العدد الثاني عشر

أثر أدعية الإمام العسكري(عليه السلام) في بناء الشخصية الإسلامية وترسيخ العقيدة
تحميل
الباحثين الشيخ الدكتور لقاء جواد الكعبي الشيخ الدكتور لقاء جواد الكعبي


أثر أدعية الإمام العسكري(عليه السلام) في بناء الشخصية الإسلامية وترسيخ العقيدة

 

The Impact of Imam Al-Askari's (PBUH) Supplications on Formation of Islamic Personality and Consolidating Belief

 

الشيخ الدكتور لقاء جواد الكعبي

 

Shrikh DR. liqa' jawad alkaebi

 

 

الملخص:

تكمن أهمية هذا البحث في تسليطه الضوء على ما في أدعية الامام الحسن العسكري(عليه السلام) من طرق علمية لبناء شخصية إسلامية صالحة وسالمة نفسياً.

يحاول البحث أنّ يثبت ان الإمام الحسن العسكري(عليه السلام) قد ضمن أدعيته تعريفاً وافياً بأهم عقائد الإسلام، وبأسلوب تربوي نفسي، ينمُّ عن خبرة له(عليه السلام) بنفوس الناس وما يمكن أن يؤثر فيهم وجدانياً، وقد خلص البحث إلى أنّ للإمام أثراً وجدانياً لأدعيته بوصفه الدقيق لبعض حالات الإنسان ولضعفه.

وكذلك توصل البحث إلى أهمية تكرار الأدعية في ترسيخ العقيدة، وفي تخليص القارئ من الرواسب التي حملها له محيطه الأسري أو البيئة الاجتماعية، فكما إنّ ما تلاقاه من أسرته جاء بالتكرار والاستمرارية.

وكذلك إلى أثر وثاقة وسعة معارف ناقل العقيدة في قبول المتلقي لها، فان هذا الأمر يسهل على الملقي إقناع المتلقي والتاثير فيه، والى علم ناقل العقيدة ببعض الأساليب التربوية. ثم أثبت البحث جميع تلك الصفات للإمام من طريق بعض الشواهد من أدعيته، ولم يفت الباحث الوقوف على تلك الأساليب الخاصة في إثبات بعض العقائد، كما في أثر التذكير بالنعم وبيان طرق الاستزادة منها، وأثر ذلك في ترسيخ عقيدة التوحيد، وكذلك بيان اللطف الإلهي وأثره في التمهيد لعقيدة النبوة وترسيخ اعتقاد الفرد بها، وكونها واسطة في وصل الخير له.

الكلمات المفتاحية:

الإمام الحسن العسكري(عليه السلام)، الأدعية، العقائد، الفكر.

 

Abstract:

The study highlights the scientific methods in Imam Al-Hasan Al-Askari's (PBUH) supplications for formation a righteous and psychologically sound Islamic personality. The study attempts to prove that Imam Al-Hasan Al-Askari’s (PBUH) supplications included a comprehensive definition of Islam's most important beliefs, using an educational psychological method that demonstrates his expertise in people's souls and what can affect them emotionally. The study concluded that the Imam has an emotional impact of his precise description of some human conditions and their weakness.

Moreover, the study concluded that the repetition of supplications contributed to consolidate belief and in freeing the reader from the deposits carried to them by their family environment or social surroundings. What they received from their family came through repetition and continuity.

It also addresses the impact of the reliability and richness of knowledge of the belief transmitter on the recipient, as this matter makes it easier for the communicator to convince the recipient and influence them, and the knowledge of the belief transmitter of some educational methods. The study proved these qualities for the Imam through some evidence from his supplications. The researcher referred to those special methods in proving some beliefs, such as the impact of reminding of blessings and explaining ways to increase them, and its impact on consolidating the doctrine of monotheism. Furthermore, the study explained the divine kindness and its impact on paving the way for the doctrine of prophethood and consolidating the individual's belief in it, and it being a medium for connecting goodness to them.

key words: Imam Al-Hasan Al-Askari (PBUH), supplications, beliefs, thought.

 

 

المقدمة:

الحمد لله على ما أنعم وله الشكر بما ألهم، وصلاته وسلامه على المبعوث رحمة للامم محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين. وبعد.

يقع الإنسان تحت تأثير مجموعة عوامل يسهم كل منها بنسبة معينة في بناء شخصيته، فمن العامل الوراثي إلى عامل البيئة الاجتماعية والمحيط، وصولاً إلى العنصر الأكثر تأثيراً، وهو التربية.

فالفرد من بني آدم يأتي إلى هذه الدنيا خالياً من بصمات معرفية حتى تبدأ يد المحيط الأسري بنقش صفحة شخصيته قال تعالى: ﴿وَاللهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلََ لكُمُ السَّمْعَ وَاْلأَبْصَارَ وَاْلأَفْئِدَةَ لعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ سورة النحل 87؛ لذا عندما يصل الطفل إلى مرحلة التمييز، ويصبح قادراً على تمييز الأمور من حوله نافعها وضارها، يجد نفسه قد حملت بمجموعة من الأفكار هي مبادئ وقيم وأخلاقيات المجتمع الذي ينتمي إليها، وفي هذه الفترة يخرج الطفل من مرحلة الملك (كونه مخدوم من قبل الأبوين، وطلباته ملباة، حتى الأفكار تصدر له من أهله) إلى مرحلة الاعتماد على النفس، وهنا يبدأ بمحاكمة ما سمعه وتعلمه من محيطه، ليصل إلى مرحلة تكوين الشخصية النهائية له، والتي تصدر عنها جميع سلوكياته، فما فعالنا الا انعكاس لما نحمله من أفكار.

وفي هذه المرحلة الخطيرة من حياة الفرد تسهم بعض المؤثرات الخارجية في تغير أو ترسيخ بعض المعتقدات التي يحملها، فللعرف الاجتماعي السائد دور، وللمربين من أولياء الله دور.

وعادة ما يؤدي انفلات الحكومة وتولي الأمور من ليس بأهل إلى فسح المجال أمام أصحاب المدارس الفكرية الخاطئة كما في قضية الفيلسوف الكندي الذي كان يدعي وجود التعارض بين آيات القرآن، وقد تصدى له الإمام العسكري(عليه السلام)
بذكاء عاطفي كبيرة حينما علم بعض تلامذة الكندي أن يشير إلى خطئه بطريقة مهذبة، فاعترف الرجل بخطئه وتراجع عن مدعاه.

فرضية البحث:

يحاول البحث إثبات أنّ الإمام الحسن العسكري(عليه السلام) قد تصدى لهذه الموجة من الانحرافات والمذاهب الباطلة، بالعديد من الطرق، كتوعية الأمة من خلال نشر مفاهيم وعقائد وأخلاق الإسلام بواسطة الروايات الصادرة منه، وأيضاً بواسطة اغتنام حاجة الفرد المؤمن إلى الله، فبث في الناس جملة من الأدعية، والتي تحقق للناس أمنياتهم (ككشف البلاء عنهم أو قضاء حوائجهم).

