العدد العاشر

قاعدة التَّسامح في أدلة السُّنَنِ
تحميل
الباحثين الشيخ أمجد عبد الرزاق الأسديّ الشيخ أمجد عبد الرزاق الأسديّ

قاعدة

التَّسامح في أدلة السُّنَنِ

 

The Rule of Leniency

in Evidence of Rulings

(Verified manuscript)

تأليف

الشيخ أسد الله الزَّنجاني

(ت 1354هـ)

By Sheikh Asadullah Al-Zanjani

(died 1354 A.H)

تحقيق

الشيخ أمجد عبد الرزاق الأسديّ

Edited by

Sheikh Amjad Abdul Razzaq Al-Asadi

 

الملخص:

بسم الله الرحمن الرحيم

البحث في القاعدة في طيِّ أمور، أولها: أنَّ البحثَ أَصوليَّ راجع إلى أنَّ الاستحباب والكراهة هل يثبتان بالخبر الضعيف؟

وثانيها: بيان عدم الإشكال في احتياج نسبة الحكم إلى الشارع وجعله منه إلى الأخذ من الطرق المعتبرة، وفي حرمة غيره، سواء صدق التشريع أم لا.

وثالثها: أنَّ محل النزاع هو الاستحباب الشرعيّ الذي يكون حكماً للعقل بعنوانه الأولي، ويكون منشأ لجميع الآثار.

ورابعها: أنَّ عمدة ما استدلوا به للقاعدة أمران، قاعدة الاحتياط والأخبار التي قيل تواترها أو شهرتها أو بقبوليتها عند الأصحاب، وقد أُورد على الأمرين بما أوردده في محله، وما أُورد على الثاني قابل للرد والندب.

وخامسها: تظهر الثمرة بين الاستحباب الشرعي وغيره في أمور، منها البرء من النذر، وجواز الافتاء، وترتيب الآثار المترتبة على المستحب الذاتي.

والحمد لله رب العالمين

الكلمات المفتاحية:

الشيخ أسد الله الزنجاني، قاعدة التسامح، قاعدة الاحتياط، وجه الدلالة.

 

Abstract:

In the name of Allah, the Most Gracious, the Most Merciful

The discussion of this rule encompasses several matters: First: This is a discussion of fundamentals (usuli) concerning whether recommended acts (istihbab) and disapproved acts (karaha) can be established through weak hadith?

Second: Clarifying that there is no dispute regarding the need for attributing rulings to the Divine Lawgiver and their establishment through valid methods, and the prohibition of other means, whether it constitutes legislation or not.

Third: The point of contention is about the religious recommendation that becomes a ruling of the intellect in its primary sense and serves as the source for all effects.

Fourth: The main evidence used to support this rule consists of two elements: the rule of precaution (ihtiyat) and the narrations that are said to be mutawatir (widely transmitted), well-known, or accepted by the scholars. Both elements have been critiqued in their appropriate places, though the criticisms of the second element are subject to refutation and discussion.

Fifth: The practical difference between religious recommendation and other types appears in several matters, including the fulfillment of vows, the permissibility of issuing religious edicts, and the application of effects that result from inherent recommendations.

And Praise be to Allah, Lord of the Worlds

key words: Sheikh Asadullah Al-Zanjani, Rule of Leniency, Rule of Precaution, Aspect of Evidence.

مقدمة المحقق

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الْحَمْدُ لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، والصَّلاةُ عَلَى خيرِ خَلقهِ، وأفضلِ بريتِهِ محمّد وآلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرينَ الْمَعْصُومينَ.

وبَعد:

فمِنْ عظيم مننه وآلائه أنْ رزقنا الله العافية، والرغبة الصادقة فِي العنايةِ بتراثِنا الإسلاميّ عُمُوماً والشّيعيّ خُصُوصاً، حتّى جَاء هذا الجهد المتواضع، وهو العنايةُ بالرسالة المَخْطوطة (قاعدة التَّسامح في أدلة السُّنن)، لجامع المعقول والمنقول، روض الفضل وزهره، واحد الزَّمان ووحيده، وعماد الأوان وعميده، وجامع الفقه ومجمعها، ومنبع دقائق الأصول ومرجعها، سلطان علماء العصر، وبرهان فقهاء الدَّهر، أُسوة المجتهدين وزبدتهم، وقدوة المحقِّقين وعمدتهم، وقبلة المدرّسين، وكعبة الطالبينَ، كهف الإسلام والمسلمينَ، مروّج الدِّين، حُجَّة الإسلام والمسلمينَ، مولانا الآقا الشيخ أسد الله الزّنجانيّ[1]، تلميذ سيّدنا المجدِّد الشيرازيّ.

إنَّ هذه الرسالة بما تضمنته من أفكار فذَّة هي ثمرة عكوف المؤلف في محراب درس سيِّدنا المجدِّد الشيرازيّ مدةً مديدةً من الزمن، وقد أجاد فيها غاية الإجادة، وضمّنها سديد رأيه في جملةٍ من الأُمور الّتي استلهمها من واقع تعامله مع نصوص العُلماء في هذه القاعدة.

وقدْ شرعنا فِي دراستِها وتحقيقِها؛ لعلمنا باحتوائِها عَلَى تلك الأفكار الفذَّة والنَظَر الثاقب، لكيْ نُقدِّمها مَنشورةً مُحقّقةً برغم قلَّةِ البضاعةِ.

وقدْ بذلتُ فِي سَبيلِ تَحقيقِها وتَقويمِها وإخراجِها أقصى ما لديَّ مِنْ جهد، ولا أدَّعي كَمَالَ ذَلِكَ وعصمته؛ لأنَّ العصمةَ لأهلِ العصمة (عليهم السلام)، لَكِنَّ قَطعي أنَّ صُدُورَ الباحثينَ مِنَ الرَّحَابةِ بمكَانٍ يتسع لغفرانِ عظيمِ الخطأ.

ولقد كَانَ أمامي حينما شرعتُ فِي العملِ ثلاثةُ أهدافٍ:

الهدفُ الأوَّل: التّعرُّض للمُصنِّف (رحمه الله)

بذكرِ أساتذتِهِ، وتلامذتِهِ، ومُصنَّفاتِهِ.

الهدفُ الثانيّ: التّعريف بالمَخْطوطة قيد التّحقيقِ.

الهدفُ الثَّالِث: تحقيقُ الرسالة.

وقد كان مَنهجُنا في التّحقيق كمَا يلي:

1- استخراج النّصِّ المَخْطوط عَلَى حالتِهِ الَّتِي كُتب فيها مِنْ قِبلِ المؤلِّف، استناداً إلى نُسختِهِ الوحيدة الَّتي هِيَ مَحطُّ عِنايتنا.

2- قراءتها قراءةً دقيقةً وصحيحةً، تَمَّ - مِنْ خلالها - إتقانُ تحرير وضبط النّصِّ بدرجةٍ مقبولة مِنَ الإحْكَامِ والدِّقةِ، مِنْ أجلِ إخراجِهِ عَلَى الوضعِ الصّحيح والحقيقيّ، كَمَا تَرَكَهُ مؤلِّفُهُK تماماً، بحيثُ يُوافق هذا التَّحقيق، ويُطابق الوضع الأصليّ للمَخْطوطةِ، وكَانَ ذَلِكَ عبر الآليّاتِ المتبعة بتحقيقِ المَخْطوطات عُموماً.

3- وضعنا تخريجٍاً صحيحاً ودقيقاً لكُلِّ الآيات القرآنيَّة الَّتِي اعتمد عَلَيْها المؤلِّفُ K، وكَذَلِكَ تَخريج الرّواياتِ الشّريفةِ الواردةِ عن أهل العصمة (عليهم السلام)، بل كُلِّ نصٍّ- وإن أُشير إليه من بُعد- يحتاجُ إلى توثيقٍ وتخريجٍ، مِنَ المَصادِرِ الَّتِي أخذَ المؤلِّفُ مِنْها أو الَّتِي نَعتقد أنَّها أقرب إلى مُتناولِه، بحسبِ ما توفرتْ لدينا مِنَ القرائنِ المختلفةِ.

4- قُمنا بالتَّعليقِ والتَّوضيحِ عَلَى أيِّ جُزءٍ مِنَ النَّصِّ نراهُ ضَروريَّاً، لبيانِ فكرةٍ أو تفسيرِ شيءٍ مُبهمٍ.

5- قُمنا -أيضاً- بإخراج الرسالة بصورةٍ فنيَّةٍ أنيقةٍ، وقدْ اعتنينا كثيراً بالإخراج الفنِّيِّ الأنيقِ للنّصِّ، فقُمنا بالتَّالي:

أ- وضع عَلامات التَّرقيمِ وخصوصاً الفاصلة، والنّقطة، وعَلامة الاستفهام، وعَلامة التَّعجب، والفاصلة المنقوطة، وغيرها من علاماتِ التَّرقيمِ الأُخرى الَّتِي تُساعد عَلَى فَهمِ النَّصِّ بدرجةٍ أكبر.

ب- ضبط النَّصِّ-حيثُ تقتضي الحاجة- مِنْ حيثُ الإعرابُ والتّصريفُ.

ج- إعادة شِكلِ النَّصِّ عَلَى الطَّريقَةِ الحَدِيثةِ مِنَ التَّقطيع إلى الفقرات، وإبراز العناوين، وإضافةِ ما ناسبَ إضافتُهُ مِنَ الكلماتِ والعناوينَ، مَعَ إبرازِ ذَلِكَ كلاً بحسبه، وكُلُّ ذَلِكَ دون الإخلال بأصلِ النَّصِّ. ونحو ذَلِكَ ممـّا فاتتنا الإشارة إليه لكثرتِهِ.

6- لقدْ استفدنا كثيراً مِنْ إفاداتِ بَعْضِ العُلماء والمحقّقينَ (رحم الله الأموات مِنْهُم، وزادَ الأحياء فَضلاً وعِلماً)، فأثبتنا ما نتبناه، وما نعتقدُ بوفائِهِ فِي المَقَامِ عَلَى حالِهِ.

7- حاولنا قدر الإمكَان مراعاة القَواعِد والأُصول المتفق عَلَيْها بين المحقِّقينَ، وما وضعه روَّاد هذا الفن مِنْ قَواعِدَ ومُلاَحَظَاتٍ تختص بمنهجيَّةِ التّحقيقِ، ورسمِ النَّصِّ، والتَّرقيمِ، والرُّموز، والتَّعليقات، والفهارس، وما يُعدُ ركائز ثابتة، ومعالم تُرشد المُحقِّق، وتقوم بتوجيه عمله، ليلبس النّصُّ القَدِيمُ ثوباً جديداً دون المساس بجوهره؛ لأنَّ ذَلِكَ مُقتضى الأمانة العلميَّة.

8- قُمنا -أيضاً- بالإشارة فِي الهامش إلى مواضع التَّصويب، واضطررنا فِي بَعْضِ العبارات إلى زيادةِ بَعْضِِ الكَلمات؛ حَتَّى يَستقيمَ النَّصُّ والسّياقُ، مَعَ وضعها بين مَعقوفينِ، وهو السَّائد المتعارف.

9- وأخيراً، قُمنا بفهرسةِ الرِّسالة؛ حَتَّى يتمكنَ القارئ مِنَ الوصولِ إلى أيِّ جُزءٍ، أو قسمٍ، أو مَعْلُومةٍ داخلَ الكتاب بشكلٍ سهَلٍ وسريعٍ.

وأهمُ ما فيه هو ذكرُ أسماءِ المراجعِ والمَصادِرِ الَّتِي قَدْ اعتمدنا عَلَيْها فِي تحقيقِ الرسالة بشكلٍ مُنظَّمٍ وواضحٍ، مَعَ تَرقيمٍ وتَرتيبٍ صَحيحٍ للمراجعِ، بصيغةٍ موحدةٍ. وحاولنا- قدر الإمكَان- الاعتماد على الطّبعات الموثوقة والمعتمدة من تلك المصادر، والمحال عليها في كُتُب عُلمائنا.

ولابد من التَّعريف بأمرين:

أ.المُصَنِّف (الشيخ أسد الله الزنجانيّ (رحمه الله) ).

ب. المُصَنَّف، وهي رسالة مخطوطة في (قاعدة التسامح في أدلة السُّنن).

أ. التّعريف بالمـُصنِّف

اسمه ونسبه ومولده

هو الشيخ أسد الله بن عليّ أكبر بن رستم خان الزنجانيّ، ولد في (ديزج)، وهي من قرى (زنجان)، في التاسع عشـر من شهر رمضان سنة (1282هـ).

حياته العلميّة

قرأ المقدِّمات العلميَّة في (ديزج)، ثُمَّ انتقل إلى (قزوين)، وحضر أبحاث العلّامة السيّد عليّ أكـبر القزوينيّ صاحب حاشية القـوانين والمعالم، والسيّد حسـين قريش.

وفي عام (1295هـ)، وفي أوان شبابه هاجر إلى النجف وحضر بحث المولى عليّ الخليليّ في الفقه، ومنها إلى (سامرّاء) التّي كانت معقل العُلماء من بعد هجرة سيّدنا المجدِّد الشيرازيّ في أواخر شعبان عام (1291هـ) ولحوق الآلاف من المبرزين من طلابه وخـواص أصحابه، فحضر هناك درس المجدِّد الشيرازيّ، الَّذي كانت له هناك مباحث علميَّة قيّمة قرَّرها بعضُ تلامذته المحقِّقين كان أحدُهُم المحقِّق المدقِّق الشَّيخ (أسد الله الزنجانيّ).

وقد ذكر تلمذتَهُ على يد السيّد المجدِّد بما كتبه هو ولفظه: «وأنا العبد الفقير المسكين المستكين العاصي الراجي رحمةَ ربِّ العالمين (يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ)[2]، الشيخ أسد الله الزنجانّي الديزجيّ العسكريّ النجفيّ، الّذي ربّاه سيّد العُلماء وآية الله في العالمين، الأستاذ الأكبر، مجسم العقل والتقوى، صاحب المقامات العالية، المنتهي إليه رئاسة الشِّيعة، الحاج الميرزا محمّد حسن الحسينيّH،
من
أعظم تلامذة شيخنا الأنصاريّ بل أعلمهم (أعلى اللهُ مقامه، ورفع اللهُ في الخلد مقامه، وحشره الله تعالى مع أجداده الطاهرين)، العبد أسد الله الزنجانيّ الديزجيّ العسكريّ النجفيّ»[3].

وذكر السيّد الأمين في (أعيان الشيعة): «أنَّ عمدة تلمّذه كانت على السيّد محمّد الأصفهانيّ الفشاركيّ»[4]. الّذي وصفه العلاّمة آقا بزرك الطهرانّي في الطبقات بما لفظه: «علّامةٌ جليلٌ، أُستاذُ المحقِّقين، ومُربِّي العلماء والمجتهدين، كان من أعاظم الأساطين، وعمدة الفقهاء والأُصوليّين، الّذي خرج من محضره الشريف جماعات من الأفاضل المبرّزين، بل الأعلام المجتهدين».

وبعد وفاة الميرزا الشيرازيّ يوم الرابع والعشرين من شعبان المعظم سنة (1312هـ)، حضر إلى النجف سنين، ثُمَّ عاد إلى سامراء وقرأ على الميرزا محمّد تقيّ الشيرازيّ.

بعدها- وبسبب الظروف السياسيّة في العراق- انتقل عام (1334هـ) إلى الكاظميَّة، واستقر فيها مع الميرزا محمّد تقيّ الشيرازيّ، هو وثلة ممّن كان معه في (سامرّاء)، وبقي فيها مدة من الزمن بين درس وتدريس.

بعد ذلك، وفي عام (1342هـ) عاد إلى النجف، تخللتها إقامة في (سامراء) لمدة عام كامل لنذر نذره، حتّى وافاه الأجل فيها.

بقيّة أساتذته

ذكرنا أنَّه تتلمذ في (قزوين) على يد بعض الأفاضل، كالسَّيِّد عليّ القزوينيّ صاحب حاشية القوانين والمعالم، والسيد حسين قريش، وكانت عمدة تلمّذته في حوزة سامراء، ومن أبرز شيوخه:

1- السيّد محمّد حسن الشيرازيّ (المجدِّد الشيرازيّ).

هو: السيّد أبو محمّد معز الدين، الميرزا محمّد حسن، ابن ميرزا محمود بن محمّد إسماعيل بن فتح الله بن عابد بن لطف الله بن محمد مؤمن الحسينيّ، المنتهي نسبه إلى الإمام الحسين(عليه السلام)، الشيرازيّ المولد، الغُرويّ المنشأ، العسكريّ المهاجر، النجفيّ المدفن، وقد اشتهر بالميرزا الشيرازيّ، كما عرف بـ(المجدِّد الشيرازيّ).

