رحلة أبي طالب خان إلى سامراء عام 1803
دراسة وتحقيق
Abi Talib Khan's Journey
to Samarra in 1803
(Study and investigation)
أ.د.أسعد حميد أبوشنة
جامعة المثنى
كلية التربية للعلوم الانسانية
prof. Dr. Assad Hamid Abu Shanna
University of
Al-Muthanna
College of Education for Humanities
الملخص:
تعد رحلة أبي طالب خان من الهند إلى
أوربا خلال المدة (1799-1803) من الرحلات المهمة، نظراً للبلدان التي زارها،
ذهاباً وإياباً إلى الهند وكان من أهمها العراق، الذي مرّ به في طريق العودة إلى
الهند، فزار بغداد وسامراء وكربلاء والنجف، وسنتناول في هذا البحث رحلة أبي طالب
إلى مدينة سامراء عام 1803، والتي كان الغرض منها زيارة العتبة العسكرية المقدسة،
وقد دوّن أبو طالب خان معلومات مفيدة ودقيقة تخص العديد من التفاصيل ابتداءً من
خروجه من بغداد، وحتى وصوله إلى سامراء، ثم عودته مرة أخرى إلى بغداد، والتي مهما
كانت بسيطة كما يُخيل للقارئ؛ إلا أن أهميتها تكمن في تفاصيل المدة الزمنية التي
حصلت فيها الرحلة، وهذا ديدن أدب الرحلات.
الكلمات المفتاحية:
أبو
طالب خان، الإمامان العسكريان، رحلة،
سامراء.
Abstract:
Abi Talib Khan's journey
from India to Europe during the period (1799 -1803) is considered one of the
important travels due to the countries he visited back and forth from India.
Among the most important of these was
Iraq, which he passed through on his return journey to India. He visited
Baghdad, Samarra, Karbala, and Najaf. In this
study,
we will address Abi Talib's journey to the city of Samarra in 1803, which was
intended for visiting the holy Askari shrine. Abi Talib Khan recorded useful
and accurate information concerning many details from his departure from
Baghdad until his arrival in Samarra, and then his return to Baghdad. Although
these details might seem simple to the reader, their importance lies in the
temporal details of the time of the journey, which is part of travel literature.
key words:
Abi
Talib Khan, The Two Askari Imams, Journey, Samarra.
تعد الرحلات من المصادر المهمة في دراسة التاريخ؛ كونها شاهد عيان على مجرى
الاحداث التي حصلت آنذاك، وتطور البلدان وأحوال المجتمعات، والعديد من المعلومات
الواردة في الرحلات بحاجة إلى التحقيق والتدقيق؛ كي تصل بالقارئ إلى أقرب صورة
واقعية لما جرى آنذاك، وكان العراق بصورة عامة، وسامراء بشكل خاص، مقصداً للعديد
منها، ومن أهم تلك الرحلات التي قصدت العراق بشكل عام وسامراء بشكل خاص، رحلة أبي
طالب خان التي كانت جزءاً من رحلته من الهند إلى أوربا؛ التي أكتسبت العديد من
الخصوصيات التي سنلاحظها في ثنايا البحث، وسنتناول في هذا البحث الجزء الخاص بوصول
أبي طالب خان إلى سامراء.
أبو طالب خان شخصية سياسية عسكرية مهمة في شمال الهند، ومن المقربين من
سياسيي وضباط شركة الهند الشرقية الانكليزية، وأحد رجال بلاط مملكة أوده، في عهد
النواب آصف الدولة، وجاءت رحلته إلى سامراء في وقت مر العراق فيه بأحداث مهمة
وخاصة المدن المقدسة التي كانت الهدف الرئيس لأبي طالب خان، فدون معلومات مفيدة عن
أحوال سامراء، ومرقد الإمامين العسكريين(عليهما السلام).
كتب أبي طالب خان رحلته باللغة الفارسية، حتى عُرف لدى بعض الشخصيات التي
التقاها أثناء رحلته بـ:
(مثقف فارسي)، ثم تُرجمت
إلى اكثر من لغة، تكون البحث من جملة محاور منها: النسخ المستخدمة في التحقيق، مع
بيان بعض المعلومات الخاصة بكل نسخة، فيما تناول محور آخر نبذة عن حياة أبي طالب
خان ورحلته، وتناول المحور الأخير نص الرحلة وما ورد فيها من معلومات.
