبِّرة عنها؛ إلَّا أنَّها تكاد تتَّفق في المفهوم[102]،
وقد أخذت هذه الظاهرة مساحة كبيرة في الدِّراسات النحوية والبلاغيَّة؛ وذلك
لهيمنتها على كثيرٍ من مسائل النحو العربي، وقد أشار السيوطي (ت: 911 هـ) إلى ذلك
بقوله: «لما كان كثيرٌ من الأحكام الآتية تبنى على (التعريف) و(التنكير)، وكانا
كثيري الدور في أبواب العربية صدَّر النحويون كتب النحو بذكرهما بعد الإعراب
والبناء»[103].
وقد عُرِّفت النكرة والمعرفة بتعريفاتٍ كثيرةٍ أهمِّها
ما أشار إليه المبرِّد (ت: 285ﻫ) من تعريفه للنكرة فقال: «الاسم المنكور، هو
الواقع على كلِّ شيء من أُمته لا يخصُّ واحداً من الجنس دون سائر أُمته»[104]،
وأمّا المعرفة فقد حدَّها الرمّانيُّ (ت: 384ﻫ) بقوله: «المعرفة، المختصّ بشيء دون
غيره بعلامة لفظية، والعلامة اللفظية على وجهين: علامة موجودة وعلامة مقدّرة.
فالموجودة الألف واللام، والمقدرة في ثلاثة أشياء: الاسم العلم، والمضمر، والمبهم.
والنكرة: المشترك بين الشيء وغيره في موضعه»[105]،
وقال فيهما ابن جنِّي (ت: 392ﻫ): «النكرة ما لم تخصّ واحداً من جنسه نحو: رجل
وغلام... والمعرفة ما خصَّ الواحد من جنسه»[106].
على أنَّ الأصل في الأسماء التنكير والمعرفة فرع منه[107]،
وهذا مَذْهَب سِيبَوَيْهٍ وَالْجُمْهُور[108].
والمعرفة على أنواع، وهي عند سيبويه خمسة: «الأسماء التي
هي أعلام خاصة، والمضاف إلى المعرفة، والألف واللام، والأسماء المبهمة، والإضمار»[109]،
وقد زاد عليها ابن مالك الاسم الموصول فأصبحت عنده ستة أشياء[110].
أمَّا مدار الحكم بالتنكير والتعريف فهو المخاطب دون
غيره، وقد أشار إلى ذلك الأعلم الشنتمري (ت: 486 هـ) بقوله: «اعلم أن التعريف معلق
بمعرفة المخاطب دون المتكلم، وقد يذكر المتكلم ما يعرفه هو ولا يعرفه هو، فيكون
منكوراً، كقول الرجل لمخاطبه: في دار الرجل بستان، وعندي صديق لي، وهو لا يعرف
الرجل بعينه والبستان، ويجوز أن يكون المتكلم أيضاً لا يعرف، كقول الرجل لمخاطبه:
أنا في طلب غلام أشتريه، ومنزل أكتريه، ولا يكون قصده شيئاً بعينه»[111].
وقد كان لظاهرة التنكير والتعريف أثرٌ بارزٌ في تحليل
الخطاب القرآني عند أهل البيت (عليهم السلام)، فهي مثلت أداةً مهمَّةً في بيان
قصديَّة الخطاب القرآني، وممَّا ورد عنهم في هذا الصدد ما جاء في بيان قوله تعالى:
(وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ
لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا
وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ
الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ مَا
سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ
مِنَ الله ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ الله وَيَقْتُلُونَ
النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ)
[البقرة: 61].
وردت في هذه الآية الكريمة لفظة (مصر)، وقد اختُلِف فيها
من ناحية أنَّها معرفةٌ أو نكرةٌ، وإذا كانت معرفة فهي تدلُّ على البلد المسمَّى
(مصر) بعينه، أمَّا لو كانت نكرة فهي تدلُّ على بلد من البلدان غير معيَّن، ومن
هنا دبَّ الخلاف بين المفسِّرين في هذه اللفظة، فمنهم من قال إنَّها نكرة، وهي
تدلُّ على مصرٍ غير معيَّن[112]
بدليل التنوين[113]،
و«لأنَّ ما طلبوا من تنوِّع الطعام لا يوجد إلَّا في الأَمصار، ولو أراد مصر
بعينها لقال: (مصر) ولم يصرفه»[114]
وهناك من ذهب إلى أنَّها بلد فرعون المسمَّاة مصر، فتكون معرفةً بهيئة علم[115]،
وَ(مِصْراً) بِالتَّنْوِينِ مُنَكَّراً قِرَاءَةُ الْجُمْهُورِ، وَهُوَ خَطُّ
الْمُصْحَفِ، ومَنْ صَرَفَهَا أَرَادَ مِصْراً مِنَ الْأَمْصَارِ غَيْرَ
مُعَيَّنٍ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِمَّنْ صَرَفَهَا أَيْضاً: أَرَادَ مِصْرَ
فِرْعَوْنَ بِعَيْنِهَا. اسْتَدَلَّ الْأَوَّلُونَ بِمَا اقْتَضَاهُ ظَاهِرُ
الْقُرْآنِ مِنْ أَمْرِهِمْ دُخُولَ الْقَرْيَةِ، وَبِمَا تَظَاهَرَتْ بِهِ
الرِّوَايَةُ أَنَّهُمْ سَكَنُوا الشَّامَ بَعْدَ التِّيهِ، وَاسْتَدَلَّ
الْآخَرُونَ بِمَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ أَنَّ الله أَوْرَثَ بَنِي إِسْرَائِيلَ
دِيَارَ آلِ فِرْعَوْنَ وَآثَارَهُمْ، وَأَجَازُوا صَرْفَهَا[116]،
«ومن قرأ مصراً بالتنوين يعني: ادخلوا مصراً من الأمصار، فَإِنَّ لَكُمْ فيه ما
سَأَلْتُمْ تزرعون وتحصدون»[117].
وبعد الذي سبق ينتهي ابن جرير الطبري (ت: 310 هـ) إلى
أنَّه لا يوجد مرجِّح بين المعنيين، وذلك بقوله: «وَالَّذِي نَقُولُ بِهِ فِي
ذَلِكَ أَنَّهُ لَا دَلَالَةَ فِي كِتَابِ الله عَلَى الصَّوَابِ مِنْ هَذَيْنِ
التَّأْوِيلَيْنِ، وَلَا خَبَرَ بِهِ عَنِ الرَّسُولِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
[وآله] وَسَلَّمَ) يَقْطَعُ مَجِيئُهُ الْعُذْرَ، وَأَهْلُ التَّأْوِيلِ
مُتَنَازِعُونَ تَأْوِيلَهُ، فَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا
بِالصَّوَابِ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ مُوسَى سَأَلَ رَبَّهُ أَنْ يُعْطِيَ قَوْمَهُ
مَا سَأَلُوهُ مِنْ نَبَاتِ الْأَرْضِ عَلَى مَا بَيَّنَهُ الله (جَلَّ وَعَزَّ)
فِي كِتَابِهِ وَهُمْ فِي الْأَرْضِ تَائِهُونَ، فَاسْتَجَابَ الله لِمُوسَى
دُعَاءَهُ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَهْبِطَ بِمَنْ مَعَهُ مِنْ قَوْمِهِ قَرَاراً مِنَ
الْأَرْضِ الَّتِي تُنْبِتُ لَهُمْ مَا سَأَلَ لَهُمْ مِنْ ذَلِكَ، إِذْ كَانَ
الَّذِي سَأَلُوهُ لَا تُنْبِتُهُ إِلَّا الْقُرَى وَالْأَمْصَارُ، وَأَنَّهُ قَدْ
أَعْطَاهُمْ ذَلِكَ إِذْ صَارُوا إِلَيْهِ، وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ
الْقَرَارُ مِصْرَ، وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ الشَّامَ»[118].