أحد علماء النجف المبرزين بعد أن قدمها عام (1259هـ) من أصفهان في إيران، فحضر فيها بحوث الشيخ حسن كاشف الغطاء صاحب (أنوار الفقاهة)، والشيخ محمّد حسن صاحب (الجواهر) إلى أن اختارهما الأجل، فاختص ببحث الشيخ الأعظم مرتضى الأنصاريّ، فلازمه ملازمة الظل، وحظي برعايته وعنايته الخاصّة لما كان فيه من النبوغ، وكان الشيخ يُصرِّح بفضله وعُلُوِّ مكانته وتفوقه على بقيَّة طلابه، بل وباجتهاده.

ومن جهة أُخرى كان سيّدنا المجدِّد يرى في شيخه الأنصاريّ ما لا يراه في غيره حتّى قيل: إنَّه حينما سُئل عن قلَّة تصنيفاتِهِ مع غزارة علمه أجاب: بعد (الرسائل والمكاسب) لا ينبغي لأحدٍ تأليف كتاب في الفقه والأصول، ولذا قيل بأنَّه أمر بإلقاء كلّ ما كتبه من بحوث علميَّة، وآراء ونظريات في نهر دجلة في سامراء.

ثُمَّ هاجر إلى (سامراء) فدخلها في أواخر شعبان عام (1291هـ)، وعزم على السُكنى فيها. فلحقه الآلاف من المبرزين من طلابه وخواص أصحابه، فأضحت (سامراء) من مدن العلم، ومعقلاً لنوابغه كالسيّد حسن الصدر، والسيّد إسماعيل الصدر، والسيّد محمّد كاظم الطباطبائيّ اليزديّ، والسيّد محمّد الاصفهانيّ، والسيّد ميرزا إسماعيل الشيرازيّ ابن عمه، والمحقّق الآخوند الخراسانيّ،وغيرهم.

ولكثرة من هاجر إليها؛ بنى السيّد المجدِّد مدرستين، وشيَّد (الباغجة) لسُكنى أفاضل الأعلام، وقد أصبحت (سامراء) في تلك الأزمنة مقصد رواد العلم من العُلماء والشعراء وغيرهم، كالسيّد حيدر الحلّيّ، والسيّد ميرزا إسماعيل، والسيّد ميرزا عبد الهادي الشيرازيّ. فنشطت الحركة العلميَّة والأدبيَّة.

وكان لسيّدنا الشيرازيّ في أيام زعامته ومرجعيته عديد المواقف المشرفة كان أشهرها تحريم (التنباك) بعد إعطاء امتيازاته من قبل سلطان الوقت (ناصر الدِّين شاه القاجار) إلى (الحكومة البريطانيّة)، وهوأشهر من أن يُذكر.

لقد كانت مرجعيَّة السيّد المجدِّد مرجعيّة أبويّة بكلِّ ما لهذه اللفظة من معنى؛ حتّى وصل به الحال أن بنى في (سامراء) جسراً يربط ضفتي نهر دجلة، وسوقاً كبيراً لأهلها بعد أن تكاثر أعداد سكانها.

ومن الجانب العلميّ كان لسيِّدنا المجدِّد إبداعات في المسائل المختلفة في الأصول والفقه، فإليه نُسب مبحث (الترتب)، ومبحث (اللباس المشكوك)، وكانت له مباحث أُخرى علميَّة قيّمة- كما ذكرنا- قرَّرها بعضُ تلامذته المحقِّقين من مجالس درسه في (سامراء)، كان أحدُهُم المحقِّق المدقِّق الشيخ (أسد الله الزنجانيّ).

وبعد حياةٍ عظيمةٍ حافلةٍ بخدمةِ المسلمين عامَّة وشيعة أهل البيت(عليهم السلام) خاصَّة، تُوفِّيَ السَّيِّد المجدِّد يوم الرابع والعشرين من شعبان المعظم سنة (1312هـ)، وكان لخبر وفاته وقعاً في نفوس المسلمين، فشُيّع جثمانُهُ الطاهر في (سامراء) إلى مثواه الأخير، إلى جوار جدِّهِ أمير المؤمنين، ودفن في مقبرته الخاصَّة، جنب (باب الطوسيّ)، على يمين الخارج من الصحن العلويّ المقدَّس.

2- السيّد محمَّد الفشاركيّ الأصفانيّ.

هو: السَّيِّد محمَّد بن مير قاسم بن شريف الطباطبائيّ الفشاركيّ الأصفهانيّ، ولد عام (1253ﻫ) في قرية (فشاركـ) من قرى أصفهان، سافر في عامه الأحد عشر مع أُمّه إلى كربلاء، وتكفَّل به أخوه السّيِّد إبراهيم الفشاركيّ، وفي عام (1286هـ) سافر إلى النجف؛ للالتحاق بحوزتها، وفي عام (1291هـ) سافر إلى (سامرّاء) لحضور في درس المجدِّد الشيرازيّ الكبير.

تتلمذ على الميرزا الشيرازيّ الكبير، والفاضل الأردكانيّ، وأخوه السَّيِّد إبراهيم الفشاركيّ المعروف بالكبير، والسيّد عليّ نقيّ الطباطبائيّ. وتتلمذ على يده: الشيخ الكُمبانيّ، والشيخ محمّد رضا النجفيّ، والشيخ عبد الكريم الحائريّ، والشيخ محمّد كاظم الشيرازيّ، والشيخ ضياء الدِّين العراقيّ، والسيِّد حسين البروجرديّ، والشيخ أسـد الله الزنجانيّ، والشيخ محـمَّد حسن كُـبّة.

من كتبه ومؤلفاته: كتاب في البراءة في تقرير بحث أُستاذه الشيرازيّ، وشرح أوائل رسالة البراءة للأنصاريّ، ورسالة في أحكام الخلل في الصلاة، ورسالة في تقوّي السافل بالعالي، ورسالة في أصالة البراءة، ورسالة في الدماء الثلاثة، ورسالة في الخيارات، ورسالة في الإجارة.

ذكره الكثير ممّن ترجم لعلماء الطائفة، فقال في أعيان الشيعة: «رأيتُهُ في النجف بعد وفاة الميرزا الشيرازيّ، رجلاً مهيباً، وكان ضيَّق الحال، كثير العيال، طالما رأيتُهُ حاملاً خبزاً كثيراً من خبز العجم لعياله، ولابساً طول الشتاء فروة ثقيلة مِن (خراسان)، ويظهر أنَّه لم يكن عنده ثمن عباءة مع اشتهاره بالعلم والفضل» .

وقال السيِّد الصدر في التكملة: «وكان عالماً محقِّقاً مدقِّقاً نابغاً متبحِّراً، ذا غورٍ وفكرٍ، يغوص على المطالب الغامضة، ويصل إلى حقائقها وخفي دقائقها».

وقال الشيخ آقا بزرك الطهرانيّ في الطبقات: «علّامة جليل، أُستاذ المحقِّقين، ومربّي العلماء والمجتهدين، كان من أعاظم الأساطين، وعمدة الفقهاء والأُصوليِّين، الّذي خرج من محضره الشريف جماعات من الأفاضل المبـرَّزين، بل الأعلام المجتهدين».

وقال الشيخ محمّد هادي الأمينيّ في المعجم: «فقيهٌ أُصوليٌّ كبيرٌ، وعالمٌ عاملٌ محقِّقٌ متتبِّعٌ، من أساتذة الفقه والأُصول».

وذكر أحد أحفاده جانباً من كراماته قائلاً: لمّا كان K في سامرّاء انتشر وباء (الطاعون) بين أهالي المدينة بشكل مُرعب، وكان عدد كبير من الناس يموتون في كلِّ يوم، وفي إحدى الأيّام اجتمع نفر من أهل العلم والتقوى في دار السيِّد، ودار الحديث حول الوباء الّذي عمَّ المدينة وما تركه من خوف ووحشة في قلوب الناس، فالتفتَ السيِّد للحاضرين قائلاً: إذا أصدرتُ حكماً شرعيَّاً هل يجب تنفيذه؟ فأعلن الجميع بأنّ تنفيذ الحكم واجب على الجميع عند ذلك، فقال: إنَّني أصدر فتوىً وحكماً شرعيَّاً بأن يبدأ جميع الشيعة في (سامرّاء) من اليوم حتّى عشرة أيّام بقراءة زيارة عاشوراء لرفع البلاء عنهم، ويهدون ثواب هذه الزيارة إلى الروح الطاهرة للسيّدة نرجس والدة الإمام المهديّ المنتظر(عليه السلام)، الّتي قبرها في (سامرّاء)، وفي جوار الإمامين العسكريَّين(عليهما السلام)،
صادق الجميع على فتواه، ثُمَّ أبلغوا جميع الشيعة في (سامرّاء) بذلك، فالتزموا به، وفي اليوم التالي رُفع الوباء تماماً عن الشيعة، ولم يُصب أحدٌ منهم بالوباء، وكانت ضحايا الوباء فقط في صفوف غير الشيعة، فاستغرب غير الشيعة من هذا الأمر، حيث إنَّه لم يُصب شيعيٌّ بعد ذلك اليوم، فسأل جمعٌ من أهل السُّنَّة عن سبب هذا التوقّف الغريب للوباء في صفوف الشيعة، وعندما عرفوا السبب، وهو زيارة عاشوراء، فعلوا مثلما فعل الشيعة، وعندها توقّف الوباء عنهم أيضاً، وذلك ببركة زيارة الإمام الحسين(عليه السلام).

أمّا وفاته: فكانت بعد أن عاد إلى النجف بعد وفاة المجدِّد الشيرازيّ عام (1312ﻫ)، فاختاره الأجل عام (1316هـ) مشغولاً بالتدريس والتأليف وأداء والواجبات الدينيّة، ودُفن في احدى الحجرات الشرقيَّة في الصحن العلويّ المقدَّس.

3- الميرزا محمّد تقي الشيرازيّ.

هو محمّد تقيّ بن مُحب عليّ بن الميرزا محمّد علي كلشن الحائريّ الشيرازيّ. كان مولدُهُ سنة (1256هـ) بـ(شيراز)، ورحل إلى كربلاء، وأقام فيها سنة (1271هـ)، وحضر درس زين العابدين المازندرانيّ، والفاضل الأردكانيّ، والسيّد علـيّ تقيّ الطباطبائيّ، وفي سنة (1291هـ) التحق بحلقة درس الميرزا محمّد حسن الشيرازيّ بسامراء مع زميله في البحث السيّد محمّد الفشاركيّ، وانقطع إليه حتّى صار من أكبر تلامذته، وتزامناً مع ذلك- وبأمر من أستاذه- شرع بتدريس جمع من تلامذته.

وبعد وفاة المجدِّد الشيرازيّ بقي في (سامراء)، ورجع إلى تقليده والعمل بفتاواه جماعة كثيرة، وفي أثناء الحرب العالميَّة وانسحاب العثمانيِّين من العراق لم يتمكن من البقاء في (سامراء)، فغادرها إلى الكاظميَّة، ثُمَّ إلى كربلا، وأقام فيها، وبعد وفاة السيّد محمد كاظم اليزديّ انتقلت الرئاسة إليه، وبفتواه الشهيرة أُعلنت الثورة العراقيَّة على الاحتلال الانكليزيّ، وكان له فيها مواقف مشهودة، على ما هو معروف في تاريخ تلك الثورة[5].

ومن أهم تلك المواقف هو نداؤه في تأييد المقاومة المتصاعدة ضد المحتلين الإنكليز، ونصُّهُ:

«إلى إخواني العراقيّين.. السلامُ عليكم ورحمةُ الله وبركاته. أمَّا بعد: فإنَّ إخوانكم في بغداد والكاظميَّة والنجف وكربلاء وغيرها من أنحاء العراق قدْ اتفقوا فيما بينهم على الاجتماع والقيام بمظاهرات سلميّة، وقد قامتْ جماعةٌ كبيرةٌ بتلك المظاهرات، مع المحافظة على الأمن، طالبين حقوقهم المشروعة المنتجة لاستقلال العراق إن شاء الله بحكومة إسلاميّة، وذلك بأن يُرسل كلَّ قطر وناحية إلى عاصمة العراق (بغداد)، وفداً للمطالبة بحقِّهِ متفقاً مع الّذين يتوجهون من أنحاء العراق عن قريب إلى بغداد.

الواجب عليكم، بل على جميع المسلمين الاتفاق مع إخوانكم في هذا المبدأ الشريف، وإياكم والإخلال بالأمن، والتخالف والتشاجر بعضكم مع بعض، إنَّ ذلك مُضرّ بمقاصدكم، ومُضيّع لحقوقكم الّتي صار الآن أوان حصولها بأيديكم، وأوصيكم بالمحافظة على جميع الملل والنحل الّتي في بلادكم في نفوسهم وأموالهم وأعراضهم، ولا تنالوا أحداً منهم بسوءٍ أبداً، وفقكم الله جميعاً لما يرضيه، والسَّلام عليكم ورحمة»[6].

وما زال على ذلك حتّى تُوفِّي والثورة قائمة، فدفن في الصحن الحسينيّ.

وقد كتب كثيراً من مباحث الأُصول، وطبعت له حاشية على المكاسب، وهو شاعر باللُّغة الفارسيَّة، وأكثرُ شعرِهِ في مدائح أهل البيت النبوي ورثائهم[7].

3- الشيخ محمّد الخوئيّ.

العالم الفاضل الكامل الجليل، كان من أجلَّاء تلاميذ العلّامة الأنصاريّ، مدقِّقاً محقِّقاً فقيهاً أُصوليّاً مدرّساً، كان مُنزوياً فقيراً مُعرضاً عن الدنيا، توفِّيH بالنجف الأشرف أوائل الثلاثمائة[8].

4- الشيخ عليّ النهاونديّ.

وهو المولى عليّ بن المولى فتح الله النهاونديّ النجفيّ، علّامة كبير، ومحقِّق جليل. ذكره العلّامة الطهرانيّ في الطبقات بما لفظه: «لقد كان ورودي إلى النجف الأشرف في هجرتي إلى العراق عام (1313هـ)، وقدْ وجدتُ المترجَّم له يومها من أكابر العلماء، وأجلاء الفقهاء، وأحد أساطين الدين والعلم البارزين، وكان بحثه من أبحاث النجف المعدودة ودروسها المقدمة المحترمة». توفِّي في غرة ربيع الثاني سنة (1322هـ)، وقدْ ناهز الثمانين، ودفن في وادي السلام في مقبرته الخاصَّة به المعروفة في أوّل الوادي[9].

5- الشيخ محمّد هاديّ الطهرانيّ النجفيّ.

هو الشيخ محمّد هادي، ابن العالم الواعظ ملّا محمّد أمين الطهرانيّ النجفيّ، علّامةٌ، فقيهٌ، أُصوليٌّ، محقِّقٌ، مؤسّسٌ، ناقدٌ، بصيرٌ، خبيرٌ، صاحبُ كتاب (محجة العُلماء في الأدلة العقليّة).

قال الشيخ الطهرانيّ في طبقات الشيعة في ترجمته: «حكى عنه مولانا الشيخ أسد الله الزنجانيّ- المُستفيد منه كثيراً- أنّه قال: حضرتُ في سفري الأوَّل إلى النجف بحث العلّامة الأنصاريّ، وحضرتُ بحث العلّامة ملّا محمّد الفاضل الإيروانيّ مدّة ثمان سنين، والسفر الثاني كان بعد فوت الشيخ فتتلمذتُ على العلّامة الشيخ عبد الحسين شيخ العراقين، وكنتُ معه بسامرّاء أيَّام تعميره للمشهد الشريف، وفي السفر الثالث اشتغلت في الحائر بالبحث، فكتب إليّ السيّد الأستاذ الحاج ميرزا محمّد حسن الشيرازيّ بكفايته لأمري؛ فحضرتُ في النجف بحثه في الخيارات والاستصحاب إلى أن هاجر إلى سامّرّاء»[10].

وهو صاحب كتاب (وسيلة النجاة). توفِّي في (10 شوال 1321هـ)، ودُفن بالحجرة القبليَّة من الصحن العلويّ.

6- المولى حبيب الله الرشتيّ.

أحد تلامذة الشيخ الأنصاريّ المبرزين، الّذي ذكره بقوله: «إنِّي أُباحث لثلاثة أشخاص: الميرزا حسن الشيرازيّ، والميرزا حبيب الله الرشتيّ، والآغا حسن الطهرانيّ»[11].

وذكره السيّد حسن الصدر في (أمل الآمل) بما لفظه: «حُجّة الإسلام الميرزا حبيب الله الرشتيّ، ابن الميرزا محمّد عليّ، أُستاذي وأُستاذ عُلماء العصر، محقِّقٌ مدقِّقٌ، مؤسِّسٌ في الأُصول، نابغٌ في الفروع، وحيدُ عصره في أبكار الأفكار، لم أرَ أشدّ فكراً منه وأحسن منه تحقيقاً، وكان متورّعاً في الفتوى، شديدَ الاحتياط، دائمَ العبادة، مواظباً على السُّنن، كثيرَ الصلاة، كثيرَ الصمت، يدأب في العبادة حتّى في السفر، فهو في جميع أوقاته - حتّى في حال خروجه إلى الدرس - مشغولٌ بالعبادة، دائمُ الطهارة، وكان من الزهد على جانب عظيم، وتخرَّج على يده مئات من العُلماء، ولم يكن في زمانه أرقى تدريساً منه وأكثر فوائد، وله التدريس العامّ المشتمل على أصناف العُلماء»[12]، ثُمَّ ذكر كتبه والّتي منها كتاب (بدائع الأُصول)، (كتاب الطهارة في مجلّدين)، وغيرهما.