المحور الأول: النسخ المستخدمة في التحقيق
كتب أبو طالب خان رحلته، التي كان عنوانها (مسير طالبي في بلاد إفرنجي)،
باللغة الفارسية؛ كونها واسعة الانتشار آنذاك في الهند، ولغة الدواوين الرسمية في
الدولة المغولية (1521-1859)، وقد تُرجمت الرحلة إلى لغات عدّة، منها الانكليزية
والفرنسية والعربية، لكن النسخ المتوفرة لدينا هي: الانكليزية، والعربية، التي
تُرجمت عن الفرنسية، والفارسية، وقد طُبعت النسخة التي خطها بيده عام 1812.
أما النسخة الانكليزية للرحلة ففيها تفصيلات كثيرة، إذ تكونت من ثلاثة
أجزاء، وحملت عنوان (رحلات أبي طالب خان في آسيا، أفريقيا، وأوربا خلال السنوات
1799، 1800، 1802، 1803)، (Travels of Mirza Abu Taleb Khan in Asia, Africa, and Europe During The
Years:1799, 1800, 1802, 1803)،
وكانت طباعتها عام 1814، أي بعد أحد عشر عاماً من كتابتها عام 1803، على الأرجح،
وبعد تسعة أعوام من وفاة أبي طالب خان عام 1805، أما وقت ترجمتها، فلا يمكن الجزم
بتاريخ محدد، ولكنه على الأرجح في تاريخ مقارب لتاريخ الطباعة، أما المترجم فهو
تشارلز ستيوارت(
Charles Stewart)،
أستاذ اللغات في كلية شركة الهند الشرقية، أو كلية شرق الهند
أما النسخة الفارسية من الرحلة، فيبدو أنها النسخة الاصلية، وحملت عنوان
(مسير طالبي)، أما العنوان الأصلي فهو (مسير طالبي في بلاد إفرنجي)، وهو العنوان
الأصلي ومعناه (طريق طالب أوالطريق الذي سلكه أبي طالب في أوربا)، تكونت من ثلاثة
أجزاء أيضاً، وحققها حسين خديوجم، وفيها معلومات أكثر تفصيلاً من الترجمتين الانكليزية
والعربية، وقد علق عليها وأضاف بعض المعلومات المهمة التي لم ترد في النسختين
الانكليزية والعربية، وطُبعت أول مرة عام 1352هـ/1973م.
فيما كانت النسخة العربية مترجمة عن نسخة فرنسية، من قبل الأستاذ مصطفى
جواد، وهي الاكثر اختصاراً بين النسختين، والأقل وضوحاً، وطُبعت عام 2007، بمعنى
أنها النسخة المتوفرة الاحدث نسبياً، وبهذا تكون النسخة الوحيدة المحققة هي
الفارسية، فيما الانكليزية مترجمة فقط، وكذلك العربية مع بعض التعليقات في الهامش.
تجدر الاشارة إلى أن رحلة أبي طالب خان إلى سامراء، لم تحض بالعناية، أو
حتى الذكر من قبل الباحثين الذين كتبوا عن سامراء بشكل موسوعي، فعلى سبيل المثال
لم يتطرق جعفر الخليلي في موسوعة العتبات المقدسة، الجزء الخاص بسامراء وهو الجزء
12، في القسم الخاص بالرحلات التي زارت سامراء[2].
المحور الثاني: أبو طالب خان حياته(1166-1213هـ/1753-1805م)[3] ولمحة
موجزة عن رحلته حتى وصوله إلى مدينة سامراء
هو أبو طالب بن محمد خان، كان أبوه يُلقب بــ:حاجي خليفة، وحاجي محمد بيك
خان، ولد أبو طالب خان عام 1753 في لكنو[4]،
وأصل والده من اصفهان، هاجر إلى الهند في عهد نادر شاه (1698-1747)، وكان أول ورود
حاجي بيك على اقليم أوده[5] في
عهد حاكمها صفدر جنك[6]،
فأحسن استقباله ووظفه لديه، وقد ظهرت علامات النجابة والذكاء على أبي طالب وتربى
على يد وجهاء القزلباش في بلاط النواب، وكانت لديه نظم في شعر سرائي وسنجي
والخاقاني والانوري وهم من أشهر شعراء فارس، وصار مؤرخاً[7]،
وبعد وفاة صفدر تولى مكانه ولده شجاع الدولة[8]
عام 1753، وكان حاجي محمد يعمل تحت إمرة محمد قلي خان ابن اخي صفدر جنك، وبسبب
الخلافات الحادة بين شجاع وقلي، فقد طال ذلك الخلاف اتباع الاخير وموظفيه ومنهم
والد أبي طالب، فاراد اعتقاله، فلما علم حاجي بذلك سافر مع عائلته إلى لكنو ثم إلى
البنغال، وبقي هناك حتى وفاته عام 1768، لكن شجاع الدولة أظهر اهتماماً بعائلة
حاجي محمد وطلب من والدة أبي طالب تهذيبه وتعليمه[9].
