بناء الشخصية الإسلامية في تراث
الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) -قراءة تربوية موازنة على وفق منهج الثقلين-
The Formation of the Islamic
Personality in the Legacy of Imam Al-Hasan Al-Askari (PBUH): A Balanced
Educational Reading Based on the Thaqalayn Methodology
الشيخ الدكتور
عماد
الكاظمي
العتبة الكاظمية المقدسة
Shrikh Dr. Imad Al-Kadhimy
The Holy Kadhimiya Shrine
الملخص:
الحمد لله رب العالمين، والصلاة على
النبي الأمين، وعلى آله الأئمة الهداة المعصومين.
إنَّ التراث العلمي للأئمة (عليهم
السلام) بحاجة إلى دراسة وتحليل، وبيان لأهمية التوفيق بينهم وبين الواقع الذي
يعيشه الإنسان بصورة عامة؛ للتعرُّف على المنهج الإسلامي الرائد في إيجاد السبيل
الذي يحقق للإنسان سعادته، وإنَّ التربية مسألة مهمة في حياة الإنسان، وبها
تتقوَّم شخصيته نحو سلوك معيَّن، والإنسان على وفق فطرته يحاول أنْ يبحث عن كماله،
والأخلاق تمثِّل إحدى مقومات الكمال للشخصية، بل من أهم مقوماته، والإسلام قد أكد
على هذا الجانب من خلال مصادر تشريعاته المباركة.
وإنَّ للإمام الحسن العسكري(عليه
السلام) أحاديث ووصايا متعددة مهمة قد تضمَّنتها المصادر الحديثية، وأحاول في هذه
الصفحات من البحث قراءة ذلك قراءة تربوية موجزة موازنة على وفق منهج الثقلين
(القرآن والعترة)؛ لبيان مدى توافقهما من حيث المبدأ والغاية في التربية وبناء
الشخصية الإسلامية من جهة، وبيان الدروس المُفادة من ذلك من جهة أخرى؛ إحياء
لتراثهم (عليهم السلام) وبناء مجتمع إسلامي قائم على المبادىء والقِيم الإلهية.
وقد تم اختيار أحاديث تربوية مختلفة
ودراستها وبيان مدى أهميتها في بناء الشخصية الإسلامية وتربيتها، وتقسيم البحث على
مباحث ثلاثة، وكل مبحث على مطلبين، تناول المبحث الأول: البناء الذاتي. والمبحث
الثاني: البناء العقدي والفكري. والمبحث الثالث: البناء التربوي.
الكلمات
المفتاحية: الإمام الحسن العسكري(عليه السلام)،
البناء الذاتي، البناء التربوي، الموعظة.
Abstract:
Praise be to Allah, Lord of the
Worlds, and blessings upon the trustworthy Prophet, and upon his purified
Household, the infallible, guiding Imams. The intellectual and ethical legacy
of the Imams (PBUT) demands careful study, critical analysis, and a conscious
effort to harmonize their teachings with the realities of contemporary human
life. This engagement enables us to grasp the pioneering Islamic methodology
for achieving true human felicity. Education is a pivotal matter in human life, for it shapes an
individual’s character and directs their
conduct toward a defined moral path. By nature, the human being strives to
attain perfection, and ethics constitute one of the most essential components,
the cornerstone, of personal perfection. Islam has emphatically underscored
this dimension through its blessed legislative sources. Imam Al-Ḥasan Al-Askari
(PBUH) has left behind numerous significant hadiths and counsels preserved in
classical hadith sources. In this study, I undertake a concise yet balanced
educational reading of these texts, guided by the methodology of Al-Thaqalayn,
the Qur’an and the Prophet’s purified Progeny
(Ahl Al-Bayt) (PBUT) in order to demonstrate the fundamental harmony between
the Qur’an and the Imams’ teachings in
principle and purpose regarding education and the construction of the Islamic
personality, and extract the practical educational lessons embedded therein,
thereby reviving their noble legacy and contributing to the formation of an
Islamic society rooted in divine principles and values.
The research selects a range of
educational hadiths, analyzes them, and elucidates their significance in
shaping and nurturing the Islamic personality. It is structured into three main
sections, each comprising two subsections. Section one titled Personal (Self)
Development. Section two titled Doctrinal and Intellectual
Development, and section three was Educational (Tarbiyyah-Oriented) Development.
key
words: Imam Al-Ḥasan Al-Askai
(pbuh), self-formation, educational formation, sermon.
مقدمة:
فالأخلاق والتربية لهما أثر كبير في بناء الشخصية بصورة عامة،
والإسلامية خاصة، والقرآن الكريم قد قرر هذه الحقيقة في الجانبين، ففي الأول يمكن
الركون إلى قوله تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ
أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾[4]،
فالإحسان والإساءة موضوعان تربويان متقابلان عند الإنسان عامة، ويمكن معرفتهما بلا
تأمل بل بأدنى توجه للعقل تجاههما، ومعرفة آثارهما على الفرد والمجتمع، ولا يمكن
أنْ ينكر العقلاء ذلك، والقرآن الكريم إنما قرر هذه الحقيقة العقلية، غيرها من
الآيات المباركة. وفي الأخرى فالقرآن بيَّن ذلك في موارد متعددة، قال تعالى: ﴿يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا
خَيْراً مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً
مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ
الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ
الظَّالِمُونَ﴾[5]،
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ
الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ
بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً
فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾[6].
إنَّ الشخصية الإسلامية هي الشخصية القادرة على التحكُّم بالذات على
وفق عقيدتها بالله تعالى، والقائمة بين العبد والمولى، والعقيدة الإسلامية لها فضل
كبير على مناهج التربية التي تسعى لبناء الإنسان؛ لتأكيدها على دور الإيمان والعلم
معاً في بناء شخصية الإنسان، فاستطاعت أنْ تجعل من ذلك الإنسان الجاهلي الباحث عن
منافعه الذاتية الخاصة أنْ يضحِّي بالنفس والنفيس في سبيل دينه ومجتمعه، وبلغَتْ
آفاق التحوُّل في نفسه إلى المستوى الذي يُؤثِرُ فيه مصالح أبناء جنسه على منافع
نفسه[7]،
وقد أشار تعالى إلى هذه الصفة الكبيرة في هذا التحوُّل العقدي التربوي الكبير
بقوله عزّ وجلّ: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ
قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ
حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ
خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾[8].
وإنَّ من أهم صفات الشخصية الإسلامية:
أولاً: الراحة النفسية ونعيم الآخرة: وهي مفتاح السعادة في هذه
الدنيا؛ لأنَّ السعادة لا تقاس بكمية الأموال المخزونة عند الإنسان، ولا بعدد
الأولاد أو البنات.
ثانياً: الإيجابية: ومعناها الاهتمام بالقضايا العامة، وتكون مصاديق
الاهتمام على مراتب متعددة حسب المقام.
ثالثاً: الحركية، فالشخصية الإسلامية ليست جامدة، إنما هي شعلةٌ من
نورٍ يهدي العباد بسلوكه المرسوم من الله تعالى.
رابعاً: التغيرية، فتغيير الأمة نتيجة حتمية لتكوين شخصيات إسلامية؛
لأنَّ الشخصيةَ الإسلاميةَ إسلامٌ متحركٌ أولاً، ولأنه عنصرُ الإشعاعِ بفكرته
ومبدئه ثانياً، فهو لا يكتفي أنْ يكون إنساناً صالحاً وإنما هو مُغَيِّرٌ لأبناء
أمته لتكثير عدد الصالحين منهم للتقرب إلى الله تعالى.
خامساً: القيادية، فإنَّ الشخصيةَ الإسلامية لا تخضع لتأثيرِ مجتمعٍ،
أو محيطٍ، أو بيئةٍ، أو عادةٍ، أو وراثةٍ، ولا تتخاذل في الميدان، فإنها ترغم
الناس لإطاعتها بوصفها الوجه التطبيقي لنظام الله للبشر الذي بعث لهداية الناس
وقيادتهم إلى الحياة الحرة الكريمة وإلى نعيم الآخرة[9].