7- الملا عليّ الطهرانيّ.

هو الملا عليّ، ابن ميرزا خليل الطبيب الطهرانيّ، المتوطن بالنجف الأشرف حيّاً وميّتاً، كان من زُهَّاد العلماء وعبادهم، لم يُرَ مثله في عصره في الزُهد[13].

وفي أعيان الشيعة عن مستدركات الوسائل: «كان فقيهاً رجاليِّاً مضطلعاً بالأخبار، وقد بلغ من الزُهد والإعراض عن زخارف الدنيا مقاماً لا يحوم حوله الخيال، لباسه الخشن وأكله الجشب من الشعير.

قرأ الأُصول على شريف العُلماء وصاحب الفصول، والفقه على صاحب الجواهر، ويروي عن الشيخ جواد ملا كتاب، والشيخ رضا بن زين العابدين العاملـيّ، والشيخ عبد عليّ الرشتيّ، والسيّد محمّد ابن السيّد جواد العاملـيّ صاحب مفتاح الكرامة، وعن الشيخ مرتضى الأنصاريّ، ومِن تصانيفه (خزائن الأحكام في شرح تلخيص المرام)»[14]. توفي سنة (1296هـ).

8- السيد حسين الكوهكمريّ.

هو السيّد حسين بن محمّد بن حسن بن حيدر بن شمس الدين الحُسينيّ، الكوهكمريّ، التبريزيّ، ثُمَّ النجفيّ، المعروف بالكوهكمريّ، ويقال له- أيضاً- السيّد (حُسين الترك). كان فقيهاً إماميّاً مجتهداً، متبحراً في أُصول الفقه، محقِّقاً فيه، مدرِّساً قديراً، من مراجع الدين.

حضر في النجف الأشرف على الشيخ عليّ بن جعفر كاشف الغطاء، والشيخ محمّد حسن النجفيّ صاحب (الجواهر)، والشيخ مرتضى الأنصاريّ، واختصّ به، وواظب على الحضور عنده، ومهر في العلوم، وتصدَّى للتدريس في حياة أُستاذه الأنصاريّ، واشتهر بجودة تقريره وحسن بيانه وسعة اطِّلاعه.

وبعد وفاة الشيخ الأنصاريّ انتهى إليه وإلى الميرزا حبيب الله الرشتيّ- المتقدم الذكر- أمرُ التدريس في النجف.

له كتابات كثيرة منها: تقريرات بحث أُستاذه الأنصاريّ في الفقه والأُصول، ورسالة في (الاستصحاب)، ورسالة في (مقدمة الواجب)، والصلاة، وأحكام الخلل، والمتاجر، والإجارة، والمواريث، ورسالة في الفتاوى لعمل مقلّديه. توفِّي بالنجف سنة (1299هـ).

9- الشيخ زين العابدين المازندرانيّ الحائريّ.

من أعلام حوزة كربلاء، حضر في كربلاء على أساتذتها من أمثال (السيّد إبراهيم القزوينيّ) صاحب (الضوابط)، والمولى محمّد سعيد المازندرانيّ الملقب بـ(سعيد العُلماء)، وقبل ذلك حضر إلى النجف الأشرف فتلمّذ على الشيخ مرتضى الأنصاريّ وغيره.

وقد نشط علميّاً في مدينة كربلاء، وعقد بها دروسه، بعد أن ذهب من النجف إليها.

له شرح لكتاب (شرائع الإسلام) للمحقّق الحلّيّ، توفِّي عام (1309هـ).

10- المولى محمّد حسين الأردكانيّ.

هو: محمّد حسين، ابن محمّد إسماعيل، ابن أبي طالب، ابن عليّ الأردكانيّ، اليزديّ، الحائريّ، المعروف بـ(الفاضل الأردكانيّ)، كان من أجلاء عُلماء الإماميَّة، فقيهاً، أُصوليّاً، محقِّقاً، مَرجعاً في الأحكام.

تتلمذ على عمّه الفقيه محمّد تقيّ بن أبي طالب الأردكانيّ، واستفاد منه كثيراً وروى عنه وكتب تقريرات بحثه في أُصول الفقه.

بعدها ارتحل إلى كربلاء، وحضر بحث السيِّد إبراهيم القزوينيّ صاحب (الضوابط)، وقد بلغ في الفقه والأُصول مرتبة سامية، وتصدى للتدريس، فبرع فيه، وعرف في الأوساط العلميَّة بالتحقيق والتدقيق والتبحّر، له تعليقات على: (رياض المسائل) للسيِّد عليّ الطباطبائيّ، وتعليقات على (معالم الدين) للشيخ حسن ابن الشهيد الثاني، ورسالة في علم الحروف، وكتاب الطهارة، وكتاب الصلاة، وكتاب المتاجر، وغير ذلك. توفّي في كربلاء (1302هـ).

11- الشيخ المولى أسد الله الزنجانيّ.

هو الشيخ المولى أسد الله، ابن الشيخ نظر عليّ الزنجانيّ، عالمٌ متبحرٌ، كان من الأفاضل الأجلاء، تلمّذ على الشيخ محمّد باقر الأصفهانيّ في (أصفهان)، والعلّامة الميرزا محمّد حسن الآشتيانيّ في (طهران).

قال الطهرانيّ في طبقات الشيعة: «وكان العلّامة الشيخ أسد الله بن عليّ أكبر الزنجانيّ يثني على المترجَّم كثيراً، وحدثني أنَّه قرأ عليه في الأوائل كثيراً، له (درر اللُّغات)، (لُغات القرآن) الكبير، و(لُغات القرآن) الصغير، وهما بالنظم»[15].

توفِّي بـ(زنجان) عام (1320هـ).

تلامذته

ممّن تتلمذ على الشيخ أسد الله الزنجانيّ ثُلة من العُلماء الأفاضل، وهم:

1- السيّد رضا بن السيّد هاشم بن مير شجاعة عليّ النقويّ الرضويّ الموسويّ الهنديّ اللكهنوئيّ، المتوفَّى (1362هـ).

2- السيّد محمّد رضا الطباطبائيّ التبريزيّ.

3- السيّد عبد الله البلاديّ بن السيّد أبي القاسم.

4- السيّد محمد جواد الطباطبائيّ التبريزيّ.

5- السيّد محمّد مهديّ الموسويّ الأصفهانيّ الكاظميّ، صاحب كتاب (أحسن الوديعة في تراجم مشاهير الشِّيعة).

6- الميرزا الشيخ عليّ الغُرويّ العلياريّ، وقد قرَّر له بحث (منجزات المريض).

مؤلَّفاته[16]

ذكر السيّد محسن الأمين في أعيان الشيعة: «أنَّ شيخنا الزنجانيّ قضى أيَّام عمره في خدمة العلم وتدريس الفقه والأُصول، وصار في آخر عمره قعيد بيته قدْ استولى عليه العجز، لكنَّه كان نشيطاً عند المباحثة، غيوراً على الشعائر الدينيَّة، له من المؤلفات...»[17]، وأخـــذ في تعداد بعضِ مؤلَّـفاته، فذكر أحدَ عشـرَ منها، وقد أحصينا منه ومن غيره ما يلي.

1- حاشية (الرسائل) للشيخ الأنصاريّ، في ثلاث مجلدات.

2- كتاب البيع مبسوط، من بحوث السيّد المجدِّد الشيرازيّ H.

3- كتاب الخيارات، من بحوث السيّد المجدِّد الشيرازيّ H.

4- رسالة في قاعدة (الناس مسلطون على أموالهم)، من بحوث السيِّد المجدِّد الشيرازيّ H.

5- رسالة في قاعدة (لا ضرر)، من بحوث السيّد المجدِّد الشيرازيّ.

6- رسالة في قاعدة (أوفوا بالعقود)، من بحوث السيّد المجدِّد الشيرازيّ H.

7- كتاب الطهارة تعليقاً على (نجاة العباد).

8- كتاب آخر في (الطهارة)، كتبه تقريراً لبحث أستاذه المجدِّد عند تدريس طهارة الشيخ مرتضى (الأنصاريّ)، برز منه إلى بحث الماء المضاف.

9- كتاب في (مباحث الألفاظ) من علم الأُصول، من بحوث السيِّد المجدد.

10- كتاب آخر في (مباحث الألفاظ) ضمَّنه أنظار نفسه وآراءه.

11-رسالة في اللباس المشكوك.

12- حاشية على (مقدِّمة الواجب) للشيخ الأنصاريّ.

13- رسالة في تداخل الأسباب.

14- رسالة في تداخل الأغسال.

15- رسالة في الشكوك.

16- رسالة الخلل.

17- رسالة في الزكاة.

18- تقريرات في القواعد الكُلِّيَّة.

19- تقريرات الأُصول، في مباحث المفاهيم، والعامّ والخاصّ، والاستصحاب، والتعادل والتراجيح.

20- حاشية على (حاشية الآخوند الخراسانيّ) على رسائل الشيخ الأنصاريّ.

21- أصول الفقه، وهو على مسلك النهاونديّ.

22- منجزات المريض، وهو بحثُهُ الّذي قرَّره ونقحه وحقَّقه الشيخ عليّ الغرويّ العلياريّ. وهو مطبوع عام (1403هـ).

23- رسالة في (قاعدة التسامح في أدلة السُّنن)، وهي الرسالة الّتي بين يدي القارئ الكريم.

وفاته

توفِّي في النجف الأشرف، في العاشر من شهر رجب، سنة (1354هـ)، ودُفن بالصَّحن الشريف، مقابل مقبرة الفاضل الشربيانيّ.

ب. التّعريف بالمـُصنَّف

اعتمدتُ في تحقيق الرسالة على نسخةٍ فريدةٍ وحيدةٍ، أصلها محفوظ في مكتبة (جامعة النجف الدينيَّة)، وهي نُسخة بخطِّ الشَّيخ المؤلف K.

عدد صفحاتها:

تقع هذه النسخة في أحدَ عشرَ صفحةً.

عدد الأسطر:

تقع هذه النسخة في مئةٍ وثمانية وثمانين سَطراً.

نوع الخط ووصفه:

كُتبت هذه النسخة بخطٍّ نستعليق جيِّد، غير منقوط، ولم تخلُّ النسخة من الأخطاء، وبعض الكلمات غير المقروءة.

وقد كُتب في آخر الرسالة: «هذه رسالة كتبتها في صحبة الأُستاذ السَّيِّد محمَّد الأصفهانيّ (عفا الله عنه)، سيِّدنا الأُستاذ الأكبر، وكنَّا نتباحث مع ابن الأُستاذ الأكبر طوال حياته، المولى الحاجّ الميرزا محمَّد (أعلى اللهُ مقامه)، وكان مظهر عقله، ولقد تُوفِّي في عصر السَّيِّد الأُستاذ الأكبر (أعلى اللهُ مقامه)، وكانت في الأوراق المتفرعة، وضيعتها بعد حين، ولي رسالة أُخرى في هذه القاعدة، باقيَّة في المهمات، العبد الآبق الشَّيخ أسد الله (عُفي عنه)».

وفِي خِتامِ هَذِهِ المُقَدِّمة لا يَسعني إلَّا أنْ أتقدّمَ بخالصِّ الشُّكرِ والتّقدير للإخوةِ الأعِزّةِ جميعاً فِي (مَرْكَزِ تُراثِ سامراء) لِما قَدموه لِي مِنْ عَظيمِ المُساعدةِ فِي إخراجِ هذا الرسالة بالشّكل الَّذِي عَلَيْهِ الآن.

والشّكرُ موصولٌ إلى كُلِّ مِنْ منحني مِنْ علمِهِ، ووقتِهِ فِي تقويمِ النَّصِّ وتصويبِ التّحقيق، ولكُلِّ مَنْ وجهني بتوجيهاتِهِ العِلميَّةِ ونَصائحِهِ السَّديدِةِ مِنْ أهلِ العِلمِ والفضلِ.

وأخيراً أتقدم بالشّكرُ والتّقديرُ لجميعِ أساتذتي الَّذِينَ أشربوني مِنْ عُلُومِهِم، وعلّموني مِنْ جَميلِ صُنعِهِم، وجَزاهُم اللهُ تعالى عنِّي خَيرَ جزاءِ المُحسنينَ.

والحمدُ للهِ وليِّ الحمدِ ومستحقِّه

الأقلّ

أمجد الأسديّ

 

 

 

الصفحة الأولى من المخطوطة

الصفحة الأخيرة من المخطوطة

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

القول في قاعدة التسامح

تحقيقُ هذا الأصل في طيِّ أُمور:

[الأمرُ] الأوَّل:

يظهر كون هذا البحث أُصوليَّاً أو فقهيَّاً، ببيان محلِّ النِّزاع وتحريرِهِ فنقول:

ظاهرُ جملةٍ من الأساطين، المتعرضين لهذا البحث- كالمحقِّق القُميّ في رسالته المعمولة فيه[18]، وفي منهجه[19]، وصاحب الفصول فيه[20]، وغيرهما في غيرهما[21]- كون النّزاع في حجّيّة الخبر الضَّعيف، ومثلُهُ في باب السُّنن، فيكون النِّزاع حقيقةً في أنَّ الحكم الشَّرعيّ- أعني: الاستحباب والكراهة- بحيث يجوز نسبتُهُ إلى الشَّرع والتَّدين به، بعنوان كونه منه، فيثبت بالخبر الضَّعيف ومثله[22]، أو لا؟، فالبحثُ أُصوليٌّ؛ ولذا عَنْوَنَ الثَّاني هذا البحث في (الفصول)[23] المعمول في الُأصول، كصاحب الضّوابط[24] وغيره[25].

كما أنَّ ظاهر جملةٍ أُخرى منهم: كون النِّزاع في استحباب ما يَحتَمِلُ الوجوب والاستحباب وعدمه، فحقيقةُ النِّزاع في استحباب هذا الفعل وعدمه؛ فيكون البحث فقهيَّاً ظاهراً.

وهو ظاهرُ شيخنا المرتضى في رسالته المعمولة في هذا الباب[26]، وإنْ كان يخالفُهُ ظاهر عنوانه في رسائله المعمولة في الأُصول[27].

وكيف كان، فالتّحقيق:

أنَّ محلَّ النِّزاع هو الأوّل، فالبحثُ أُصوليٌّ، فكما أنَّ النِّزاع في حُجِّيَّة خبر الواحد يرجع إلى كونه مُثبتاً لما هو الحُجَّة قطعاً، وهو السُّنَّة المفسِّرة لقول المعصوم وفعله وتقريره، ويكون النِّزاعُ أُصوليَّاً بلا شبهة، فكذلك حقيقةُ النِّزاع في جواز التَّسامح وعدمه، يرجع إلى أنَّ الاستحباب والكراهة- اللَّذين هما من الأحكام الشَّـرعيَّة الّتي يجب أخذها من الشَّارع-، هل يثبتان بالخبر الضعيف ومثله؟

[الأمرُ] الثَّاني:

لا شبهةَ في كون الاستحباب والكراهة حكمين مِنَ الأحكام الشَّرعيَّة، كالوجوب والحرمة، والمراد بالحكم الشرعيّ هو: ما استُفيد من إنشاء الشارع الصادر في مقام الطلب وإظهار الإرادة، وما ترى في بعض كتب الأُصول[28] من جعل المندوب- مأموراً به أو لا- محـلَّاً للنزاع، إمَّا غير منافٍ لما ذكرنا بكون النزاع في حيثيَّة خاصَّة، أو غير مُعتنى به.

كما لا شبهةَ في كون الأحكام الشرعيَّة كلِّها توقيفيَّة، بمعنى وجوب أخذها من الشارع بإحدى الطرق المعتبرة كـ(الإجماع)؛ و(الكتاب)؛ و(الخبر) المتواتر، والواحد المحفوف بالقرينة[29]، أو ما حصل بصدوره الوثوق والاطمئنان[30]؛ و(العقل) المستقل الخالي عن الشبهة، فإنَّه طريقٌ إلى الحكم الشرعيّ في الجملة[31].

فلا يُتوهَّم أنَّ كون الأحكام توقيفيَّة متنافٍ مع ما هو المعروف بينهم من كون الأحكام تابعة للجهات الكائنة في نفس الأشياء، فلا يجب أحدها من الشارع بعد إدراك العقل تلك الجهة- مثلاً-؛ ضرورةَ أنَّ المستفاد من العقل مُستفادٌ مِنَ الشرع؛ لأنَّه رسولٌ في الباطن[32].