أمَّا أهل البيت (عليهم السلام) فقد ذهبوا إلى أنَّ
المقصود بهذه اللفظة التنكير لا التعريف، وقد بيَّن ذلك الإمام الحسن العسكري
(عليه السلام) (ت: 260 هـ) بقوله: «واذكروا إذ قال أسلافكم: لن نصبر على طعام واحد
(المنّ والسلوى)، ولابدَّ لنا من خلطٍ معه، (فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ
لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا
وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ) - موسى - (أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ
أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ) يريد أتستدعون الأدنى ليكون لكم بدلاً من
الأفضل؟ ثمّ قال: (اهْبِطُواْ مِصْراً) من الأمصار من هذا التيه، (فَإِنَّ
لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ) في المصر. ثمّ قال الله (U): (وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ)
الجزية، أُخزوا بها عند ربِّهم وعند مؤمني عباده، (وَالْمَسْكَنَةُ) هي
الفقر والذلّة، (وَبَآءُو بِغَضَب مِّنَ الله) احتملوا الغضب واللعنة من
الله؛ ذلك بأنَّهم كانوا بذلك الذي لحقهم من الذِّلَّة والمسكنة، واحتملوه من غضب
الله»[119].
نصَّ الإمام العسكري (عليه السلام) على أنَّ المراد
بقوله تعالى: (اهْبِطُواْ مِصْراً) التنكير لا التعريف على معنى مصرٍ من
الأمصار، وهذا المعنى يؤيِّده سياق الآية الكريمة؛ لأنَّ من دواعي التنكير أنَّ
الشيء انحطَّ إلى درجةٍ لا يعتدُّ بها، وبلغ من انحطاطه حدّاً لا يمكن معه أن
يُعرف[120]،
وهذا المعنى يتلاءم وسياق الخطاب في الآية الكريمة، ذلك أنَّ بني اسرائيل رفضوا ما
أنعم الله عليهم من طعام المنِّ والسلوى والتظليل بالغمام، وقد ورد ذلك في قوله
تعالى: (وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ
بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ
كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا
عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ)
[الأعراف: 160]، ولَمَّا رفضوا هذه النعم وطلبوا من موسى (عليه السلام) بقولهم على
لسان الحق تعالى: (فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ
الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا)،
كان جواب موسى (عليه السلام)
(أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ)، فبنوا
إسرائيل فضَّلوا ما هو الأدنى ليكون لهم بدلاً من الأفضل فكان جزاؤهم (اهْبِطُواْ
مِصْراً)، وقد حقَّ لهذا الأدنى أن يُنكَّر؛ لأنَّه بمرتبةٍ متدنِّية جداً
عمَّا كانوا فيه من رحمة الله تعالى، ومهما كان ذلك المصر الذي طلبه بنو اسرائيل
فإنَّه لا يرقى إلى أن يكون معرفةً بالنسبة إلى ما كان عليه بنو إسرائيل، وقد
نكَّره الله تعالى؛ ليبيِّن انحطاط خيار بني اسرائيل بالنسبة إلى ما كانوا عليه من
رحمة الله تعالى، وقد أشار إلى هذا المعنى الإمام العسكري (عليه السلام) بعد ما
قرَّر أنَّ المراد التنكير لا التعريف بقوله: «أتستدعون الأدنى ليكون لكم بدلاً من
الأفضل». ثمَّ يأتي بعد ذلك سياق الخطاب في الآية الكريمة ليثبت هذا المعنى عن
طريق تقريع بني اسرائيل بأن ضُربت عليهم الذِّلة والمسكنة والفقر وغضب الله تعالى
عليهم، وكلُّ ذلك يؤيِّد أن يكون المقصود بــ (مصر) التنكير لا التعريف، وبذلك
نرفض ما قرَّره الطبري من أن لا يوجد دليل على إرادة معنًى بعينه دون غيره، وأنَّ
كلا المعنيين واردٌ بدليل ما قدَّمناه من قول الإمام العسكري (عليه السلام) الذي
يدعمه الاستعمال اللغوي وسياق الخطاب في الآية الكريمة، وكذلك المقام التخاطبي
الذي كان موضوعه توبيخ بني إسرائيل على اختارهم.
ولو تتبَّعنا لفظة (مصر) في الخطاب القرآني لوجدناه
حاضراً بنمط التعريف في مواقع أُخرى في الخطاب القرآني، ومن تلك المواقع قوله
تعالى: (فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آَوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ
ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ الله آَمِنِينَ) [يوسف: 99].
في هذا الموضع يظهر أنَّ نبي الله يوسف (عليه السلام)
يُرحِّب بأبويه وإخوته ويطلب منهم دخول مصر، وهذه المرَّة استعملت (مصر) بوصفها
علماً للمكان المسمَّى بذلك، وقد نصَّ أهل البيت (عليهم السلام) على ذلك في نصوصٍ
متعدِّدة على النحو غير المباشر، منها ما ورد عن أبي جعفر الإمام محمد الباقر
(عليه السلام) (ت: 114 هـ) عند حديثه عن رحلة أهل يوسف إليه «فساروا تسعة أيام إلى
مصر، فلما دخلوا على يوسف في دار الملك اعتنق أباه فقبله وبكى، ورفعه ورفع خالته
على سرير الملك، ثمَّ دخل منزله فأدهن فاكتحل ولبس ثياب العزِّ والملك ثم خرج
إليهم، فلمَّا رأوه سجدوا جميعاً له اعظاماً له وشكراً لله»[121]،
وعن الباقر(عليه السلام) أيضاً في حديثه عن وصول قميص يوسف إلى أبيه (عليهما
السلام): «فلمَّا فصلت عيرهم من مصر، وجد يعقوب ريح يوسف... وكان مسيرهم من مصر
إلى بلد يعقوب تسعة أيام، فلمَّا أن جاء البشير القى القميص على وجهه فارتدَّ
بصيراً... وقال لولده: تحمَّلوا إلى يوسف في يومكم هذا بأجمعكم، فساروا إلى يوسف
ومعهم يعقوب وخالة يوسف ياميل فأحثوا السير فرحاً وسروراً، فصاروا تسعة أيام إلى
مصر»[122]،
وكذلك عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) في سؤالٍ سأله محمد بن مسلم بقوله: «كم
عاش يعقوب مع يوسف بمصر بعد ما جمع الله يعقوب شمله، وأراه تأويل رؤيا يوسف
الصادقة ؟ قال: عاش حولين، قلت: فمن كان يومئذ الحجة لله في الأرض يعقوب أم يوسف ؟
فقال: كان يعقوب الحجة وكان الملك ليوسف، فلما مات يعقوب حمل يوسف عظام يعقوب في
تابوت إلى أرض الشام، فدفنه في بيت المقدس ثمَّ كان يوسف بن يعقوب الحجة»[123].
وهكذا نجد تواتر كلمات أهل البيت (عليهم السلام) بأنَّ المراد من (مصر) في قوله
تعالى: (ادْخُلُوا مِصْرَ) ذلك المكان المسمَّى بهذا الاسم؛ ولذلك فهو
معرفة علم لمكان، ولو تتبَّعنا سياق الخطاب في الآية الكريمة لوجدناه يُلائم
استعمال المعرفة بهكذا قصدية، ذلك أنَّ المعرفة قد تأتي لتفيد المدح والتفاؤل
والتلذُذ[124]،
وأنَّ الشيء بلغ في الصِّفة مبلغ الكمال أو أنَّه بلغ الحدَّ الأعلى في النقاوة
والكمال[125]،
وهذه القصدية تتلاءم مع المحتوى العام لسياق الخطاب في الآية الكريمة؛ إذ إنَّ
(مصر) في عهد النبي يوسف (عليه السلام) بلغت من الكمال ما لم تبلغه في عهد غيره
ممَّن حكمها بغير دين الله تعالى، وهذا الأمر يلائم استعمال المعرفة لا النكرة،
وكذلك الأمر بالنسبة للسياق الذي نصَّ فيه يوسف (عليه السلام) بطلبه من أبويه
بقوله: (وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ الله آَمِنِينَ)، فقوله
(آمنين) تستتبع المدح والتفاؤل والتلذُّذ بهذا البلد الذي وصل إلى أشدِّ ازدهاره،
واستعمال المعرفة بهذا الموضع يعمل على تشويق المتلقي إلى التعرف على هذا البلد.
ومجيء لفظة (مصر) معرفة بهذه الآية الكريمة نصَّ عليه جمع من المفسِّرين ويكاد أن
يتَّفقوا على أنَّ المقصود بــ (مصر) هي علم للمكان المعروف بهذا الاسم[126].