- المبحث الأول: البناء الذاتي.
المطلب الأول: التواضع.
المطلب الثاني: الموعظة.
- المبحث الثاني: البناء العقدي والفكري.
المطلب الأول: الإيمان بالله ونفع الإخوان.
المطلب الثاني: التفكر.
- المبحث الثالث: البناء التربوي.
المطلب الأول: حقوق الإخوة.
المطلب الثاني: الأسرة.
المبحث الأول
البناء الذاتي
المطلب الأول: التواضع.
قال الإمام الحسن العسكري (عليه السلام):
«مَنْ رَضِيَ بِدُوْنِ الشَّرَفِ مِنَ الْمَجْلِسِ، لَمْ يَزَلِ اللهُ
وَمَلَائِكَتُهُ يُصَلُّوْنَ عَلَيْهِ حَتَّى يَقُوْمَ»[10].
إنَّ التواضع من الصفات الممدوحة عند العقلاء، وهي من فضائل الأخلاق
التي يجب أنْ يتحلَّى الإنسان بها عامة، والمؤمن خاصة. ويقابلها (الكِبر) وهو من
الصفات المذمومة، فيجب أنْ يراعي الإنسان هذه المفردة الأخلاقية التي تعبِّر عن
حقيقته من جهة، وتؤكد تربيته الإيمانية من خلال مدى تمسكه بتعاليم الشريعة المقدسة
من جهة ثانية، والدعوة إلى الامتثال لتلك التعاليم في سلوكه العملي الذي يظهر عليه
من جهة ثالثة.
1- الأثر الباطني في النفس الإنسانية ومدى تأثُّرها بذلك، وهي قوة
معنوية داخلية لها سلطة على التفكير ابتداء، وعلى السلوك انتهاءً، ورؤيتها إلى
الآخرين.
2- الأثر الواقعي الذي يعكس الأثر الباطني للنفس الإنسانية من خلال
(الأقوال، والأفعال)، فالأقوال صورة لذلك الانكسار الحقيقي باللسان، والأفعال هي
صورة واقعية أخرى تترجم ذلك الخلق الباطني.
والتواضع ليس مجرد كلمات
يترنَّم بها الإنسان، أو أفعال معينة تصدر منه، بل يجب أنْ تكون مَلَكَةً في نفسه؛
ليستطيع من خلالها أنْ يؤدي رسالته الإنسانية والإيمانية في المجتمع، ويبرز آثارها
لتكون شاخصة للآخرين، وكانت من أعظم صفات النبي (صلى الله عليه وآله) في الأمة،
حيث قال تعالى في بيان ذلك: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ
كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ
وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ
عَلَى اللهِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾[12].
وإنَّ الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) يُظْهِر لنا في هذا الأمر
صورة واقعية من الصور التي يعيشها الإنسان في المجتمع، وعند تعامله مع الآخرين لها
علاقة وثيقة بالتواضع، فقوله: «مَنْ رَضِيَ بِدُوْنِ الشَّرَفِ مِنَ الْمَجْلِسِ،
لَمْ يَزَلِ اللهُ وَمَلَائِكَتُهُ يُصَلُّوْنَ عَلَيْهِ حَتَّى يَقُوْمَ»،
فالحديث ظاهر في دلالته من الناحيتين العملية (الأثر الواقعي) الذي يترجم الناحية
العلمية (الأثر الباطني)، والذي يتطلب جهاداً صادقاً للنفس، تظهر آثاره سلوك على
الفرد في المجتمع، وبناء العلاقات الإنسانية القائمة على محبة الآخرين.
إنَّ هذا الحديث للإمام الحسن
العسكري (عليه السلام) من الأحاديث التي نرى أهمية إيجادها في العلاقات الاجتماعية
والتمسك به، وما في ذلك من آثار إيجابية فردية ومجتمعية، وإنَّ عدم الامتثال لتلك
التعاليم يكون سبباً رئيساً لمشاكل واختلافات متعددة، فضلاً عن خسران ذلك الثواب
العظيم الذي أعده الله تعالى لعباده المتواضعين حيث الآثار الكبيرة لها (لَمْ
يَزَلِ اللهُ وَمَلَائِكَتُهُ يُصَلُّوْنَ عَلَيْهِ حَتَّى يَقُوْمَ)، وفي ذلك
يتحقق المعنى التام لمصداق (العبودية).
وإنَّ هذا الخُلُق الرفيع
الذي يتخلَّق به الإنسان المؤمن إنما هو نعمة من نِعَم الله تعالى يُنعمها على
عبده، وعلى العبد أنْ يؤدي شكرها بامتثاله للتعاليم المقدسة، ولكن الناس -للأسف-
على وفق جهلهم بحقيقة هذه النعمة وأثرها على النفس وآثارها في المجتمع، فهم غافلون
عنها؛ لذلك لا يحسدون أصحابها عليها، ولا يتسابقون نحوها، مع أنها كنز معنوي كبير
يستحق الحسد أو الغبطة لعظمته، والإمام الحسن العسكري(عليه السلام) يشير على هذه
الحقيقة بأسلوب لطيف في إحدى روائعه التربوية إذ يقول: «التَّوَاضُعُ نِعْمَةٌ لَا
يُحْسَدُ عَلَيْهَا»[13].
وهناك روايات متعددة في بيان ما يتعلق بهذه المفردة المهمة من مفردات
الأخلاق في النظام الإسلامي لأجل بيان الآثار التربوية التكاملية على الفرد
والمجتمع، ومنها:
- روي عن النبي (صلى الله عليه وآله): «مَا لِيَ لَا أَرَى عَلَيْكُمْ
حَلَاوَةَ الْعِبَادَةِ؟ قَالُوْا: وَمَا حَلَاوَةُ الْعِبَادَةِ؟ قَالَ:
التَّوَاضُعُ»[14].
فالتواضع من الموضوعات التي لها علاقة بعبادة العبد لله تعالى، بل هو
له طعم خاص في العبودية؛ حيث بيان مدى تأثُّر الإنسان في بيان حقيقة العبودية،
القائمة على فضائل الأخلاق، وهذا الحديث فيه إشارة إلى أهمية ذلك، والحث على
الدعوة إلى مكارم الأخلاق وفضائلها[15].
- وروي عنه (صلى الله عليه وآله): «تَوَاضَعُوْا حَتَّى لَا يَبْغِيْ
أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ»[16].
إنَّ في الحديث بيان وهم على آثار التواضع في الحفاظ على المجتمع من
أي انحراف أخلاقي، من خلال حفظ حقوق الآخرين، والتمسك بالواجبات التي يجب أنْ
يكونوا عليها، وهذا السبيل هو أحد تلك السبل التي تحافظ على المجتمع من الاعتداءات
المعنوية والمادية فيما بينهم.
- روي عن الإمام علي(عليه السلام): «التَّوَاضُعُ يَنْشُرُ
الْفَضِيْلَةِ»[17].
إنَّ الإمام (عليه السلام) يبيِّن الآثار العملية التربوية للتواضع،
وما يمكن بيانه من خلال سلوك أصحابه، ولمَّا كان الإسلام في نظامه يدعو إلى بيان
ذلك، فقد بيَّن الحديث أحد تلك المناهج التربوية في نشر الفضائل، فبالتواضع تنتشر
المحبة بين الجميع، والإحسان والتعاون والمساعدة وغيرها من مفردات الفضيلة، هي
دعوة نحو بناء فرد ومجتمع صالِحَيْن.
1- السلام على الآخرين.