نعم، لو كان هناك إشكال لكان في أصل الإدراك، أو في مسببيَّة الحكم عن الجهة في المأمور به فقط، وغير ذلك ممّا هو مسطور في باب الملازمة.

فالتشريع بمعنى نسبة الحكم إلى الشارع، من دون أخذها[33] من غير الأدلَّة المعتبرة حرامٌ بالأدلَّة الأربعة.

فإن قلتَ: إدخال ما ليس من الدِّين فيه هو التشريع، لا إدخال ما لم يُعلم منه فيه.

قلتُ: نحنُ لا نُعارضك في معنى التشريع، بل ندَّعي تحريم هذا المفهوم، وهو نسبة ما لم يُعلم بالعِلم أو العِلميّ[34] إلى الشارع، ونتمسَّك لإثباته بصريح الكتاب والأخبار المتواترة، مثل: قوله تعالى: (وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ)[35]، وقوله تعالى: (آللهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ)[36]، وقوله تعالى: (أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمـَوْتُ)، وغيرها من الآيات، الدالَّة على حرمة العمل بالظنِّ الغير المعتبر[37]، والدالَّة على تعيير الُأمم السابقة بالعلم بالظنِّ[38].

وأمَّا الأخبار، فهي أكثر من أنْ تُحصى، فليراجع إلى الأخبار الَّتي استدلَّ بها الأخباريّون في الشبهة التحريميَّة[39].

وبالجملة: لا إشكال في احتياج نسبة الحكم إلى الشارع وجعله منه إلى الأخذ من الطرق المعتبرة، وفي حرمة غيره، سواء صدق عليه التشريع أم لا.

[الأمرُ] الثَّالث:

لا إشكال في أنَّ مُراد المـُثبتينَ والنافينَ، والَّذي هو محلُّ النزاع، هو: الاستحباب الشرعيّ، الَّذي هو أحدُ الأحكام الخمسة، الّذي يكون حكماً للفعل بعنوانه الأَوَّليّ، ويكون منشأ لجميع الأثار المترتِّبة على نوعه وصنفه- الَّتي منها: استحقاق الثواب والأجر على الفعل، ومنها: حصول البرء من النذر والعهد واليمين، والإجارة المتعلِّقة به- لا الرُّجحان المطلق بمعنى الحُسن، ولو كان حاصلاً لأجل كون الفعل ممـَّا يتحقَّق به عنوان الانقياد والإطاعة، بحيث لو كان هناك أجرٌ لكان من باب التفضل والامتنان[40]، فإنَّ هذا- مع كونه مخالفاً لظواهر كلمات الفريقين، بل وصريحهم، كما يشهد به التتبُّع في الكتب الفقهيَّة والأُصوليَّة[41]- ليس قابلاً للنزاع والإنكار، وحاشا من سيِّد المدارك إنكار رُجحان فعلِ ما يحتمل الوجوب والاستحباب بداعي احتمال المحبوبيّة[42]، ثُمَّ حاشا بعد عدم الإشكال في استقلال العقل بحُسنِهِ، فإذن التَّمسُّك بقاعدة الاحتياط وحُسنه مُطلقاً؛ لإثبات هذا، إلتزامٌ خارجٌ عن المقام وعن محلِّ النزاع بين الأعـلام، وسيأتي إليها الإشـارة عن قريب، بعون الملك العلّام.

[الأمرُ] الرَّابع:

عمدة ما استدلُّوا به أمران:

1- الأوَّل: قاعدة الاحتياط ورُجحان حُسنه، بتقريب: أنْ يُقال: فعل ما يحتمل الاستحباب أو الوجوب احتياط[43]،
وكلُّ احتياطٍ راجحٌ عقلاً[44] ونقلـاً[45]، فهو راجح كذلك، ولا نحتاج في الحكم بالاستحباب إلى أزيد من ذلك؛ إذ نقول: لا معنى للاستحباب إلّا كون الشيء منشأ للثواب دون العقاب، ومن المعلوم كون المورد كذلك.

أو نقول: الإتيان بمحتمل الاستحباب وغيره[46] احتياط وإطاعة، وكلُّ احتياطٍ مأمورٌ به بالأمر الاستحبابيّ قطعاً واتفاقاً[47]، فالإتيان به مأمورٌ به بالأمر الكذائيّ، ولا فرق في ثبوت الاستحباب وغيره بين أنْ يكون الأمر مُتعلقاً بخصوص موردٍ شخصيٍّ، كصلاة الليل- مثلاً-، أو بعنوانٍ عامٍّ يكون المورد جزئيَّاً منه أو محقِّقاً، كما لا يخفى.

أقول: قدْ عرفتَ فيما سبق أنَّ النزاع قدْ تقرَّر على وجهٍ يرجع إلى كون البحث أُصوليَّاً، يكون النزاع في حُجِّيَّة الخبر الضعيف- مثلاً- في باب السُّنن.

وقدْ تقرَّر على وجهٍ يرجع البحث معه إلى مسألةٍ فقهيَّةٍ، يكون النزاع في استحباب ما يحتمل الاستحباب- مثلاً-.

وحينئذٍ، نقول: لا وجهَ لجعل الدليل المذكور دليلاً على المـُدَّعى على كلا التقديرين[48]، ولا يصلح أنْ يكون سنداً للفريقينِ في الفَرضينِ.

بيانُ ذلك: أنَّ الوجه المذكور أقصى ما يُفيد رُجحان كلِّ ما صدق الاحتياط؛ لكونه انقياداً وإطاعةً- مثلاً-، ومنه فعل ما يُحتمل الاستحباب، فكلُّ موردٍ ثبت فيه احتمال المحبوبيَّة والرُّجحان، يكون الإتيان به حسناً وراجحاً؛ لكونه احتياطاً، فالاحتمال موضوع لهذا الدليل، ومحقِّق لتلك الكُلِّيَّة، من أيِّ وجهٍ حصل، وأين هذا من كون الخبر الضعيف- وكلِّ ما يصير منشأ للاحتمال المذكور- سنداً شرعاً وحجَّةً تعبديَّةً معتبرةً، كما لا يخفى.

فلا يثبت بهذا الدليل ما هو المدَّعى، على فرض كون البحث أُصوليَّاً.

وأمَّا كونه دليلاً عليه[49] على الفرض الآخر[50]، فهو مبنيٌ على كون الأوامر الواردة في رُجحان الاحتياط وحُسنه أمراً شرعيَّاً مولوليّاً، حتّى يثبت به الاستحباب الشرعيّ، وإلَّا فمجرَّد الطلب- ولو على نحو الإرشاد والتنبيه والهداية إلى المصلحة- ليس قاضياً به، كما لا يخفى.

والحقُّ: أنَّ الأوامر المتعلقة بالاحتياط إرشاديَّة، كالأوامر المتعلقة بالإطاعة الحقيقيَّة.

كما أنَّ الحقَّ أنَّ الأمر الإرشاديّ لا يترتب على موافقته ومخالفته ما يترتب على مخالفة الطلب الحقيقيّ وموافقته، بل يترتَّب عليها ما كان في نفس المرشد إليه من المصالح والمفاسد.

أمَّا الثاني؛ فلأنَّ المراد بالإرشاد هو تنزيل المرشد نفسه بمنزلة عقل المسترشد، فأمره كالأمر الصادر مِن عقله، ولا يتصور هنا طلب ولا عقاب.

أو نقول: إنَّ الأمر الإرشاديّ صادر عن جهة الإرشاد، وهي غير جهة المولويَّة، وما يترتب على مخالفته وموافقته العقاب والثواب هو الأمر المولويّ.

وبالجملة، إنَّ لصدور الطلب جهات مختلفة، يتفاوت الطلب بملاحظتها كالمولويّة، والمرشديّة، والعبوديّة، وغيرها[51] ممـّا يرجع إلى صفات الطالب وحالاته؛ ولذا أنَّ التَّحقيق عندي: أنَّ المعاني الّتي عَدُّوها لصيغةِ الأمر، كالتنجيز والتكوين، والتعجيز، وأمثالها[52] ليست مَعَانٍ لها، بل هي للطلب دائمـاً، وما ذُكر جهاتٌ وعناوين لصدورها.

نعم، الاستحباب والوجوب فصلان للطلب، أو صنفان، أو فردان، والفرق بين المعنيين[53] واضح؛ إذ مرجع الأوَّل إلى انتفاء الطلب، وأنَّ الإنشاء بمنزلة الإخبار بأنَّ في هذا الشيء مصلحة أو مفسدة، والثَّاني إلى بقاء الطلب وإنكار كون مُتعلَّق الطلب مُقتضِياً للعقاب والثواب، بل همـا من فروع مخالفة الطلب المولويّ وموافقته.

وما يُقال: مِنْ أنَّ الطلب فرع إرادة الطالب للمطلوب ومحبته له، ومن المعلوم أنَّ المُرشد كثيراً ما لا يُريد ما أرشد إليه، بل يُريد خلافه، كالطبيب اليهوديّ المرشد إلى علاج المسلم، أو كمُطلق الطبيب بالنسبة إلى الأدوية الّتي تنفر عنها الطِّباع ولو حين الضرورة، مدفوعٌ:

أوَّلاً: لوروده على الأوَّل - أيضاً -؛
إذ المفروض أنَّ المـُرشد أتى بصيغة الطلب، فدعوى كونها مجازاً ومستعملاً في غير ما وضع لـه- وهو الإخبار- مجازفةٌ صِرفةٌ.

وثانياً: إنّا لا نُسلِّم لا بُدّيَّة كون الداعي إلى الطلب محبوبيَّة المطلوب والمأمور به؛ فكثيراً ما يكون الحُسن المترتب على الأمر المعبر عنه (أمر بردن) هو الدَّاعي، وهو نظير الأوامر الامتحانيَّة والابتلائيَّة، فالمرشديَّة تدعو المرشد إلى الطلب؛ لكونها عنواناً حَسناً.

وثالثاً: إنَّ المـُسلَّم اشتراط إرادة الطالب لوقوع المأمور به والمطلوب، وإن كان راجعاً إلى مصلحة الغير، وأمَّا المحبة الناشئة عن رجوع المصلحة إليه، فحاشا ثُمَّ حاشا، وإلّا لم يتصور الطلب من العزيز الكامل تعالى شأنه، وليس هذا قولاً بتفكيك الإرادة عن الطلب حتَّى يكون أشعريَّاً[54]، كما لا يخـفى، وأنَّه المقــرَّر في محلِّهِ.

فإنْ قلتَ: إنَّه لا يُريد وقوع المطلوب، بل يُريد ضده، كما في المثال السابق.

قلتُ: إنَّه غير مُسلَّم:

أولاً، كما يُشاهَد من حال الأطباء يهوديَّاً ونصرانيَّاً، ومن حال العدو، ولذا قيل: «المستشار مؤتمن»[55]؛ إذْ مع البناء على الإشارة والاستشارة يُطرح ما في النفوس مِنَ العداوة والحَميَّة.

وثانياً: نرجع إلى الجواب الثاني، وتحقيق المقام أزيد من هذا في غير المقام.

وبالجملة: لا عقاب ولا ثواب على موافقة الأمر الإرشاديّ ومخالفته؛ إمَّا من باب عدم وجود الطلب، وعدم قابليَّة الأمر للعقاب؛ أو من باب عدم كون مطلق الطلب كذلك، بل هو الطلب الخاصّ، فتأمَّل.

وأمَّا الأوَّل- أعني: كون أوامر الاحتياط إرشاديَّة-؛ فلأنَّ الأمر بالاحتياط مِنْ باب أنَّه إطاعة حكميَّة للمولى، فكما أنَّ الأمر بالإطاعة الحقيقيَّة إرشاديٌّ، فكذلك الأمر بالحكميَّة[56]، بل ليس الأمر في المقامين قابلاً لكونه مولويَّاً.

وما يُمكن أنْ يُقال في وجهه أُمور، أسدُّها وأقواها: أنَّ الإطاعة عبارة عن جعل الإرادة موافقة لإرادة المولى، وبالفارسيَّة (حرف شنيدن)، فتحقُّق مفهومها يتوقَّف على وجود أمرٍ صادرٍ من المولى؛ فحينئذٍ، إنْ كان الآمر ممـّن يَلزم إطاعته بحكم العقل، فيكفي أمره المتعلق بأصل الفعل والمطلوب، ولا يكون الأمر بالإطاعة إلَّا تأكيداً أو إرشاداً إلى إحدى الجهات المترتِّبة على الإطاعـة مِنْ دفع المفسدة أو جلب المنفعة، وإنْ لم يكنْ الآمر كذلك، فـلا فائدة في هذا الأمر أيضاً.

وبالجملة: مآل الأمر بالإطاعة، مع فرض كونه مولويَّاً، إلى العبث واللَّغْو، ولا يصدر عن الحكيم، وإليه يرجع ما يُقال مِن: أنَّه لا مِلاك لهذا الطلب.

وأمَّا التعليل بلزوم التسلسل، فعليك لانقطاع السلسلة بقطع الفرض، ومثله لا برهان على امتناعه.

وكيف كان، فقد تبيَّن لك أنَّ أقصى ما ينهض به الدليل المذكور هو: رُجحان الإتيان بمحتمل الوجوب والاستحباب، من باب أنَّه انقياد وإطاعة حكميَّة، وأمَّا الاستحباب الشرعيّ، الّذي هو عبارة عن مطلوبيَّة الفعل على وجهٍ يترتَّب على موافقة الطلب المذكور لذات الفاعل على وجه الاستحقاق فلا، بل المترتِّب في المقام ليس إلَّا الأجر الموعود على مُطلق الانقياد والإطاعة.

فالدليل المذكور كما لا يدلُّ على كون الخبر الضعيف ومثله حُجَّةً ومُثبتاً للاستحباب، فكذلك لا يدلُّ عـلى كون الإتيان بمحتمل الرُّجحان مستحبَّاً.

لا يُقال: الثواب المترتِّب على الفعل- ولو بعنوان الإطاعة الحكميَّة- كافٍ في كون الفعل مستحبَّاً، لا نفس الفعل المستحب الأعم عمَّا يكون على عمله الثواب، من عمل أنْ يكون على تركه عقاب.

لأنَّا نقول: فرقٌ واضحٌ على مطلوبه الّذي من باب أنَّه محقِّق لعنوان الإطاعة، أو من باب أنَّ في الفعل مصلحةً داعيةً إلى الطلب، كوضوح الفرق بين كون الثواب والأجر على نفس الفعل استحقاقاً، أو عليه تفضلاً وامتناناً، والمستحب الّذي هو مُراد القوم هو: ما اشتمل على المصلحة الكامنة في الفعل، مع ترتُّب الأجر على موافقة الأمر، وجعل الإرادة موافقة لإرادة الشارع، بل المستحبّ المصطلح هو: ما كان الفعل مطلوباً بعنوانه الأوَّليّ، كصلاة الليل والإطعام، وغيرهما، لا ما كان كذلك بعنوانه الثانويّ، كمحتمل الرُّجحان، أو ما يحصل به الإطاعة.

وبالجملة: مفاد هذا الدليل غير المـُدَّعى، والمـُدَّعى غير المفاد، كما اتضح لك من أوَّلِ الأمر إلى الآن.

فمن الغريب استدلال جماعة من الأعيان - كـ [صاحب] الفصول[57]، وأخيه المحقِّق[58]، والمحقِّق القُميّ[59]، وأمثالهم[60] - به على المُدَّعى المذكور.

ثُمَّ إنَّه قد أورد المحقِّق البهائيّ على هذا الدليل بما حاصله يرجع إلى دوران الأمر في هذا المحتمل للمطلوبيَّة والرُّجحان بين الاستحباب والحرمة؛ إذْ كما يحتمل هذا الفعل أنْ يكون مطلوباً للشارع راجحاً عنده، فكذلك يحتمل أنْ لا يكون كذلك، كما هو المفروض، فكما أنَّ الإتيان به حسنٌ؛ من باب الاحتياط المرغوب، فكذلك محظور؛ لاحتمال التشريع، فيدور الأمر بين كون الإتيان به حراماً أو مُستحبَّاً، ولا شُبهةَ في أنَّ الترك أَولى؛ ضرورةَ أنَّ دفع المفسدة أَولى من جلب المنفعة.

ثُمَّ قال: والحكم بالدوران مبنيٌّ على إرخَاء العِنَانِ، وإلَّا فهو محرَّم محظور[61].

أقول: وقد تعرَّض لجوابه المحقِّق القُمِّيّ K وغيره[62]، بما يرجع تارةً إلى منع كون دفع المفسدة أَولى، وأُخرى بشيءٍ آخر.