المبحث الثاني: المُسْتَوَى المُعْجَمِي
فِي تَحلِيلِ الخِطَابِ القُرْآنِي عِنْدَ الإِمَامِ العَسْكَرِي (عَلَيْهِ
السَّلَام):
التحليل المعجمي، حقلٌ معرفي يدرس الكلمات في حدود
استعمالها بوضعها الأصلي، ثمَّ يسعى إلى متابعة تطوراتها الاستعمالية ورصدها في
تنقلاتها المتداولة على ألسن مستعمليها، وصولاً إلى استقراء العلاقات بين المعنى
الأصلي في الوضع الأول وبين ما هي عليه من قصدية جديدة في وقت الخطاب المدروس.
أمَّا المُعجمُ فيبحثُ عن معنى الكلمةِ بذكرِ معناها أو مُرادفها أو مضادِّها أو
ما يُفسِّرها[127]،
ومن هنا فإنَّنا نرى أنَّ لكلِّ مفردةٍ معنًى وقصداً، فالمعنى هو ما كان على الأصل
في المعجم، وأمَّا القصد، فهو ما تدلُّ عليه الكلمة في الاستعمال سواء أكانت على
الحقيقة أم على غيرها، وهذه الثنائية ناتجة عن الاختلاف بين الوضع والاستعمال، ذلك
أنَّ الكلمات لها معنًى عام في المعجم، وعندما تدخل في السياق تنساب مع الكلمات
الأخرى راضخةً لإرادة قصدية المستعمل. ومن هنا سنحاول بيان تنقلات الألفاظ ما بين
المعجم والاستعمال في الخطاب القرآني في ضوء تحليل أهل البيت (عليهم السلام) تحت
عنوان ما يُسمَّى بـ (التغيُّر الدَّلالي).
مَفْهُومُ التَّغَيُّرِ الدَّلَالِي
لِلَألْفَاظِ:
من الأمور التي انتهت لها الدِّراسات اللغوية أنَّ
اللغةَ ظاهرةٌ اجتماعيةُ، ولونٌ من ألوان النشاط الإنساني، تخضع لعوامل متعدِّدةٍ
وتأثيراتٍ مختلفة، ومن ذلك التغيُّر الذي يصيب القسم الأكبر من كلماتها. وهذا
الأمر تخضع له جميع اللغات[128]،
ويُعدُّ مظهراً من مظاهر النموِّ والثراء فيها[129]،
وهو حتميٌّ على اللغة ولا مكان لحريَّة الاستعمال الفردي فيه، وقد يحصل التغيُّر
على المدى القريب أو البعيد، ومن دون أن يُقتصر في مرحلة لغويَّة معينة؛ بل هو
شامل لكلِّ مفاصلها، ولا ينقطع إلَّا بفنائها، وغالباً ما يكون حدوثه تدريجيّاً[130].
وقد عُرِّف التغيُّر الدَّلالي بتعريفاتٍ كثيرةٍ، وممَّا
قيل فيه أنَّه «ظاهرةٌ شائعةٌ في كلِّ اللُّغاتِ، يلمسُها كلُّ دارسٍ لمراحلِ
نموِّ اللُّغة، وأطوارها التَّاريخيَّة»[131].
وقد حصلت في العربية انتقالةٌ نوعيَّةٌ في التغيُّر
الدَّلالي للألفاظ بعد مجيئ الإسلام؛ إذ صار البون شاسعاً في الاستعمال بين ما
كانت عليه فيما يسمَّى بالعصر الجاهلي وبين ما صارت عليه في عهد الإسلام؛ بسبب ما
أحدثه الخطاب القرآني من تغيُّرٍ لمعاني المفردات بحسب ما تقتضيه المقاصد
القرآنية، التي أسهمت بشكلٍ فاعل في إحداث تغيير في النواحي الاجتماعية والفكرية
والثقافية والنفسية. فكان التغيُّر انعكاساً لتلك النواحي التي تعدُّ من أهمِّ
عوامل التَّغيُّر اللغوي فضلاً على النظام الحاكم لحركة الألفاظ في اللغة[132]،
وحاجة المستعمل التي تلوي أعناق المفردات وتجعلها خاضعةً لأغراضه ومقاصده. وهناك
عوامل أُخرى مؤثِّرة لا يمكن حصرها بحدودٍ معينة؛ لكونها نابعةً من صميم الحدث
الذي يرافق التَّغيُّر.
على أنَّ الألفاظ لا تتفق على مستوًى واحدٍ في مدى
الاستعداد لقبول التغيُّر الدَّلالي؛ بل ذلك تابعٌ للظروف المؤثِّرة التي قد
تؤدِّي إلى تركيز التغيُّر بفئةٍ معيَّنة من الألفاظ، إلاّ أنَّ ذلك لا يعني أنَّ
هناك نجاة من التغيُّر للمفردات الأخرى[133]،
وتلكَ هي حياةُ اللغة[134].
ومصطلح التَّغيُّر لا يعني بماهيَّة إحراز الصواب أو
الخطأ في الاستعمال، ومن هنا يُفضِّلُ بعضُ الباحثين استعمال مصطلح (التّغيُّر)
بدلاً عن مصطلح (التطور)؛ وذلك لدفع ما تتضمنه هذه الفظة (التطوّر) من حمولاتٍ
تدلُّ على المدح والتّقدُّم المرغوب فيه[135]،
فاللغة بقبولها للتَّغيُّر الدَّلالي لا يعني الموافقة والإمضاء لكلِّ ما يحدث من
انحرافاتٍ في الاستعمال بذريعة التطور؛ فقد يكون بعضها منشأه الخطأ والاشتباه[136]،
ومن هنا ملنا إلى مصطلح التَّغيُّر بدلاً من التطور.
وستقف دراستنا على التغيُّر الدَّلالي الذي يستهدفه
التحليل في المستوى المعجمي، وهذا الفرع يكون أكثر عُرضةً للتَّغيُّر وأسرع في
الاستجابة من مستويات اللغة الأخرى (الصوتية، والصّرفية، والنّحوية)[137].
على أنَّه لا يعني تغيُّر دلالة اللفظة موت الدَّلالة الأصلية؛ إذ من الممكن أن
تتعايش الدلالتان في محيطٍ استعماليٍّ واحد، وقد تطغى الجديدة منهما في الاستعمال
على القديمة[138].
مَظَاهِرُ التَّغيُّرِ الدَّلالِيِّ:
سعى بعضُ الباحثين إلى تحديدِ مساراتٍ للتَّغيُّر
الدَّلاليّ فكانت عندهم تشتملُ على: تخصيصُ الدَّلالةِ، وتعميمُ الدَّلالةِ،
وانتقال مَجرى الدَّلالةِ، ورقيّ الدَّلالةِ وهبوطها[139].
وستعمل الدِّراسة على متابعةِ مسارين بحسب ما يسمح به المقام هما: تعميم
الدَّلالة، هبوط الدَّلالة.
أولاً: تَعْمِيمُ الدَّلَالَة:
وهو بخلاف التَّخصيصِ الدَّلالي، وقد أُطلق عليه قديماً:
«مَا وُضِع في الأصْلِ خَاصّاً ثم اسْتُعْمِلَ عامًّا»[140]،
أمَّا حديثاً فقد أُطلق عليه: تعميمَ الخاصِّ أو توسيعَ المعنى[141]،
ويُرادُ به «أن يُتوَسّع في معنى الكلمة ودلالتها، فتُنقل من معناها الخاص الذي
كانت تدلُّ عليه إلى معنًى أشمل وأعمّ من ذلك»[142]،
أو هو «تحويلُ الدَّلالةِ من المعنى الجزئيّ إلى المَعنى الكلِّيّ»[143].
وقد سبق أن أشرنا إلى أنَّ التخصيص كان زيادة الملامح التميزيَّة في الكلمة، وعلى
ذلك يكون التعميم نتيجة إسقاط بعض الملامح التمييزية للفظة، فتتَّسع دائرة المعنى
فيها، وهذا يجعل مجال استعمالها أوسع من السابق[144]؛
وذلك لدخول عناصر جديدة في دائرتها الاستعمالية.
أمَّا من جهة الشيوع الاستعمالي بين التعميم والتَّخصيص
فقد ذهب بعض الباحثين إلى أنَّ التّعميم أقلُّ شيوعاً في اللغات من التّخصيص
الدَّلالي، وأقلُّ أثراً في تطوّر الدَّلالات وتغيُّرها[145]،
وذهب آخرون إلى خلاف من ذلك[146]،
وهناك من ذهب إلى المساواة بينهما[147].