وهي أيضاً تبني شخصية الفرد على تعاليم الإسلام، فيصبح الفرد ذا شخصية متزنة بعيدة عن الأمراض النفسية التي تؤثر سلباً على الفرد نفسه وعلى مجتمعه، كما وتسهم هذا الأدعية ذات المضامين المقصودة والموجهة لصيانة الناس، بحفظ عقائدهم وتعريفهم صحيح العقيدة الذي يجهلونه بل وأحياناً من خلال الدعاء يشربون العقيدة الحقة، وكذلك تسهم هذه الأدعية بشكل وبآخر في تعزيز الهوية الإسلامية عند من يواظب عليها.

أهمية البحث:

إنّ تلك الأدعية ما زال لها نفس الأثر في بيان العقائد الصحيحة من جهة، وفي بناء شخصية المسلم بصورة تجعل منه سالماً في نفسه، ومأمون الشر على غيره، فإذا أسهمنا في نشرها وتعريف الناس بمعانيها حققنا ذلك الهدف المنشود

وما هذا البحث إلّا محاولة في التماس أثر مضامين الأدعية الواردة عن الإمام الحسن العسكري(عليه السلام) من ناحيتين: أثرها في الصفات الشخصية، وقد جاء في المطلب الأول من البحث، وحاول المطلب الثاني الوقوف على أثر تلك الأدعية في ترسيخ العقيدة الصحيحة في النفوس.

المطلب الأول: تعريف الشخصية وعوامل التاثير فيها ودور أدعية الإمام(عليه السلام) في بنائها.

اختلفت عبارات علماء النفس في تحديد مفهوم الشخصية ولكن من أكثر التعريفات التي اتفقوا عليها هي «مجموعة الصفات التي يمتلكها كل شخص وتميزّه عن غيره من الأشخاص، والتي ينتج عنها اختلاف في سلوك الأفراد»[1]. وهذه الصفات التي تتميز بها شخصية الفرد قد تكون معرفية (كالإيمان)، أو نفسية (كالرجاء والخوف والطمأنينة)، أو سلوكية (كالعمل الصالح)، أو بدنية (كمال الخلق أو نقصها)، أو وجدانية (كالذكاء العاطفي). ويتفرع من هذه الصفات جملة أخرى كالمزاج والطباع كالاجتماعية أو الانزوائية.

ثم إنّ هذه الصفات قد تكون صفات موروثة أو اكتسابية، وما يعنينا منها في هذا البحث هي الجنبة المعرفية والوجدانية.

عوامل بناء الشخصية:

تتضافر مجموعة من العوامل في بناء شخصية الفرد، وكل منها يؤثر في جانب من جوانب الشخصية، وان اختلفت في الفترة الزمنية التي تبدأ بها.

ويمكن تقسيمها على مجموعتين، هما:

أولاً: العوامل الداخلية: وهي العوامل الذاتية الوراثية والبدنية والنفسية، ومنها الذكاء، وهو من الأمور المتوارثة، كما يلعب دوراً في تكوين شخصية الفرد، وعليه فيكون من يمتلك مستويات ذكاء أعلى قادراً على التكيّف أكثر مع ظروف المنزل والمدرسة والمجتمع بشكل عام، مقارنة بأولئك الأقلّ ذكاءً.

ثانياً: العوامل الخارجية: ويقصد بها ما هو خارج عن ذات الفرد، ولكنه مؤثر فيه، ومنها:

1ـ العائلة: فهي اول المؤثرات في شخصية الفرد وأقربها اليه، ويبدأ تأثيرها منذ الطفولة، فيتأثر الطفل بتصّرفات والديه، وطريقة تعاملهم معه، بالإضافة إلى المستوى التعليمي للوالدين، فينظر الإنسان منذ الطفولة إلى والديه على أنهما القدوة الأولى في حياته؛ لذا يجب أن يحرص الوالدان على توفير بيئةٍ عائليةٍ صحيةٍ يتخلّلها المحبة والمودة، وتوجيه طفلهم بطريقة صحيحة؛ وذلك من أجل تنمية شخصية قوية وصالحة.

2- التربية: وهي - إذا روعيت بالشكل الصحيح - أكثر المؤثرات الخارجية فاعلية في بناء شخصية الأفراد وقدرتهم على التعامل مع الأمور الحياتية، ومن هنا بالتحديد نعرف أهمية دور حجج الله تعالى في خلقه، فهم أهم عوامل بناء الشخصية، وذلك من جهتين: إحداهما قدرتهم على التأثير وما يحبوهم به الله تعالى من صفات، إضافة لمؤهلاتهم الشخصية، قال تعالى: ﴿فَبِماَ رَحْمَةٍ مِّنَ اللهِ لنتَ لهُمْ وَلوْ كُنتَ فَظاً غَلِيظَ اْلقَلْبِ لانفَضُّوا مِنْ حَوْلكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لهُمْ وَشاَوِرْهُمْ فِي اْلأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلىَ اللهِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ اْلمُتَوَكِّلِيَن﴾[2]. والأمر الثاني هو دور التربية الكبير في بناء الشخصية. ولما كان الإمام العسكري(عليه السلام) العارف بحاجات الناس واضطرارهم إلى كشف ما بهم من شدائد، فقد سعى لتعليم الناس ما ينفعهم من هذه الجهة، وهو الدعاء، فحقيقة الدعاء «هي الشعور الباطني في الإنسان بالصلة والارتباط بعالم لا مبدأ له ولا نهاية ولا حدّ ولا غاية لسعة رحمته وقدرته وإحاطته بجميع ما سواه فوق ما نعقل من معنى السعة والإحاطة والقدرة، يقضي له حوائجه، بحيث يجعل المدعو تحت قدرة الداعي جميع وسائل نجح طلباته[3]، فهو يشبع عند الأفراد حاجات أخرى نفسية كانت أم وجدانية، فالدعاء هو أحد مصادر معرفة الفرد والتي تسهم في بناء شخصيته، والدعاء أيضاً هو أحد طرق نجاة الفرد من آثار ذنوبه، والدعاء بعد هذا وذاك هو سبيل تحقيق الفرد لأمنياته وهو بتوفيق السماء له بالإتيان بالمقدمات المطلوبة لكل واحدة من حاجاته وامنياته.