والأحسنُ في الجواب: منعُ تحقُّق التشريع في المقام؛ إذ هو عبارة عن إدخال ما ليس من الدِّين فيه، على وجه يكون منه، بنسبته إلى الشرع، ومن المعلوم أنَّ العامل في المقام يفعل الفعل، إمَّا برجاءِ حصول الثواب، فيكون المحرك إليه نفس الاحتمال الَّذي هو الموضوع في القضيَّة العقليَّة والشرعيَّة الحاكمة بحُسن الإتيان به، فلا نسبةَ في المقام إلى الشرع ولا التديُّن، بل كما أنَّ المحتمل عنوان يعرضه التشريع إذا كان العمل على وجه التَّديُّن، فكذلك يعرضه عنوان الاحتياط، وهما في عَرضٍ واحدٍ بالنسبة إلى عُروضِهِما على المحتمل والموضوع، ليس قابلاً لحمل الشيئينِ المتضادينِ المتباينينِ عليه، فالمحمول دائماً أحدهما، إمَّا الحرمة التشريعيَّة أو الحـسن الاحتياطيّ؛ أو يفعل الفعل لأجل قيام الدليل على استحبابه، وهو إمَّا العقل أو النقل، على فرض تماميتهما عنده، أو عند مجتهده، فهو إدخال في الدِّين بالدَّليل، فأمر العقل ليس دائراً بين الاستحباب والحرمة، بل مُتعيِّن، إمَّا خصوص الاستحباب، أو خصوص الحرمة.

فالأَولى الإيراد على الدليل المذكور بما ذكرنا من عدم قيامه على إثبات المُدَّعى.

2- الثاني من الأمرين[63]:

الأخبار الَّتي يُقال في حقِّها تارةً: إنَّها متواترة[64]، وأُخرى: إنَّها مشهورة بين العامَّة والخاصَّة[65]، وثالثة: إنَّها مقبولة عند الأصحاب[66]، ومع ذلك كلّه إنَّها بين صحاح وحسان وموثقات، مضافاً إلى الفتوى مِنَ المـُعظم، بل الأكثر مِنَ المحقِّقين بمضمونها[67]، بل قد قيل: «إنَّ التسامحَ إجماعيٌّ»[68]؛ ومن أجل ذلك كلِّهِ لا فائدة في التعرُّض لسندها وتصحيحه، بل الأحسن التعرُّض لأظهرها، ثُمَّ لدلالتها.

فمنها: ما رواه الشيخ الجليل بهاء الدين في (الأربعين)، عن الكافي، بسنده إلى الإمام الناطق به، كشاف الحقائق، جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام)، أنَّه قال: «مَنْ سَمِعَ شَيْئاً مِنَ الثَّوَابِ عَلى شَيْءٍ، فَصَنَعَهُ، كَانَ لَهُ أَجْرُهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلى مَا بَلَغَهُ»[69].

ومنها: مارواه شيخنا في الرسائل، وقال إنَّـها صحيحة هشام بن سالم: «عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «مَنْ بلغهُ عن النَّبيّ (صلى الله عليه وآله) مِنَ الثَّوَابِ، فعَمَلَهُ، كانَ أجرُ ذلكَ لَهُ، وإن كان رَسولُ اللهِ (صلى الله عليه وآله) لم يقلْهُ»[70].

والأخبارُ بهذا المضمون، أو بأدنى تفاوت كثيرةٌ، ولعلَّنا نذكر بعضها في طيِّ الكلام، إنْ شاء الله تعالى.

وجهُ الدَّلالة: إنَّها تدلُّ على ثبوت الأجر المحدود للفعل، للعامل بأيِّ بلوغٍ كان.

أمَّا إنَّها تدلُّ على ثبوت الأجر؛ فلانَّه صريح تلك الرِّوايات، حيثُ صرَّحتْ بثبوت أجرِ ذلك الثواب للعامل، بملاحظة إضافة الأجر إلى اسم الإشارة في الرِّواية الثَّانية، فلابُدَّ أنْ يكون المضاف غير المضاف إليه، فهو قرينة لكون المراد بالثواب الفعل المشتمل عليه، لا بأنْ يكون المضاف مُقدَّراً، فيكون مجـازاً في الحذف، بل بملاحظة إطلاق اسم الإشارة واللازم على المنشأ والملزم، كلفظِ الخبرِ وأمثالِهِ.

أمَّا دلالتهما على ثبوت الأجر للعامل، فهي-أيضاً- صريحةٌ واضحةٌ.

وأمَّا دلالتها على مطلق البلوغ، فهي لأجل إطلاق «بَلَغَهُ»، فتدلُّ الأخبار بجملتها- بعد ضمِّ البعض إلى البعض، وحمل الظاهر على الأظهر- على ثبوت الأجر على العمل البالغ عن النبيِّ (صلى الله عليه وآله) وعن مثله[71]، ومِنَ المعلوم أنَّ إضافة الأجر إلى العمل تدلُّ على كون الأجر المذكور للعمل المذكور دون أنْ يكون على نحو التفضل والامتنان.

فاذاً تدلُّ على ثبوت الأمر الشرعيّ لهذا الفعل، وأنَّه ممـّا رغَّب الشارع إليه؛ بدلالة المعلول على وجود علَّته، وهي استدلال إنِّي؛ إذْ ثبوت الأجر للعمل مُسبَبٌ عن أمر الشارع به؛ فحينئذٍ نقول:

أمَّا دلالتها على مُدَّعى من جعل المسألة أُصوليَّة، فبملاحظة كون مفادها جعل الشارع البلوغ- على أيِّ وجهٍ كان- مُثبتاً لأمره، كما دلَّت الآيات[72] على جعل الشارع قول العادل حُجَّة، بملاحظة أمره بالعمل بمضمونه.

وأمَّا دلالتها على مُدَّعى من جعل المسألة فقهيَّة، فبملاحظة دلالتها على استحباب العمل، وكونه مرغوباً عند الشارع.

وبعبارة واضحة: أنَّـها تدلُّ، إمَّا على كون البلوغ عنهم مِن أيِّ بالغٍ، وقول المبلغ طريقاً وكاشفاً عن الواقع، كجعل قول العادل كذلك، وعلى أنَّ البلوغ عن النبيِّ (صلى الله عليه وآله)
والوصيّ (عليه السلام) عنوانٌ للفعل مُوجبٌ لحُسنه، وحُكمُ الشارع باستحبابه لهذا العنوان، كسائر الموضوعات والأفعال.

وعلى أيِّ حال يدلُّ على المطلوب، وهو المطلوب.

أقول: قد أُورد على الدليل المذكور بوجوه عديدة:

[أ]: منها: إنَّ المسألة على أحدِ التقديرينِ أُصوليَّة، والمطلوب فيها العِلم، فلا يُكتفى بالمـَدرك الظنِّيّ.

وفيه: أولاً: أنَّ هذا الكلام[73] مع اشتهاره لا أصل له؛ إذْ العِلم[74] الّذي يُطلب فيه العِلم[75] والجزم هو أُصول الدِّين لا أُصول الفقه، كيف! ولو بني على عدم كون المدرك لأُصول الفقه إلَّا ما يُفيد العِلم، لزم سدُّ بابه، كما لا يخفى على المنصف.

نعم، لمّا كان الأُصول المذكورة بمنزلة الأُصول الموضوعة للفقه، كان الواجب الاهتمام في المدرك، وإنهاءه إلى القطع، وهو غالباً يحصل في نفس ذلك العِلم، بخـلاف الفقـه، فإنَّ القطـع بالحكم غالباً يحصل في الخـارج عنه كالأُصول.

ثانياً: لا نُسلِّم كون المدرك هنا ظنِّـيَّاً، كيف! وقد عرفتَ أنَّ الأخبار المذكورة من المشهورات والمسلمات، بل قيل[76]: إنَّها من المتواترات، فكيف يمكن دعوى أنَّها ظنِّيـَّة؟!

وثالثاً: سلَّمنا أنَّـها من الآحاد، لكن نقول: قد أثبتنا في الأُصول حجِّيّة كلِّ خبرٍ يُفيد الاطمئنان، مع الاطمئنان بصدوره مطلقاً[77]، سواء كان في الُأصول أو في الفقـه، بل نحن قد ثبت عندنا حُجِّيَّة مُطلق الاطمئنان وما يُسكِن النفس مطلقاً[78].

ولعمري، إنَّه لو لم يحصل الاطمئنان بصدور مثل هذه الأخبار، أو الاطمئنان بمضمونها، لمـَا حصل في غيرها، كيف! وقد حُكي عن المجلسـيّ K اشتهارها بين الخاصَّة والعامَّة[79]، بل قدْ عرفتَ دعوى الإجماع على مضمونها[80]، فلا وجه لهذا الإيراد أبداً.

[ب] ومنها[81]: إنَّ مِنَ المعلوم، المجمع عليه، اشتراط قصد التَّقرب في العبادات، ووجوب فعلها بداعي الأمر والامتثال، سواء كان الفعل المذكور من المستحبَّات أو من الواجبات[82]، وليس للأمر المستفاد من هذه الأخبار.

ولا نجد كلَّ ما بَلغ عن النبيِّ(صلى الله عليه وآله) قابلاً لأنْ يكون منشأً للقُربة المذكورة؛ ضرورة وجوب تقدُّم كلّ موضوع على محموله تقدُّماً رُتبيَّاً أو طبعيَّاً، ومن الواضح كون تعلُّق الطلب بمنزلة الموضوع، وهو كالمحمول، فلو كان الأمر المذكور منشأ للقُربة لزم الدور؛ لتوقف الموضوع- حينئذٍ- على محموله، وهو على موضوعه، فيلزم توقُّـف الشيء بالآخــرة على نفسه.

فلابُدَّ وأن يكون المراد بتلك الأوامر شيئاً آخر.

وفيه أيضاً:

أوَّلاً: النقض بتمام الأوامر المتعلقة بالعبادات؛ إذْ المفروض اشتراطها- أيضاً- بالقصد المذكور، مع أنَّه لا أمر إلَّا المتعلِّق بها.

وثانياً: بالحلِّ بحيث يُرفع الإشكال من جميع الموارد، وهو بوجوهٍ كثيرةٍ، إلَّا أنَّا نذكر هنا ما يُمكن أن يكون وجهاً عند أهل التَّحقيق:

فمنها: المنع عن كون قصد التقرب من شروط المأمور به[83] حتَّى يلزم الدور، بل هو من شرائط الإطاعة، كالخُلُوص، وكالاختيار الّذي هو شرط المُطيع؛ فحينئذٍ، لا يتوقَّف الأمر بالعبادة عليه، ولا هو عليه، كما لا يخفى، وهو أسلمُ الأجوبة عندي، لو لم يكن أقواها.

ومنها: إنَّا لا نُسلِّم كون قصد التقرب عبارة عن إتيان الشيء بداعي الأمر- مثلاً-، بل الّذي يُشترط في العبادة كون إتيانها لكونها مقربة، أو لحسنها في نفسها، وتوقُّف هذا العنوان على الأمر الشرعيّ، بحيث كان الأمر من مقومات العبادة، ممنوع جدَّاً.

نعم، الأمرُ كاشف عن كون الشيء مُقرِّباً، فهو مفيد للعلم كالدليل، وأين ذاك من التوقف؟!

وبالجملة: فإرجاع قصد التقرب إلى ما يتوقف على الأمر، ممنوع.

ومنها[84]: إنَّا نلتزم بتعلق الأمر بنفس الفعل، من دون قصد التقرب، لكنْ هذا الأمر من قبيل الأمر المقدَّميّ، بمعنى: أنَّ الغرض منه التوصُّل إلى مطلوب آخر، وهو في المقام: صيرورة الفعل معنوناً بكونه مأموراً به، حتَّى يتمكن المكلَّف من إيجاده بداعي الأمر، ليترتَّب عليه ما هو المقصود، فالمورد من قبيل ما تعلَّق الأمر بالأعمِّ مع إرادة الأخصّ، وليس لازم ذلك سقوط الأمر المذكور بمجرَّد إيجاد المأمور به ولو من دون قصد القربة؛ نظراً إلى تعلُّقه بمطلق الفعل، لا الفعل الخاصّ، فيكون الفعل صحيحاً من دون قصد القُربة، وكان مخالفاً للإجماع؛ ضرورة أنَّ الغرض في المقام التوصُّل لشيءٍ آخر، لا حصول الفعل مطلقاً، وهذا نظير الشفاعة والدعاية وإجابة المؤمن، حيثُ إنَّ مُتعلَّقها بدون طروّ العناوين المذكورة لا يترتَّب عليه أثر، ومعها تصير منشأ للحُسن والمصلحة، فلابُدَّ من الدعاء والاستشفاع مقدِّمة، حتّى يترتب العنوان المذكور.

وبالجملة: المطلوب وإن كان أعمّ، لكن الغرض أخصّ، فتأمَّل.

وقد يقال بوجوه أُخر، لا نتعرض لها لطول المقام.

[ج]: ومنها[85]: إنَّ المستفاد من هذه الأخبار غير ما هو المدَّعى، وهو غيره؛ إذْ المستفاد من بعضها- صريحاً- ترتُّب الثواب المخصوص، البالغ عن النبيِّ (صلى الله عليه وآله) على عمل، على فعلِ المكلَّف، وهو غير ثبوت أصل الرُّجحان الّذي هو المُدَّعى، كالخبر المروي في بعض الكتب المعتبرة عن الصادق (عليه السلام): «مَنْ بَلَغَهُ شَيْءٌ مِنَ الثَّوَابِ، عَلَى شَيْءٍ مِنَ الْخـَيْر، فَفَعَلَهُ، كَانَ لهُ أجرُ عَملِهِ- إلى آخره»[86]، كالمرويّ عن الفريقين والمشهور بينهم وغيره[87]؛ إذْ لا إشكال في كون المراد بالثواب في مثلها هوالأجر والجزاء، بملاحظة تعلُّقه بـ«علـى شيءٍ»؛ فحينئذٍ، يكون المراد أنَّ الثواب المخصوص، البالغ عن النبيِّ (صلى الله عليه وآله)، يترتَّب على عمل المكلَّف، وإنْ لم يكن عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وإذا ثبت أنَّ مَفاد بعضها كذلك، كان اللازم حمل الجميع- أعني: ما كان مطلقاً بالنسبة إلى ذكر الثواب وعدمه، وهو الفعل والعمل المطلق- على المقيَّد، وهو الفعل الراجح المذكور ثوابه، إمَّا بناءً على كون المقيَّد بياناً للمطلق، فهو قرينة مُعيِّنة للمراد، أو بناءً على اتِّحاد المفاد، بملاحظة تسالم الأصحاب على كونها واردة لبيان شيءٍ واحدٍ، ومفادٍ فاردٍ.

أقول: التَّحقيق في الجواب: إنَّ مفاد الجميع إثبات أصل الثواب، فإنَّ وجه دلالة ما يدلُّ على أصل الرُّجحان، مثل قوله: «مَنْ بَلَغَهُ شيءٌ مِنَ الثَّواب، فعمل به، كان لَهُ أجرُ ذلك»[88] إنَّما كان بملاحظة ترتُّب الثواب على العمل، فدلَّ على كونه مرغوباً فيه؛ لإطلاق قوله «شيء مِنَ الثَّواب»، ومن المعلوم أنَّ هذا الوجه مذكور في جميع الرِّوايات، غاية الأمر أنَّ في بعضها حكم بترتب ثواب مخصوص[89]، فيكون العمل مع هذا الثواب الخاصّ مرغوباً فيه، مضافاً إلى إطلاق قوله (صلى الله عليه وآله) في جملة منه: «عـلى عملٍ»، و«على شيءٍ»، ولا وجه لحمل المطلق على المقيَّد؛ لعدم المنافاة، وعدم فهم العُرف، إلّا أنَّ فيه ضعفاً؛ إذْ الإنصاف فهم العُرف من المجموع شيئاً واحداً، كما فهمه الأصحاب، واشتراط المنافاة في الحمل أوَّل الكلام.

والأحسن دعوى اتِّحاد مَفاد الجميع، وهو إثبات أصل الرُّجحان، تارةً من إثبات أصل الثواب، وأُخرى من إثبات ثوابٍ مخصوصٍ.

[د]: ومنها[90]: إنَّ المُدَّعى إثبات الاستحباب، حتّى في ما احتمل الوجوب أو الكراهة، بل الحرمة، كما ذكره بعضهم[91]، وهي بملاحظة اختصاص موردها بالثواب المحض، لا العقاب محضاً، أو مع الثواب الخاصّ.

وفيه: منع الاختصاص، إمَّا لأعميَّة الثواب؛ لكونه بمعنى الأجر والجزاء، وهو كما يكون في الاستحباب كذلك يكون في الوجوب وغيره، أو لإطلاق «العمل»، و«الشيء»، و«الخير» بالنسبة إلى الفعل والترك هذا.

[هـ]: ومنها: إنَّ ما بَلَغَ عن النبيِّ(صلى الله عليه وآله) إمَّا أن يكون مُستحبَّاً في نفس الأمر، أو لا يكون، وعلى الأوَّل لا احتياج إلى أخبار التسامح، بل المتبع دليله، وعلى الثاني يلزم الحكم باستحباب ما ليس كذلك، وهو منافٍ مع وجوب كون الأحكام تابعة للمصالح والمفاسد.