اكتسب أبو طالب خان خبرات جيدة في العمل السياسي والاداري والعسكري من خلال
تنقله في العمل في بلاط نواب البنغال، الذي عمل به سنين عدة، ثم عاد إلى لكنو في
عهد (مسعود الاودي)[10]،
والأصح آصف الدولة بدعوة من وزيره مختار الدولة[11]،
عينه علمدار على منطقة ايتايا ومناطق اخرى بين نهري جمنا والغانج، وتلك الوظيفة
تعتمد على القوة العسكرية في جمع الضرائب، وكان أبو طالب دائم التنقل لمدة 3 سنوات
في تلك الوظيفة، ونتيجة لاضطراب الاوضاع الاقتصادية في أوده ومانتج عنه من اضطراب
سياسي فقد حصلت عدة تمردات من قبل ملاكي الاراضي، وكان أبو طالب خان على علاقة
جيدة بالجانب البريطاني الذي كان يستشيره في العديد من الامور، كما حصل عندما
استشاره ميدلتون (Middleton Nathaniel)[12]
المقيم السامي في لكنو حول كيفية التعامل مع تمرد راجا بولبودر سنك، وقد قاد أبو
طالب خان بنفسه الحملة العسكرية ضده وهزمه[13].
هنا لابد من التوقف وتوضيح بعض الامور، فهنالك تقديم وتاخير في سرد
الاحداث، فمدليتون كان المقيم البريطاني السامي في لكنو في عهد شجاع الدولة وليس
آصف الدولة، خاصة وان أبي طالب أو مترجمي سيرته قد انتقلوا للحديث عنه في عهد
صفدرجنك، فشجاع الدولة، ثم آصف الدولة، وثم عادوا لذكر بعض الاحداث في عهد شجاع .
لم يكن أبي طالب خان رجل سياسة وإدارة فحسب، بل كان رجل أدب وثقافة، فكانت
لها مؤلفات عدة منها : لب السير، وجهانما، وخلاصة الأفكار، وتنبيه الغافلين، عن
تاريخ أوده في عهد آصف الدولة، كما نشر أبي طالب لأول مرة الطبعة الاولى لديوان
الشاعر حافظ في كلكتا عام1719 [14]
ويبدو ان مصير أبي طالب كان مرتبطاً بمصير حكام شركة الهند الشرقية
والمقيمين السامين في لكنو، لانه كان يعتمد على دعمهم له، لذا فقد أبي طالب مكانته
السياسية ووظيفته بعد مغادرة ميدلتون المقيم السامي لكنو، والحاكم العام للشركة
وارن هاستنك(Warren
Hasting)[15]
الذي غادر إلى كلكتا عام 1787 مقر الشركة
الرئيس في الهند، وقد تبع أبو طالب هاستنك ليقدم شكواه إلى الحاكم الجديد كورنوالي
(Charles Cornwallis)[16]،
وقد وعده بالدعم والحماية، لكنه كان عازماً على السفر إلى جنوب الهند لحرب سلطان
ميسور تيبو سلطان[17]،
وعند عودة كورنواليس أرسل أبو طالب إلى لكنو عام 1792 مع كتاب توصية إلى المقيم في
لكنو جيري[18]
والنواب آصف الدولة، لكن كورنواليس غادر الهند، فضلاً عن تدهور العلاقة بين آصف
الدولة والشركة جعل آصفاً يصدر امراً بإبعاد أبي طالب من المدينة، وكان آصف يريد
تعيين أبي طالب خان نائباً عنه، ولكن أعداء أبي طالب أخبروا آصف الدولة انه جاسوس
لدى البريطانيين، فعدل النواب عن ذلك[19]
فعاد أبو طالب إلى كلكتا عام 1795 للقاء جون شور الحاكم العام للشركة، لكن انشغال
الاخير بشؤون الحكم فوت الفرصة على أبي طالب في الحصول على مبتغاه، فقد غادر شور