فالدعاء إذن هو أحد طرق تربية الناس بالمعارف الحقة، ولو كان الغرض المحرك للفرد لقراءته هو طلب قضاء حاجته، ولكنه سوف يتشرب في الأثناء معارف تسهم مع الوقت في تقويم شخيصته وبنائها إسلامياً، الإمام الحسن العسكري(عليه السلام) دائماً ما يذكر القارئ لها والداعي بها بآيات الله وبديع خلقه كما في دعائه «اللهم إنّي عبدك ابن أمتك، ذليل بين برّيتك، مسرع إلى رحمتك، راجٍ لثوابك، اللهم إنّ كل من أتيته فعليك يدلّني، وإليك يرشدني، وفيما عندك يرغّبني، مولاي وقد أتيتك راجياً، سيّدي وقد قصدتك مؤملاً، يا خير مأمول، ويا أكرم مقصود، صل على محمّد وعلى آل محمد، ولا تخيّب أملي، ولا تقطع رجائي، واستجب دعائي، وارحم تضّرعي، يا غياث المستغيثين أغثني، يا جار المستجيرين أجرني، يا إله العالمين خذ بيدي، انقذني واستنقذني ووفّقني واكفني[4].

فالإمام(عليه السلام)، يشير إلى أنّ كل ما في الوجود من سماء وأرض وهواء وسحب واشجار، بل وأجرام وأفلاك عند التدبر في أحواله يعرف الإنسان أنها مسيرة منقادة له سبحانه، وكل منها مظهر لاسم من أسمائه الحسنى، ودليل على صفة من صفاته العليا عزّ اسمه، فمن يقرأ هذه المقطوعة من دعاء الإمام(عليه السلام) تأخذه إلى حالة من التفكير في كيفية إرشاد كل ما حوله إلى الله، وأنه المدبر لهذا الوجود.

ثم يشير الدعاء إلى صفة أخرى تميز المسلم، وهي معرفته بالله تعالى التي تورثه حالة من الاستقرار والطمأنينة، فهو مع علمه بأنّ هذه النشأة يحكمها قانون السببية: شاء الله ان تجري الأمور بأسبابها الا أنه يعلم يقيناً أنّ خير تلك الأسباب هو مسببها؛ لأن الأسباب مفتقرةٌ إليه ولا تعمل الا برضاه، يقول الإمام: «يا خير مأمول ويا أكرم مقصود.. يا غياث المستغيثين، يا مجير المستجيرين، يا إله العالمين». وفي المقطع دلالة أخرى مهمة أيضاً، وهي إنّ الأسباب تعجز أحياناً عن تحقيق رغبة الفرد وتلبية حاجته، فعليه ان لا يصاب باليأس والقنوط، فهناك الأفضل الأكرم وهو الله سبحانه.

فالمؤمن يجد في دعاء الإمام(عليه السلام) إشارة إلى أن إتيان الأسباب والتوسل بها واجب وفق قانون السببية، ولكن في ذات الوقت يجب أن لا يغفل عن أنّ وراءها - الأسباب - مسببها الذي يدبر شؤونها وشؤون المتوسل بها.

ويجد المتامل في أدعية الإمام العسكري(عليه السلام) دعوة واضحة للتفكير في آيات الله التدوينية، والذي يعبر عنها بالتدبر بايات القران، التي دعاني ربنا سبحانه لتدبرها قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾[5].

فالإمام الحسن بن علي العسكري قد استشهد بآيات القرآن الكريم في أدعيته بصورة كبيرة، كما في قوله(عليه السلام):
«وحسبنا الله ونعم الوكيل، وهو نعم المولى ونعم النصير، وما لنا إلّا نتوكّل على الله وقد هدانا سبلنا، ولنصبرنّ على ما آذيتمونا وعلى الله فليتوكّل المتوكّلون، ومن يتوكّل على الله فهو حسبه، إنّ الله بالغ أمره، قد جعل الله لكل شيء قدراً» فالداعي بهذا الدعاء سوف يذهب لا إرادياً إلى تدبر معاني هذه الآيات، وهذا يستلزم غالباً الرجوع إلى أصولها في كتاب الله، وهي:

1- قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قالَ لَهم النَّا س إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمعوا لَكمْ فَاخْشَوْهمْ فَزادَهمْ إِيماناً وَقالوا حَسْبنَا اللهم وَنِعْمَ الْوَكِيل﴾[6].

2- قوله تعالى: ﴿وَجاهِدوا فِي الله حَقَّ جِهادِهِ هوَ اجْتَباكمْ وَما جَعَلَ عَلَيْكمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكمْ إِبْراهِيمَ هوَ سَمَّاكم الْمسْلِمِيَن مِنْ قَبْل وَفِي هذا لِيَكونَ الرَّسول شَهِيداً عَلَيكم وَتَكونوا شهَداءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيموا الصَّلاةَ وَاتوا الزَّكاةَ وَاعْتَصِموا بِالله هوَ مَوْلاكمْ فَنِعْمَ الَموْلى وَنِعْمَ النَّصِير﴾[7] .

3- قوله تعالى: ﴿وَما لَنا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى الله وَقَدْ هَدانا سبلَنا وَلَنَصْبِرنَّ عَلى ما آذَيْتمونا وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ المتْوَكِّلونَ﴾[8]

إلى غير ذلك من أسلوب الاستشهاد[9] بآيات القرآن الكريم في أدعيته(عليه السلام)، فهو يقود القارئ الداعي إلى مراجعة تلك الآيات بتمامها والى تدبر مضامينها من جهة اخرى، الأمر الذي يعزز صفة مهمة في شخصية الفرد المسلم وهي العلاقة بكتاب الله وتلاوته وحفظه وتدبر آياته، بل وتتشكل شخصيته الإسلامية ببعض الصفات، كالتوكل على الله وتدبير الله لضرورات استمرار الحياة على هذه الأرض وحفظ التوازن الكوني وغيرها من أمور يجب على المسلم ان يعرفها، بل ويؤمن بها.

وكلما قرأ الشخص أدعية الإمام العسكري (عليه السلام) وما فيها من استشهاد بآيات القرآن الكريم، كلما توسعت قاعدة معارفه الإسلامية، وهذا يشكل عنده شخصية معرفية واسعة الاطلاع تمتلك عناصر قوة كثيرة، منها:

- شخصية محاورة: آيات القرآن تربي في نفس القارئ المتدبر رغبة جامحة للحوار فدائماً الشخصيات الممدوحة في القران محاورة، مثلاً حبيب النجار المؤمن الذي جاء من اقصى المدينة كان محاوراً، وانت تجد نفسك تنسجم معه وتحبه من خلال السرد القرآني للقصة، قال تعالى: ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الَمدِينَةِ رَجلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعوا الْمرْسَلِيَن * اتَّبِعوا مَنْ لَا يَسْأَلكمْ أَجْراً وَهمْ مهْتَدونَ * وَمَا لِي لَا أَعْبد الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ ترْجَعونَ * أَأَتَّخذ مِنْ دونِهِ آلِهةً إِنْ يرِدْنِ الرَّحْمن بِضٍّر لَا تغْنِ عَنِّي شَفَاعَتهمْ شَيْئاً وَلَا ينْقِذونِ * إِنِّي إِذاً لَفِي ضَلَالٍ مبِيٍن﴾[10].