وفيه- أيضاً-: أنَّ الحسن والقبح بالوجوه والاعتبار، فهذا الشيء وإنْ كان مِن حيث ذاته خالٍ عن الجهة القاضية بالطلب الندبيّ، لكنَّه بملاحظة طروّ عنوان البلوغ عليه يَصيرُ حسناً ومأموراً به، ومُدَّعِي التسامح يُريد إثبات الاستحباب بعنوان (ما بلغ عن النبيّ (صلى الله عليه وآله)) بهذه الأخبار.

بالجملة: فالإيرادات على هذه الأخبار كثيرة، ولكن قابلة للرَّد والذَّب.

نعم، هنا أمران آخران:

أحدهما: ما ذكره وتمَّمه شيخُنا العلّامة H، وهو[92]: كون الأخبار مؤكِّدة لحكم العقل باستحقاق العامل- بداعي المحبوبيَّة، واحتمال البلوغ عنهم (عليهم السلام)- المدح والثواب، فيكون الأمر إرشاديَّاً، وقد عرفتَ عدم كونه[93] منشأ للثواب والعقاب، فمضمون هذه الأخبار هو مضمون الآيات الدَّالَّة على حُسن الإطاعة[94]، ومجرَّد الفرق بكون الإطاعة في المقام حكميَّة[95] غير مثمرة، كما لا يخفى.

كما أنَّ مجرَّد ترتُّب الثواب المخصوص الّذي لا يُدركه العقل، غيرُ قاضٍ بشيءٍ؛ لكونها حينئذٍ أخباراً عن تفضل الله على المـُنقاد المطيع.

وبالجملة: هذه الأخبار تُرشد إلى شيءٍ ترتَّب عليه الثواب، وهو إتيان العمل بداعي البلوغ ورجاء الثواب المحقَّق، كعنوان المطيع والمنقاد.

ثانيهما: ما أدى إليه نظري القاصر، وفكري الفاتر، وهو: أنَّ غاية ما يُستفاد من الأخبار المذكورة: (أنَّ مَنْ بلغه كذا، فعمل به، يكون له كذا)، وشموله لكلِّ بلوغ- حتّى فتوى الفقيه والخبر الضعيف- بالإطلاق كما هو محطُّ الاستدلال، لكنْ لا وجه للتمسُّك بالإطلاق في المقام، إمَّا لكون المطلق وارداً مورد حكم آخر، وهو ترتُّب الثواب على العمل البالغ، وإنْ لم يكن كما بلغه، وإمَّا أنَّ البلوغ أيُّ بلوغ، فلا نظر للكلام إليه، فيجب الرجوع إلى الأدلة الدالَّة على أنَّ البلوغ والوصول هو الّذي كان بإخبار عدلين، أو العدل المفيد قوله للاطمئنان، أو بالعِلم.

وبالجملة بالأدلة الشرعيّة، أو لكونه مُنصرِفاً إلى البلوغ المعتبر، أو لقيام قرينة خارجيَّة على كون المراد بالمطلق هو المقيَّد، وهي أُمور:

أحدها: ملاحظة مجموع الآيات والأخبار، الدالة على حرمة القول بغير علم[96].

وثانيها: ملاحظة ما يدلُّ على حرمة البدعة والتشريع، وإدخال ما ليس من الدِّين فيه[97].

ثالثها: ملاحظة انحصار الأدلة في الأربعة[98].

رابعها: ملاحظة الموارد العديدة، الّتي تدلُّ على كون المطلوب عند الشرع العمل بالجزم واليقين، وإلغاء الشكوك والظنون[99]، وهذا الوجه غير الأوَّل كما لا يخفى.

فمِنْ جميع ذلك لا يَبعُد دعوى القطع بأنَّ المراد بالبلوغ هو: البلوغ المعتبر، بل لا يَبعُد دعوى أنَّ إخبار الفاسق ليس ببلوغ لا شرعاً ولا عقلاً ولا عقلائيّاً، والمستفاد من هذه الأخبار أنَّ الشارع بفضله ومنِّهِ يُعطي العامل بالمستحبَّات، وإن كان ظنُّهُ الإجتهاديّ أو التقليديّ مخالفاً لواقع الأجر والثواب، فللمخطئ في خصوص المستحبَّات أجران، وهذا الوجه هو الوجيه، كما لا يخفى.

ثُمَّ إنَّك قدْ عرفتَ مِن أوَّل الأمر إلى هنا، أنَّ الحقَّ عدم ثبوت الاستحباب الشرعيّ بهذه الأخبار، ولا بقاعدة الاحتياط، وأنَّ مقتضى- بل الأُصول- وجوب التوقُّف، إلّا أنَّ المشهور بين الأصحاب شهرة عظيمة، سيَّما بين المتأخِّرين هو الحكم بالاستحباب وثبوته بالقاعدة المذكورة[100]، بل المَحكي عن المحقِّق الأردبيليّH دعوى الإجماع عليه[101].

ولكنَّ الإجماع موهونٌ، بخلاف مثل المدارك المقلِّد لمُدعِي الإجماع، فكيف بخلافه؟! مع نقله الإجماع، مُضافاً إلى وضوح المدرك وضعفه، والشُّهرة في الفتوى ليست بحُجّة شرعيَّة، ولا تفيد الإطمئنان في المقام هذا.

[الأمرُ] الخامس[102]:

وفيه أُمور:

الأوّل: تظهر الثمرة بين الاستحباب الشرعيّ وغيره في أُمور:

منها: في خصوص البُرء من النذر وغيره، كالإجارة، فالإتيان بما ثبت استحبابُهُ بالقاعدة وعدمه، إذا تعلقت الأُمور المذكورة بالمستحبِّ، لو لم يكن الإطلاق منصرفاً إلى المستحبِّ الذاتيّ مِن أوَّل الأمر، وإلّا فلا يكون كافياً قولاً واحداً.

ومنها: في جواز الإفتاء بالاستحباب وعدمه، لو لم نقل باشتراط البلوغ، ولو في حقِّ المقلِّد.

ومنها: في ترتيب الأثار المترتِّبة على المستحبات الذاتيَّة عليه، كارتفاع الحدث بالوضوء الثابت بالقاعدة وعدمه[103]، وكجواز أخذ البِلَّة للمسح من العضو الَّذي ثبت استحبابُهُ بالقاعدة وعدمه[104].

ومثلُ هذه الثمرات كثيرةٌ، تظهر لـِمَنْ تتبع في الفروع، خصوصاً في أبواب العبادات.

الثاني: لا شبهة في أنَّ الحكم بالاستحباب متفرعٌ على ثبوت البُلُوغ، الّذي هو بمنزلة الموضوع للأخبار المذكورة، فالبلوغ عن النبيِّ (صلى الله عليه وآله) إنْ ثبت في مورد، يحكم فيه بالاستحباب بناءً عليه، وإلَّا فلا، فإذا اتفق ثبوته بفتوى الفقيه وجهان، بل قولان، من صدق البلوغ؛ إذْ المـُفتي مخبرٌ عن النبيِّ(صلى الله عليه وآله)، ومن ظهور البلوغ في الأخبار المذكورة في البلوغ على وجهِ الرِّواية مطابقاً، ومن المعلوم أنَّ كون الفتوى خـبراً إنَّما يكـون بواسطة مقدِّمــة عـقليَّة، وهي: (أنَّ كلَّ ما أدى إليـه ظنِّي، فهـو حكمُ الله في حقِّي).

والأظهر هو الثاني؛ لوجوب الاقتصار على المتيقن، وهو ما ذكرناه.

ومن هنا يمكن أنْ يُقال بعدم ثبوت الاستحباب بالطُرق الـغير المعتبرة شرعاً، اعني: ما وقع النهي عن الركون إليها، مثل القياس، والاستحسان، والجفر والرمل، وأمثاله، [وخبر][105] الكافر والصبيّ والمجنون، بل والفاسق المتجاهر وأمثالهم .

فحينئذٍ، حكم الشارع بعدم ترتيب الآثار على أقوالهم، وأنَّ قولهم بمنزلة العدم؛ ضرورة عدم صدق البلوغ الّذي هو الموضوع للحكم بالاستحباب.

[الأمر] الثالث: لا إشكال في ثبوت الاستحباب إذا كان منشأ الشكِّ فقدان النصِّ المعتبر، سواء كان الشكُّ بين الوجوب والاستحباب، أو بين أحدهما أو غيره، أو بين الكراهة وغيرها؛ لصدق البلوغ وثبوت الرُّجحان، ولو في الترك.

ولو كان منشأ الشكِّ إجمال النصِّ[106]، ففي ثبوته[107] وجهان، بل قولان، صريحُ شيخِنا المرتضىK عدمه[108]، وظاهر غيره غيره[109]. وفيه إشكال.

والحمد لله أولاً وآخراً

في بلدة (سرُّ مَنْ رأى)

شهر رمضان سنة (1304هـ)

 

فهرس مصادر التحقيق

- القرآن الكريم.

ابن حنبل، أحمد (241هـ)، المسند، وبهامشه كنز العمال فِي سنن الأقوال والأفعال، النّاشر، دار صادر، بيروت.

ابن ماجة، الحافظ أبي عبد الله محمد بن يزيد القزويني (207هـ - 275هـ)، سنن ابن ماجة، حقق نصوصه، ورقم كتبه، وأبوابه، وأحاديثه، وعلق عليه: محمّد فؤاد عبد الباقيّ، الناشر: دار الفكر، للطَّباعة والنَّشر والتَّوزيع.

الأردبيليّ، المولى أحمد (993هـ)، مجمع الفائدة والبرهان في شرح إرشاد الأذهان، صحّحه ونمقه وعلق عليه وأشرف على طبعه: الحاج آقا مجتبى العراقيّ، والحاج شيخ عليّ پناه الاشتهارديّ والحاج آقا حسين اليزديّ الأصفهانيّ، النّاشرمؤسسة النّشر الإسلاميّ التّابعة لجماعة المدرسين، قم المشرَّفة.

الأمين، الامام السَّيّد محسن (1371هـ)، أعيان الشيعة، حقَّقه وأخرجه: حسن الأمين، دار التعارف للمطبوعات، بيروت.

الأنصاريّ، الشيخ الأعظم مرتضى (1281هـ)، رسائل فقهيّة، اعداد وتحقيق: لجنة تراث الشيخ الأعظم، قم، المطبعة باقري، قم، عام 1414هـ.

الأنصاريّ، الشيخ الأعظم مرتضى (1281هـ)، فرائد الأُصول، اعداد وتحقيق: لجنة تراث الشيخ الأعظم، مجمع الفكر الإسلاميّ، قم، 1419هـ.

البحرانيّ، المُحَدِّث الشَّيْخ يوسف (1186هـ)، الحدائق النّاضرة فِي أَحْكَامِ العترة الطّاهرة، النّاشر: الشَّيْخ عَليّ الآخونديّ، مُؤسَّسة النّشر الإسلاميّ التّابعة لجَمَاعَة المدرسين، قم.

البرقيّ، الشّيخ الثقة الجليل الأقدم أبي جعفر أحمد بن محمّد بن خالد (274هـ)، المحاسن، تحقيق: تصحيح وتعليق: السّيّد جلال الدّين الحسينيّ (المـُحدث)، دار الكتب الإسلاميّة، طهران، 1370هـ.

التمهيد، ابن عبد البر (463هـ)، تحقيق: مصطفى بن أحمد العلويّ، محمّد عبد الكبير البكريّ، الناشر: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، السنة: 1387هـ.

الحاشية على مدارك الأحكام، محمّد باقر الوحيد البهبهانيّ (1205هـ)، تحقيق ونشر: مؤسَّسة آل البيت (عليهم السلام) لإحياء التراث، الطبعة: الأُولى. السنة: 1419هـ.

الحر العامليّ، (1104هـ)، الفصول المهمة في أُصول الأئمَّة، تحقيق وإشراف: محمّد بن محمد الحسين القائينيّ، الناشر: مؤسَّسة معارف إسلامي إمام رضا(عليه السلام)، الطبعة الأولى، السنة، 1418هـ.

الحُرّ العامليّ، الفقيه المُحَدِّث الشَّيْخ محمّد بن الحسن (1104هـ)، وسائل الشِّيعَة إلى تحصيل مَسائِل الشّريعة، تحقيق ونشر: مُؤسَّسة آل البيت(عليهم السلام) لإحياء التّراث، قم، 1414 هـ.

الحسينيّ المراغيّ، العناوين الفقهيّة، السيّد مير عبد الفتاح (1250هـ)، تحقيق ونشروطباعة: مؤسَّسة النشر الإسلاميّ التابعة لجماعة المدرسين/قم.

الحكيم، آية الله السيّد محمّد سعيد (1443هـ)، المحكم في أُصول الفقه، الطبعة: الأولى، مؤسَّسة المنار، 1414هـ.

الحلّيّ، ابن فهد (841هـ)، عدة الداعي ونجاح الساعي، تحقيق وتصحيح: أحمد الموحديّ القميّ، الناشر: مكتبة وجداني، قم.

الخراسانيّ (الآخوند)، الشَّيْخ محمّد كاظم، كفاية الأُصول، تحقيق: مُؤسَّسة آل البيت(عليهم السلام) لإحياء التّراث، النّاشر مُؤسَّسة آل البيت(عليهم السلام) لإحياء التّراث، بيروت، قم.

الخراسانيّ، الفاضل التّونيّ المولى عبد الله بن محمّد البشرويّ(1071هـ)، الوافية في أصول الفقه، تحقيق السّيّد محمّد حسين الرضويّ الكشميريّ، النّاشر مجمع الفكر الإسلاميّ، المطبعة: مؤسسة (إسماعيليان)، 1412هـ

الخوانساريّ، المولى المحقّق المدقق العلّامة حسين بن جمال الدّين محمّد، مشارق الشّموس في شرح الدّروس، مؤسسة آل البيت(عليهم السلام) لإحياء التّراث.

الدّارميّ، أبو محمّد عبد الله بن الرّحمن بن الفضل بن بهرام (255هـ)، سنن الدّارميّ، مطبعة الاعتدال، دمشق، 1349هـ.

الرازيّ، الشيخ محمّد تقي (1248هـ)، هداية المسترشدين، تقديم: الشيخ مهدي مجد الإسلام، مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين، قم.

السّجستانيّ، الحافظ أبي داود سليمان بن الأشعث (275هـ)، سنن أبي داود، تحقيق وتعليق: سعيد محمد اللّحام، النّاشر: دار الفكر للطّباعة والنّشر والتّوزيع، الطّبعة: الجديدة المنقحة والمفهرسة، أخرجه وراجعه ووضع فهارسه: مكتب الدّراسات والبحوث في دار الفكر.

الشَّهِيد الثَّانِي، الشَّيْخ حَسَن بن زين الدّين، مَعَالمُ الدّين ومَلاذُ المُجتهدين، تحقيق: لجنة التّحقيق فِي مُؤسَّسة النّشر الإسلاميّ التّابعة لجَمَاعَة المدرسين،قم.

الشَّهِيد الثَّانِي، زين الدّين بن عَليّ بن أحمد الشّاميّ العامليّ الجبعيّ المعروف (965هـ)، شَـرْح البداية فِي عِلْـم الدّراية، ضبط وتحقيق: السَّـيِّد محمّد رضا الحُسَيْنيّ الجلاليّ، نشر: ضياء الفيروز آباديّ، قم، 2011م.

الشّيخ البهائيّ (1031هـ)، الأربعون حديثاً، تحقيق: القسم الثّقافي لجماعة العُلماء والمدرسين في الحوزة العلميّة بقم المقدسة، النّاشر: جماعة العُلماء والمدرسين في الحوزة العلميّة بقم المقدسة، مكان الطّبع: قم‌- ايران، سنة النّشر: 1431هـ.

الصّافيّ، حَسَن،الهداية فِي الأُصول، تقرير بحث السَّـيِّد الخوئيّ.

الصَّدْر، السَّـيِّد حَسَن، تكملة أمل الآمل، تحقيق: حُسَيْن عَليّ محفوظ، دار المؤرخ العربيّ، بيروت، الطّبعة الأُولَى1429هـ، 2008م.

الطباطبائيّ اليزديّ، السيّد محمّد باقر (1298هـ)، وسيلة الوسائل في شرح الرسائل، الناشر: مؤلف، قم.

الطباطبائيّ، السَّيّد محمّد (1229هـ)، مفاتيح الأُصول، الطبعة الحجريَّة.

الطهرانيّ الحائريّ، الشيخ محمّد حسين بن عبد الرحيم (1261هـ)، الفصول الغروية في الأُصول الفقهيّة، دار إحياء العلوم الإسلاميّة، المطبعة نمونه، قم، إيران، 1363هـ.