إنَّ السلام بصورة عامة هو من الأخلاق الإسلامية التي أكدت عليها
تعاليم الشريعة المقدسة وبيان آثارها التربوية في بناء المجتمع، قال تعالى في بيان
تنظيم هذه العلاقات بصورة عامة عن طريق السلام والتحية: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ
بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَى
كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً﴾[19]،
وفي الحديث عن النبي(صلى الله عليه وآله): «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ أَخْلَاقِ
أَهْلِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ؟ قَالُوْا: بَلَى يَا رَسُوْلَ اللهِ. فَقَالَ:
إِفْشَاءُ السَّلَامِ فِيْ الْعَالَمِ»[20] فالحديث
الشريف يؤكد أهمية إفشاء السلام وآثاره على التربية، وفي ذلك دلالة واضحة على المنهج
الإسلامي التربوي الخاص، ودالة على التواضع في الجانب العملي، وروي عن الإمام
الصادق (عليه السلام): «مَنْ التَّوَاضُعِ أَنْ تُسَلِّمَ عَلَى مَنْ لَقِيْتَ»[21].
2- الجلوس وآثاره.
إنَّ اعتناء النظام الإسلامي بهذه الموضوعات فيه دلالة على أهمية
الإنسان عند الله تعالى والحفاظ على تصرفاته المختلفة، والجلوس إحدى تلك الموضوعات
التي لها أثر في العلاقات العامة، والمجتمع يرى لها أثراً في تصرفات الآخرين،
والحديث يؤكد على أنَّ من آثار تواضع العبد أنْ لا يجعل لنفسه جلسة خاصة متميزة عن
الآخرين، بل يكون جلوسه في أي مكان من المجلس؛ ليكسر بذلك تكبر النفس وأنانيتها،
وفي ذلك روايات متعددة في المنهج نفسه الذي أشار إليه الإمام العسكري (عليه
السلام) في حديثه، فقد روي عن الإمام الصادق (عليه السلام): «إِنَّ مِنَ
التَّوَاضُعِ أَنْ يَجْلُسَ الرَّجُلُ دُوْنَ شَرَفِهِ»[22].
المطلب الثاني: الموعظة.
قال الإمام الحسن العسكري
(عليه السلام):
«مَنْ وَعَظَ أَخَاهُ سِرّاً
فَقَدْ زَانَهُ، وَمَنْ وَعَظَهُ عَلَانِيَّةً فَقَدْ شَانَهُ»[23].
ومما يجب بيانه أنَّ حديث
الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) يمكن بيانه من جهتين: الأولى: تتعلق بأهمية
الموعظة في أُسس العلاقات الإنسانية.
والأخرى: تتعلق بالمنهج الإسلامي للموعظة وكيفيتها.
أمَّا الجهة الأولى فقد أكدت
الروايات الشريفة الواردة عن النبي وأهل بيته (صلوات الله عليهم) على ذلك، وما فيه
من آثار تربوية كبيرة في صلاح الفرد والمجتمع، فضلاً عمَّا تقدم من الآيتين
المباركتين، منها:
- روي عن أمير المؤمنين(عليه السلام): «الْمَوَاعِظُ حَيَاةُ
الْقُلُوْبِ»[28].
إنَّ الإمام يبيِّن آثار
الموعظة على الإنسان وأهميتها، والتي تتجلى بيقظة النفس وعدم الغفلة عن كُلِّ ما
يصلحها، وهذه الموعظة يمكن رؤية آثارها الكبيرة على قدر صدقها، ومجاهدة النفس
للتمسُّك بها؛ حيث تكون آثار الأعمال حاضرة عند صاحبها، فيجعل من ذلك سبيلاً لصلاحه.
- وروي عنه(عليه السلام) في وصيته لولده الإمام الحسن (عليه السلام):
«أَحْيِيْ قَلْبَكَ بِالْمَوْعِظَةِ»[29]. إنَّ هذه الوصية المباركة تظهر أهمية الموعظة
وآثارها على أهم شيء يجب أنْ يحافظ عليه الإنسان من المرض والانحراف وهو (القلب)،
فالحديث يؤكد على العلاقة الوثيقة بين الموعظة وحياة القلب، وما في ذلك من آثار
مباركة للموعظة.
وأما الجهة الأخرى، فلا يخفى ما في (الموعظة سرّاً) من الآثار
الإيجابية على النفس، ومدى قبولها والتفاعل معها، وحفظها للكرامة، وهي دعوة تربوية
رائعة من دعوات الثقلين في الحفاظ على العلاقات الاجتماعية، وكذلك الحال في الآثار
السلبية على النفس في (الموعظة علانية)، والواقع يترجم ذلك، فكم من علاقات المحبة
أُسست بعد الموعظة سرّاً.
وهذا كله إنما يؤتي آثاره
التربوية الإيجابية على الفرد والمجتمع بعد أنْ يكون الواعظ قد اتصف بمقومات
ثلاثة:
الأول: المعرفة. حيث إنها أساس الإحاطة بالمبدأ والغاية، ومعرفة سبل
الوصول لتحقيق تلك الغايات، بل إنها أساس العطاء والتضحية من أجل الغايات السامية،
وجهاد النفس.
الثانية: الصدق. فالصدق في الموعظة، والعلاقة القائمة على الصدق تؤدي
إلى إتيان ثمارها الطيبة، فضلاً عن بذل الجهد من أجل صلاح الآخرين ونجاتهم.
الثالثة: المودة. والمودة من أسباب الدعوة نحو الخير والصلاح، وإيثار
المصلحة العامة على المصلحة الشخصية والأنانية، من خلال سلوك تربوي عملي.
إنَّ هذه المقومات الثلاثة لها أثر كبير في بناء الشخصية الإسلامية من
جهة، وبناء مجتمع صالح يدعو إلى الخير، كما قال تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ
أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ
عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾[30].
وهذا كله يؤكد منهج الإمام العسكري (عليه السلام) في التربية والإصلاح
وبناء الشخصية الإسلامية، وتقويمها على وفق روابط مقدسة متعددة.
ونستنتج مما تقدم في هذا البحث أن بناء الشخصية وفق تراث الإمام الحسن
العسكري عليه الصلاة والسلام يتضمن بتحلي ذات الفرد بسمتي التواضع والموعظة، حيث
إن كلما زاد في ممارسة التواضع ابتعد عن الغرور والتكبر وزاد فرص تعلمه وكثر
خبراته واسهامه في بناء مجتمع بعيد عن الصخب يسوده السلام. كما ان الشخصية التي
تتسم بالموعظة تمتلك ذات تسعى باستمرار نحو التعلم والتعليم من اجل ارشاد الناس
إلى السبل الصحيحة لمواجهة مختلف مواقف الحياة، وهذا مما يعود على المجتمع بالامن
والصلاح، ولا فراده بالمودة.
المبحث الثاني
البناء العقدي والفكري
إنَّ أحاديث الإمام الحسن
العسكري (عليه السلام) قد أكدت على هذا الجانب من بناء الشخصية الإسلامية في موارد
متعددة، وهو من أهم بناء للشخصية يجب بيانه والعمل عليه، ونتحدث عن ذلك في مطلبين
يتعلق الأول بالإيمان بالله ونفع الإخوان، والآخر بالتفكر.
المطلب الأول: الإيمان بالله ونفع الإخوان.
قال الإمام الحسن العسكري (عليه السلام):
«خِصْلَتَانِ لَيْسَ فَوْقَهُمَا شَيْءٌ: الْإِيْمَانُ بِاللهِ،
وَنَفْعُ الْإِخْوَانِ»[33].