الهند، ونتيجة لذلك أصاب أبا طالب اليأس، وبعد ثلاث سنوات صعبة مرت عليه في كلكتا
زاره صديقه الربان )داوود[20]
رتشاردسون (D.Richardson)[21])، أحد ضباط المخابرات
البريطانيين[22] في
الهند الذي أغرى أبا طالب خان على الرحلة إلى اوربا ورافقه بين عامي 1799 و1802،
ويبدو أن مؤهلات أبي طالب خان، كجامع للضرائب وباحث باللغة الفارسية مرتبط باقليم
أوده خلال مرحلة كانت الشركة فيها تريد
زيادة سيطرتها على تلك المنطقة، لهذا وبسبب ارتباطه الوثيق بالمصالح البريطانية،
فلربما تكون الشركة قد رعت رحلته على الأرجح بهدف الاحتفاظ به للحفاظ على مصالح
الشركة لاحقاً في أوده. وإلا لماذا يقوم ضابط مخابرات بدعوة مواطن محلي لمرافقته
إلى بريطانيا، وقد رافق ريتشاردسون أبا طالب في طريق الذهاب، وافترق عنه في مدينة دبلن،
وتركه يعود لوحده[23]،
وقد ذكر أبو طالب بعض تفاصيل شروعه بالرحلة: «ففي أوائل عام 1799 جاء صديقي
الكابتن ديفيد ريتشاردسون، وهو سكوتلندي[24]،
لزيارتي، نظراً لأن هذا الرجل النبيل يفهم تماماً اللغتين الفارسية والهندوستانية،
فقد تحدثنا في مواضيع مختلفة، وأخبرني
بإسهاب أنه نظراً لأنه وجد صحته في حالة تدهور، فقد قصد السفر إلى أوروبا، على أمل
أن يكون شفاؤه في موطنه الأصلي؛ وأنه يجب أن يعود إلى الهند في غضون ثلاث سنوات.
وأضاف: بما أنك عاطل عن العمل، وتبدو مكتئباً، اسمح لي أن أطلب منك مرافقتي، فإن
في ذلك تغييراً للاجواء كما ان النظر إلى عجائب اوربا وغرائبها يبعدان عنك اليأس،
سوف يزيل الكآبة التي تخيم عليك الآن، وأتعهد بتعليمك اللغة الإنكليزية أثناء الرحلة،
وتوفير كل ما تريده». في الواقع، كما سنرى، كانت هناك أسباب أكثر إلحاحاً لمغادرة
أبي طالب الهند بهذه السرعة.
في شباط من عام 1799م، صعدا على متن السفينة الدنماركية (كريستيانا) وكانت
سفينة قديمة حتى كيب تاون، لكنهما كانا محبطين للغاية من السفينة وقبطانها لدرجة
أنهما انتظرا في كيب من أجل السفينة البريطانية إنديامان، التي استقلاها في أواخر
أيلول 1799م، التي أوصلتهما أخيراً إلى كورك (Cork) في كانون الاول. أثناء تواجدهما في كيب تاون،
كان أبو طالب وديفيد ريتشاردسون بضيافة، الليدي آن بارنارد[25](Anne Barnard)، التي تأثرت بشخصيتي
ريتشاردسون وابي طالب بما يكفي لتكتب إلى اللورد دونداس (Dundas)
(وزير الحرب في حكومة ويليام بيت (William Pitt)
« لقد أرسلت بضع رسائل تعريف مع النقيب ريتشاردسون وخان صاحب [أبو طالب]. الأول هو
رجل متعلم وذكي عاد من أجل وضعه الصحي بشكل رئيسي بعد عشرين عاماً قضاها في الهند.
إنه شخص محترم جداً وهو برفقة خان صاحب، وهو زعيم فارسي، ورجل ذكي مقبول وصالح،
ورجل أدب أيضاً، تفوق كثيراً على معظم عظماء هندوستان - إنه لشرف أن يكون صديقاً
خاصاً للورد كورنواليس ويسافر بشكل أساسي لرؤية العالم، وربما يجمع بين بعض
الدوافع الأخرى التي سوف ينقلها إلى اللورد كورنواليس»[26].