- شخصية مطمئنة: من أهم معالم الشخصية الإسلامية الاطمئنان، وهذا بدوره ينتج عن معرفة المؤمن بحقيقة أنّ الضار والنافع بهذا الوجود هو الله سبحانه، وهو إذا أراد نفع الإنسان فلا راد لفضله، واذا أراد أن يجازي ابن آدم ببعض أعماله السيئة فلا أحد يمنعه، قال تعالى: ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾[11].

ويقابل هذه الشخصية المطمئنة، الشخصية المضطربة، وهي التي تعول على الوهم وتستقي معارفها من مصادر غير آمنة، وكلما انكشفت لصاحب هذه الشخصية الحقيقة أصيب بالإحباط واليأس، الأمر الذي يؤدي إلى مشاكل كبيرة كتعاطي المخدرات، فقد ذكرت تقارير علمية صادرة من جهات مختصة بأن من أكثر أسباب تعاطي المخدرات ضعف الإيمان بالله وعدم اللجوء اليه سبحانه في المشاكل التي يواجهها الفرد[12].

بينما الشخص الذي اعتاد على تلاوة القرآن ورأى كيف فرج الله تعالى عن المؤمنين، وانه تعالى قريب من عباده يجيب دعوة المضطر إذا دعاه ويكشف السوء، الشخص الذي يدعو الله موقناً بالإجابة، فإنه يكون متفائلاً يعلم انه بعقيدته الحقة وبارتباطه بأولياء الله تعالى لن تبقى عنده مشكلة بلا حل، قد ينتهي إلى قناعات ضرورية في الحياة، كما لو علم ان ليس

كل ما يتمناه ويطلبه هو في مصلحته، وقد تتأخر عنه الإجابة؛ لذلك نقرا في دعاء الافتتاح «فَصِرت اَدْعوكَ آمِناً، وَاَسْاَلكَ مسْتَأنِساً، لا خائِفاً وَلا وَجِلاً، مدِلّاً عَلَيْكَ فيـما قَصَدْت فيهِ اِلَيْكَ، فَاِنْ اَبْطأَ عَنّي عَتَبْت بِجَهْلي عَلَيْكَ، وَلَعَلَّ الَّذي اَبْطأَ عَنّي هوَ خَيْر لي لِعِلْمِكَ بِعاقِبَةِ الأمورِ»[13].

وهذا المعنى ـ المؤمن آمن بحسن اعتقاده وارتباطه بأولياء الله ـ نجده جلياً واضحاً في توصيات الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) لشيعته وفي الأدعية التي علمها لهم فقد روى الطوسي بسنده عن سهل بن زياد أنه دخل على الإمام العسكري (عليه السلام) قال: فقلت له ذات يوم: يا سيدي، قد وقع لي اختيارات الأيام عن سيدنا الصادق (عليه السلام) مما حدثني به الحسن بن عبد الله بن مطهر، عن محمد بن سليمان الديلمي، عن أبيه، عن سيدنا
الصادق (عليه السلام) في كل شهر، فأعرضه عليك؟ فقال لي: افعل.

فلما عرضته عليه وصححته قلت له: يا سيدي، في أكثر هذه الأيام قواطع عن المقاصد؛ لما ذكر فيها من التحير والمخاوف، فتدلني على الاحتراز من المخاوف فيها، فإنما تدعوني الضرورة إلى التوجه في الحوائج فيها. فقال لي:

يا سهل، إنّ لشيعتنا بولايتنا لعصمة لو سلكوا بها في لجة البحار الغامرة، وسباسب البيد الغائرة، بين السباع والذئاب، وأعادي الجن والإنس، لآمنوا من مخاوفهم بولايتهم لنا، فثق بالله عز وجل، وأخلص في الولاء لائمتك الطاهرين، وتوجه حيث شئت، واقصد ما شئت إذا أصبحت وقلت ثلاثا:

(أصبحت اللهم معتصما بذمامك [وجوارك] المنيع الذي لا يطاول ولا يحاول، من [شر] كل طارق وغاشم من سائر من خلقت وما خلقت من خلقك الصامت والناطق، في جنّة من كل مخوف، بلباس سابغة، هو ولاء أهل بيت نبيك، محتجزاً من كل قاصد لي أذية بجدار حصين، الإخلاص في الاعتراف بحقهم، والتمسك بحبلهم جميعاً، موقناً أن الحق لهم ومعهم وفيهم، وبهم أوالي من والوا، وأجانب من جانبوا، فأعذني اللهم بهم من شر كل ما أتقيه يا عظيم، حجزت الأعادي عني ببديع السماوات والأرض (إنا جعلنا من بين أيديهم سداً ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون)، وقلتها عشياً ثلاثاً حصلت في حصن من مخاوفك، وأمن من محذورك»[14].

فالإمام العسكري (عليه السلام) في هذا الدعاء يشبع حاجة نفسية مهمة جداً، وهي من الحاجات الفطرية الأساسية التي خلقت مع كل إنسان، وهي الحاجة إلى الانتماء فالعالم الألماني ماسلو[15] ذكر في هرمه للاحتياجات حاجة الفرد للانتماء، وصفت نسخة محدثة من هرم «ماسلو» هذه الحاجة بـ«الانتماء والحب» والتي يمكن أن تكون أكثر دقة، فالإنسان بحاجة إلى الصداقات والعلاقات ويلبي الأشخاص هذه الحاجة بطرق مختلفة، فبعضهم يلبيها من خلال الانتماء القبلي والآخر من خلال الانتماء الوطني، وثالث من خلال الانتماء القومي، والانتماء السياسي وغيرها، وكل هؤلاء في الحقيقة يعبرون عن تلك الحاجة النفسية فيهم، لكن مشكلة أي واحد من هذه الانتماءات أنه يعارض الآخر ويرفضه.

أما الدين بتعاليمه يشبع حاجة الإنسان للانتماء بجموع صوره والتي منها:

الانتماء العائلي القبلي: والدين يدعو إلى صلة الارحام قال تعالى: ﴿يَا أَيَها النَّا س اتَّقوا رَبَّكم الَّذِي خَلَقَكم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهمَا رِجَالاً كَثِيًرا وَنِسَاءً وَاتَّقوا الله الَّذِي تَسَاءَلونَ بِهِ وَالْأرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكمْ رَقِيباً﴾[16]. سورة النساء، الآية 1.

الانتماء الوطني: يحث الدين الافراد على حب اوطانهمّ، لكي ينمي فيه الرغبة لبنائها وعمرانها والحفاظ عليها وصيانة ثرواتها، فقد ورد في الأثر «حب الوطن من الإيمان»[17].