إنَّ تعاليم الشريعة المقدسة في فقرات نظامها الكامل قد أعدت للإنسان
سبل الفلاح والنجاح في الدنيا والآخرة، وعلى الإنسان أنْ يبحث عنها ليتعرَّف عليها
من جهة، ثم يعمل بها من جهة أخرى، ويدعو الآخرين إلى التمسك بها من جهة ثالثة،
وهناك سبل مختلفة وكثيرة تؤدي إلى ذلك الثواب، وإلى رضوان الله تعالى ونعيمه
الأبدي، فالقرآن الكريم قد أشار إلى ذلك تارة، والسنة الشريفة في رواياتها
المختلفة أشارت إلى ذلك تارة أخرى، والإمام الحسن العسكري (عليه السلام) قد أكد
ذلك في هذه الحكمة المباركة؛ إذ يبيِّن المنهج التربوي الذي يحتاج إليه الإنسان
لأجل تلك التجارة، والحصول على آثارها المادية والمعنوية، فمنها ما يتعلق
بالعقيدة، ومنها ما يتعلق بالعمل الصالح في المجتمع (الْإِيْمَانُ بِاللهِ،
وَنَفْعُ الْإِخْوَانِ).
إنَّ هذا الحديث فيها أبعاد مهمة جدّاً في بناء الشخصية الإسلامية،
بناءً عقديّاً وتربويّاً قائماً على العلم والعمل معاً، وهو من أهم مناهج الإصلاح
الفردي والاجتماعي، والقرآن الكريم قد حث على ذلك في موارد كثيرة، قال تعالى: ﴿يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ
عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ
اللهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ
تَعْلَمُونَ * وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ
وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾[34]،
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ
خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾[35]،
وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ
أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾[36].
إنَّ تأكيد الإمام العسكري (عليه السلام) في هذه الرواية على الخصلة
الأولى (الإيمان بالله) يؤكد ما ورد من روايات عن النبي وأهل بيته (عليهم السلام)
في بيان أثر الإيمان بالله تعالى على بناء الشخصية وهي كثيرة، نذكر منها:
1- روي عن النبي (صلى الله عليه وآله): «لَيْسَ الْإِيْمَانُ
بِالتَّحَلِّيْ وَلَا بِالتَّمَنِّيْ، وَلَكِنَّ الْإِيْمَانَ مَا خَلُصَ فِيْ
الْقَلْبِ، وَصَدَّقَهُ الْأًعْمَالُ»[37].
إنَّ الحديث الشريف يؤكد على بيان حقيقة الإيمان في هذه الثنائية
المباركة (الإخلاص والصدق) التي يجب أنْ يكون المؤمن عليها، وهو الانتماء الحقيقي
الواقعي لا الانتماء الظاهري القولي، فالإيمان بالله تعالى هو منهج إلهي جعله الله
تعالى لعباده ضمن نظامه التكاملي، وهناك علاقة وثيقة بين الإيمان كعقيدة والعمل
كسلوك، فيجب العمل على ترجمة العقيدة ترجمة واقعية، تؤكد مدى أثر الإيمان على
صاحبه في بناء شخصيته، فهو ليس شعار يتحدث به المؤمن، وإنما هو رسالة عقدية لها
آثاره المتعددة على الفرد والمجتمع.
2- روي عن الإمام علي (عليه السلام): «بِالْإِيْمَانِ يُسْتَدَلُّ
عَلَى الصَّالِحَاتِ، وَبِالصَّالِحَاتِ يُسْتَدَلُّ عَلَى الْإِيْمَانِ،
وَبِالْإِيْمَانِ يَعْمُرُ الْعِلْمُ»[38].
إنَّ الحديث يؤكد على ثلاثية مهمة في النظام الإسلامية لبناء الشخصية
وهي قائمة على (الإيمان والعلم والعمل) وهذه الثلاثية المترابطة –حقيقة- هي أساس
بناء العقيدة في الشريعة الإسلامية المقدسة، حيث يترجم بعضها بعضاً وتؤدي إلى ثمار
كبيرة في الواقع على مستوى الفرد والمجتمع، ومن المهم العمل على أساسها، بل وتربية
الجيل على وفقها، من دون التفريط بأي منها.
3- روي عن الإمام الجواد (عليه السلام): «لَنْ يَسْتَكْمِلَ الْعَبْدُ
حَقِيْقَةَ الْإِيْمَانِ حَتَّى يُؤْثِرَ دِيْنَهُ عَلَى شَهْوَتِهِ، وَلَنْ
يَهْلِكَ حَتَّى يُؤْثِرَ شَهْوَتَهُ عَلَى دِيْنِهِ»[39].
إنَّ الحديث ظاهر في بيان أثر العقيدة في بناء الشخصية الإسلامية
وتربيتها عقديّاً وتربويّاً، مع إبراز مقام الإيمان في تهذيب سلوك الإنسان في
صراعه مع الشهوات المختلفة، والتي يتم على أساسها نيل طاعته الله تعالى ورضوانه،
كما قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ
الْهَوَى* فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾[40]،
فالمؤمن يجب أنْ يكون في رقابة شديدة لشهواته؛ ليصل في تكامله إلى حقيقة الإيمان.
1- روي عن النبي (صلى الله عليه وآله): «خَيْرُ إِخْوَانِكُمْ مَنْ
أَهْدَى إِلَيْكُمْ عُيُوْبَكُمْ»[41].
إنَّ المنفعة الحقيقية التي يمكن مراعاتها في العلاقات بين الإخوان هي
القائمة على الصدق والنصح وتبادل الأفكار فيما بينهم من أجل التكامل، وهذا التكامل
الفردي أو المجتمعي إنما يتم حصوله إذا كان أساس هذه العلاقة ذلك، وهذا يستوجب على
المؤمنين أنْ يكونوا في غاية الحذر عند بيان عيوب بعضهم لبعض، حيث يكون ذلك البيان
قائم على أساس المحبة والوصول إلى التكامل، والحديث يؤكد أنَّ هذا المنهج التربوي
في العلاقات هو من المناهج المهمة السليمة في الحفاظ على الإخوة الإيمانية، بل يجب
أنْ تكون على أساس ذلك بعيدة عن الكذب والإغواء، فهي دعوة من النبي(صلى الله عليه
وآله) إلى مراعاة جانبين مهمين في العلاقات الأخوية، الأول أنْ تكون قائمة على
الصدق والمحبة عند الأخ الناصح في بيان العيب. والأخرى قائمة على التواضع ورحابة
الصدر في استقبال تلك النصيحة. والأمر في كلا الجانبين بحاجة إلى شخصية إيمانية
كما تقدم في بيان الخصلة الأولى من حديث الإمام العسكري (عليه السلام).
2- روي عن الإمام علي (عليه السلام): «إِنَّ أَخَاكَ حَقّاً مَنْ
غَفَرَ زَلَّتَكَ، وَسَدَّ خِلَّتَكَ، وَقَبِلَ عُذْرَكَ، وَسَتَرَ عَوْرَتَكَ،
وَنَفَى وَجَلَكَ، وَحَقَّقَ أَمَلَكَ»[42].
إنَّ الحديث الشريف يُظهر جانباً مهمّاً من جوانب العلاقات الأخوية
وهو بيان ومعرفة مقومات تلك العلاقة، وهو يشير إلى منهج معيَّن تتقوَّم الشخصية من
خلاله، وقد أشار إلى صفات ست لها أثر كبير في التربية الاجتماعية، وبناء مجتمع
قائم على علاقات إنسانية وإيمانية كبيرة، وهذا يؤكد المنهج المتكامل للنظام
الإسلامي في تحقيق سعادة الإنسان. ولو تتبعنا جميع المناهج التربوية الوضعية لما
رأينا هذا البُعد الإنساني في العلاقات الاجتماعية، وهذه الروح الطيبة القائمة على
وفق العقيدة، والبعيدة عن الأنانية التي هي أساس التجاوز والاعتداء في العلاقات
المختلفة، وهذا لا يمكن تحقيقه في بناء الشخصية الإسلامية إلا بعد تحقق الخصلة
الأولى القائمة على الإيمان بالله تعالى من الحديث المبارك.
