القاعدة الثانوية لتعارض الأدلّة
المحرزة في مدرسة سامراء
الآخوند الخراساني إنموذجاً
The
Secondary Rule for Conflicting Definitive
Evidence in Samarra School
Al-Akhund
Al-Khorasani as a Model
أ. د .هادي حسين الكرعاوي
جامعة الكوفة
كلية الفقه
Prof.
Dr. Hadi Hussein Al-Karawi
University of Kufa
College
of Jurisprudence
الملخص:
تضمن البحث مبحثين مع تمهيد، وخاتمة، ففي التمهيد درس
الباحث البعد التاريخي في نشأة مدينة سامراء ومدرستها الفقهية، فضلا عن الحديث عن
الاخوند الخراساني وتفرداته الأصولية وسيرته العلمية.
وتناول المبحث الأول للبحث المعنون (القول بالترجيح
وأدلته) وقد تضمن مطلبين، الأول اختص باستعراض القول بالترجيح وأدلته في الأدلة
الأصولية، وتحقق في الغالب مابين الأدلة المحرزة الظنية كأخبار الثقة وغيرها، فيما
كان المطلب الثاني قد درس أدلة القول بالترجيح والاستدلال على حجية الثقة، وكذلك
الاخبار التي لا معارض لها من خلال الأدلة اللبيّة والروايات بصورة عامة فيما كان
للأخوند الخراساني آراء في ذلك وأعتراضه على غيره.
فيما كان المبحث الثاني بعنوان ( القول بالتخيير وأدلته
) فتضمن الطلب القول بالتخيير والمقصود منه والثمرة المترتبة على الخلاف وغيرها،
فيما تضمن المطلب الثاني ادلة القول بالتخيير من خلال القول بوجه الاستدلال
والاشكال عليه، وخلص البحث إلى أهم النتائج.
الكلمات المفتاحية: الاخوند
الخرساني، الأدلة، مدرسة سامراء الفقهية، المصنفات الفقهية.
Abstract:
The study involved two
sections with an introduction and a conclusion. In the introduction, the
researcher studied the
historical dimension of the establishment of Samarra city and its
jurisprudential school in addition to Al-Akhund Al-Khorasani’s unique fundamentalist approaches, and his scientific biography.
The first section, titled
"The Statement of
Giving Preference and Its Evidence," contained two subsections. The first subsection reviews the statement of giving preference and its evidence in fundamentalist proofs, which mostly occurred between
definitive presumptive evidence such as reliable narrations and others. The
second subsection studies the evidence for the statement of giving preference and the reasoning for the authority of
reliable narrators, as well as reports that have no opposition through rational
evidence and narrations in general, where Al-Akhund Al-Khorasani had opinions
and objections to others.
The second section, titled "The Statement of Choice and Its Evidence," included the statement of choice’s intended meaning, the result of the
disagreement, and other matters. The second subsection comprised evidence for
the statement of
choice through explaining the aspect of reasoning and the problems with it. The study conclusion sums up the most important results.
key words: Al-Akhund
Al-Khorasani, Evidence, Samarra Jurisprudential School, Jurisprudential Works.
المقدمة:
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد رسوله
وامينه وعلى اله الطيبين الطاهرين.