يقول السيد جعفر العاملي: «وإننا بغض النظر عن سند هذا الحديث، لربما يصعب علينا - لأول وهلة - تصور معنى سليم ومقبول لهذه الكلمة؟ إذ لماذا يكون حب الوطن من الإيمان؟! وهل يمكن أن يكون لهذا التراب بما هو تراب، ولد الإنسان عليه، وعاش في أجوائه، مهما كان وضعه الجغرافي سيئاً، قيمة واحترام إلى حد أن يعتبر حبه من الايمان؟ وبسوى هذا الحب، فإنّ الايمان يكون ناقصاً، وليس فيه تلك الفاعلية المتوخاة؟ وأننا في مقام الإجابة على هذا السؤال، نقول:

إن هذا الحب الذي يهتم به الإسلام لا يمكن أن يكون حباً عشوائياً، لا هدف له، ولا فائدة منه، ولا في خط مخالف للاسلام، وإنما هو حب منسجم مع أهداف الإسلام العليا، ومن منطلق إيماني واقعي إلهي، فإنه (من الايمان) كما أن الوطن الذي يعتبر الإسلام حبه من الايمان، ليس هو محل ولادة الإنسان، وإنما هو الوطن الإسلامي الكبير، الذي يعتبر الحفاظ عليه»[18].

الانتماء السياسي: وربما هو الأخطر بين جميع اشكال الانتماء، ولعل هذا أحد أسباب جعل العمود الفقري لأهم سورة في حياة الفرد المسلم ـ سورة الفاتحة ـ هو أن يدعو المؤمن ويطلب من الله سبحانه ان يجعل انتماءه السياسي للجماعة التي هي على هدى الله، وان يجنبه الانتماءات التي تجره إلى الغضب الإلهي أو إلى الضلال، قال تعالى: ﴿اهدِنَا الصِّراطَ الْمسْتَقِيمَ صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْر الْمغْضوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّيَن﴾[19].

وعلى كل حال، فالإمام العسكري يربي أتباعه على وجوب تحديد اتجاه بوصلة الانتماء.

فالإنسان مفطور على الانتماء إلى جهة معينة، بل الإنسان كائن اجتماعي الطبع، فعليه ان يبادر وبكامل اختياره وحريته إلى اختيار الجماعة الصالحة، وهي جماعة أولياء الله، ولو بالتوسل بالله لإعانته على هذه المهمة الصعبة. ويؤكد الإمام(عليه السلام) أن الفرد إذا اجتاز هذا الاختبار بنجاح كان ذا شخصية متزنة محبوبة عند الله، فيكون لهذا الانتماء والحب المترشح منه عظيم الأثر في استجلاب التوفيق الإلهي للفرد. تامل في عبارة «في جنة من كل مخوف، بلباس سابغة هو ولاء أهل بيت نبيك، محتجزاً من كل قاصد لي أذية بجدار حصين الإخلاص في الاعتراف بحقهم، والتمسك بحبلهم جميعا موقنا أن الحق لهم ومعهم وفيهم، وبهم أوالي من والوا، وأجانب من جانبوا، فأعذني اللهم بهم من شر كل ما أتقيه يا عظيم» فمعرفة مكانة أهل البيت (عليهم السلام) عند الله تعالى لها بالغ الأثر في طمأنينة الفرد واستقرار شخصيته، وغير المعرفة فإنّ لحبهم والعلاقة الايجابية مع من يشاركنا هذه المحبة دوراً في حجز الضرر عنا.

وكما قال الشاعر في أثر حب أمير المؤمنين (عليه السلام):

علي حبــه جنــــة

                        قسيم النار والجنة

وصي المصطفى حقاً

                        امام الانس والجنة

وعليه، فاذا كان من معالم الشخصية الإسلامية، حسن الانتماء، فاننا نجد في جملة من أدعية الإمام العسكري (عليه السلام) بيان عظيم اثر ذلك في استقرار حياة الإنسان، ونجاته من مكاره ومخاطر الحياة من الافات والكوارث الطبيعية وغيرها.

وإذا كان من أسباب الاضطراب في الشخصية ـ والذي يجر إلى اقتراف الأخطاء في حق النفس والآخرين ـ شعور الفرد بالضياع وأن لا معين له أمام بعض المكاره، فان أدعية الامام ترشد إلى وجود العاصم من أي خطر، وهو حسن الاعتقاد وحسن الانتماء.

فهذا الانتماء الذي يذكره الإمام في الدعاء، فائدته لدنيانا، فإنّ له أثراً فكرياً أيضاً، والفكر هو أهم دعامات بناء الشخصية الإسلامية، وقد ورد في الأثر أنّ امير المؤمنين علي بن أبي طالب قال لكميل النخعي: «يا كميل، لا تأخذ إلا عنا تكن منا، يا كميل ما من حركة إلا وأنت محتاج فيها إلى معرفة»[20].

ما من حركة الا وهي صادرة من معرفة يختزلها الإنسان، والأفضل في جميع ذلك أن يقرر الإنسان أن يكون مصدر معارفه أهل بيت النبي (صلى الله عليه وآله)، فيكون بذلك مطمئناً أنّ جميع سلوكياته منضبطة، لأنها تصدر عن منظومة معرفة إسلامية لا ريب فيها مصدرها السماء، فعلوم العترة متصلة بعلم رسول الله الذي هو وحي من الله تعالى.

المطلب الثاني: أدعية الإمام العسكري(عليه السلام) وترسيخ العقائد:

لقد عرفت العقيدة بأنها: «هي التصور الإسلامي الكلي اليقيني عن الله الخالق، وعن الكون والإنسان والحياة، وعما قبل الحياة الدنيا وعّما بعدها، وعن العلاقة بين ما قبلها وما بعدها»[21]، فهي عبارة عن معرفة تصل عند الفرد إلى رتبة اليقين، وكلما كان القطع والجزم بتلك المعارف أكبر كانت عقيدة الفرد راسخة لا يعتريها الشك ولا تزلزلها الشبهات، وبناءً على هذا صار لمجموعة من الأمور اثر في ترسيخها، منها:

1- التكرار: فكلما تكرر ورود معرفة ما على فكر الفرد وأخذ يتأملها، اقتنع بها وأخذت حيزاً من اهتمامه، وعندها ترسخ في قلبه. والدعاء بصورة عامة وأدعية الإمام العسكري(عليه السلام) بصورة خاصة، انما وضعت ليدعو بها المسلم، فهي بطبيعة الحال تكرر، وكلما قرأها الفرد ومر بما فيها من عقائد ترسخت في قلبه، وصار معتقداً بها أكثر.

2- وثاقة وعلم المصدر: إنّ لقناعة الفرد بسعة اطلاع ودقة معلومة القائل، وانه لا يحيك الباطل ويلبسه ثوب الحق بالغ الأثر في حمل ما يقوله على الحق والاعتناء به والتفكر بمعانيه، وهذا التفكر يؤدي إلى التمسك بتلك المعارف واعتقادها، وأي فرد يشك بعلم الإمام الحسن العسكري(عليه السلام) وانه عدل القران!