3- روي عن الإمام الصادق (عليه السلام): «تَحْتَاجُ الْإِخُوَّةُ
فِيْمَا بَيْنَهُمْ إِلَى ثَلَاثَةِ أَشْيَاءٍ، فَإِنِ اسْتَعْمَلُوْهَا وَإِلَّا
تَبَايَنُوْا وَتَبَاغَضُوْا، وَهِيَ: التَّنَاصُفُ، وَالتَّرَاحُمُ، وَنَفْيُ
الْحَسَدِ»[43].
إنَّ هذا الحديث المبارك يسلِّط الضوء على زاوية مهمة أخرى من زوايا
ملامح العلاقات الأخوية التي يجب أنْ تكون بين المؤمنين، وقد ذكر صفات ثلاثاً لها
ذلك الأثر الكبير في ديمومة العلاقة، وأهمية العمل على التمسك بها والدعوة إليها،
وعدم التواني أو الاستخفاف بها من جانب؛ لآثارها الكبيرة على بناء المجتمع،
والتحذير من عدم الالتزام بها من جانب آخر؛ لأنَّ نتيجة ذلك البغضاء والعداوة وضعف
العلاقات الاجتماعية وتفكك المجتمع، وهذا لا يليق تماماً بالمجتمع الذي يرتبط
عقديّاً بالله تعالى.
إنَّ الإمام العسكري(عليه السلام) في هذا الحديث أراد أنْ يوجِّه
الأمة نحو بيان منهجها التربوي الصالح لأداء رسالتها الإيمانية، وبناء مجتمعها على
أساسه، والواقع يؤكد أنَّ أسباب انهيار المجتمعات هو ابتعادها عن هذه المناهج
الإلهية، وعلى الأمة الرجوع إليها للأمان من كُلِّ ضلال وانحراف.
المطلب الثاني:
التفكر.
قال الإمام الحسن العسكري (عليه السلام):
«لَيْسَتِ الْعِبَادَةُ كَثْرَةُ الصِّيَامِ وَالصَّلَاةِ، وَإِنَّمَا
الْعِبَادَةُ كَثْرَةُ التَّفَكُّرِ فِيْ أَمْرِ اللهِ»[44].
إنَّ تعاليم الشريعة المقدسة قد اعتنت كثيراً في الجانب الفكري
للإنسان عامة، وللمؤمن خاصة؛ لأهمية التفكُّر بحقيقة الوجود، وما يمرُّ به الإنسان
من مراحل متعددة منذ ولادته إلى وفاته، والعوالم التي تنتظره في رحلته الغيبية إلى
الآخرة؛ بما يستدعي منه التأمل والتدبر فيما ورد عن ذلك، والوصول إلى الحقيقة
الأولى المتعلقة بالخالق (الله)، وآثار ذلك في البناء الفكري للإنسان، وعلاقته
بحقيقة العبادة لله تعالى، وأهمية ذلك في أداء الفرائض المختلفة.
وإنَّ الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) قد أشار إلى هذه المسألة
وبيان أهميتها، وعلاقتها في بيان حقيقة العبادة في هذه الحكمة المباركة، فهو يؤكد
العلاقة الوثيقة بين التفكُّر في أمر الله تعالى وعبادته، وفي ذلك تنمية لبناء
الشخصية بناء قائماً على العقيدة الراسخة، التي تستند إلى الدليل المحكم على وجود
الخالق ومعرفة آثاره في خلقه، والعلاقة التي يجب أنْ تكون بين الخالق والمخلوق،
والتي هي في الواقع علاقة (العبودية)، والوصول إلى أسرار قوله تعالى: ﴿وَمَا
خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾[45].
إنَّ القرآن الكريم قد حث على التفكُّر في موارد متعددة؛ لبيان أهمية
هذه النعمة العظيمة (العقل) التي أنعم بها على عباده في الوصول إلى مجهولات خفيَّة
متعددة، تكمن فيها أسرار كبيرة تستحق التأمل والتدبر؛ لبيان عظمة الخالق واستحقاقه
العبودية، حيث قال تعالى في بيان الآيات العظيمة التي تحيط بهذا الوجود، والتي لا
بد من التأمل فيها: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى
جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا
خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾[46]،
وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ
وَأَنْهَاراً وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ
يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾[47]،
وقال تعالى: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً
وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا
إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾[48]
وغيرها من الآيات المباركة الكثيرة التي تؤكد عظمة الشريعة الإسلامية المقدسة في
دعوتها القائمة على العلم والتفكر والتدبر والاستدلال، وليس على الخرافة أو الجهل
والتقليد.
إنَّ هذا البناء الفكرية الذي يؤكده الإمام العسكري (عليه السلام) في
الحديث إنما يتطلب التفكُّر في حقيقة المعبود أولاً، ثم في العبادات التي أرادها
الله تعالى من عباده، أي التفكُّر في عظمة المشرِّع وغناه المطلق عن العباد ثم في
تشريعاته، وإنما كان تأكيده على (الصلاة والصيام) لأنهما من أشهر العبادات التي
يؤديها المكلف، ولكنَّ مدى الإقبال على هذه العبادة إنما يتوقف على المعرفة
بحقيقتها، فالمعرفة والتفكُّر من أهم الدوافع إلى تعظيم العبادة والمعبود.
وإنَّ هذا البناء قد أكدت عليه روايات متعددة عن النبي والأئمة (عليهم
السلام) تبيِّن أهميته وآثاره في بناء الشخصية الإسلامية، ومنها:
1- روي عن النبي (صلى الله عليه وآله): «إِنَّ التَّفَكُّرَ حَيَاةُ
قَلْبِ الْبَصِيْرِ، كَمَا يَمْشِيْ الْمُسْتَنِيْرُ فِيْ الظُّلُمَاتِ
بِالنُّوْرِ، يُحْسِنُ التَّخَلُّصَ، وَيُقِلُّ التَّرَبُّصَ»[49].
إنَّ الحديث يبيِّن العلاقة الوثيقة بين التفكُّر وإعمار القلب بنور
البصيرة، فالقلب يحتاج إلى ذلك النور المعنوي لتتحقق (البصيرة)، كما إنَّ العين
بحاجة إلى النور المادي ليتحقق (البصر)، والبصيرة هي أساس معرفة حقائق الأمور،
والوصول إلى دقائقها، وهذا لا يكون إلا بالتفكُّر والتأمُّل بهذا الوجود
والموجودات الدالة على عظمة الموجِد له وهو الله تعالى.
2- روي عن الإمام علي (عليه السلام): «مَنْ طَالَتْ فِكْرَتُهُ
حَسُنَتْ بَصِيْرَتُهُ»[50].
إنَّ الإنسان على وفق طبيعة خلقه لا بد من حاجته إلى التفكُّر، فالعقل
الذي يمتاز به عن المخلوقات الأخرى هذا هو شأنه وفطرته هو التفكُّر، والذي لا يؤدي
هذا الغرض إنما قد عطَّل نعمة عظيمة أنعمها الله تعالى عليه، ولا يمكنه أنْ يصل
إلى حقيقة هذا الوجود، أما الذي كان في تفكُّر دائمٍ فهو أكثر معرفةً وتعظيماً
وخشيةً لله تعالى، وهذه لها آثار كبيرة في بناء شخصيته.
إنَّ الحديث يؤكِّد على مفهوم جديد للعبادة يختلف عمَّا يراه الناس من
أنَّ العبادات هي إقامة الفرائض وغير ذلك، بل إنَّ التفكُّر في حقيقة المعبود هو
من العبادة، أو هو أهم أبواب العبادة؛ إذ به يتم تعظيم المعبود، وتعظيم الفرائض
وغير ذلك من أمور عظيمة مختلفة.