المحور الثالث: لمحة عن رحلة أبي طالب خان حتى وصوله
مدينة سامراء عام 1803م
كما ذكرنا فإن الوجهة الاساسية لابي طالب خان كانت أوربا، لذا فإنه اتجه
مباشرة من الهند إلى اوربا عبر المحيط الهندي فالهادي، ثم دار حول رأس الرجاء
الصالح، فالمحيط الاطلسي ليدخل اوربا عبر ايرلندا، وسنذكر المحطات الاساسية التي
نزل بها أبو طالب على نحو الاجمال، بدأت رحلة أبي طالب خان من الهند في 7شباط
1799م من ميناء كلكتا كانت محطته الاولى مدينة الكاب في جنوب افريقيا التي وصلها
في حزيران 1799م، وقد وصف الزراعة في تلك المدينة وطرقها ومساكن الناس وعلاقات
الهولنديين بالانكليز، والحياة الاقتصادية فيها والحركة التجارية واهم السلع وحال
الاسواق وغيرها، وافرد عنواناً خاصاً للحديث عن النساء الهولنديات، فضلا عن
تحصيناتها العسكرية، وفي 29ايلول 1799م غادر ابوطالب برفقة ريتشاردسون مستعمرة
الكاب[27]،
وفي صباح 13 من تشرين الأول 1799م وصلا إلى جزيرة سانت هيلانة، وقد وصف موقعها
الجغرافي وموقعها على خطوط الطول ودوائر العرض، كما وصف تضاريسها ومناخها، وتحدث
أيضاً عن مساكنها وساكينها ومهنهم، وقد غادرا الجزيرة في اليوم 15 من الشهر نفسه[28]،
وفي اليوم السادس من كانون الأول 1799م وصل أبو طالب ورفيقه إلى خليج كورك
بايرلندا، فوصف المدينة ومبانيها وسكانها، كما وصف ريف ايرلندا سكاناً واقتصاداً
وعمراناً، ثم اتجه إلى دبلن للقاء كورنواليس الذي رحب به والذي كثر تردده عليه،
وقد وصف ابوطالب مدينة دبلن وموقعها البحري، وطرق المدينة ومساكنها، واخلاق
الايرلنديين وأسواق المدينة ووسائط النقل فيها، كما تحدث عن كلية دبلن ودار
البرلمان، وفي كانون الثاني 1800م عبر أبي طالب إلى انكلترا[29]
وصوله إلى مدينة سامراء
نص الرحلة
أشار أبو طالب خان في مستهل حديثه عن توجهه إلى سامراء بأن الهدف من رحلته
إلى سامراء كان زيارة الامامين العسكريين(عليهما السلام)، خاصة وانه قبل ذلك قد
زار الامامين الكاظمين(عليهما السلام)، على ان يتوجه بعد سامراء إلى النجف وكربلاء
للزيارة كذلك، وقد تجهز لذلك وأعد العدة اللازمة قائلاً : «بعد ان زرت المواضع
المقدسة ببغداد وما حولها كما ذكرت، عزمت على زيارة العتبات العاليات في سامراء
وكربلاء والنجف، ولذلك اكتريت خيلاً، وفي نحو اليوم 15 من شوال الموافق 11من
شباط1803م عبرنا نهر دجلة وصعدنا في الطريق الذي كنت أسير فيه في الأيام الثلاثة
الاخيرة قادماً من القسطنطينية إلى بغداد، ووصلت سامراء في اليوم الخامس قبل غروب
الشمس، ولو كنت سلكت هذا الطريق في قره تبة لأغناني ذلك عن المتاعب غير المفيدة؛
فسامراء على مسافة 24 ميلاً من قره تبة، وكنت استطيع أن أمر بها بسهولة في ذهابي
إلى بغداد؛ ولكن ثواب هذه السفرة يجب ان يُقاس بمدى المشقة فيها، ومنذ مغادرتي
بغداد حتى رجوعي إليها كان الغيث مستمراً في النزول [30]، وقد بتنا الليلة الاولى تحت خيمة لشيخ عربي من
قبيلة بني تميم، كانت قريبة من تل يُسمى برس نمرود، الذي قام فيه الملك بمحاولة
جنونية للارتقاء إلى السماء، ومنذ الليلة الثانية دخلنا بلدة الدجيل في حدود الارض
المقدسة، وقد مكثنا عند مسلم، وفي اليوم الثالث ذهبت لأقدم احترامي إلى قبر
إبراهيم بن مالك الاشتر، قائد مشهور، وهناك واجه أفواج عبدالملك بن مروان، حيث
قاتل إلى جانب مصعب بن الزبير واستشهد[31]،
وقبر محمد بن الإمام علي الهادي[32]،
الذي يحترمه الناس حتى انهم لا يُقسمون إلا باسمه، كالقسم بحضرة العباس[33]،
وكنا قد تأخرنا كثيراً حين وصلنا إلى ضفة دجلة، وفي هذا الوقت يكون النهر سريع
الجريان وفي أعلى منسوب له، وكان يجب علينا عبوره، ولذك ركبنا قارباً كان قديماً
جداً[34]،
بدا طاقمه جاهلاً تماماً بمهنته، وبينما كانت السماء تمطر بشدة، والريح تهب عكس
وجهتنا، كانت كل محاولاتنا للعبور بلا جدوى، وبعد ساعة من التعب، عدنا إلى الشاطئ،
ثم إضطررنا إلى العودة اثني عشر ميلاً إلى قرية بلد، وبصعوبة كبيرة حصلنا على
أسرّة غير مريحة في منزل أحد شيوخ قبيلة بني سعد،
وفي اليوم الرابع عدنا إلى ضفة النهر ومن هناك عبرنا بعد أن خاطرنا
بانفسنا، ونزلنا إلى الضفة الاخرى قبيل غروب الشمس[35]،
وبتنا تحت خيمة شيخ اعرابي من سكان الصحراء[36]،..