3ـ خبرة المعلم النفسية والتربوية: حينما يكون ناقل المعرفة خبير بنفوس متلقيها، وما هو الأكثر تاثيرا فيهم، وبالطرق الكفيلة بتربية نفوسهم على الفضيلة، يكون لما يلقيه بالغ الاثر، والإمام العسكري هو الخبير بنفوس الناس عموما، والخير بما يربي نفوس أهل عصره خاصة، ولذا جاءت أدعيته بما يفصل الداعي بها عن واقعه ويربطه بفضاء معرفي عقائدي عميق فنقرأ له «اللهم إني عبدك ابن أمتك، ذليل بين بريتك، مسرع إلى رحمتك، راج لثوابك، اللهم إن كل من أتيته فعليك يدلني، وإليك يرشدني، وفيما عندك يرغبني، مولاي وقد أتيتك راجيا، سيدي وقد قصدتك مؤملا، يا خير مأمول، ويا أكرم مقصود، صل على محمد وعلى آل محمد، ولا تخيب أملي، ولا تقطع رجائي، واستجب دعائي، وارحم تضرعي، يا غياث المستغيثين أغثني يا جار المستجيرين أجرني، يا إله العالمين خذ بيدي، أنقذني واستنقذني، ووفقني واكفني».

فنرى الامام يمزج بين وصف حال الإنسان وضعفه (وهذا يشد القارئ حين يجد مشاعره تتفاعل مع وصف ينطبق عليه) ثم ينتقل(عليه السلام) به إلى ارتباط الموجودات ببعضها، وان لوحة الوجود من حول الإنسان تخبره ان لا منجي حقيقي في الوجود من الازمات والمشاكل الا الله سبحانه، ثم يعلم الإمام(عليه السلام) الداعي بطريقة تستدر عطف السماء واي معاني ينبغي للداعي ان يستحضر، وبين هذا وذاك فالداعي يتشرب وسط هذا المزيج المعرفي الوجداني عقائد حقة في وضع تربوي خاص.

ثم إنّ لكل عقيدة من عقائد الإسلام طرقاً للوصول إليها، بل وهناك أساليب عديدة لإقناع المتلقي لها، سواء أكانت تلك الطرق والأساليب عقلية أم نقلية.

فمثلاً عقيدة التوحيد التي هي فرع عقيدة وجود خالق وموجد لهذا الكون، استدل عليها الأنبياء لأممهم بدليل وجوب شكر المنعم، فإنّ من أكثر الأشياء التي يرتبط بها غير المؤمن بالله، دنياه التي يخشى نقصانها وزوالها، ويسعى لزيادة ما بين يديه من حطام الدنيا، فكان الدليل من نفس ما يهتم به وذلك بتذكير الناس بالنعم الإلهية؛ لأن ذلك يثير فيهم البحث عن مصدر تلك النعم لأمرين:

1- الاستزادة منها، فمعرفة مصدر الشيء يسهل معرفة سبيل الحصول على المزيد منه.

2- شكر ذلك المصدر كنوع من أنواع رد وتقدير المعروف، فالأنفس جبلت على حبّ من أحسن إليها، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): جبلت القلوب على حب من أحسن إليها[22].

وقد أشار إلى لهذا المعنى مليكاوي بقوله: «التذكير بنعم الله يوقظ القلب الغافل وينبهه إلى ما يرتع فيه الإنسان من خيرات عظيمة ونعم جليلة، فيكون ذلك أدعى للاستجابة لهدي الله والدخول في طاعته؛ لذلك ذكر الأنبياء أقوامهم بنعم الله طالبين منهم توحيده ونبذ ما يعبدون من دونه من الأنداد والأوثان»[23].

وفي هذا المضمار فإنّ الإمام العسكري(عليه السلام) يضمّن أدعيته فروعاً من نعم الله، بحيث إنّ قارئ الدعاء يحلق في سماء القرب ممن عطف عليه بجميع تلك النعم، فمن دعائه: «اللهم إني أشهدك بحقيقة إيماني وعقد عزمات يقيني، وخالص صريح توحيدي، وخفي سطوات سري، وشعري وبشري، ولحمي ودمي، وصميم قلبي وجوارحي ولبي، بأنك أنت الله لا إله إلا أنت مالك الملك وجبار الجبابرة، وملك الدنيا والآخرة، تعز من تشاء، وتذل من تشاء، بيدك الخير إنك على كل شيء قدير»[24].

وكيف لا ترسخ عقيدة التوحيد عند من يعترف بأنّ كل ما عنده من الله تعالى، وأنّ كل ما يرغب بالحصول عليه هو من الله سبحانه؛ لأنه مالك الدنيا والآخرة، وأنه هو الذي يعز من يشاء ويذل من يشاء، وأنّ كل ما في الدنيا من خير فإنه بيد الله وعند الله خزائنه. وبهذه الطريقة كان أنبياء الله العظام يستدلون على أممهم، فهذا نبي الله هود يتعجب من كفر قومه مع ما حباهم الله به من نعم جسام، قال تعالى: ﴿أَوَعَجِبْتمْ أَنْ جَاءَكمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكمْ عَلَى رَجلٍ مِنْكمْ لِينذِرَكمْ وَاذْكروا إِذْ جَعَلَكمْ خلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نوحٍ وَزَادَكمْ فِي الْخلْقِ بَسْطَةً فَاذْكروا آلاءَ الله لَعَلَّكمْ تفْلِحونَ﴾[25] فذكرهم نعمة خلافتهم لقوم نوح وما حباهم به من قوة الأجساد، وختم بأنّ فلاحهم يكون بذكرهم لنعم الله وعدم نسيانها، لأنهم بشكرها يستزيدون منها.

ثم يأتي الدليل على وحدانية الله من نفس طريقة ذكر النعم، فهي اما ان تكون من الله وحده أو ان يكون له شريك في خلقها وتدبيرها، وخير دليل على ان لا شريك في الاثنين، نظام الكون الدقيق وغير المتعارض ولا المتصادم قال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهةٌ إِلَّا الله لَفَسَدَتَا فَسبْحَانَ الله رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفونَ﴾[26]. وهذا الذي يعبر عنه علماء الكلام بدليل النظم، ومختصره «بالبداهة كلّ ما فيه النظم، فإنّه يدلّ على ناظم ومنظّم حكيم قادر عليم، وهذا الكون من ذرّاته إلى مجرّاته له نظم خاصّ، لو اختلف بقدر شعرة لاحترق العالم، فلا بدّ له من صانع حكيم ومدبّر لا تأخذه سِنة ولا نوم، وإلّا فكيف للمادّة التي لا حياة فيها ولا إحساس ولا فكر ولا إبداع لهذا الكون الجبّار أن تؤثّر فيه؟ وكيف الأدنى مؤثّر في الأعلى درجة؟

فهذا التكامل المعقول في أشكال الوجود على نطاق هذا الكون الرحيب لهو برهان ودليل قاطع على إثبات الصانع»[27].