وما أراه بحسب اطلاعي أنَّ التخصيص كان الأوسع دائرةً في الخطاب القرآني من
التعميم والأكثر هيمنةً فيه، ويمكن أن نُرجع السبب إلى أنَّ الخطاب القرآني جاء
لينظِّم حياة المجتمَّع ويُشذِّبها، ففرَّق بين ما هو صالح لكرامة الإنسان، وبين
ما هو بالضدِّ من ذلك بعدما كان كلُّه مُباحاً؛ فضاقت دائرة سير المجتمع بطريق
الصلاح بعدما كانت مُتَّسعة بطرق الضلالة المتفرقة، وهذا التضييق أدلى بظلاله على
اللغة فضاقت جُلُّ ألفاظها؛ لتكون متَّسقةً مع مقاصد التنظيم الجديد.
ومن الألفاظ التي اتَّسع مجالها الدَّلالي في الخطاب
القرآني في ضوء تحليل أهل البيت (عليهم السلام) ما ورد في قوله تعالى: (وَبِالْوَالِدَيْنِ
إِحْسَاناً) [النساء: 36]، فقد جاء في تحليل الإمام الحسن
العسكري (عليه السلام) (ت: 260 هـ): «قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): أفضل
والديكم وأحقهما لشكركم محمد وعلي، وقال علي بن أبي طالب (عليه السلام) (ت: 40 هـ)
سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: أنا وعلي أبوا هذه الأمة، ولحقِّنا
عليهم أعظم من حقِّ أبوي ولادتهم، فإنَّا ننقذهم - إن أطاعونا - من النار إلى دار
القرار، ونلحقهم من العبودية بخيار الأحرار، وقالت فاطمة(عليها السلام) (ت: 11
هـ):
أبوا هذه الأمة محمد وعلي، يقيمان أودهم، وينقذانهم من العذاب الدائم إن أطاعوهما،
ويبيحانهم النعيم الدائم إن وافقوهما، وقال الحسن بن علي (عليهما السلام)
(ت: 50 هـ): محمد وعلي أبوا هذه الأمة، فطوبى لمن كان بحقِّهما عارفاً، ولهما في
كلِّ أحواله مطيعاً، يجعله الله من أفضل سكان جنانه، ويسعده بكراماته ورضوانه،
وقال الحسين بن علي (عليهما السلام) (ت: 61 هـ): من عرف حقَّ أبويه الأفضلين محمد
وعلي (عليهما السلام)،
وأطاعهما حق الطاعة قيل له: تبحبح في أيِّ الجنان شئت، وقال علي بن الحسين (عليهما
السلام)
(ت: 95 هـ): إن كان الأبوان إنَّما عظم حقَّهما على أولادهما لإحسانهما إليهم،
فإحسان محمد وعلي (عليهما السلام) إلى هذه الأمة أجل وأعظم، فهما بأن يكونا أبويهم
أحق»[148].
الوالد في اللغة من (وَلَدَ) «وَهُوَ دَلِيلُ النَّجْلِ
وَالنَّسْلِ، ثُمَّ يُقَاسُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، مِنْ ذَلِكَ الْوَلَدِ، وَهُوَ
لِلْوَاحِدِ وَالْجَمِيعِ، وَيُقَالُ لِلْوَاحِدِ وُلْدٌ أَيْضاً، وَالْوَلِيدَةُ
الْأُنْثَى، وَالْجَمْعُ وَلَائِدُ، وَتَوَلَّدَ الشَّيْءُ عَنِ الشَّيْءِ: حَصَلَ
عَنْهُ»[149].
فالوالدان بحسب التفسير اللغوي هما من يلد الابن عن طريق النسل، وأمَّا في تحليل
الإمام العسكري(عليه السلام)
فقد تغيَّر مجالها الدَّلالي وأصبحت تدلُّ على الأولى بالفضل والإحسان، وأكثر
النَّاس فضلاً وإحساناً على هذه الأمَّة هما: محمَّد وعلي (صلوات الله عليهما
وآلهما)، ولذلك فهم أحقُّ بالودِّ والطاعة والجزاء بالإحسان، ومن هنا فقد حصل
تعميم في دلالة لفظة (الوالد) بحسب ما انتهى إليه أهل البيت (عليهم السلام) من
تحليل.
ثَانياً: هُبُوطُ الدَّلَالَة:
وهو أن تكون الكلمة في الأصل تدلُّ على معنًى راقٍ، ثمَّ
تتَّجه نحو الهبوط فينحطُّ معناها تدريجياً[150]،
وهناك من أطلق عليه ابتذال المعنى، وقيل: إنَّه أكثر وروداً في الاستعمال من
مقابله ارتقاء الدَّلالة[151]،
وقد لوحظ أنّ أكثر الكلمات التي تميل إلى أن تنحطَّ دلالةً، هي على وجهٍ خاص تلك
الدائرة التي تتعلق بالجنس وما يتَّصل به، وما يُثير في الجماعة الكلاميَّة مشاعر
الخجل والخوف والذُّعر، وما يُثير بطبيعته اشمئزازاً أو نفوراً[152].
وقد ورد في الخطاب القرآن مثل هذا الضرب من التغيُّر
الدَّلالي؛ إذ غادرت بعض الكلمات مستواها الاستعمالي المقبول في المجتمع لتتَّجه
نحو الهبوط الدَّلالي؛ لأنَّ القرآن بلغته السامية وبنمطه التأدُّبي العالي عمد
إلى مغادرةِ كلِّ ما من شأنه إثارة الحياء لدى المتلقي، فكنَّى عن تلك الأمور
بألفاظٍ أُخرى أدَّى بها هذا الانتقال إلى أن تهبط دلاليّاً، ومن جهةٍ أُخرى
استجدَّت بعض الدَّلالات التي تتضمَّن حمولاتٍ يمجُّها السامع ويستقبح منها على
وفق الثقافة القرآنية التي صدَّرت تلك الحمولات، وصارت مستعملة بألفاظٍ مقاربة من
وجهٍ في المستوى الدَّلالي لتلك الحمولات المعنويَّة الجديدة، وقد ظهر في تحليل
أهل البيت (عليهم السلام) كلا النمطين السابقين في تحليلهم للخطاب القرآني
فبيَّنوا المعنى الجديد الذي تلبَّست به الألفاظ بما يحمل من حمولةٍ معرفيَّة
جديدة ألبسها الاستعمال القرآني في تلك الألفاظ. وممَّا ورد عنهم ما جاء عن الإمام
الحسن العسكري (عليه السلام) في تحليله لمعنى الشيطان الرجيم الوارد في قوله
تعالى: (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآَنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ
الرَّجِيمِ) [النحل: 98]، فبيَّن العسكري (عليه السلام) معنى الاستعاذة،
وسنورد ما يتعلَّق بالموضوع وهو معنى الشيطان الرجيم، وذلك قوله: «الشيطان، هو
البعيد من كلِّ خير، الرجيم: المرجوم باللعن، المطرود من بقاع الخير»[153]،
هذا معنى الشيطان في الخطاب القرآني.
أمَّا في اللغة فهو من (شَطَنَ)، وهو «أَصْلٌ مُطَّرِدٌ
صَحِيحٌ يَدُلُّ عَلَى الْبُعْدِ، يُقَالُ شَطَنَتِ الدَّارُ تَشْطُنُ شُطُوناً
إِذَا غَرَبَتْ، وَنَوًى شَطُونٌ، أَيْ بَعِيدَةٌ»[154]،
فالمعنى الأصلي لهذه الكلمة ينتمي إلى الخطِّ المقبول في الاستعمال لدى المجتمع،
ثمَّ إنَّها انتقلت لتهبط دلاليّاً في الاستعمال القرآني، حتَّى أصبحت من الألفاظ
التي يشمئز منها المجتمع؛ لأنَّها صارت تدلُّ على البعيد من كلِّ خير، وهذا المعنى
بحدِّ ذاته كافٍ لأن يجعل المستعمل ينفر عنها ويذعر منها.
الخاتمة:
1. سبق الإمام العسكري (عليه السلام) في تقنين حرف
المعنى (لعلَّ) في الخطاب القرآني المسند إلى الله تعالى، فجعلها بمسارين بعد أن
رفضوا أن تُسند إلى الله تعالى على الحقيقة بما تفيد معنى الترجي، وهو خفاء الأمر
والجهل بعاقبته، وهذا لا يتناسب مع الله تعالى، ولذلك فسرها بمعنيين: الأول إسناد
الترجي إلى المخاطب، وإن كان على لسان الباري (U).