وسرعان مابلغنا النهروان، قرية شهيرة فيها ظفر علي بأعدائه الخوارج[37]،
فعبرنا أرضاً وأودية منحدرة حتى الساعة الثالثة من بعد الظهر، وهناك رأينا خان
قوافل مهدم، قائم على تل يعرف باسم سراي المزراقجي، وهذا المنزل الثاني الذي ينزل
فيه الزوار استعداداً للزيارة بحسب العادة، ولما كنا على بعد أربعة فراسخ من
سامراء، تلألأت أعيننا بمنظر المزارات المقدسة للأئمة العاشر والحادي عشر عليهما
سلام الله»[38].
وهنا أشار الاستاذ مصطفى جواد إلى هذا الخطأ، قد يكون السبب فيه النسخة
الفرنسية التي ترجمها، فذكرت تلك النسخة إن أبا طالب خان زار مشهدي الإمامين
العاشر والحادي عشر من على تلك المسافة، وقد علق الاستاذ مصطفى جواد قائلاً : ((هكذا
وردت في الترجمة الفرنسية، وهو كلام غير مستقيم، فكيف يزور وهو على أربعة فراسخ))[39]،
وقد أمكن الوصول إلى المعلومة الصحيحة التي وردت في النسخة الانكليزية التي ترجمها
تشارلز ستيوارت، والتي أكدت أن أبا طالب لم يكن على خطأ.
«.. وقد أُعجبت بجمالهما الخلاب[40]،
وإلى يمين سامراء يقوم تل، يطلق عليه السكان (تل المخالي)، و(المخالي) تعني نوعاً
صغيراً من الاكياس، يسع أربعة باوندات[41]،
أو خمسة من الحبوب تشبه التي تُستعمل في لندن لمؤنة الخيل، ويُحكى في هذه القرية حكاية
مفادها أن المعتصم أحد حكام بني العباس أراد أن يُظهر للحسن العسكري الإمام الحادي
عشر صورة واضحة عن سلطانه، فاستعرض جيشه في هذا السهل، فلما انتهى الاستعراض أمر
كل فارس من الفرسان أن يملأ مخلاته تراباً ويفرغها في هذا الموضع ففعلوا، ولما رأى
الامام ذلك قال للمعتصم، «لو تأذن لي في أن أريك جيشي، فأذن له، فأشار إذ ذاك إلى
موضع معين وفيه رأى الخليفة في الهواء جيشاً كثيفاً من الرجال والخيل يتقدم نحوه،
كأنه يهجم عليه، والجنود مدرعون وللخيل منظر رهيب، فجمد هذا المشهد عيني الخليفة
من الرهبة، ورجا من الامام أن يعفو عنه زهوه وتهوره، فعفا عنه بكثير من اللطف[42]،
ومنذ ذلك الحادث سمي الحسن بالعسكري، ومعنى ذلك (رئيس العسكر)[43].
وبالليل دخلنا سامراء وهي تسمى أيضاً (سُر من رأى)، وهي على مسافة ثمانين
ميلاً من بغداد، وقيل إن هاتين المدينتين بغداد وسامراء كانتا خلال مرحلة الازدهار
متلاصقتان، بحيث يستطيع ديك من الديكة أن ينتقل خلالهما من دار إلى دار بسهولة،
ويُرى على الطريق بقايا مبان وعمارات[44]،
وسامراء قائمة على الضفة الغربية[45] من
دجلة، والطريق من هناك صوب بغداد عبارة عن خط مستقيم، ولكن بسبب الخوف من قطاع
الطريق من العرب، وعوائق أخرى فإن المسافرين مضطرون للسير وفقاً لما ذكرت سابقاً
تفادياً من لقائهم، وفي هذه المدينة أيضاً مشهد علي الهادي الامام العاشر[46]،
وقد شيده أحمد خان الدنبلي[47]،
وهذه القبة تفوق قباب كربلاء في السمك والمتانة والقوة، وقبة الكاظمين أيضاً، ولكن
المهندس المعمار لم يكن كمعمار تلك القبب في الرشاقة والاناقة، فليست مذهبة، وداخل
المشهد يحوي صندوقاً من الخشب أي تابوتاً يغطي قبور أربعة أئمة هم علي الهادي
والحسن العسكري، نرجس خاتون أم الإمام المهدي الثاني عشر، وبنت[48]
للامام العاشر علي الهادي، وعلى مسافة رمية سهم من المشهد تُرى المغارة التي اختفى
فيها الإمام المهدي الذي ينتظر عودته الشيعة الاتقياء، وهذه المغارة لم تتغير قط[49]،
كان السيد حسين خان، ابن أحمد خان المذكور(الدنبلي)، قد قام بتهديم بناء القبة
القديمة، وبناء قبة جديد واسعة، وكان بناء هذه القبة أفضل بكثير من قبة علي
الهادي(عليه السلام)، ولكن السيد حسين خان لم يتم البناء، بل فعلت ذلك والدة[50]
السلطان محمد خان قاجاري[51]،
فبعد وفاة ابنها، ذهبت إلى سامراء للزيارة، وقد اشرفت بنفسها على اتمام القبة،
وقالت: «إن شاء الله تعالى أكملها بتسهيل من العلي القدير بشكل يلق بهذا المقام»،
ولا تزال إلى الان في موجودة في سامراء، وقد رأيتها عند وصولي إلى سامراء[52].