إنَّ حديث الإمام العسكري (عليه السلام) فيه دعوة كبيرة إلى أهمية أنْ
يكون بناء المؤمن لشخصيته الإيمانية على عقيدة ثابتة راسخة على وفق الأدلة القائمة
على حقيقة المعبود وعظمته؛ ليكون أداؤه للفرائض على أحسن حال من تعظيم وتوقير
للشريعة المقدسة، وهي دعوة إصلاحية وتربوية للشخصية الإسلامية، فضلاً عن تربيتها
تربية خاصة تظهر آثارها على سلوكه الفردي والاجتماعي.
وتستنتج من أحاديث الإمام عليه الصلاة والسلام ووفق منهج التقلين أن
بناء شخصية قوية يكون من خلال تشييد الذات على قاعدة راسخة متكون من الايمان بالله
تعالى؛ لتكون منطلقاً في اكتساب المعارف والخبرات وأداء الإجراءات والسلوك.
المبحث الثالث
البناء التربوي
إنَّ أحاديث الإمام الحسن
العسكري (عليه السلام) قد أكدت على هذا الجانب من بناء الشخصية الإسلامية في موارد
متعددة، ويجب أنْ تظهر آثار ذلك على سلوك الإنسان في تعامله مع الآخرين؛ لبيان
مقام هذه الشخصية، ونتحدث عن ذلك في مطلبين يتعلق الأول بحقوق الإخوة، والآخر
بالأسرة.
المطلب الأول: حقوق الإخوة.
قال الإمام الحسن العسكري
(عليه السلام):
«بِئْسَ الْعَبْدُ عَبْدٌ يَكُوْنُ ذَا وَجْهَيْنِ، وَذَا
لِسَانَيْنِ، يُطْرِيْ أَخَاهُ شَاهِداً، وَيَأْكُلُهُ غَائِباً، إِنْ أُعْطِيَ
حَسَدَهُ، وَإِنِ ابْتُلِيَ خَانَهُ»[52].
إنَّ من أهم تلك التوصيات المهمة القائمة على بناء العلاقات التربوية
بين المؤمنين، هي العلاقات الخاصة بين الأخوة في الدين، والتي حددها الإمام الحسن
العسكري (عليه السلام) في حديثه المبارك، والتي يمكن بيانها في أربعة صفات مذمومة
يحذر منها، ويؤكد آثارها السلبية، بما يجب على المؤمن أنْ يحصن نفسه من أمراضها
وآثارها التي تلوِّث فطرته، وتهدم سمو أخلاقه، وإنَّ أهم أسباب ذلك لعدم قيام
العلاقات مع الآخرين على أسس المحبة والصدق، بل على أسس الخداع والنفاق، وهذه
العلاقات قد حذرت الروايات الشريفة الواردة عن النبي والأئمة (عليهم السلام) منها.
وهذه الصفات الأربع المذمومة بإجمال هي:
1- المدح الزائف والكذب. (يُطْرِيْ أَخَاهُ شَاهِداً)
2- الغيبة والنميمة. (وَيَأْكُلُهُ غَائِباً)
3- الحسد. (إِنْ أُعْطِيَ حَسَدَهُ)
إنَّ الحسد من الصفات المذمومة كذلك، والذي حذرت منه الشريعة المقدسة
في موارد متعددة؛ حفظاً للمؤمنين من هذه الأمراض التي تلوِّث فطرتهم السليمة، ولا
يخفى آثارها الكبيرة التي تؤدي إلى فساد كبير بين الأحبة والمقرَّبين، وإنَّ ما
جرى بين الأخوين قابيل وهابيل هو من آثاره، فكان نتيجة ذلك أنْ يقتل قابيل أخاه
هابيل، وفي ذلك درس بليغ في الموعظة والتحذير من هذه الأمراض الخطرة؛ لذلك نرى في
حديث الإمام الحسن العسكري(عليه السلام) ذلك التحذير (بئس العبد)، هناك روايات
متعددة عن الأئمة في بيان حقيقة الحسد تارة، وصفات الحاسد ثانية، وآثارها ثالثة
وغير ذلك، ففي الحديث عن الإمام علي (عليه السلام) في بيان حقيقة الحاسد قوله:
«الْحَاسِدُ يُظْهِرُ وُدَّهُ فِيْ أَقْوَالِهِ، وَيُخْفِيْ بُغْضَهُ فِيْ
أَفْعَالِهِ، فَلَهُ اسْمُ الصَّدِيْقِ، وَصِفَةُ الْعَدُوِّ»[60]،
إنَّ هذه الصفات التي تذكرها الرواية تؤكد مساوىء الأخلاق التي يجب على المؤمنين اجتنابها،
والتي تدل على الأنانية التي يكون عليها الحاسد، وهذا ما يبيَّنه حديث الإمام
الصادق(عليه السلام) بقوله: «النَّصِيْحَةُ مِنَ الْحَاسِدِ مُحَالٌ»[61]
وهذا الحال بسبب كون هذا المرض غَدَا مَلَكَة عند صاحبها، فتطفىء نور فطرته.
4- الخيانة. (وَإِنِ ابْتُلِيَ خَانَهُ)
إنَّ الخيانة من رذائل الأخلاق التي لا خلاف فيها عند الناس عامة،
والخائن إنما هو أحد المفسدين في المجتمع، ويجب وضع حَدٍّ له والتحذير منه ومن
آثاره الإفسادية المختلفة، والنظام الإسلامي قد حذَّر من هذه الأمراض التي تضر
ببناء الفرد والمجتمع، قال تعالى محذِّراً المؤمنين من ذلك: ﴿يَا أَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ
وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾[62]،
والروايات الواردة في التحذير من ذلك متعددة، فقد روي عن النبي(صلى الله عليه
وآله): «لَيْسَ مِنَّا مَنْ خَانَ مُسْلَماً فِيْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ»[63]،
ويبيِّن عن الإمام علي (عليه السلام) الآثار الكبيرة للخيانة في المجتمع وأنها لا
تتعلق بالخائن نفسه: «إِذَا ظَهَرَتِ الْخِيَانَاتُ ارْتَفَعَتِ الْبَرَكَاتُ»[64]،
فتحذير الإمام العسكري (عليه السلام) إنما هو لتحصين الفرد والمجتمع من هذه
الأمراض الخطيرة، والتي لها أثر سلبي كبير على بناء الشخصية الإسلامية وتربيتها.
المطلب الثاني: الأسرة.
قال الإمام الحسن العسكري (عليه السلام):
«جُرْأَةُ الْوَلَدِ عَلَى وَالِدِهِ فِيْ صِغَرِهِ، تَدْعُوْ إِلَى
الْعُقُوْقِ فِيْ كِبَرِهِ»[65].
إنَّ للأسرة في الشريعة الإسلامية اعتناءً كبيراً من جميع جوانبها
المختلفة؛ لما للأسرة من أثر كبير في بناء الفرد والمجتمع بصورة خاصة، والأمة
وكيانها بصورة عامة، وهذا ما يمكن قراءته من خلال التأمل بالآيات القرآنية
المباركة، ونصوص الروايات الشريفة التي أكدت تلك الأهمية، فالتربية الأسرية قائمة
أساساً على منهج الزوجين في التعامل مع أبنائهما، وهذا المنهج قائم قبل ذلك على
طبيعة اختيار الزوجين، فهي مسألة مهمة جدّاً؛ لذلك نرى اعتناء الشريعة المقدسة في
ذلك اعتناءً كبيراً.
فالأسرة في الإسلام لها مقام كبير، والله تعالى يخاطبهم محذِّراً من
ضياعها وانحرافها وما في ذلك من آثار سلبية كبيرة في الآخرة، قال تعالى: ﴿يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا
النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾[66]،
فهذه الوقاية قائمة على مقدمات منتظمة لأجل الوصول إلى نتائج منتظمة كذلك، ومن أهم
تلك المقومات التي لا بد من رعايتها هو الاحترام المتبادل في الأسرة، وعدم التهاون
في ذلك، وقد أشار الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) إلى بيان بعض الآثار السلبية
في التهاون من خلال هذا الحديث.