والآخر خروجها عن معناها إلى معنىً آخر يتناسب مع الذات الإلهية المقدسة، من قبيل
أن يكون معناها واجب الوقوع وليس على سمت الاحتمال.
2. فسَّر الإمام العسكري (عليه السلام) (أو) في الخطاب
القرآني على حقيقتها الإبهاميَّة؛ ولكنَّها في خطاب الله تعالى يكون الإبهام فيها
منظوراً به المخاطب؛ لأنَّ الله تعالى يجلُّ على أن يُبهم عليه شيء، ولذلك فالإمام
العسكري (عليه السلام) يميل إلى المعنى الحقيقي للأدوات ما دام في الأمر مُتَّسعٌ،
ويستبعد المجاز عنها ما دامت الحقيقة ممكنة.
3. يذهبُ الإمام العسكري (عليه السلام) إلى القول
بالتضمين النحوي بين معاني الحروف، وذلك بأن يُشرب اللفظ معنى لفظٍ آخر.
4. انتهت الدِّراسة إلى أنَّ حرف المعنى بإمكانه أن يأخذ
الدور الرِّيادي في رسم مساراتِ قصدية الخطاب، بحيث تبقى كلُّ المفردات الأخرى
وأحياناً المتواليات الأخرى تدور حوله، ولا يتم المعنى إلا بالتعرف على مكنونه
القصدي الذي تعتمد عليه باقي المكونات الأخرى في صياغة قصديتها على المسار الذي
يخطه. وبذلك لا نتفق مع عموم اللغويين الذين رفضوا أن يكون للحرف معنى أو دورٌ
ريادِّيٌّ في التركيب كحال الاسم أو الفعل؛ بل أسندوا له وظيفة الربط بين الجمل
فقط.
5. تحرَّكت دلالة الألفاظ عند الإمام العسكري (عليه
السلام) في تحليله للخطاب القرآني، وقد وجدناه ينظر إلى القرآن الكريم على أنَّه
استعمال خاص ومعجم بذاته؛ ولذلك لم يتقيَّد عنده بدلالات الألفاظ المعجميَّة،
وإنَّما نقل كثيراً من دلالات الألفاظ ما بين تخصيصٍ وتعميم، وارتقاءٍ وهبوط،
وانتقالٍ وتنقلٍ بين مجالاتٍ استعماليَّةٍ متعدِّدة.
قائمة المصادر والمراجع:
القرآن الكريم
1)
إبراهيم، أنيس، دلالة
الألفاظ، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، (د ط) (د ت).
2)
ابن أبي حاتم، تفسير
القرآن العظيم، اعداد مكتبة نزار الباز، مكة المكرمة، الرياض، 1997.
3)
ابن الحاجب، أبي عمر
عثمان، أمالي ابن الحاجب، تحقيق الدكتور فخر صالح سليمان، دار الجيل، بيروت، 1989،
ج1.
4)
ابن الصانع، يعيش بن علي
بن يعيش ابن أبي السرايا محمد بن علي(ت 643هـ)، شرح المفصل للزمخشري، قدَّم له: د.
إميل بديع يعقوب، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط1، 1422 هـ، 2001 م.
5)
ابن الوراق، محمد بن عبد
الله بن العباس أبو الحسن (ت 381هـ)، علل النحو، تحقيق: محمود جاسم محمد الدرويش،
مكتبة الرشد، الرياض، السعودية، ط1، 1420 هـ، 1999م.
6)
ابن جنّي، أبو الفتح
عثمان (ت 392هـ)، اللمع في العربية، تحقيق حامد المؤمن، مطبعة العاني، بغداد، ط1،
1982م.
7)
ابن زكريا، أبو الحسين
أحمد بن فارس (ت 395 هـ)، الصاحبي في فقه اللغة وسنن العرب في كلامها، تحقيق:
مصطفى الشويمي، مؤسسة بدران للطباعة والنشر، بيروت، (د ط)، 1382 هـ، 1963 م.
8)
ابن شهر آشوب (ت 588
هـ)، متشابه القرآن ومختلفه، المطبعة: چاپخانه شركت سهامى طبع كتاب، (د ط)، 1328
هـ.
9)
ابن مالك، بدر الدين
محمد ابن الإمام جمال الدين محمد (ت686هـ)، شرح ابن الناظم على ألفية ابن مالك،
تحقيق: محمد باسل عيون السود، دار الكتب العلمية، ط1، 1420هـ - 2000م.
10) ابن مسعود البغوي، أبو محمد الحسين (ت 510هـ)، معالم
التنزيل في تفسير القرآن - تفسير البغوي، تحقيق: حققه وخرج أحاديثه محمد عبد الله
النمر - عثمان جمعة ضميرية - سليمان مسلم الحرش، دار طيبة للنشر والتوزيع، ط4،
1417 هـ، 1997 م.
11) ابن منظور، محمد بن مكرم بن على، أبو الفضل، جمال الدين
الأنصاري(ت711هـ)، لسان العرب، دار صادر، بيروت، ط3، 1414 هـ.
12) ابن هشام، عبد الله بن يوسف بن أحمد بن عبد الله ابن
يوسف (ت 761هـ)، شرح شذور الذهب في معرفة كلام العرب، تحقيق: عبد الغني الدقر،
الشركة المتحدة للتوزيع، سوريا، (د ط)، (د ت).
13) ابن هشام، عبد الله بن يوسف بن أحمد بن عبد الله ابن
يوسف جمال الدين (ت 761هـ)، مغني اللبيب عن كتب الأعاريب، تحقيق: مازن المبارك،
محمد علي حمد الله، دار الفكر، دمشق، الطبعة السادسة، 1985 م.
14) أبو المعالي، محمد بن عبد الرحمن بن عمر، الشافعي، جلال
الدين (ت 739هـ)، الإيضاح في علوم البلاغة، تحقيق: محمد عبد المنعم خفاجي، دار
الجيل، بيروت، ط3، (د ت).
15) أبو عودة، عودة خليل، التطور الدلالي بين لغة الشعر
الجاهلي ولغة القرآن الكريم دراسة دلالية مقارنة: مكتبة المنار، ط1، الأردن،
الزرقاء، 1985م، 1405هـ.
16) أبو موسى، محمد محمد، خصائص التراكيب دارسة تحليلية
لمسائل علم المعاني، مكتبة وهبة، ط7، (د.ت).
17) أبي زمنين، محمد بن عبدالله، تفسير القرآن العزيز، تحقيق
أبي عبد الله حسين بن عكاشة ومحمد بن مصطفى الكنز، الفاروق الحديثة للطباعة،
القاهرة، 2001، ج 1.
18) الأزدي البلخي، أبو الحسن مقاتل بن سليمان بن بشير(ت
150هـ)، تفسير مقاتل بن سليمان، تحقيق: عبد الله محمود شحاته، دار إحياء التراث،
بيروت، ط1، 1423هـ.
19) آل ياسين، محمد حسين، الأضداد في اللغة، مطبعة المعارف،
بغداد، ط1، 1974م.
20) الآلوسي، شهاب الدين محمود بن عبد الله (ت 1270هـ)، روح
المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، تحقيق: علي عبد الباري عطية، دار
الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1415 هـ.
21) الأندلسي، أبو حيان محمد بن يوسف بن علي بن يوسف بن حيان
أثير الدين (ت 745هـ)، البحر المحيط في التفسير، تحقيق: صدقي محمد جميل، دار
الفكر، بيروت، (د ط)، 1420 هـ.
22) الأندلسي، أبو محمد عبد الحق بن غالب بن عبد الرحمن بن
تمام بن عطية (ت 542هـ)، المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، تحقيق: عبد السلام
عبد الشافي محمد، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1422 هـ.
23) الأنصاري، ابن هشام (ت761هـ)، أوضح المسالك إلى ألفية
ابن مالك، المطبعة العصرية، بيروت، 2001م.
24) الأنصاري، أبو محمـد عبد الله جمال الدين عبـدالله بـن
هشـام (ت 761هـ)، شرح قطر الندى وبل الصدى، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد،
مطبعة السعادة، ط 8، 1960م.
25) البحراني، السيد هاشم (ت 1107هـ)، البرهان في تفسير
القرآن، تحقيق: قسم الدراسات الإسلامية، مؤسسة البعثة، قم، (د ط)، (د ت).