وباليوم التالي من وصولي جاءني ليزورني السيد خليل ناظر المشهد ومع إنه كان
سني المذهب فقد أظهر لي كثيراً من الرعاية والحفاوة، وفي اليوم الذي تلا ذلك اليوم
وجدت نفسي متعباً، فصممت على اختصار زيارتي، وبعد أن اتممت جميع الواجبات الدينية
المقررة عدت سالكاً الطريق إلى بغداد ....»[53].
الخاتمة
1- اكتسبت رحلة
أبي طالب خان إلى مدينة سامراء العديد من الخصائص، منها كونه الرحالة الهندي
الأهم الذي زار سامراء في تلك الحقبة، رغم
عدم امكانية الجزم بكونه الرحالة الهندي الوحيد، ولكن مكانته السياسية والعسكرية
والادارية في الهند جعلت من رحلته إلى سامراء مميزة بطبيعة الحال.
2- كان حجم الاهتمام كبيراً بأبي طالب خان، من قبل السلطات العثمانية، إذ
حظي بعناية الوالي علي باشا الكهية، بشكل مباشر، فضلاً عن إستقباله من قبل
المسؤولين العثمانيين في كل منطقة يصل إليها.
3- من خصائص رحلة أبي طالب خان إلى سامراء بشكل خاص، والعراق بشكل عام، كون
أبي طالب شيعي، ويدرك أهمية وقيمة المدن المقدسة وأضرحة أئمة أهل البيت(عليهم
السلام) الموجودة فيها .
4- من الخصائص الأخرى التي ميزت أبا طالب ورحلته، هي المكان الذي جاء منه،
المتمثل بمدينة لكنو الهندية التي فيها مقامات لأئمة أهل البيت(عليهم السلام)،
وبالتالي فقد حظي بشرف زيارة العتبات الأصلية في العراق .
5- استغرقت رحلة أبي طالب خان في سامراء، حوالي أربعة أيام، فقد وصلها يوم
16شباط 1803، وبقي في المدينة وضواحيها 3 أيام، أي حتى يوم 19 شباط، وبعدها قفل
عائداً إلى بغداد .
6- بدا على أبي طالب التحفظ، نتيجة لمرافقيه المُعينين من قبل الوالي، بقصد
المراقبة، أو بتوصية من شركة الهند الشرقية الانكليزية، كونه شخصية شيعية مرموقة
وجاء بقصد زيارة العتبات المقدسة الشيعية في العراق.
7- بدا أنه على إطلاع جيد بأحداث التاريخ الإسلامي، وخاصة تلك التي حدثت في
المناطق التي مرّ بها، فكان يذكر الحادثة التي وقعت فيها بشيء من التفصيل.
8- كانت النسخة الفارسية من الرحلة أكثر نفصيلاً من النسختين الانكليزية
والعربية، وخاصة في بعض التفاصيل الخاصة برحلة أبي طالب خان إلى سامراء، إذ تعمد
المترجمون تجاهل تفاصيل مهمة، عكست ثقافة وإطلاع أبي طالب على تاريخ المناطق التي
مرّ بها، أو بعض العبارات التي تعكس عمق انتمائه الديني ومحبته لأهل البيت(عليهم
السلام)،
مثل عبارة : « ...وقررت أن أرتدي ملابس الإحرام وأذهب ألى كربلاء والنجف
الاشرف...».