وإنَّ هذه الجرأة التي أشار إليها حديث الإمام العسكري إنما هي آثار
التربية الأسرية غير القويمة، أو غير السليمة القائمة على أُسس تربوية معينة،
فالنظام الإسلامي قد أكد الحقوق والواجبات القائمة على الآباء تجاه أبنائهم؛
لتربيتهم تربية سليمة وتحافظ على فطرتهم وأخلاقهم وعقيدتهم، وتحفظهم من أيِّ انحراف
يواجههم، وهناك روايات متعددة في هذا الجانب، مما يؤكد مدى الاعتناء بالأسرة
إجمالاً، وتقع المسؤولية الكبرى على الآباء في معرفة أسس ذلك المنهج؛ ليكونوا على
علم وبينة من ذلك من جهة، والعمل على أساسه من جهة أخرى، فإنَّ فيه أثراً كبيراً
في بناء شخصية الأبناء وما يتعلق بمسؤولية الآباء:
- روي عن النبي (صلى الله عليه وآله): «أَدِّبُوْا أَوْلَادَكُمْ
عَلَى ثَلَاثِ خِصَالٍ: حُبِّ نَبِيِّهِ، وَحُبِّ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَقِرَاءَةِ
الْقُرْآنِ»[67].
إنَّ هذه الخصال الثلاث في
الآداب التي ذكرها الحديث لها أثر كبير في تربية الأبناء تربية إسلامية، تمهِّد
إلى بناء شخصية قائمة على التربية العقدية القويمة، القائمة على تلك الدعائم
الثلاث، والتي تركِّز أولاها على محبة النبي(صلى الله عليه وآله)، هذه المحبة التي
تربط الأبناء بتعاليم الشريعة المقدسة، من خلال التعرُّف على سيرته المباركة،
وجهاده العظيم في سبيل الله تعالى ونشر دينه، فضلاً عمَّا ورد من آداب كثيرة لها
أبلغ الأثر في بناء الفرد والمجتمع، واتِّخاذه أسوة حسنة كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ
كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ
وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيراً﴾[68].
وأما حُبُّ أهل بيته (عليهم السلام) ففيه تأكيد على منهج الولاية
الإلهية، والتسليم لأمر تعالى وطاعته في ذلك حيث قال عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ
مِنْكُمْ﴾[69]،
حيث مقامهم العظيم (صلوات الله عليهم) كما في الحديث (وَلِكُلِّ شَيْءٍ أَسَاسٌ،
وَأَسَاسُ الْإِسْلَامِ حُبُّنَا أَهْلَ الْبَيْتِ)[70]،
والتأسِّي بمنهجهم وما ورد عنهم في من تعاليم الشريعة المقدسة.
وأما قراءة القرآن الكريم فإنَّ تعلُّمه إنما هو تعلُّم لأعظم منهج
لهداية البشرية وصلاحها ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ
أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ
لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً﴾[71]،
والتعرُّف على مبادىء الإسلام وتعاليمه وعدم مخالفة ذلك لما فيه من آثار سلبية على
الشخصية ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ*
كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾[72]،
وما أعده الله تعالى لعباده إذا التزموا بتعاليمه المباركة ﴿مَنْ عَمِلَ
صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً
طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾[73]
وغير ذلك من تعاليم عظيمة في مجالات الحياة المختلفة التي لها أثر في تربية
أبنائنا وتحصينهم، والمحافظة عليهم من الجرأة على الآباء وعقوقهم كما ورد عن
الإمام العسكري (عليه السلام).
- روي عن الإمام علي (عليه السلام): «حَقُّ الْوَلَدِ عَلَى
الْوَالِدِ أَنْ يُحَسِّنَ اسْمَهُ، وَيُحَسِّنَ أَدَبَهُ، وَيُعَلِّمَهُ
الْقُرْآنَ»[74].
إنَّ تأكيد الحديث على هذه الموضوعات الثلاثة لما فيها من أهمية كبيرة
على الأبناء، وتربيتهم على أساس ذلك فيه أهمية في تربية الأبناء، فالاسم الصالح
يذكِّره بالصالحين الذي يشبه اسمه أسماءهم، وتعليم الآباء أبناءهم تلك الأسماء
العظيمة في التاريخ.
وأما الأدب فهو أساس الأخلاق الفردية والاجتماعية التي يحتاج إليها
الإنسان؛ لمعرفة الآداب الإسلامية الخاصة التي اعتنى بها النظام الإسلامي، وعدم
الاغترار بالسلوكيات الغريبة عن الثقافة الإسلامية القائمة على القِيم النبيلة،
الموافقة للفطرة الإنسانية.
وأما تعليمه القرآن الكريم؛ لأنَّه النور الإلهي الذي يخرج به الإنسان
من الظلمات بتمسك تعاليمه ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ
مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ
الْحَمِيدِ﴾[75].
- روي عن الإمام الصادق (عليه السلام): «الْغُلَامُ يَلْعَبُ سَبْعَ
سِنِيْنَ، وَيَتَعَلَّمُ الْكِتَابَ سَبْعَ سِنِيْنَ، وَيَتَعَلَّمُ الْحَلَالَ
وَالْحَرَامَ سَبْعَ سِنِيْنَ»[76].
إنَّ هذا الحديث المبارك
يؤكِّد على مراحل ثلاث يمر بها الأبناء ولها أهمية في علاقة الأبناء بآبائهم، وهذه
المراحل -فضلاً عمَّا يتعلق بمدَّتها- تؤكد المنهج الإسلامي في التربية، وعدم ترك
الأبناء بلا رعاية ومعاهدة ومتابعة، وفي ذلك دعوة في الوقت نفسه إلى أنْ يقوم
الآباء بدورهم الأساس تجاه الأبناء؛ حتى يتم اجتنابهم الانحراف العقدي أو الأخلاقي
ويؤدي مستقبلاً إلى مشاكل كبيرة متعددة، ومنها العقوق كما ورد في حديث الإمام
العسكري (عليه السلام)، حيث لا يخفى أنَّ العقوق هو نتيجة مقدمات غير سليمة في
التربية، أو نتيجة انحرافات تربوية.
وإنَّ تحذير الإمام في هذه الرائعة التربوية لأجل تجنُّب المؤمنين
وتحصينهم من هذا الانحراف الكبير (العقوق)، فالعقوق من الكبائر التي حذرت منه
الشريعة المقدسة بأشد التحذير فقد روي عن الإمام الصادق (عليه السلام):
«عُقُوْقُ الْوَالِدَيْنِ مِنَ الْكَبَائِرِ؛ لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى جَعَلَ
الْعَاقَّ عَصِيّاً شَقِيّاً»[77]،
فيجب أنْ تكون العلاقة مع الوالدين قائمة على ما يريده الله تعالى، حيث قال عز وجل
في آية صريحة التأكيد على برِّهما من جهة، والتحذير عن عقِّهما من جهة أخرى: ﴿وَقَضَى
رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا
يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا
أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً﴾[78]،
وروي عن النبي (صلى الله عليه وآله): «يُقَالُ لِلْعَاقِّ اعْمَلْ مَا شِئْتَ
فَإِنِّيْ لَا أَغْفِرُ لَكَ، وَيُقَالُ لِلْبَارِّ اعْمَلْ مَا شِئْتَ فَإِنِّيْ
سَأَغْفَرُ لَكَ»[79].
إنَّ جميع ما تقدم من الآيات
المباركة والروايات الشريفة هو تأكيد لما ورد عن الإمام الحسن العسكري (عليه
السلام) فيما يتعلق بهذه التربية الأسرية الخاصة، والتي تحاول أنْ يتجنَّب
المؤمنون ذلك؛ رعاية لبناء أسرة صالحة قائمة على (المودة والرحمة) بين الزوجين من
جهة، وإكرامها وتعظيمهما من قبل الأبناء من جهة أخرى.