26) البغدادي، أبي بكر محمد بن سهيل، الأصول في النحو، تحقيق
عبد الحسين الفتلي، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1996.
27) البغدادي، عبد القادر بن عمر (ت 1093هـ)، خزانة الأدب
ولب لباب لسان العرب، تحقيق وشرح: عبد السلام محمد هارون، مكتبة الخانجي، القاهرة،
ط4، 1418 هـ، 1997م.
28) بوغازي، صباح، خصائص الخطاب العلمي في حوار البيروني
وابن سينا، رسالة ماجستير، جامعة باجي مختار، عنابة، الجزائر، 2011 م، 2012 م.
29) تفسير الإمام العسكري(عليه السلام)، المنسوب إلى الإمام
العسكري(عليه السلام)
(ت 260 هـ)، تحقيق: مدرسة الإمام المهدي (عليه السلام)، مطبعة مهر، قم المقدسة،
ط1، ربيع الأول 1409 هـ.
30) التونسي، محمد الطاهر بن محمد بن محمد الطاهر بن عاشور
(ت 1393هـ)، التحرير والتنوير - تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير
الكتاب المجيد، الدار التونسية للنشر - تونس، 1984هـ.
31) الثعالبي، أبو زيد عبد الرحمن بن محمد بن مخلوف (ت
875هـ)، الجواهر الحسان في تفسير القرآن، تحقيق: الشيخ محمد علي معوض والشيخ عادل
أحمد عبد الموجود، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط1، 1418 هـ.
32) الثعلبي، أبو إسحاق أحمد بن إبراهيم (ت 427 هـ)، الكشف
والبيان عن تفسير القرآن، تحقيق: مجموعة من الباحثين، أشرف على إخراجه: د. صلاح
باعثمان، د. حسن الغزالي، أ. د. زيد مهارش، أ. د. أمين، دار التفسير، جدة -
المملكة العربية السعودية، ط1، 1436 هـ، 2015 م.
33) الجرجاني، الدار أبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن
محمد الفارسي الأصل، (ت 471هـ)، دَرْجُ الدُّرر في تَفِسيِر الآيِ والسُّوَر،
دراسة وتحقيق: (الفاتحة والبقرة) وَليد بِن أحمد بن صَالِح الحُسَيْن، (وشاركه في
بقية الأجزاء): إياد عبد اللطيف القيسي، مجلة الحكمة، بريطانيا، ط1، 1429 هـ، 2008
م.
34) الجرجاني، عبد القاهر، المقتصد في شرح الإيضاح، تحقيق
كاظم بحر مرجان مطبعة دار الرشيد، بغداد، 1982، ج1.
35) الجرجاني، علي بن محمد بن علي الزين الشريف (ت 816هـ)،
التعريفات، ضبطه وصححه: جماعة من العلماء بإشراف الناشر، دار الكتب العلمية بيروت،
لبنان، ط1، 1403هـ -1983م.
36) الجرجاويّ الأزهري، خالد بن عبد الله بن أبي بكر بن محمد
زين الدين(ت 905هـ)، شرح التصريح على التوضيح أوالتصريح بمضمون التوضيح في النحو،
دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط1، 1421هـ، 2000م.
37) الجطلاوي، الهادي، قضايا اللغة في كتب التفسير (المنهج -
التأويل - الإيجاز)، كليَّة الآداب، تونس، ط1، 1413هـ.
38) الحاج، ذهبية حمو، لسانيات التلفظ وتداولية الخطاب، دار
الأمل للطباعة والنشر والتوزيع، (د ط)، (د ت).
39) حسان، تمام، اللغة العربية معناها ومبناها، عالم الكتب،
القاهرة، ط5، 2006م.
40) حمودة، طاهر سلمان، دراسة المعنى عند الأصوليين، الدار
الجامعية للطباعة، مصر، 1983م.
41) حيدر، فريد عوض، علم الدلالة دراسة نظرية تطبيقية، مكتبة
الآداب، القاهرة، ط1، 2005م.
42) خفاجي، عبدالمنعم، فرهود، محمد السعدي، شرف، عبدالعزيز،
الأسلوبية والبيان العربي، المطبعة الفنية، الدار المصرية اللبنانية، القاهرة، ط1،
1412هـ، 1992م.
43) الخولي، محمد علي، معجم علم اللغة النظري، ط1، لبنان،
1982م.
44) الخوئي، السيد أبو القاسم الموسوي، أجود التقريرات، (د
ط)، (د ت).
45) الداية، فايز، علم الدلالة العربي النظرية والتطبيق، دار
الفكر، دمشق، ط2، 1996م.
46) الدرة، ضرغام، التطور الدلالي في لغة الشعر، دار أسامة
للنشر والتوزيع، عمان، ط1، 2009م.
47) دهمان، أحمد علي، الصورة البلاغية عند عبد القاهر
الجرجاني (منهجاً وتطبيقاً)، دار طلاس للدراسات والترجمة والنشر، دمشق، ط1،
1406هـ، 1986م.
48) الرازي، أبو عبد الله محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين
الملقب بفخر الدين (ت 606هـ)، مفاتيح الغيب - التفسير الكبير، دار إحياء التراث
العربي، بيروت، ط3، 1420هـ.
49) الرازي، زين الدين أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن عبد
القادر الحنفي (ت 666هـ)، أنموذج جليل في أسئلة وأجوبة عن غرائب آي التنزيل،
تحقيق: د. عبد الرحمن بن إبراهيم المطرودى، دار عالم الكتب المملكة العربية
السعودية، الرياض، ط1، 1413 هـ، 1991 م.
50) رسائل في النحو واللغة - رسالة الحدود في النحو للرماني،
تحقيق: مصطفى جواد، يوسف يعقوب مسكوني، بغداد، دار الجمهورية، 1969م، 1388ﻫـ.
51) الرضي الاستراباذي (ت 688هـ)، شرح الرضي على الكافية،
تصحيح وتعليق: يوسف حسن عمر، جامعة قاريونس، (د ط)، 1978م.
52) الزمخشري، أبو القاسم محمود بن عمرو بن أحمد جار الله (ت
538هـ)، الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل، دار الكتاب العربي، بيروت، ط3، 1407 هـ.
53) الزمخشري، أبو القاسم محمود بن عمرو بن أحمد، جار الله
(ت 538هـ)، المفصل في صنعة الإعراب، تحقيق: د. علي بو ملحم، مكتبة الهلال، بيروت،
ط1، 1993م.
54) الزمخشري، أبي القاسم محمود بن عمر، المفصل في علم
العربية، مطبعة التقدم، القاهرة، ج1.
55) الزَّناد، الأزهر، نسيج النّص - بحث فيما يكون به
الملفوظ نصّاً، المركز الثقافي العربي، ط1، 1993 م.
56) الزيادي، حاكم مالك، الترادف في اللغة، الدار الوطنية،
بغداد، (د ط) 1980م.
57) السامرائي، إبراهيم، التطور اللغوي التاريخي، دار
الأندلس، بيروت، ط2، 1981م.
58) ستيفن، أولمان، دور الكلمة في اللغة، ترجمة وتقديم
وتعليق: د. كمال بشر، دار غريب، القاهرة، ط12، (د ت).
59) السد، نور الدين، الأسلوبية وتحليل الخطاب، دار هومة
للطباعة والنشر والتوزيع، (د ط)، الجزائر، 1997م.
60) السعران، محمود، علم اللغة مقدمة للقارئ العربي، دار
النهضة العربية، بيروت، (د ط)، (د.ت).
61) السكاكيّ، أبو يعقوب يوسف ابن أبي بكر بن محمد بن علي،
مفتاح العلوم، تحقيق: أكرم عثمان يوسف، مطبعة دار الرسالة، بغداد، (د ط) 1402هـ،
1982م.
62) السمرقندي، أبو الليث نصر بن محمد بن أحمد بن إبراهيم (ت
373هـ)، بحر العلوم، (د ط)، (د ت).
63) السهيلي، أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد (ت
581هـ)، نتائج الفكر في النَّحو، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1412، 1992 م.
64) السيد البطلميوسي، أبو محمد عبد الله بن محمد ابن (ت 521
هـ)، الحلل في شرح أبيات الجمل، تحقيق: يحيى مراد، دار الكتب العلمية، بيروت، ط:
1، 2002 م.