وبعد:
اتفق الأصوليون على أن مسائل التعارض من اهم المباحث
الأصولية وانها مما تقع كبرى في مقام الاستنباط وبه يتم التعبد بأحد الدليلين
المتعارضين التي فرضت الظروف الموضوعية وجودها سواء الذاتية التي ترجع إلى الفقيه
أو إلى الراوي أو إلى الإمام(عليه السلام) نفسه أو إلى اسباب اخرى مما حتم على
الأئمة(عليهم السلام) بيان القواعد الكلية لرفع التعارض وهو ما يتحقق بين الحجتين،
وبعد ان اصبح مانعاً من العمل بالروايات؛ لأنه يستلزم التناقض أو التضاد، حتم على
الأئمة وضع القواعد الكلية لرفعه، وهو متحقق بالمرجحات التي ترجع تارةً إلى
المضمون من قبيل موافقة الكتاب ومخالفة العامة، واخرى إلى الصدور من امثال صفات
الراوي والشهرة، واظهرها ما يرجع إلى الجهة من قبيل التقية، وقد ذكرت هذه المرجحات
في روايات بعضها تتعلق بصحة صدور الخبر وهو ما يسمى بأخبار العرض واخرى ترجع إلى
التعارض وتسمى بالأخبار العلاجية التي تشكل القاعدة الثانوية وبين فيها رأي المشرع
في كيفية العمل بهذه الروايات التي تارة تتفق بالمزايا والراي الأصولي فيها
بالاتفاق هو التخيير واخر تتفاوت في مزاياها، فهنا وقع الخلاف بين المشهور
القائلين بالترجيح لذي المزية وبعض اعلام مدرسة سامراء الأصوليين كالآخوند
الخراساني القائل بالتخيير؛ لأن روايات الترجيح هي بنفسها مبتلاة بالتعارض، وهذا
الخلاف هو الذي شكل مشكلة البحث الذي تم وضع العلاج له بمبحثين: الأول استعراض
ادلة الترجيح، والثاني بيان القول في التخيير ثم النتائج ومصادر البحث.
التمهيد:
بعيداً عن الاطالة والاسهاب فإن الأسس التي ابتنى عليها
عنوان البحث يتمحور في نقاط ثلاث هي:
الأولى: البعد التاريخي لنشأة مدينة
سامراء:
بدأ ظهور مدينة سامراء حين أنشأها المعتصم العباسي سنة
(221 هـ/835 م)، لتكون العاصمة الجديدة للدولة العباسية، وبمسافة (125كم) تقريبا
عن شمال بغداد، وقد باشر المتوكّل العباسي عاشر خلفائها حكمه فيها، مستقدماً اليها
الإمام علي الهادي(عليه السلام) عاشر أئمّة أهل البيت، وذلك في سنة (233هـ)، وهو
آن ذاك في العام الواحد والعشرين من عمره الشريف، ليضعه تحت الاقامة الجبرية في
عاصمته الجديدة، ثم دس اليه السم ليستشهد مسموماً أبان خلافة المعتز بن المتوكل
سنة (254هـ)، ودفن في داره من دون تشييع خوفاً من انقلاب الناس على السلطة الحاكمة
بعد أن تجمعت أعداد غفيرة من الموالين لتشيعه، واستمر الحال في عهد الامام
العسكري، والذي تولى الامامة بعد ابيه من سنة (254-260هـ)، من الضغط والاقصاء
والابعاد، ففرضت عليه الاقامة الجبرية ومنع من الاجتماع مع مريديه ومحبيه، حتى
استشهد سنة
(260هـ) مسموما في داره ودفن مع أبيه في سامراء، وكان يطلق عليهما
أبناء الرضا[1].
واستمرت مدينة سامراء عاصمة للخلافة العباسية مدة تقترب
من (58 عاماً) تمتد من سنة (220هـ - 278هـ) ثم يأفل بريقها بعد القرار السياسي
العباسي بالعودة إلى مدينة بغداد واتخاذها عاصمة للمرة الثانية، ثم تنكب المدينة
وتدمر مبانيها ومعالمها الحضارية إبان الغزو المغولي (سنة 656هـ) ولكنها برغم من
ذلك بقيت محافظة على اهميتها كمركز يستقطب الزائرين لما ضمته بين دفتيها من مواقع
اثرية ودينية ولاسيما اضرحة الإمامين العسكريين(عليهما السلام) والسيدة حكيمة أخت
الإمام علي الهادي والسيّدة نرجس أم الإمام المهدي المنتظر(عجل الله تعالى فرجه
الشريف) فضلاً عن المكان الذي عاش فيه الأئمة الثلاثة الإمام الهادي والعسكري
والمهدي المنتظر(عليهم السلام) والمكان المعروف بالسرداب، ولأجل ذلك لا تكاد تنقطع
عن زيارتها الجموع الغفيرة من المسلمين ولاسيما الموالين والمحبين منهم حتى يرث
الله الأرض ومن عليها.
الثانية: مدرسة سامراء الفقهية.