أما باقي الصفات الإلهية، فإنّ القارئ لأدعية الإمام العسكري (عليه السلام)، يجد نبعاً لا ينضب منها في كل واحد من أدعيته، ففي عقيدة العدل الإلهي فإنّ الإمام يذكر الداعي بصفات الله الكمالية والجلالية التي لا يتصور أبداً الظلم ممن له تلك الصفات العليا، فلا يحتاج إلى الظلم الا الضعيف؟!!

فالإمام(عليه السلام) ينتهج نهجّ تعريف العباد بعظيم صفات الله، ليصل القارئ للدعاء بنفسه إلى قناعة ان من هذه صفاته لا يمكن ان يظلم، وبعبارة أخرى: إنّ من ينسب الظلم لساحة قدسه فهذا، أكيداً نتاج جهله بالله سبحانه، فالحل لتخليصه من تلك النسبة الباطلة والظن السيء هو تعليمه تلك الصفات ذاتية كانت أم فعلية.

فنجد الإمام(عليه السلام) يبين: «اللهم أنت السلام، ومنك السلام، وإليك يرجع السلام، تباركت وتعاليت يا ذا الجلال والإكرام، والمنن العظام والأيادي الجسام، إلهي مسّني وأهلي الضر وأنت أرحم الراحمين، وأرأف الأرأفين، وأجود الأجودين، وأحكم الحاكمين، وأعدل الفاصلين»[28]، فمن غير الممكن أن يكون مصدر السلام، هو نفسه ظالم، ولا يقبل العقل السليم بكون المتفضل على العباد بمننه والذي يرجى منه الخير، غير عادل ؟! والذي يكون أحكم الحاكمين، الذي، من عظيم علمه واطلاعه على كل المخلوقين وحالتهم حكيم فيما يحكم به كيف يفوته العدل ؟!

وعلى كل حال، فأدعية الإمام الحسن العسكري(عليه السلام) بتنوعها تأخذ بنا إلى حالة من رسوخ العقائد وعدم تزلزلها؛ لأنها صادرة من خبير بالطرق إلى الله وسبلها، ومن عالم بحالات العباد وأسباب فتور عقيدة الحق في قلوبهم أحياناً، فهو(عليه السلام) يذكرنا بأدعيته بمنسي فطرة الله، ويثير فينا دفائن الفطرة المستقيمة التي فطرنا الله عليها.

وبنفس الأسلوب والطريقة يأخذنا إلى الاعتراف بفضل النبوة لنبينا الخاتم، وأنه واسطة الفيض علينا مبدأه واستمراره ومنتهاه، فنجده يضمن تلك المعاني في دعاءه فيقول «اللهم بك يصول الصائل، وبقدرتك يطول الطائل، ولا حول لكل ذي حول إلا بك، ولا قوة يمتازها ذو قوة إلا منك، أسألك بصفوتك من خلقك وخيرتك من بريتك محمد نبيك وعترته وسلالته عليه وعليهم السلام وصل عليهم واكفني شر هذا اليوم وضره، وارزقني خيره ويمنه»[29].

فكما إنّ مصدر الخير وكل ما يتمنى الإنسان هو الله تعالى، فإنّ الواسطة للمنّ الإلهي على العباد بذلك هو أولياؤه وصفوته من خلقه محمد وآل محمد (عليهم السلام).

 

الخاتمة والنتائج:

لقد خلص البحث إلى مجموعة من الاثار لأدعية الإمام الحسن العسكري(عليه السلام)،
من خلالها تبنى الشخصية الإسلامية متمسكة بالقيم والمبادئ الإسلامية، وبوساطة عوامل عدة منها:

1ـ لما كان الفكر من أهمّ عناصر بناء الشخصية، ويعدّ القاعدة التي تُبنى عليها العناصر الأخرى، وهناك العديد من الأمور التي تؤثّر على بناء الفكر مّما يؤثّر في شخصية المسلم، وتجعله قوياً قادراً على مواجهة أي فكر غير سليم، فقد كانت أدعية الإمام العسكري تدعو للتفكر بآيات الله الذي ينتج الإيمان بالله والتعرف على صفاته وأسمائه الحسنى، الذي هو من أهم مميزات الشخصية الإسلامية.

2ـ تضمين الأدعية الإشارة لأهمية الالتزام بالعبادات المفروضة، فإنها طريقة معبدة لسلامة الإنسان في دنياه ونجاته الاخروية، فالمسلم يحلق في سماء القرب بجناحين: الجوارح وهنا تأتي العبادات، والجوانح وهنا ياتي التفكر الذي هو بوابة الامتثال للأوامر الإلهية.

3 ـ من جميل ما وقف عنده البحث استشهاد الإمام الحسن العسكري(عليه السلام) في أدعيته بالآيات القرآنية، الأمر الذي تتميز به الشخصية الإسلامية فمن قراءة القرآن إلى تدبر آياته وتطبيقها في الحياة اليومية، فتكون أدعية الإمام قد أحيت روح العلاقة بالقرآن الكريم، والتي تأخذ المؤمن إلى تلك القيم الإسلامية الاصيلة كالاحسان والايثار وحب الخير.

4ـ لقد حاول الإمام(عليه السلام) من خلال أدعيته إلى إشباع جملة من الحاجات النفسية ومنها حاجة الفرد للانتماء، والتي إن ترك الفرد وأهواءه كان أمام خطر الانتماءات الباطلة التي تنتج إما غضب الله عليه أو إنه يضل بتلك الانتماءات عن الجادة، فجاءت أدعيته (عليه السلام) لتشير إلى ضرورة الانتماء الديني الذي يغطي جميع الانتماءات الاخرى دون منازعة بينها.

5ـ وفي اطار اثر الأدعية العسكرية في ترسيخ العقيدة فقد تعرض البحث إلى مكانة أدعية الامام في تحفيز السلوك البشري بواسطة إثارة القارئ للأدعية ببيان طريق الزيادة مما يحبه من نعم وحالات ايجابية، وبواسطة إشارته لنعم الله ووجوب شكرها، تحفيزاً للحرص على حب النعم، وانطلاقاً من قاعدة أنّ النفوس جبلت على حب من أحسن إليها؛ لتعضيد عقيدة وجود خالق للكون، فقد ضمن الإمام أدعيته الكثير من الإشارات إلى أنّ الإنسان محاط بالنعم الإلهية، ومن انتظام النعم العامة في الكون يمكن الوصول إلى وحدانيته تعالى، كانه (عليه السلام) يأخذنا في بعض فقرات أدعيته إلى دليل النظم، مروراً ببيان أثر النبوة في وصول الفيض الإلهي إلينا، وضرورة الارتباط بأولياء الله للنجاة في دنيانا من المكاره وفي اخرانا من العذاب.