65) السيد الطباطبائي (ت 1402 هـ)، الميزان في تفسير القرآن،
مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة، (د ط)، (د ت).
66) السيرافي، أبو سعيد الحسن بن عبد الله بن المرزبان (ت
368 هـ)، شرح كتاب سيبويه، تحقيق: أحمد حسن مهدلي، علي سيد علي، دار الكتب
العلمية، بيروت، لبنان، ط1، 2008م.
67) السيوطي، جلال الدين، المزهر في علوم اللغة وأنواعها،
شرحه وضبطه وصححه وعنون موضوعاته وعلق حواشيه: محمد أحمد جاد المولى، ومحمد أبو
الفضل إبراهيم، وعلي محمد البجاوي، دار التراث، القاهرة، ط3، (د.ت).
68) السيوطي، عبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين (ت 911هـ)،
همع الهوامع في شرح جمع الجوامع، تحقيق: عبد الحميد هنداوي، المكتبة التوفيقية،
مصر، (د ط)، (د ت).
69) الشاذلي، أبو السعود حسنين، المركب الاسمي وأنماطه من
خلال القرآن الكريم، دار المعرفة الجامعية، الاسكندرية، (د.ت).
70) الشجري، ضياء الدين أبو السعادات هبة الله بن علي بن
حمزة (ت 542هـ)، أمالي ابن الشجري، تحقيق: د. محمود محمد الطناحي، مكتبة الخانجي،
القاهرة، ط1، 1413 هـ - 1991م.
71) الشريف المرتضى (ت: 436 هـ)، الأمالي، تصحيح وتعليق:
الشيخ أحمد بن الأمين الشنقيطي، منشورات مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي،
ط1، 1325هـ - 1907 م.
72) الشنتمري، أبو الحجاج يوسف بن سليمان بن عيسى الأعلم (ت
476هـ)، النكت في تفسير كتاب سيبويه، قرأه وضبط نصّه: د. يحيى مراد، دار الكتب
العلمية، بيروت ـ لبنان، ط1، 2005م.
73) الشيخ الحويزي (ت 1112 هـ)، تفسير نور الثقلين، تصحيح
وتعليق: السيد هاشم الرسولي المحلاتي، مؤسسة إسماعيليان للطباعة والنشر والتوزيع،
قم، ط4، 1412 هـ - 1370 ش.
74) الشيخ الطبرسي (ت 548 هـ)، مجمع البيان في تفسير القرآن،
تحقيق وتعليق: لجنة من العلماء والمحققين الأخصائيين، تقديم: السيد محسن الأمين
العاملي، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت، لبنان، ط1، 1415، 1995 م.
75) الشيخ الطوسي (ت 460 هـ)، التبيان في تفسير القرآن،
تحقيق وتصحيح: أحمد حبيب قصير العاملي، مطبعة مكتب الإعلام الإسلامي، ط1، رمضان
المبارك 1409هـ.
76) الصبان، محمد (ت1206هـ)، حاشية الصبّان على شرح الأشموني
على ألفية ابن مالك، تحقيق محمود بن الجميل، مكتبة الصفا، القاهرة، ط1، 1423هـ،
2002م.
77) الصعيدي، عبد المتعال، بغية الايضاح لتلخيص المفتاح في
علوم البلاغة، مكتبة الاداب، القاهرة، 2005.
78) الطبري، محمد بن جريرالآملي أبو جعفر(ت 310هـ)، تفسير
الطبري - جامع البيان عن تأويل آي القرآن، تحقيق: د. عبد الله بن عبد المحسن
التركي، دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان، ط1، 1422 هـ، 2001 م.
79) ظاظا، حسن، كلام العرب من قضايا اللغة العربية، دار
النهضة العربية، بيروت، (د ط)، 1976م.
80) عبد الجليل، منقور، علم الدلالة – أصوله ومباحثه في
التراث العربي، مكتبة الأسد، دمشق، 1422 هـ، 2001م.
81) عبد الله، محمد، الطائي الجياني، ابن مالك، شرح الكافية
الشافية، تحقيق: عبد المنعم أحمد هريدي، جامعة أم القرى مركز البحث العلمي وإحياء
التراث الإسلامي كلية الشريعة والدراسات الإسلامية، مكة المكرمة، ط1، (د ت).
82) عبدالتواب، رمضان، التطور اللغوي مظاهره وعلله وقوانينه،
مكتبة الخانجي، القاهرة، ط1، 1983م.
83) عبدالتواب، رمضان، لحن العامة والتطور اللغوي، مكتبة
زهراء الشرق، القاهرة، ط2، 2000م.
84) عبدالمطلب، محمد، البلاغة العربية، قراءة أخرى، الشركة
المصرية العالمية للنشر، لونجمان، دار نوبار للطباعة، القاهرة، ط1، 1997م.
85) العزاوي، نعمة رحيم، النقد اللغوي بين التحرر والجمود،
دائرة الشؤون الثقافية والنشر، بغداد، 1984م.
86) العقـيلـي، بهـاء الديـن عبـدالله بـن عقيـل (ت769هـ)،
شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك، تحقيق: محمد محيي الديـن عبد الحميـد، ط2، دار
الفكـر، دمشق 1985م.
87) عكاشة، محمود، التحليل اللغوي في ضوء علم الدلالة -
دراسة في الدلالة الصوتية والصرفية والنحوية والمعجمية، ط1، دار النشر للجامعات،
القاهرة، 1426هـ، 2005م.
88) العكبري، أبو البقاء عبد الله بن الحسين بن عبد الله محب
الدين (ت 616هـ)، اللباب في علل البناء والإعراب، تحقيق: د. عبد الإله النبهان،
دار الفكر، دمشق، ط1، 1416هـ، 1995م.
89) عمر، أحمد مختار، علم الدلالة، عالم الكتب، القاهرة، ط5،
1998م.
90) عمران، قدور، البعد التداولي والحجاجي في الخطاب القرآني
الموجه إلى بني اسرائيل، عالم الكتب الحديث للنشر والتوزيع، إربد، الأردن، ط1،
2012 م.
91) العياشي، محمد بن مسعود (ت 320 هـ)، تفسير العياشي،
تحقيق: الحاج السيد هاشم الرسولي المحلاتي، المكتبة العلمية الإسلامية، طهران (د
ط)، (د ت).
92) الفراهيدي، أبو عبد الرحمن الخليل بن أحمد بن عمرو بن
تميم (ت 170هـ)، الجمل في النحو، تحقيق: د. فخر الدين قباوة، ط5، 1416هـ، 1995م.
93) الفضلي، عبد الهادي، اللامات دراسة نحوية شاملة في ضوء
القراءات القرآنية، دار القلم، بيروت، لبنـان، ط 1، 1980م.
94) الفيروزآبادى، مجد الدين أبو طاهر محمد بن يعقوب (ت
817هـ)، تنوير المقباس من تفسير ابن عباس، ينسب: لعبد الله بن عباسO (ت 68هـ)،
جمعه: دار الكتب العلمية، لبنان.
95) الفيض الكاشاني (ت 1091 هـ)، التفسير الأصفى، تحقيق:
مركز الأبحاث والدراسات الإسلامية، مطبعة مكتب الإعلام الإسلامي، مركز النشر
التابع لمكتب الإعلام الإسلامي، ط1، 1418 هـ - 1376 ش.
96) الفيض الكاشاني (ت 1091 هـ)، التفسير الصافي، صححه وقدم
له وعلق عليه: العلامة الشيخ حسين الأعلمي، مؤسسة الهادي - قم المقدسة، ط2، رمضان
1416 - 1374 ش.
97) القاسمي، علي، المعجمية العربية بين النظرية والتطبيق،
مكتبة لبنان ناشرون، بيروت، ط1، 2003م.
98) القرطبي، أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح
الأنصاري الخزرجي شمس الدين (ت671هـ)، الجامع لأحكام القرآن - تفسير القرطبي،
تحقيق: أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش، دار الكتب المصرية، القاهرة، ط2، 1384هـ -
1964م.
99) القزويني الرازي، أحمد بن فارس بن زكرياء، معجم مقاييس
اللغة، دار الفكر، لبنان، 1985.
100)
القصَّاب، أحمد محمد بن
علي بن محمد الكَرَجي (ت: نحو 360هـ)، النكت الدالة على البيان في أنواع العلوم
والأحكام، تحقيق: علي بن غازي التويجري، إبراهيم بن منصور الجنيدل، شايع بن عبده
بن شايع الأسمري، دار النشر: دار القيم - دار ابن عفان، ط1، 1424 هـ، 2003 م.