الطّهرانيّ، العلامة الشَّيْخ آقا بزرگ، طبقات أعلام الشِّيعَة، تحقيق: ولده عَليّ نقي منزوي، نشر وطباعة: مُؤسَّسة مطبوعات إسماعيليان، الطّبعة الثَّانِية.

الطّوسيّ، الشَّيْخ أبو جعفر محمّد بن الحسن (460هـ)، العدة فِي أُصول الفِقْه (الطّبعة الجديدة)، تحقيق: محمّد رضا الأَنْصَاريّ القميّ، مطبعة ستارة، قم، 1417هـ.

العامليّ (الشَّهِيد الأَوَّل)، محمّد بن مكي (786 هـ ق)، ذكرى الشِّيعَة فِي أَحْكَامِ الشّريعة، نشر وتحقيق وتصحيح: مؤسسة آل البيت(عليهم السلام)، تَأْريخ النّشر، 1419 هـ ق.

العسقلانيّ، الحافظ أبو الفضل شهاب الدّين أحمد بن عَليّ المعروف بابن حجر (852هـ)، القولُ المسدَّد فِي الذّبِّ عن المسند للإمام أحمد، عالم الكُتُب، 1404هـ،1984م.

الغرويّ العلياريّ، الميرزا الشيخ عليّ (1417ﻫ)، منجزات المريض من استفادات عن المولى الشيخ أسد الله الزنجانيّ (1354هـ)، اشراف: السّيّد هداية الله المسترحميّ، ذو القعدة 1403هـ.

الفيض الكاشانيّ، المُحَدِّث الفَاضِل محمّد مُحْسِن، الوافي، مَكْتَبَة أمير المُؤْمِنِينَ عَليّ (عليه السلام) العامة، أصفهان، 1412هـ.

الفيض الكاشانيّ، المولى محمّد محسن (1091هـ)، الأُصول الأصيلة، عنى بطبعه ونشره وتصحيحه والتعليق عليه: مير جلال الدين الحسينيّ الأرمويّ، المطبعة: سازمان، السنة: محرم 1390هـ.

القزوينيّ، السيّد إبراهيم الموسويّ (1262هـ)، ضوابط الأُصول، الناشر، قم، 1371هـ.ق.

القميّ، الشّيخ الصّدوق أبي جعفر محمّد بن عليّ بن الحسين بن موسى بن بابويه (381هـ)، ثواب الأعمال وعقاب الأعمال، قدَّم له: العلّامة الجليل السّيّد محمّد مهدي السّيّد حسن الخرسان، الطّبعة: الثّانية، سنة الطّبع 1368 ش، المطبعة: أمير، قم، النّاشر: منشورات الشّريف الرضيّ، قم.

القميّ، المحقّق الفقيه ميرزا أبو القاسم (1231هـ)، قوانين الأصول،

الكلينيّ الرّازيّ، ثقة الإسلام أبو جعفر محمّد بن يعقوب بن إسحاق (329هـ)، الكافي، تحقيق: عَليّ أكبر الغفاريّ، النّاشر: دار الكُتُب الإسلاميّة، طهران.

مالك، محمّد جواد، شيعة العراق وبناء الوطن (دراسة تاريخية منذ ثورة الدستور حتّى الاستقلال 1908م، 1932م، تقديم: الأستاذ الدكتور محمّد حسين الصغير (هذا الكتاب في الأصل رسالة ماجستير قدمت إلى كلية الأوزاعيّ في بيروت - لبنان، وقد نوقشت بتاريخ 24/ذي القعدة 1418هـ الموافق 23 آذار 1998م).

المَجلِسْيّ، العَلَّامةُ الشَّيْخ محمّد باقر (1111هـ)، بحار الأنوار، دار إحياء التّراث العربي، بيروت، الطّبعة الثَّالِثة المصححة،1403هـ، 1983م.

المحقّق الحلّيّ، نجم الدّين أبو القاسم جعفر بن الحسن الهذليّ صاحب الشّرائع (676هـ)، معارج الأُصول، تحقيق: محمّد حُسَيْن الرّضويّ، نشر مُؤسَّسة آل البيت(عليهم السلام) للطباعة والنّشر، مطبعة سيد الشّهداء(عليه السلام)، قم، 1403هـ.

موسوعة العلاّمة الأوردباديّ، جمع وتحقيق: السيّد مهدي آل المجدِّد الشيرازيّ، ركز إحياء التراث، العتبة العباسيّة، الطبعة: الأُولى، دار الكفيل،كربلاء، 1436هـ .

الموسويّ العامليّ، الفقيه المحقّق السّيّد محمّد بن عليّ (1009هـ)، مدارك الأحكام في شرح شرائع الإسلام، تحقيق: مؤسسة آل البيت(عليهم السلام) لإحياء التراث، مشهد المقدسة، 1410هـ،

النقويّ، السيّد عليّ (1408)، أقرب المجازات إلى مشايخ الإجازات، تقديم: محمّد رضا الجلاليّ، فهرسة: مركز إحياء التراث،العتبة العباسيّة، الطبعة: الأولى، السنة: 1437هـ، المطبعة: دار الكفيل، كربلاء.

النّوويّ، الإمام أبي زكريا محيي الدّين بن شرف (676هـ)، المجموع شرح المهذب، دار الفكر.

الوحيد البهبهانيّ، محمّد باقر (1205هـ)، مصابيح الظلام في شرح مفاتيح الشرائع، تحقيق ونشر: مؤسَّسة العلاّمة المجدِّد الوحيد البهبهانيّ، الطبعة: الأُولى، 1424هـ.

الوزدريّ، المولى عليّ (1290هـ)، تقريرات آية الله المجدِّد الشيرازيّ، تحقيق: موسَّسة أهل البيت (عليهم السلام)، الطبعة: الأولى، السنة: 1409هـ.