ونستنتج مما تقدم ان الإمام الحسن العسكري عليه الصلاة والسلام حث على
بناء الشخصية الإسلامية تتسم بالسمات السوية فقط من خلال التحذير الشديد في اكتساب
أي فكر أو سلوك سيئ وجعله جزءاً من الذات.
خاتمة وتوصيات:
1- إنَّ الشريعة المقدسة لها دور كبير في المناهج التربوية التي لها
علاقة بتربية الإنسان بصورة عامة، والمسلم بصورة خاصة وما في ذلك من أهمية لمراجعة
تلك التعاليم المقدسة المتعلقة بذلك؛ حفظاً للفطرة الإنسانية.
2- إنَّ الشعوب قد أخفقت أنظمتها التربوية في إيجاد نظام أمثل للحفاظ
على الأخلاق والمبادىء والقيم التربوية؛ لرجوعها إلى أمثالها من البشر في وضع
قوانينها، والإسلام قد أكَّد في تشريعاته المختلفة في الجوانب العبادية وغيرها على
إيجاد الحل الأمثل لمشاكل الإنسان من جهة، وتحقيق سعادته من جهة أخرى.
3- إنَّ التراث التربوي للإمام الحسن العسكري(عليه السلام) تراث مهم
في بناء الشخصية الإسلامية، وقد تبيَّن من خلال البحث أهمية ذلك في بعض الجوانب،
وهذا يستدعي عمق الدراسات التربوية في ذلك؟
4- أكَّد البحث على جوانب تربوية ثلاثة لما لها من آثار كبيرة في بناء
الفرد والمجتمع، ومما يجب على النظام التربوي الإسلامي مراعاتها في المجالات
المختلفة.
5- إنَّ هذه القراءة الموازنة بين روايات الإمام الحسن العسكري (عليه
السلام) ونصوص الثقلين (القرآن والعترة) تؤكِّد وحدة المنهج الإلهي في النظام
التربوي الأكمل.
6- يوصي الباحث بضرورة تضمين المناهج التدريسية هذه الدراسات
والروايات التربوية والإصلاحية؛ لبيان عظمة التشريع الإسلامية وأهميته في مجالات
الحياة المختلفة.
7- يوصي الباحث بأهمية التأكيد على الدراسات الموازنة أو المقارنة بين
النظام التربوي الإسلامي والمناهج التربوية الحديثة الأخرى؛ للإفادة من تلك
الروايات الشريفة المباركة.
8- يوصي الباحث بأهمية اختيار مجموعة من الأحاديث التربوية للإمامين
العسكريين(عليهما السلام) وترجمتها إلى اللغات العالمية المختلفة؛ ليطلع الآخرون
على هذه الدرر الإنسانية النفيسة، والتي لها أثر كبير في التربية.
قائمة المصادر والمراجع:
* القرآن الكريم.
1) الإربلي، أبو الحسن علي بن عيسى (ت692ﻫ/1293م)، كشف الغمة في معرفة
الأئمة(عليهم السلام)، تحقيق علي آل كوثر، دار التعارف، بيروت، 1433ﻫ، 2012م، د.ط.
2) التميمي، عبد الواحد الآمدي (ق5ﻫ)، غرر الحكم ودرر الكلم، تحقيق السيد
مهدي الرجائي، مطبعة ستار، الناشر دار الكتاب الإسلامي، 1426هـ 2005م.
3) الحر العاملي، محمد بن الحسن (ت1104ﻫ/1693م)، وسائل الشيعة إلى تحصيل
مسائل الشريعة، تحقيق مؤسسة آل البيت (عليهم السلام) لإحياء التراث، مطبعة مهر،
الناشر مؤسسة آل البيت(عليهم السلام) لإحياء التراث، قم، ط2، 1414ﻫ.
4) الحراني، أبو محمد الحسن بن شعبة، تحف العقول، تعليق الشيخ حسين
الأعلمي، مؤسسة الأعلمي، بيروت، ط7، 1423ﻫ، 2002م.
5) ذهبيات، عباس، دور العقيدة في بناء الإنسان، الناشر مركز الرسالة،
مطبعة ستارة، قم، ط2، 1426ﻫ.
6) الريشهري، محمد، ميزان الحكمة، تحقيق دار الحديث، دار الحديث، الناشر
دار الحديث، قم، ط2، 1416ﻫ.
7) السيستاني، السيد علي الحسيني، منهاج الصالحين، دار المؤرخ العربي،
بيروت، ط19، 1434ﻫ 2012م.
8) السيوطي، جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر (ت911ﻫ/1505م)، الجامع
الصغير، دار الفكر، بيروت، د.ط، د.ت.
9) الشريف الرضي، محمد بن الحسين (ت406ﻫ/1015م)، نهج البلاغة، شرح محمد
عبده، مطبعة الاستقامة، مصر، د.ط، د.ت.
10)
الصدوق، أبو
جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه (ت381ﻫ/991م)، الخصال، تعليق علي أكبر
الغفاري، منشورات جماعة المدرسين، قم المقدسة، ط9، 1434ﻫ.
11)
الصدوق، أبو
جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه (ت381ﻫ/991م)، ثواب الأعمال وعقاب الأعمال،
تصحيح وتقديم وتعليق الشيخ حسين الأعلمي، مطبعة سليمان زاده، قم، ط5، 1431ﻫ.
12)
الصدوق، أبو
جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه (ت381ﻫ/991م)، علل الشرائع، المكتبة
الحيدرية، النجف الأشرف، 1386ﻫ، 1966م، د.ط.
13)
الصدوق، أبو
جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه(ت381ﻫ/991م)، الأمالي، تحقيق قسم الدراسات
في مؤسسة البعثة، مؤسسة البعثة، قم، ط1، 1417ﻫ.
14)
الطباطبائي،
السيد محمد حسين (ت1403ﻫ/1982م)، الميزان في تفسير القرآن، تصحيح الشيخ حسين
الأعلمي، مؤسسة الأعلمي، بيروت، ط1، 1417ﻫ، 1997م.
15)
الطبرسي، أبو
علي الفضل بن الحسن (ت548ﻫ/1153م)، مجمع البيان في تفسير القرآن، تحقيق لجنة من
العلماء والمحققين، قدَّم له السيد محسن الأمين العاملي، مؤسسة الأعلمي، بيروت،
ط1، 1415ﻫ، 1995م.
16)
علي، حسن محمد،
الشخصية الإسلامية مقوماتها معالمها نتائجها، إصدارات مكتبة سيد الشهداء(عليه
السلام) العامة في كربلاء، مطبعة الغري الحديثة، النجف الأشرف، 1386ﻫ، د.ط.
17)
الكاظمي، عماد،
الملامح التربوية في نهج البلاغة - وصية أمير المؤمنين - إلى ولده الإمام
الحسن(عليه السلام)، معالم الفكر، بيروت، ط1، 2012م.
18)
الكليني، أبو
جعفر محمد بن يعقوب (329ﻫ/941م)، الكافي، تحقيق علي أكبر الغفاري، حيدري، طهران،
ط5، 1363ش.
19)
المامقاني،
الشيخ عبد الله (ت1351ﻫ/1932م)، مرآة الكمال لمن رام مدارك الأعمال، تحقيق الشيخ
محيي الدين المامقاني، مطبعة نكارش، قم، ط5، 1427ﻫ.
20)
المجلسي، الشيخ
محمد باقر (ت1110ﻫ/1699م)، بحار الأنوار، مؤسسة الوفاء، بيروت، ط2، 1403ﻫ 1983م.
21)
النراقي، الشيخ
محمد مهدي (ت1209هـ/1794م)، جامع السعادات، تحقيق وتعليق السيد محمد كلانتر،
تقديم: الشيخ محمد رضا المظفر، دار النعمان، النجف الأشرف، ط4، د.ت.