101)
القفطي، جمال الدين أبو
الحسن علي بن يوسف (ت 646هـ)، إنباه الرواة على أنباه النحاة، تحقيق: محمد أبو
الفضل إبراهيم، دار الفكر العربي، القاهرة، ومؤسسة الكتب الثقافية، بيروت، ط1،
1406 هـ - 1982م.
102)
القيسي القيرواني،
حَمّوش بن محمد بن مختار (ت 437هـ)، الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن
وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه، تحقيق: مجموعة رسائل جامعية بكلية الدراسات
العليا والبحث العلمي، جامعة الشارقة، بإشراف أ. د: الشاهد البوشيخي، الناشر: مجموعة
بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة، الطبعة:
الأولى، 1429 هـ، 2008م.
103)
الكاشاني، الملا فتح
الله (ت988هـ)، زبدة التفاسير، تحقيق: مؤسسة المعارف، پاسدار اسلام مؤسسة المعارف
الإسلامية، قم، إيران، ط1، 1423 هـ.
104)
الماتريدي، محمد بن محمد
بن محمود أبو منصور (ت 333هـ)، تفسير الماتريدي - تأويلات أهل السنة، تحقيق: د.
مجدي باسلوم، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط1، 1426 هـ - 2005م.
105)
ماريو باي، أسس علم
اللغة، ترجمة وتعليق: د. أحمد مختار عمر، عالم الكتب، القاهرة، ط8، 1998م.
106)
الماوردي، أبو الحسن علي
بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي (ت 450هـ)، تفسير الماوردي (النكت
والعيون)، تحقيق: السيد ابن عبد المقصود بن عبد الرحيم، دار الكتب العلمية، بيروت،
لبنان، (د ط)، (د ت).
107)
المبارك، محمد، فقه
اللغة وخصائص العربية، دار الفكر، دمشق، ط2، 1964م.
108)
المبرد، أبي العباس محمد
بن يزيد، المقتضب، تحقيق محمد بن عبد الخالق عظيمة، القاهرة، 1994.
109)
المجاشعي، أبو الحسن
المعروف بالأخفش الأوسط (ت 215هـ)، معاني القرآن للأخفش، تحقيق: الدكتورة هدى
محمود قراعة، مكتبة الخانجي، القاهرة، ط1، 1411 هـ، 1990م.
110)
مجاهد، عبد الكريم،
الدلالات اللغوية عند العرب، دار الضياء، عمان، (د ط)، 1985م.
111)
المجلسي، الشيخ محمد
باقر، بحار الأنوار، مؤسسة الوفار، لبنان، 1987.
112)
محمد، عبدالكريم شديد،
المشترك اللفظي في اللغة العربية، مركز البحوث والدراسات الإسلامية في ديوان الوقف
السني، بغداد، (د ط)، 2007م.
113)
محمد، محمَّد سالم،
التعليل في القرآن الكريم دراسةً وتفسيراً، أولاد عثمان للطباعة، ط1، 1415هـ.
114)
المخزومي، مهدي، في
النحو العربي قواعد وتطبيق، دار الرائد العربي، بيروت، لبنان، ط2، 1406هـ، 1986م.
115)
المرادي، المعروف بابن
أم قاسم، توضيح المقاصد والمسالك بشرح ألفية ابن مالك، تحقيق الدكتور عبد الرحمن
علي سليمان، دار الفكر العربي، القاهرة، 2001، ج2.
116)
المرسي، أبو الحسن علي
بن إسماعيل بن سيدة (ت 458هـ)، المحكم والمحيط الأعظم، تحقيق: عبد الحميد هنداوي،
دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1421 هـ، 2000 م.
117)
المشهدي، الشيخ محمد بن
محمد رضا القمي (ت 1125هـ)، تفسير كنز الدقائق وبحر الغرائب، تحقيق: حسين درگاهي،
مؤسسة الطبع والنشر وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي، ط1، 1411هـ - 1990م.
118)
المصري المالكي، أبو
محمد بدر الدين حسن بن قاسم بن عبد الله بن عليّ المرادي (ت 749هـ)، الجنى الداني
في حروف المعاني، تحقيق: د فخر الدين قباوة، الأستاذ محمد نديم فاضل، دار الكتب
العلمية، بيروت، لبنان، ط1، 1413 هـ، 1992م.
119)
موسوعة الإمام العسكري
(عليه السلام)، مؤسسة ولي العصر(عليه السلام) للدراسات الإسلامية، تحقيق: السيد
محمد الحسيني القزويني، السيد محمد الموسوي، الشيخ عبد الله الصالحي، الشيخ مهدي
الإسماعيلي، السيد أبو الفضل الطباطبائي، المطبعة شريعت، مؤسسة ولي العصر (عليه
السلام) للدراسات الإسلامية، ايران، قم، ط1، ذي القعدة 1426هـ.
120)
نحلة، محمود أحمد،
التعريف والتنكير بين الشكل والدلالة، القاهرة، (د ط)، 1999م.
121)
النحوي، علي بن محمد،
الازهية في علم الحروف، تحقيق عبد المعين الملوجي، بغداد، 1993.
122)
النويري، أحمد بن عبد
الوهاب بن محمد بن عبد الدائم القرشي التيمي البكري، شهاب الدين (ت 733هـ)، نهاية
الأرب في فنون الأدب، دار الكتب والوثائق القومية، القاهرة، ط1، 1423هـ.
123)
النيسابوري، أبو الحسن
علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، (ت 468هـ)، الوسيط في تفسير القرآن المجيد،
تحقيق وتعليق: الشيخ عادل أحمد عبد الموجود، الشيخ علي محمد معوض، د. أحمد محمد
صيرة، د. أحمد عبد الغني الجمل، د. عبد الرحمن عويس، قدمه وقرظه: أ د. عبد الحي الفرماوي،
دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط1، 1415 هـ، 1994م.
124)
الهاشمي، أحمد بن
إبراهيم بن مصطفى (ت 1362هـ)، جواهر البلاغة في المعاني والبيان والبديع، ضبط
وتدقيق وتوثيق: د. يوسف الصميلي، المكتبة العصرية، بيروت.
125)
هدسون، علم اللغة
الاجتماعي، ترجمة محمود عيَّاد، عالم الكتب، القاهرة، ط2، 1990 م.
126)
وافي، علي عبد الواحد،
علم اللغة، دار نهضة مصر، القاهرة، ط9، 2004م.
127)
يقطين، سعيد، فضاء النص
الرِّوائي، دار الحوار للنشر والتوزيع، سوريا، ط1، 1996 م.
128)
اليمني، علي بن سليمان،
كشف المشكل في النحو، تحقيق هادي بن عطية مطر، مطبعة الإرشاد، بغداد.
الرسائل والأطاريح:
البياتي، سناء حميد، نظام الجملة العربية، رسالة
ماجستير، كلية الآداب، جامعة بغداد، 1404هـ، 1983م.
فضيلة، بلعالم، المنهج الحجاجي في القرآن عند الشعراوي،
أطروحة دكتوراه، جامعة وهران الجزائر، 2013م، 2014م.
البحوث والمجلات
إبرير، بشير، من لسانيات الجملة إلى علم النص، مجلة التواصل، عنابة، العدد 14، جوان 2005م.
السالم، صباح عباس، التقسيم الصرفي في الكلمة العربية،
مجلة الأستاذ، كلية التربية، ابن رشد، جامعة بغداد، العدد 5، 1990م.
مرتاض، عبد
الجليل، لسانيات الملفوظ نظرياً وتطبيقياً، مجلة الممارسات اللغوية، جامعة مولود
معمري – تيزي وزو، الجزائر، العدد التجريبي (0)، 2010 م.
المراجع الإنكليزيَّة
De manière général souvent employé comme
synonyme de Phrase " ou d’ensemble de phrases qui se suivent "
Galisson (R) et Coste (D), Enoncé, Un énoncé peut être formé d’une ou plusieurs
phrases Voir: Jean Dubois et autres
Dubois Jean & autre Dictionnaire de
linguistique et des sciences du langage Larousse – Bods Her 1999.
Oswald Ducrot et AL: Les mots du discours Les
editions de Minuit paris p 1984
Voir: Rodolphe Ghiglione L homme communiquant