المعروف عند فقهاء الإمامية ان إحداث مدرسة
علمية مختصة بالعلوم الشرعية يحتاج في تكوينها وبنائها وديمومة علومها إلى ثلاثة
عوامل أساسية:
العامل الأول: وجود الشخصية الفقهية
الرائدة والتي تشكل عنصر لاستقطاب طلاب البحث والمعارف الدينية وهذا ما تحقق فعلاً
بعد أن وصل السيد محمد حسن الشيرازي (ت: 1312هـ) إلى مدينة سامراء عام (1291هـ)
قادماً من حوزة النجف وكان يشكل قطب الرحى في بحثها ودرسها وأنه من أبرز تلامذة
الشيخ الأعظم مرتضى الأنصاري (ت:1281هـ) في البحث الفقهي والأصولي، فلذلك بعد أن
استقر في مدينة سامراء ولعقدين من الزمن لحق به أبرز المحصلين في حوزة النجف
الأشرف والذي انتهت اليهم المرجعية بعد المجدد الشيرازي ومن أبرزهم: السيد محمد الفشاركي (ت:
1316هـ)
والشيخ حسين
النوري (ت: 1320هـ) والآخوند الخراساني (ت:1329هـ) والمحقق النائيني (ت:1355هـ)
وعبد الكريم الحائري (ت:1355هـ)... وغيرهم مما يصعب حصرهم كل ذلك إنما يدلُ على أن
الأستاذ الأول بعد وفاة الشيخ الأعظم قد هاجر من النجف الأشرف إلى مدينة سامراء
وفتح درساً للبحث الخارج في علمي الفقه والأصول في تلك المدينة وبدلالة التحاق
أفضل طلبة الحوزة آنذاك وقد استمر البحث والتحصيل والتأليف حتى بعد وفاة المجدد
الشيرازي سنة ( ت: 1312هـ).
العامل الثاني: عامل الزمن: ويقصد منه مستوى البحث
الفقهي الناجز في تلك الحاضرة العلمية والتي تمثل مستوى التصدي للبحث والدرس في
حوزتها والتي تمثلت بالبحوث الأصولية والفقهية للبحث الخارج وكان المتصدي لها
المجدد الشيرازي في عرضه لآراء فقهاء الطائفة ابتداءً من شيخ الطائفة محمد بن الحسن
الطوسي(ت:460هـ) وحتى عصر الشيخ مرتضى الأنصاري عرضاً واستدلالاً ونقداً وتقويماً
للوصول إلى الرأي الأرجح والاعمق وهذا ما امتاز به فقهاء الامامية وان الرائد
عندهم هو الدليل للوصول إلى الحكم الواقعي أو الوظيفة لتحديد الحكم الظاهري وخصوصاً
ان هذه الفترة الرائج فيها هو البحث في الأصول العملية الذي امتاز به الشيخ
الأنصاري وافرده بباب مستقل مع افادات المجدد الشيرازي وتلامذته ليشكل السمة
الاساسية للبحث الفقهي والأصولي في ذلك الوقت.
العامل الثالث: المصنفات الفقهية.
انتجت الحركة العلمية في مدرسة سامراء عدداً كبيراً من
المؤلفات في مختلف علوم الشريعة تنم عن عمق البحث وريادته وجدية المتصدين للدرس
والبحث، ومن اراد هذه المصنفات يراجع فهرست تراث حوزة سامراء[2]
الذي احصى عدداً كبيراً من المطبوعات والمخطوطات مع نسبتها إلى مؤلفيها وبحدود
ثلاثمائة وعشرين مُؤلَفاً.
الثالثة: الآخوند الخراساني.