6ـ وقد أشار البحث إلى أن المواظب على أدعيته يصل إلى حالة من الثبات العقدي يصعب معها الركون إلى شبهات الضالين، خصوصاً مع ارتباطه بالإمامة من خلال الحالة الروحية لتك الأدعية.

توصية:

يوصي الباحث القائمين على العتبة العسكرية حرسها الله وسدد خطى القائمين على خدمتها، وجزاهم عن المسلمين خيراً، بنشر أدعية الإمام الحسن العسكري(عليه السلام) في عموم المدينة والطرق المؤدية اليها، على شكل بوسترات ولافتات، فإنّ قراءة الناس لها تسهم في رغبتهم في التعرف على المزيد من علوم هذا الامام العظيم وفي تصحيح عقائدهم، أو اطلاعهم على العقيدة السليمة التي لم يتلقوها من بيئتهم، ربما بسبب الضعف المعرفي أو بعض العوائق.

 قائمة المصادر والمراجع:

1)      ابن طاووس، إقبال الأعمال، تحقيق جواد القيومي الأصفهاني، إيران، قم، 1427هـ، ج1.

2)      البعيجي، حسن مزهر، اكسير النجاة، الناشر زلال كوثر إيران، قم المقدسة، 1443هـ.

3)      التويجي، محمد، المعجم المفصل في الادب، دار الكتب العلمية، بيروت، 1419هـ، ج2.

4)      الحراني، ابن شعبة، تحف العقول عن آل الرسول، ط2، المطبعة الحيدرية ومكتبتها، النجف الاشرف، 1963م.

5)      السبزواري، السيد عبد الأعلى، مواهب الرحمن في تفسير القرآن، مطبعة نكين، قم، إيران، منشورات دار التفسير، 2010، ج3.

6)      الشيخ الطوسي، محمد بن الحسن، أمالي الطوسي، تحقيق قسم الدراسات الإسلامية، مؤسسة البعثة، قم، 1414، ج1.

7)      طبانة، بدوي، معجم البلاغة العربية، مطبعة دار المنارة، السعودية، جدة، 2005، ط3.

8)      الطبرسي، رضي الدين أبي نصر الحسن بن المفضل، مكارم الأخلاق، ط3، دار الامين، بيروت، لبنان، 2004 م، ج1.

9)      العاملي، السيد جعفر مرتضى، الصحيح من سيرة النبي الأعظم(صلى الله عليه وآله)، دار الهادي للطباعة والنشر، دار السيرة، بيروت، 1995م، ج3.

10)  العلوي، السيد عادل، عقائد المؤمنين، المؤسسة الإسلامية للتبليغ والإرشاد، قم، إيران، 1427هـ.

11)  الفوزان، صالح بن فوزان، عقيدة التوحيد، مكتبة دار المنهاج، السعودية، الرياض، 1434هـ.

12)  القمي، سفينة البحار، تحقيق مجمع البحوث الإسلامية، قم المقدسة، 1416 هـ، ج2.

13)  المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار الجامعة لدرر اخبار الأئمة الأطهار، مؤسسة الوفاء، لبنان، بيروت، 1987.

14)  ملكاوي، محمد أحمد محمد عبد القادر خليل، عقيدة التوحيد في القرآن الكريم، مكتبة دار الزمان، 1405هـ، 1985م.

15)  15- The Different Factors Affecting Personality", study, Retrieved 2020-11-14. Edited.

 

 

[1] The Different Factors Affecting Personality”, study, Retrieved 2020 - 11 -14. Edited.
[2] سورة آل عمران، الآية 159.
[3] ينظر: السبزواري، السيد عبد الأعلى، مواهب الرحمن في تفسير القرآن، ج3، ص7.
[4] ينظر: المجلسي، محمد باقر، ج99، ص239.
[5] سورة محمد، الآية 24.
[6] سورة آل عمران، الآية 173.
[7] سورة الحج، الآية 78.
[8] سورة إبراهيم، الآية 12.
[9] الإستشهاد: وهو أن تأتي بمعنى، ثم تؤكده بمعنى آخر يجري مجرى الاستشهاد على الأول، والحجة على صحته. طبانة، بدوي، معجم البلاغة العربية، ص7٢3، ويعرف الاستشهاد باصطلاح الادباء بانه: سوقْ دليل نثري أو شعري لإقامة الدليل على قضية أدبية تعالجها. التويجي، محمد، المعجم المفصل في الادب، ج2،ص1.
[10] سورة يس، الآية 20-24.
[11] سورة يونس، الآية 107.
[12] ينظر: البعيجي، حسن مزهر، اكسير النجاة، ص456.
[13] ينظر: السيد ابن طاووس، إقبال الاعمال، ج1، ص138.
[14] ينظر: الشيخ الطوسي، محمد بن الحسن، أمالي الطوسي، ج1، ص283.
[15] يعد هرم «ماسلو» نظرية أساسية في علم النفس، إلا أنها ليست مجرد نظرية بعيدة عن التطبيق، فهذه النظرية التي وضعها إبراهام ماسلو عام 1943 مفيدة في الحياة اليومية للأشخاص، وقسّم ماسلو الاحتياجات الإنسانية إلى خمسة احتياجات أساسية من خلال تسلسل هرمي، تشتمل قاعدته على الحاجات الأساسية التي لا يمكن للإنسان البقاء بدونها مثل الطعام والماء والنوم، والتي إذا لم يتم تلبيتها فمن الصعب الوصول إلى الاحتياجات الأعلى في الهرم والتي يأتي على رأسها الحاجة إلى تحقيق الذات.
[16] سورة النساء، الآية 1.
[17] ينظر: القمي، سفينة البحار، ج2، ص668.
[18] ينظر: العاملي، السيد جعفر مرتضى، الصحيح من سيرة النبي (صلى الله عليه وآله)، ج3، ص333.
[19] سورة الفاتحة، الآية 6-7.
[20] ينظر: المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ج74، ص412.
[21] ينظر: الفوزان، صالح بن فوزان، عقيدة التوحيد، ص7.
[22] ينظر: الحراني، ابن شعبة، تحف العقول، ص37.
[23] ينظر: ملكاوي، محمد خليل، عقيدة التوحيد في القرآن، ص230.
[24] ينظر: المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ج91، ص377.
[25] سورة الأعراف، الآية 69.
[26] سورة الأنبياء، الآية 22.
[27] ينظر: العلوي، السيد عادل، عقائد المؤمنين، ص27.
[28] ينظر: المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ج99، ص238.
[29] ينظر: الطبرسي، رضي الدين، مكارم الأخلاق، ج1، ص287.