قائمة المصادر والمراجع:
أولا: الرسائل والأطاريح الجامعية
1-العميدي، محمد، محمد حمزة، عباس ميرزا ودوره في تحديث إيران 1797-1833،
أطروحة دكتوراه غير منشورة، كلية الآداب، جامعة بغداد، 2011.
ثانياً :المصادر المنشورة باللغة العربية
1-أبوشنة، أسعد حميد، مملكة أوده الهندية الإسلامية(1722-1859) دراسة في
التطورات السياسية، ط1، دار الحداثة، بغداد، 2021.
2- أبوشنة، أسعد حميد، مقامات أهل البيت(عليهم السلام) (في الهند) شواهد
حضارية وآثار روحية وسياسية، ط1، دار الحداثة، بغداد، 2021.
3-الأمين، محسن، اعيان الشيعة، ط1، بيروت، 1983، ج2، ج3 .
4-خان، أبو طالب، رحلة أبي طالب خان إلى العراق واوربا، ترجمة مصطفى جواد،
ط1، بيروت، 2007.
5-الخليلي، جعفر، موسوعة العتبات المقدسة، ط1، مؤسسة الأعلمي، بيروت، 1987،
ج12 .
6- الراوندي، قطب الدين (تـ573هـ)،
الخرائج والجرائح، ط1، مؤسسة الإمام المهدي، قم، ايران، 1409هـ، ج1.
7-سوسة، احمد، ري سامراء في عهد الخلافة العباسية، ط1، مطبعة العارف،
بغداد، 1948، ج2.
8-الطريحي، محمد سعيد، أعلام الهند، مكتبة مدبولي، ط1، القاهرة، 2008، ج1.
9- العاملي، محمد بن الحسن الحر، وإثبات الهداة بالنصوص والمعجزات، ط1،
بيروت، 2004، ج5 .
10-المجلسي، محمد باقر، بحار الانوار، مركز الدراسات والبحوث العلمية،
بيروت، لبنان، ج50 .
11- البحراني، هاشم، حلية الأبرار في أحوال محمد وآله الأطهار، تحقيق
البروجردي، غلام رضا، ط1، مؤسسة المعارف الإسلامية، 1415هـ، ج5.
11- اليعقوبي، أحمد بن أبي يعقوب اسحاق ت284هـ، البلدان، ط1، دار الكتب
العلمية، بيروت، 2002 .
ثالثاً: المصادر المنشورة باللغة الانكليزية
1-Basu
, Purnendu, Oudh and The East India Company 1785-1801,Vol.i, Lucknow, 1943.
2-Bhatnagr,A.P, The Oudh Nights, First Edition , 2005.
3-Clingham, Greg, The Archive of Lady Anne Barnard, 1750-1825, The
University of Tulsa, 2021.
4-Grove B.L, Alka Mehta, A new Look at Modern Indian History,
NewDelhi,2010.
5-Kemmish.Ann, The Life of The Most Noble The Marquis Cornwallis, London
N.D.
6-Muir, William, Records of The
Intelligence Department of The
Government of The North-West Vinces of India, Vol.i-ii, 1902.
7-Taylor, Meadows , Tippoo Sultaun, Vol .i-iii, London, 1840.
8-Travels of Mirza Abu Taleb Khan, Vol.iii, written by himself in
persian Language , Translated by Charles
Stewart , London, 1814.
رابعاً: المصادر المنشورة باللغة الفارسية
1-الاصفهاني، ميرزا أبوطالب بن محمد، مسير طالبي، به كوشش، حسين خديوجم .
خامساً : الدوريات
1-الدوريات المنشورة باللغة الانكليزية
1-Bowen
, John, The East India Company's Education of Its Own Servants, The Journal of
the Royal Asiatic Society of Great Britain and Ireland, Cambridge University
Press , No.3/4(Oct., 1955).
2-
الدوريات المنشورة باللغة الفارسية
1- مهدوي، محمود اخوان، يافته هايي درمورد محمد حسن خان وآقامحمد خان
قاجار، فصلنامه مطالعات فرهنك (سال هفتم)، تابستان، 2020.
سادساً: شبكة المعلومات الدولية (الانترنت)
1-Dictionary
of National Biography, 1885-1900/Richardson, David Lester.
https://en.wikisource.org/wiki/Dictionary.
2-Intelligence, an Assassination, East Indiamen and the Great Hurricane
of 1808,http://www.victorianweb.org/history/empire/india.
أمثال : إمامي، حيدري، جعفري، كاظمي، وقد اشتهر تيبو بألقاب عدة منها نمر ميسوري. للاطلاع على تفصيلات أكثر يُنظر : Taylor, Meadows , Tippoo Sultaun, Vol .i-iii, London, 1840.p.13-24.