بناءً على قول أشهر علماء الامامية في القرن الرابع عشر
الهجري في التوثيق وبيان طبقات المصنفين وهو آقا بزرك الطهراني (ت: 1389هـ) الذي
وثَّقَ كون الآخوند من علماء سامراء، وهو ممن عاصر تلك الفترة، بأن الآخوند قد
هاجر إلى سامراء واستقر فيها واخذ حيزا من معارفه من استاذه المجدد الشيرازي وهو
في سامراء، وان كان هناك خلاف في مدة ملازمته للمجدد وهو في سامراء، وهذا لا يمنع
بعد اثبات كونه قد استقر فيها لرغبته في مواصلة البحث مع استاذه وهو في قمة نضوجه
المعرفي، وانه يشكل الامتداد الطبيعي لمدرسة الشيخ الاعظم بالاضافة إلى رغبة
الآخوند في التشرف بزيارة مرقد الامامين العسكريين(عليهما السلام) في سامراء كل
ذلك يكشف عن انه قد استقر فيها برهة من الزمن ولرغبة أستاذه في استمرار حوزة النجف
طلب منه الرجوع اليها لمواصلة التحقيق في المعارف الإسلامية، وعليه سوف نتناول
شيئاً موجزاً من سيرته الذاتية وأهم انفراداته الأصولية.
أولاً: سيرته الذاتية: انه محمد كاظم بن حسين
الهروي ولد سنة( 1255هـ) في مدينة مشهد[3].
ونشأ بأسرة متدينة معروفة بالصلاح ومشهورة بالسداد[4].
وهذا ما خلق بيئة صالحة غرزت فيه القابلية والرغبة إلى
تحصيل المعارف الشرعية، فالتحق وهو حدث بحوزة مشهد وأتم فيها دراسة المقدمات، ثم
أكمل بحث السطوح في حوزة اصفهان، وفي وقتها قد ذاع وانتشر علو كعب الشيخ الأنصاري،
فقرر الالتحاق ببحثه، وفعلا وصل إلى العراق سنة (1278هـ) بعد معاناة طويلة، ولازم
استاذه حتى وفاته سنة (1281هـ) وقد حضر آخر دورة أصولية لأستاذه، وفي خصوص مباحث
الظنون وحجية الخبر الواحد والأصول العملية.[5]
ثم استقل بدرس البحث الخارج بعد وفاة استاذه الشيخ
الأعظم وان كان في اثناء ذلك يحضر الدرس الخاص عند المجدد الشيرازي.
عموما خلال حوالي أربعة عقود من بحثه في الفقه والأصول
تخرج من تحت منبره الشريف مئات من العلماء والفضلاء كانت لهم الريادة والرئاسة في
البحث تأليفاً وتدريساً من بعده أشهرهم المحقق الاصفهاني الكُمباني، وضياء الدين
العراقي، والمحقق النائيني على قول أنه حضر درسه الخاص ليلاً وأنه كان من ابرز
اعضاء مجلس إفتاء الآخوند الخراساني الذي توفي في النجف الأشرف سنة (1329هـ) ودفن
في الصحن العلوي الشريف.
ثانياً: انفراداته الأصولية: اشتهر
الآخوند الخراساني بكتاب كفاية الأصول الذي يمثل وإلى الان القمة في مرحلة السطوح
في الدراسات الحوزوية بالإضافة إلى ان له رسالتين احدهما في المشتق والاخرى في
الشرط المتأخر وكتاباً في القواعد الفقهية والأصولية كل هذه المصنفات التي ابدع
فيها الآخوند ضمت انفراداته في البحث الأصولي التي استوعبت أغلب الأبواب الأصولية؛
إذ لا يكاد يخلو باب الا وله فيه بصمة واضحة وشاخصة خصوصاً وأنه قد ناقش ونقض وقوم
أغلب مباني إستاذه الشيخ مرتضى الإنصاري في كتابه فرائد الأصول، وأهم هذه
الإنفرادات على نحو الذكر لا الحصر هي
:
1-
إن الشيخ
الآخوند خالف المشهور في مسألة الوضع بالحروف، فهم يرون انه بالوضع العام والموضوع
له خاص، بينما هو يرى ان الوضع فيه بالوضع العام والموضوع له عام، ومنشأ الخلاف في
اعتبار اللحاظ فالمشهور يرى ان اللحاظ، في الحروف لحاظ آلي بينما هو يرى ان اللحاظ
استقلالي.
2-
المشهور قبل
الآخوند يقسم الوضع على قسمين: تعييني وتَعيُّني، بينما اضاف الآخوند اليها قسماً
ثالثاً يحصل بالاستعمال.