[1] ما ذكرناه هو ما كتبه الشَّيخ علـيّ العلياريّ في مقدمة بحث منجزات المريض. (منجزات المريض، تقريرات بحث الزنجانيّ لعليّ الغرويّ العلياريّ: 87).
[2] سورة الشعراء، الاية 88.
[3] النقويّ، علي،  إجازات الرواية،ص 259.
[4] يُنظر: الأمين، السيّد محسن،  أعيان الشيعة، ج3، ص286.
[5] يُنظر الأمين، السيّد محسن، أعيان الشيعة، ج9، ص192.
[6] مالك، محمّد جواد، شيعة العراق وبناء الوطن، ج1، ص658.
[7] يُنظر: الأمين، السيّد محسن، أعيان الشيعة، ج9، ص192.
[8] يُنظر: الطهرانّي، آقا بزرك، طبقات أعلام الشيعة، ج 17، ص141.
[9] يُنظر: الطهرانّي، آقا بزرك، طبقات أعلام الشيعة، ج16، ص1497- 1499.
[10] يُنظر: الطهرانّي، آقا بزرك، طبقات أعلام الشيعة، ج 17، ص 538، 539.
[11] يُنظر: الطهرانّي، آقا بزرك، طبقات أعلام الشيعة، ج 1، ص438.
[12] الصدر، السيّد حسن، تكملة أمل الآمل، ج2،
ص310.
[13] الأمين، السيّد محسن، أعيان الشيعة، ج8، ص240.
[14] الأمين، السيّد محسن، أعيان الشيعة، ج8، ص240.
[15] يُنظر: الطهرانّي، آقا بزرك، طبقات أعلام الشيعة، ج13، ص143.
[16] يُنظر في تعداد مؤلفاته: موسوعة الأوردباديّ، ج2، ص83، ج11، ص34؛ الأمين، السيّد محسن، أعيان الشيعة، ج3، ص285.
[17] الأمين، السيّد محسن، أعيان الشيعة، ج3، ص285.
[18] لم أعثر على رسالته في قاعدة التسامح في أدلة السُّنن لا مخطوطة ولا مطبوعة.
[19] قال(قدس سره) في خاتمة القوانين، عن الخبر الضعيف: «يجوز الاستدلال به في المندوبات والمكروهات؛ للأخبار المستفيضة، المعتبرة جملة منها، الدالة على أنَّ مَنْ بلغه ثوابٌ على عملٍ ففعله، التماس ذلك الثواب، أوتيه، وإنْ لم يكن كما بلغه»، رواها العامَّة والخاصَّة». (المحقِّق القُميّ، قوانين الأُصول، ص 484).
[20] يُنظر: الأصفهانّي، محمَّد حسين، الفصول الغرويَّة في الُأصول الفقهيَّة، ص305.
[21] يُنظر: المحقّق الخوانساريّ، مشارق الشُّموس، ج1، ص34؛، القزوينيّ، السَّيِّد إبراهيم، ضوابط الُأصول، ج1، ص317؛ الشيخ الأنصاريّ، فرائد الأُصول، ج2، ص153؛ الأصفهانيّ، محمَّد تقيّ، هداية المسترشدين، ج3، ص464.
[22] أي: بمثل الخبر الضعيف، وهو الفاقد لشرائط الاعتبار.
[23] الأصفهانّي، محمَّد حسين، الفصول الغرويَّة في الُأصول الفقهيَّة،ص305.
[24] القزوينيّ، السَّيِّد إبراهيم، ضوابط الُأصول، ج1، ص317 .
[25] يُنظر: الفيض الكاشانّي،  الُأصول الأصيلة، ص65؛ الأصفهانيّ، محمَّد تقيّ، هداية المسترشدين، ج3، ص464؛ الشَّيخ الأنصاريّ، فرائد الأُصول، ج2، ص153؛ الآخوند الخراسانيّ كفاية الأُصول، ص530.
[26] قال في رسالة التَّسامح في أدلة السُّنن: «إنَّ قاعدة التسامح مسألة أُصوليَّة، لأنَّها بعد إتقانها واستنباط ما هو مراد الشارع منها من غالب الأخبار المتقدِّمة، فهي شيء يرجع إليه المجتهد في استحباب الأفعال، وليس ما ينفع المقلِّد في شيء». (الشيخ الأنصاريّ، رسائل فقهيّة،ص 149).
[27] قال (قدس سره) بعد طرح الوجوه المحتملة في المقام: «وعلى كلِّ حال: مِن كون المسألة فقهيَّة أو أُصوليّة يشترك الوجه الثاني والوجه الثالث في استحباب العمل الّذي بلغ عليه الثواب، سواء كان قول المبلِّغ واجداً لشرائط الحُجِّيَّة أو لم يكن، ولا يبعد أنْ يكون الوجه الثاني أقرب- كما عليه المشهور- حيثُ إنَّ بناءهم في الفقه على التسامح في أدلة السُّنن». (الشيخ الأنصاريّ، فرائد الأُصول،ص 415، 416).
[28] يُنظر: المحقّق الحلّيّ، معارج الُأصول، ص64؛ الشَّيخ حسن، معالم الدِّين،ص 46؛، الفاضل التونيّ، الوافية، ص 67؛ المحقّق القميّ، قوانين الأُصول، ص82- 88؛ الأصفهانيّ، محمَّد تقيّ، هداية المسترشدين، ج1، ص592؛ الأصفهانّي، محمَّد حسين، الفصول الغرويَّة في الُأصول الفقهيَّة، ص63، 64؛ الآخوند الخراسانيّ، كفاية الأُصول، ص70.
[29] يُنظر ذِكر القرائن في: الشَّيْخ الطّوسـيّ، العدَّة فِي أُصول الفقه،ج 1، ص 143- 146.
[30] وهو خبر الثقة المفيد وإن لم يكن عدلاً إماميَّاً، بل يمكن دعوى كونه الخبر الموثوق بالصدور وإن لم يكن راويه ثقة، بأنْ حصل الوثوق بصدوره من القرائن الخارجة، وهذا هو الّذي كان صحيحاً عند القدماء. وقد حُكي القول بعدم حُجِّيَّة خبر الواحد مطلقاً عن جماعة من الأعيان، كالسَّيِّد والقاضي والطبرسيّ وابن إدريس، بل رُبَّما نُسب إلى المفيد والشيخI. (يُنظر: الحكيم،  المحكم في أُصول الفقه،ج 3، ص 207).
[31] في مقابل ما نُسب إلى بَعْضِ الأَخْبَاريّين من عدم حجِّيَّة القطع بالحكم الحاصل مِنْ غير الْكِتَاب والسُّنَّة، كالحاصل مِنَ المقدِّمات والبراهين العقليَّة، فإنَّ ظاهر المُحَدِّث الاسترآباديّK- حيث حصر مدرك الأَحْكَام بما استقلَّ به العقل مِنَ الضّروريَّات والفطريّات كـ(الواحد نصف الاثنين)، وما رُوي عن الصَّادقين(عليهم السلام)، واستُفيد مِنَ الْكِتَاب والسُّنّة- عدم الاعتبار بما أدركه العقل مِنَ النّظريَّات بالبراهين العقليَّة، وهو صريح السَّـيِّد نِعمَة الله الجَزائرِيّ أيضاً. (يُنظر: الصافيّ، حسن، الهداية في الأُصول (تقرير بحث السيّد الخوئيّ، ج 3، ص 69).
[32] قال صاحبُ الحدائقِ K: (ج1، ص131): «إنَّ العقل الصحيح الفطريّ حجَّة من حُجّج الله سُبحانه، وسراج منير من جهته جلَّ شأنه، وهو موافق للشرع، بل هو شرعٌ من داخل، كما أنَّ ذلك شرعٌ مِن خارجه، لكن ما لم تغيره غلبة الأوهام الفاسدة، وتتصرف فيه العصبية أو حبّ الجاه أو نحوهما من الأغراض الكاسدة، وهو قدْ يُدرك الأشياء قبل ورود الشرع بها، فيأتي الشرع مؤيِّداً له، وقد لا يُدركها قبله، ويخفى عليه الوجه فيها، فيأتي الشرع كاشفاً له ومبيِّناً، وغاية ما تدلُّ عليه هذه الأدلَّة مدح العقل الفطريّ الصحيح، الخالي من شوائب الأوهام، العاري من كدورات العصبيَّة، وأنَّه بهذا المعنى حجَّة إلهيَّة؛ لادراكه- بصفاء نورانيّته وأصل فطرته- بعض الأُمور التكليفيَّة، وقبوله لما يجهل منها متى ورد عليه الشرع بها، وهو أعمُّ من أن يكون بإدراكه ذلك أوَّلاً أو قبوله لها ثانياً».
[33] أي: النسبة إلى الشارع.
[34] العِلمي: وهو الطرق والأدلة، المجعولة، المقطوعة الإعتبار من طرف الشارع، كخبر الثقة، والإجماع المحصَّل، والإجماع المنقول، والشهرة الفتوائيَّة، وحكم العقل، ويُطلق عليها (العِلمي)؛ للعلم باعتبارها، وكون دليل اعتبارها قطعيَّاً.
[35] سورة الإسراء، الاية 36.
[36] سورة يونس، الاية 59.
[37] منها: قوله تعالى: (وَإِن تُطِع أَكثَرَ مَن فِي الأَرضِ يُضِلّوكَ عَن سَبيلِ اللهِ إِن يَتَّبِعونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِن هُم إِلّا يَخرُصونَ) (سورة الأنعام: ١١٦)، وقوله تعالى: (وَما لَهُم بِهِ مِن عِلمٍ إِن يَتَّبِعونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغني مِنَ الحَقِّ شَيئاً). (سورة النجم، الاية ٢٧-٢٨).
[38] منها: قوله تعالى: (وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمـَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً). (سورة النساء، الاية 157)، وقوله تعالى: «هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلا تَخْرُصُونَ». (سورة الأنعام، الاية 148).
[39] يُنظر: الاسترآباديّ، الفوائد المدنيَّة، ص192؛ الحرّ العاملـيّ، وسائل الشيعة، ج27، ص154، باب وجوب التوقف والاحتياط في القضاء والفتوى؛ البحرانيّ، الحدائق الناضرة، ج18، ص267.
[40] إنَّما كان من باب التفضل والامتنان؛ لأنَّ ذلك وإن لم يكن طاعةً حقيقيَّةً؛ لعدم العلم بالأمر، إلّا أنَّه في حكمها؛ لكون العبد معه شبيهاً بالمنقاد.
[41] يُنظر: الأصفهانّي، محمَّد حسين، الفصول الغرويَّة في الُأصول الفقهيَّة، ص305؛ الحسينيّ المراغيّ، العناوين الفقهيَّة، ج1، ص423، 424؛ الآخوند الخراسانيّ، كفاية الأُصول، ص352، 353.
[42] وهذا يمكن استظهاره في مواطن متعددة متفرقة من المدارك، منها: ما ذكره في بحث خطبة الجمعة من مدارك الأحكام: ج4، ص40: «اختلف الأصحابُ في اشتراط طهارة الخطيب من الحدث وقت إيراد الخطبتين، بعد اتفاقهم على الرُّجحان المتناول للوجوب والندب- إلى أنْ قال- والمسألةُ محلُّ تردُّدٍ وإنْ كان الاشتراط لا يخـلُو مِن رجحان تمسُّكاً بظاهر الرِّوايات».
[43] ذكروا أنَّ الوجه في ذلك هو: «لأنَّ الاحتياط عبارة عن الأخذ بالأوثق، والإقدام على ما لا يحتمل فيه إلَّا المنفعة ومحلُّ البحث منه قطعاً». (السَّيِّد محمَّد المجاهد،  مفاتيح الُأصول، ص347).
[44] لا إشكال، بل لا خلاف في ذلك؛ لاستقلال العقل به، ويكشف عنه الأوامر الشرعيَّة المتعلّقة به في الشريعة، بل يُستفاد من جملة من النصوص الرُّجحان الذاتيّ.
[45] لدلالة أخبار التوقُّف والاحتياط والتثليث على ذلك.
[46] أي: الاتيان بمحتمل الوجوب، وترك محتمل الكراهة ومحتمل الحرمة.
[47] يمكن المناقشة في الكبرى بما قاله الملا محمَّد مهديّ النراقيّ في (جامعة الُأصول): (ص97): «ذهب الأخباريُّون النافون للبراءة الأصليَّة إلى وجوب الاحتياط فيما لا نصَّ فيه، وبعض المواضع الّتي تعارض فيه النصَّان، والمجتهدون ذهبوا إلى استحبابه في الموضعين، والظاهر بل الجزم أنَّ استحباب الاحتياط عندهم إنَّما هو فيما لم يثبت اشتغال الذِّمَّة يقيناً، وإلّا فيجب الاحتياط عندهم، والظاهر عدم الخلاف بينهم في ذلك».
[48] أي: على تقدير كون البحث أو المسـألة أُصوليَّة، وعلى تقدير كون البحث أو المسألة فقهيَّة.
[49] أي: كون قاعدة الإحتياط وحسنه دليلاً على التَّسامح في أدلة السُّنن.
[50] أي: على فرض كون البحث فقهيَّاً.
[51] كالربوبيَّة،والحاكميَّة، والأبويَّة، والتَّابعيَّة، والهداية.
[52] من الإرشاد، والترجي، والتمني، والإنذار، والإهانة، والاحتقار، والتسخير، والتهديد، والدعاء والالتماس، والإباحة، والامتنان، والتسوية، والتخيير، والتسوية، والإكرام، وغيرها. قال الفيروزآباديّ في عناية الأُصول: (ج1، ص210): «إنَّ المحقِّق صاحب الحاشية قد ذكر لصيغة الأمر أربعة وعشرين معنىً، وذكر غيره دون ذلك».
[53] أي: بين معنى الاستحباب ومعنى الوجوب.
[54] قد ذهب الأشاعرة إلى تغاير الإرادة مع الطلب خلافاً للعدليّة الّذين ذهبوا إلى الاتحاد والعينيّة، أي: أنَّ الإرادة هي عين الطلب والطلب هو عين الإرادة. (يُنظر دليل القولين والحقّ منهما في: الآخوند الخراسانيّ، كفاية الأُصول، ص64- 66).
[55] رواها أحمد والدارميّ في مسنديهما، وابن ماجة وابن داود في سُننيهما عن النبيِّ (صلى الله عليه وآله)؛ ورواها البرقيّ في المحاسن عن أمير المؤمنين (عليه السلام). (أبن حنبل،،  احمد، مسند، ج5، ص274؛ الدارميّ، سُنن (مسند)، ج2، ص219؛ القزوينيّ، سُنن ابن ماجة،ج 5، ص305؛ السجستانيّ، سُنن أبي داود،، ج2، ص504؛ البرقيّ، المحاسن، ج2، ص601).
[56] أي: الإطاعة الحكميَّة، في مقابل الإطاعة الحقيقيَّة، والثانية هي: إتيان الفعل بداعي الأمر المعلوم تعلُّقه به، وبداعي المحبوبيَّة المعلومة؛ أمَّا الإطاعة الحكميَّة فهي: عبارة عن إتيان الفعل بداعي احتمال الأمر والمحبوبيَّة.
[57] محمَّد حسين الأصفهانّي، الفُصول الغرويَّة في الُأصول الفقهيَّة، ص305.
[58] الأصفهانّي، محمّد تقيّ، هداية المسترشدين، ج3، ص479.
[59] المحقِّق القميّ، قوانين الُأصول، ص 484.
[60] كالوحيد البهبهانّي في شرح المفاتيح (مصابيح الظلام، ج1، ص127)؛ والسَّيِّد محمَّد، المجاهد، مفاتيح الأُصول،  ص347.
[61] يُنظر: الشيخ البهائيّ، الأربعون حديثاً،ص 391.
[62] السَّيِّد محمَّد المجاهد، مفاتيح الُأصول، ص346؛ الأصفهانيّ، محمّد تقيّ، هداية المسترشدين، ج3، ص481.
[63] أي: الثاني مِنْ عمدة ما استدلُّوا به.
[64] قاله الحرّ العاملـيّ في الفصول المهمة في أُصول الأئمَّة: (ج1، ص617)؛ ولم يستبعده الشيخ الأعظم في رسالة التسامح في أدلة السُّنن (رسائل فقهية، ص 142).
[65] قاله: ابن فهد الحلّيّ في عدَّة الداعي، (ص13)؛ والمجلسـيّ في البحار، (ج2، 256).
[66] كما هو ظاهرٌ من ملاحظة الطريقة الجارية بين الأصحاب. (يُنظر: الأصفهانيّ، محمَّد تقيّ، هداية المسترشدين، ج3، ص466).
[67] مِنَ الخاصَّة: الشَّهيد الأوَّل في الذِّكرى: (ج2، ص34)؛ والشَّهيد الثاني في شرح البداية،  (ص96)؛ والشَّيخ البهائيّ في الأربعين، (ص389)؛ والوحيد البهبهانيّ في حاشية المدارك،  (ج1، ص22)، ومفاتيح الظلام،  (2ج، ص85)، ومن العامَّة: ابن حجر في القول المسدد، (ص20)؛ وابن عبد البر في التمهيد، (ج6، ص39)؛ والنوويّ في المجموع، (ج5، ص43).
[68] قاله: ابن فهد الحلّيّ في عدَّة الداعي، (ص10). هذا وقد أختلفتْ عبارات المحقِّقين في التسامح: فقال الشَّهيد الأوَّل في الذِّكرى، (ج2، ص34): «أحاديث الفضائل يتسامح فيها عند أهل العلم»؛ وقال المحقِّق الخوانساريّ في مشارق الشُّموس،(ج1، ص34): «قد اشتهر بين العلماء أنَّ الاستحباب إنَّما يكتفى به بالأدلَّة الضعيفة»؛ وعن المحقّق الأصفهانيّ في هداية المسترشدين، (ج3، ص466): «هو المعروف بين المتأخرين»؛ وعن الشَّيخ الأعظم في رسالة التسامح في أدلة السُّنن (رسائل فقهية، ص137): «هو المشهور بين أصحابنا والعامَّة».
[69] الشَّيخ البهائيّ، الأربعين حديثاً، ص387. ويُنظر: الكافي، (ج2، ص87، باب من بلغه ثواب من الله على عمل، ح1).
[70] الشَّيخ الأنصاريّ، فرائد الُأصول، ج2، ص154. وقد رواها (قدس سره) عن البرقيّ في المحاسن، (ج1، ص 25).
[71] وهم أوصياؤه الأئمَّة المعصومون من أهل بيته (عليهم السلام).
[72] كقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ). (سورة الحجرات، الاية 6).
[73] أي: عدم الاكتفاء بغير العِلم في الُأصول.
[74] أي: المعرفة.
[75] أي: القطع.
[76] القائل- كما تقدَّم- هو الحرّ العاملـيّ في الفصول المهمة في أصول الأئمَّة، (ج1، ص617).
[77] أي: من كلَّ جهة تُوجب الاطمئنان بصدروه، ولا ضابط لها؛ لأنَّ المدار على الاطمئنان.
[78] أي: سواء كان حسيَّاً كالمشاهدة أو السَّماع ونحو ذلك، أو حدسيَّاً كالاجتهادات غير الحسّيَّة، فكلاهما حُجَّة عند المطمئن بالنسبة لتكليفه.
[79] حكاه عن المجلسـيّ المحقِّق الأصفهانّي في هداية المسترشدين، (ج1، ص 466). ويُنظر: العلّامة المجلسـيّ، بحار الأنوار،ج 2، ص256.
[80] صاحب الدعوى هو ابن فهد الحلّيّ في عدَّة الداعيّ، (ص10).
[81] أي: ومِنَ الإيرادات الّتي ذُكرت على الدليل الثاني (الرِّوايات).
[82] قال المجدِّد الشيرازيّ في وجه ذلك: «لأنَّ الغرض منه (مقصوده (قدس سره) الأمر بالعبادة) إنَّما هو الامتثال، وهو لا يحصل إلَّا بإيقاع الفعل بداعي الأمر، والفرد الغير المأمور به لا أمر فيه، حتّى يوقع بداعيه». (الروزدريّ، تقريرات المجدِّد الشيرازيّ،ج2، ص330).
[83] وهو مذهب علمائنا إلى زمن الشيخ الأنصاريّ(قدس سره)، حيث كانوا يعدون قصد القُربة في العبادات في عداد سائر شرائط المأمور به وأجزائه.
[84] أي: مِنَ الحلول الّتي ذكرها أهل التحقيق للتَّفصِّـي من هذا الإشكال.
[85] أي: ومن الإيرادات الّتي ذُكرت على الدليل الثاني وهو الأخبار.
[86] ذكره بهذا اللَّفظ السَّيِّد محمّد الطباطبائيّ اليزديّ في وسيلة الوسائل في شرح الرسائل، (ص206). ولكن فيه «فعَمِلَهُ» بدل «فَفَعَلَهُ». ورواه الشيخ البهائيّ في (الأربعون حديثاً، ص 389)، والفيض الكاشانيّ في الوافي،  (ج4، ص370) عن ثواب الأعمال للشَّيخ الصَّدوق هكذا: «عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: مَنْ بَلَغَهُ شَيْءٌ مِنَ الثَّوَابِ، عَلَى شَيْءٍ مِنَ الْخـَيْرِ، فَعَمِلَهُ، كَانَ لَهُ أَجْرُ ذَلِكَ وَ إِنْ كَانَ رَسُولُ اللهِ (صلى الله عليه وآله) لَمْ يَقُلْهُ».
[87] كالّذي رواه الخطيب البغداديّ في تأريخ بغداد، (ج9، ص231): «عن جابر بن عبد الله الأنصاريّ قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله): مَنْ بَلَغَهُ عَنِ اللهِ شَيْءٌ فِيهِ فَضِيلَةٌ، فَأَخَذَ بِهِ إِيمَاناً بِهِ وَرَجَاءَ ثَوَابِهِ، أَعْطَاهُ اللهُ ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ».
[88] وهو ما رواه الشيخ البهائيّ في (الأربعون حديثاً، ص 389)، والفيض الكاشانيّ في الوافي، (ج4، ص370) عن ثواب الأعمال للشيخ الصدوق، ولفظُهُ: «عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: مَنْ بَلَغَهُ شَيْءٌ مِنَ الثَّوَابِ عَلَى شَيْءٍ مِنَ الْخـَيْرِ، فَعَمِلَهُ، كَانَ لَهُ أَجْرُ ذَلِكَ، وَ إِنْ كَانَ رَسُولُ اللهِ (صلى الله عليه وآله)
لَمْ يَقُلْهُ».
[89] كالمروي في الكافي: «عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَرْوَانَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ(عليه السلام) يَقُول:ُ مَنْ بَلَغَه ثَوَابٌ مِنَ الله عَلَى عَمَلٍ، فَعَمِلَ ذَلِكَ الْعَمَلَ الْتِمَاسَ ذَلِكَ الثَّوَابِ، أُوتِيَه، وإِنْ لَمْ يَكُنِ الْحـَدِيثُ كَمَا بَلَغَه». (الكافي، الكلينيّ،ج 2، ص٨٧، باب من بلغه ثواب من الله على عمل، ح2).
[90] أي: ومِنَ الإيرادات الّتي ذُكرتْ على الدليل الثاني وهو الأخبار.
[91] وهو ما استظهره الشيخ الأعظم في رسالة (التسامح في أدلة السُّنن) بناءً على أنَّ القول بالتسامح من باب الأخبار. (يُنظر: الشَّيخ الأعظم، رسائل فقهيَّة، ص 156).
[92] يُنظر: الشَّيخ الأنصاريّ، فرائد الُأصول، ج2، ص155، 156.
[93] أي: الأمر الإرشاديّ.
[94] أي: إنَّ مضمون هذه الأخبار هو مضمون قوله تعالى: (وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ). (سورة النور، الاية 52)، وقوله تعالى: (وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ). (سورة النساء، الاية 13)، ونحوهما. فكما أنَّ الأمر المذكور في الآيات المذكورة أمرٌ إرشاديٌّ، فكذلك حكم الشارع باستحقاق الثواب.
[95] وكون الإطاعة في الآيات المذكورة: إطاعة حقيقيَّة.
[96] أمّا الآيات: كقوله تعالى: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحـَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللهِ مَا لَمْ يُنزلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ مَا لا تَعْلَمُونَ). (سورة الأعراف، الاية 33)، وقوله تعالى: (وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً). (سورة الإسراء، الاية36). وأمَّا الأخبار: فمنها: ما رواه الشَّيخ في الكافي: «عن أبي عبيدة الحذاء، عن أبي جعفر ٍ(عليه السلام):
مَنْ أَفْتَى النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَ لَا هُدًى، لَعَنَتْهُ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ وَ مَلَائِكَةُ الْعَذَابِ، وَ لَحِقَهُ وِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِفُتْيَاهُ». (الكافي، الكلينيّ، ج1، ص42، باب النهي عن القول بغير علم، ح3). ومنها: ما رواه عن مفضل بن مزيد: قال أبو عبد الله(عليه السلام): «أَنْهَاكَ عَنْ خَصْلَتَيْنِ، فِيهِمَا هَلاكُ الرِّجَالِ: أَنْهَاكَ أَنْ تَدِينَ الله بِالْبَاطِلِ، وَ تُفْتِيَ النَّاسَ بِمَا لَا تَعْلَمُ».(الكافي، الكلينيّ، ج 1، ص42، باب النهي عن القول بغير علم، ح1).
[97] منها: ما رواه الشيخ الكلينيّ في الكافي: «عن الفضل بن شاذان رفعه عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليهما السلام) قالا: «كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وكُلُّ ضَلَالَةٍ سَبِيلُهَا إِلَى النَّارِ». (الكافي، الكلينيّ،ج 1، ص56، باب البدع والرأي والمقاييس، ح8).
[98] قال السيّد المجاهد: «إنَّ أدلة الأحكام الشرعيَّة بأسرها منحصرة- باتفاق المحقِّقين من المسلمين- في الكتاب والسُّنَّة والإجماع والعقل». (السَّيِّد محمَّد المجاهد،  مفاتيح الأُصول، ص459).
[99] وهي كثيرة في الشريعة المقدسة.منها: موارد الفراغ من شغل الذِّمَّة.
[100] نسبه إلى المشهور: الشَّيخ الأعظم في رسالة التسامح في أدلة السُّنن (رسائل فقهيَّة، ص137)، ونسبه السَّيِّد المجاهد في مفاتيح الأُصول: (ص345): «للشهيدينِ في الذَّكرى والدِّراية، وابن فهد في عدَّة الداعي، والمحقِّق الخوانساريّ في المشارق، والفاضل الخراسـانيّ في الذَّخيرة، والفاضل البهائيّ في الوجيزة، والأربعين، وجدّي، ووالدي العلّامة».
[101] المحقِّق الأردبيليّ، مجمع الفائدة، ج3، ص41.
[102] في الأصل: الأمر السادس، والصحيح ما أثبتاه.
[103] أي: وعدم ارتفاع الحدث به، كما لو ثبت بالقاعدة استحباب الوضوء قبل تكفين الميت.
[104] أي: وعدم جواز أخذ البِلَّة المذكورة للمسح، كما لو ثبت بالقاعدة استحباب غسل المسترسل مِنَ اللحية، فهل يسوغ المسح ببلته؟
[105] في هذا الموضع فراغ، والمناسب كتابة ما وضعناه في مكانه.
[106] كما لو كان منشأ الشَّك من جهة إجمال لفظ الأمر في النصِّ بين الوجوب والاستحباب والإباحة.
[107] أي: الاستحباب.
[108] يُنظر: الشَّيخ الأنصاريّ، فرائد الُأصول، ج2، ص164.
[109] قد صرَّح صاحب الحدائق- تبعاً للمحدِّث الاسترآباديّ- بوجوب التوقُّف والاحتياط هنا، قال في الحدائق بعد ذكر وجوب التوقُّف: «إنَّ مَنْ يعتمد على أصالة البراءة يجعلها هنا مرجحة للاستحباب». (يُنظر: الشيخ الأنصاريّ، فرائد الأُصول، ج 2، ص162).