3-
المشهور:
يرى حجية المفهوم للجملة الشرطية بينما ينفي ذلك الآخوند ويقول انه لا مفهوم
للجملة الشرطية إلا اذا قامت قرينة على الخلاف؛ فالأصل في الجملة الشرطية لا مفهوم
لها.
4-
مقدمات
الحكمة التي يستفاد منها الاطلاق: عند المشهور ثلاثة بينما الآخوند اضاف اليها
مقدمة رابعة وهي ان لا يكون قدر متيقن في مقام التخاطب وانه يمنع من تحقق الاطلاق.
5-
في مباحث
الحجج: يرى الآخوند ان مقدمات الانسداد خمس، بينما المشهور قبله أنها أربع.
6-
في بحث
التعارض غير المستقر: بين الامارة والاصل العملي اتفق الكل على تقديم الامارة
واختلفوا في نكتة التقديم، فالمشهور قالوا بالحكومة، والآخوند قال بالورود، وفي
بحث الأصول العملية قدمه بالجمع العرفي، اذاً هو لا يقول بالحكومة مطلقاً.
7-
في مسألة
الاقتصار على المرجحات المنصوصة: ذهب المشهور بالتعدي إلى كل ما فيه إراءة للواقع،
بينما الآخوند تبعا للإخباريين قال بالاقتصار على المرجحات المنصوصة.
8-
في مسألة
الترتيب بين المرجحات الصدورية والمضمونية والجهتية: فالآخوند يرى انها في عرض
واحد ولا موجب لتقديم احدها على الاخر بينما اختلف أصوليو الإمامية في التقديم
فبعضم يقدم المرجح الجهتي كما هو مسلك المحقق النراقي، والصدوري على غيره، وعند
المحقق النائيني والشيخ الاعظم قدم المرجح المضموني.
المبحث الأوّل: القول بالترجيح وأدلته
المطلب الأول: استعراض القول بالترجيح
تمهيد
يعدّ مبحث التعارض من أهمّ المباحث الأصولية؛ لكونه
رافعاً للمانع من تنجز الدليل الشرعيّ، وأهميته تتركز في امكان التعبد بأحد
الدليلين المتعارضين، فلذلك يُطلق ويراد منه على رأي المشهور
«التنافي بين مدلولي الدليلين بالتناقض كما إذا دلَّ
احدهما على الوجوب والآخر على عدمه أو يكون التنافي بالتضادّ كما إذا دلَّ احدهما
على وجوب والآخر على حرمته بحيث لا يمكن الجمع بينهما»[6].
ويتحقّق في الغالب ما بين الأدلّة المحرزة الظنية كأخبار
الثقة مثلاً، والبحث فيه تارةً على مستوى القاعدة الأوّلية وهي التساقط، وهذا ممّا
لا خلافَ فيه بين أعلام فقهاء مدرسة الإماميّة، بل اُدّعي على ذلك الإجماع، وأخرى
على مستوى القاعدة الثانوي، أي: النظر إلى المتعارضين بلحاظ الاخبار، وانه ماذا
يستفاد منها؟
وفي ذلك مجموعة من الأدلة منها الروايات التي يترتّب على
ظهورها وصدورها الخلاف الأصولي في كيفية التقديم بين الروايات المتعارضة حتى عند
علماء المدرسة الفقهية الواحدة، فمثلاً في مدرسة سامراء يرى المجدد الشيرازي القول
بالترجيح، وفقاً لما عليه مشهور الفقهاء.
بينما خالفهم في ذلك الآخوند الخراساني وبنى على التخيير
ويعد من أشهر تلامذة المجدد الشيرازي، وممَّنْ ثبت انتقاله إلى سامراء وأخذه قسطاً
من دروس البحث الخارج في حوزتها [7]،
وقد عدّه محسن الاميني(ت: 1371هـ)، من ابرز طلاب المجدد ومن عمدة مشايخه [8]،
وقد لازمه في مجلس درسه أكثر من عشرة أعوام سواء كانت في حوزة النجف أو
سامراء[9].
إنَّ الروايات لتحديد القاعدة الثانوية تارة تفترض
المعارضة بين الدليل القطعي من القرآن الكريم، والظني من أخبار الآحاد وتسمى
بروايات العرض، وأساسها قوله(عليه السلام): «إذا جاءكم حديث فاعرضوه على كتاب الله
أو السنّة». [10]
وهي قد وردت بألسن متعدّدة.
الأول: الاستنكار والتحاشي عن صدور ما يخالف الكتاب من
المعصوم بلسان أنّه زخرفٌ، وأنّه باطلٌ لم نقله، وأضرب به عرض الجدار، وهذا ما
يدلّ على نفي حجّيّة هذا الخبر، أي: أنّه ليس حجّة بحدِّ نفسه وأنّه لم يصدر منّا
فيكون ساقطاً ومسلوب الحجّيّة رأساً.
الثاني: إنَّ المعيار في قبول الروايات الصادرة عن
المعصوم أن يكون له شاهد من كتاب الله، وإن تجرّدت عن الشاهد فيتمّ طرحه، والمقصود
من الشاهد هو القرينة العامّة أو الخاصّة من الكتاب العزيز
مثال ذلك: رواية ابن أبي يعفور قال سألت ابا عبدالله(عليه السلام) عن اختلاف
الحديث، يرويه من نثق به ومنهم من لا نثق به قال: «إذا ورد عليكم حديث فوجدتم له
شاهداً من كتاب الله أو من قول رسول الله(صلى الله عليه وآله) وإلا فالذي جاءكم به
أولى به»[11].
وهذه المجموعة من الروايات لو تمّت مطلقاً فإنها سوف
تؤدي إلى إلغاء حجّيّة الخبر من الأساس باعتبار أنّ كل ما يحتاجه الفقيه في مقام
الاستنباط موجود في القرآن الكريم، وهذا غير تام؛ لاختلاف الجهة، فالقرآن يؤصل
لكليات التشريع والقواعد العامة والروايات مهمتها التفصيل أو التأكيد أو التأسيس،
وعلى ايّ حال كلّ هذه الأخبار في هذا الباب وتقريباته وإشكالاته خارجة عن حدود
البحث؛ لأنّه خاص في كيفية رفع التعارض بين الدليل القطعي - القرآن والسنة مع
الدليل الظني من الاخبار- وهو ما يعرف أصولياً بالمعارضة ما بين الحجة واللاحجة،
فلا تصل النوبة إلى مرجحات باب التعارض بينما موضوع بحثنا عن التعارض بين الحجّتين
بعد تمامية صدورها وظهورها وجهتها، ولكن المانع من التعبد بها هو وجود المعارض لها
على نحو التناقض أو التضاد.
يتبيّن من خلال ما تقدّم أنَّ دائرة البحث في القاعدة
الأولية العقلية المتّفق على حكمها بالتساقط خارج تخصّصاً عن مشكلة البحث؛ لأنها
تتم بين الحجة واللا حجة وموضوع بحثنا في القاعدة الثانوية يعالج الكيفية في رفع
التعارض بين الأخبار الظنية التامة الحجية من جهة صدورها وظهورها وجهتها وفيها
اختلف علماء الإمامية فالمشهور والمجدد الشيرازي قالوا بالترجيح[12]،
والآخوند الخراساني قال: بالتخيير، وهذا ما سنفصله في بحث الأدلّة [13].
المطلب الثاني: أدلّة القول بالترجيح
قلنا سابقا إنَّ القاعدة العقلية للخبرين المتعارضين هي
التساقط وهذا ما أدعي عليه الأجماع دفعاً لمحذور التعبد بالمتناقضين، ثم أن عمدة
القاعدة الثانوية هي الآخبار وان أتم دليل على حجية خبر الثقة هي السيرة العقلائية
وبما أنها من الأدلة اللبية فيقتصر على القدر المتيقّن منها وهي الآخبار التي لا
معارض لها، فلذلك لا تشمل عقلاً الآخبار المتعارضة إلاَّ بعد رفع المانع، وهذا ما
تكفّلت به الأخبار العلاجية التي استفاد منها المشهور الترجيح.
وقد استدلّوا على ذلك بأدلّة نستعرضها بحسب البيان الآتي:
الدليل الأول: الأدلّة اللبية:
(1) الإجماع: حيث استند عليه وإُدّعاه الكثير من علمائنا
المتقدمينَ والمتأخرينَ فلذلك تعيّنَ عندهم القول بالترجيح كمسلك اصولي في علاج
أخبار التعارض ومن المتقدمين العلّامة الحلي حيث قال:« ولأنَّ الإجماع من الصحابة
وقع على ترجيح بعض الأخبار على البعض»[14].
أكّد القول على الترجيح بالإجماع الشيخ مرتضى الأنصاري
إذ قال: «و يدلّ على المشهور مضافاً إلى الإجماع المحقّق والسيرة القطعية والمحكية
عن الخلف والسلف وتواتر الأخبار بذلك»[15].
وقد اُشكل على هذا الإجماع بعد كونه مدركياً أنّه غير
متحقّق؛ لمخالفة أمثال الشيخ محمد بن يعقوب الكليني وبعض المحدثين والذي كان
معاصراً لفترة الغيبة الصغرى مع إحاطته وتضلّعه بروايات أهل البيت(عليهم السلام) وقربه
من عصر النص ومعاصرته للنائب الرابع علي بن محمد السمّري، كل ذلك يدل على وجود
مستند لفظي اعتمده بتعيين التخيير ولبعد الفترة وكثرة الاضطرابات وما تعرض له
التراث الامامي من إقصاء وإتلاف أدى إلى ضياع تلك الثروة الحديثية، ومنها ادلة
التخيير، كل ذلك يدل على عدم تحقق الاجماع وبدلالة ما صرح به الآخوند الخراساني إذ
قال: «نعم، قد استدلّ على تقييدها ووجوب الترجيح في المتفاضلين بوجوه أُخر منها:
دعوى الإجماع على الاخذ بأقوى الدليلين» ثمَّ نقض هذا الدليل بقوله: «إنَّ دعوى
الإجماع مع مصير مثل الكليني إلى التخيير وهو في عهد الغيبة الصغرى ويخالط النواب
والسفراء الأربعة»، قال في ديباجة الكافي «ولا نجد شيئاً أوسع ولا أحوط من
التخيير»[16].
عموماً فإنَّ الإجماع فضلاً عن كونه مدركياً لوجود
الأخبار المردّدة بين الترجيح والتخيير يمنع من كونه أصولياً، بالإضافة إلى عدم
تماميته لمخالفته لعلماء اعلام لهم وزنهم العلميّ أمثال الشيخ الكليني من
المتقدّمين والآخوند من المتأخّرين.
(2) العقل: بتقريب: أنّه لو لم يجب الترجيح بالمزية على
غيره للزم ذلك ترجيح المرجوح على الراجح وهو قبيح عقلاً وممتنع قطعاً؛ لأنّه يؤدّي
إلى إلغاء الفارق والمائز الشاخص بين الراجح والمرجوح وهو خلاف الفرض.
وقد نوقش هذا الوجه بقولهم إنَّ الترجيح لذي المزية غير
مسلّم به على إطلاقه.
نعم، هو متحقّق إذا كانت المزية موجبةً لتأكيد ملاك
الحجّيّة أو محقّقة للظهور فيه بشرط أن يكون ذلك بنظر الشارع لا مطلقاً؛ لاحتمال
أن تكون بعض المزايا غير مؤكّدة لملاك الحجية ولا للظهور النوعي، فلا يكون فيها
داعٍ للترجيح كأن يكون أحد الرواة للخبرين هاشميا مثلاً أو من الصحابة أو من
الصفات الذاتية التي لا تعطيه اعتبار في التوثيق، كلّ ذلك لا يعطي للخبر مزية في
الترجيح، ويكون ذلك ترجيحاً بلا مرجّح ولا يختلف عن ترجيح المرجوح على الراجح.
إذاً هذا الوجه لا يُقبل على إطلاقه، بل هو مسلّم في
بالجملة لا بالجملة.
وقد أشار الآخوند الخراساني إلى هذا الوجه بقوله: «أنّه
لو لم يجب ترجيح ذي المزية لزم ترجيح المرجوح على الراجح وهو قبيح عقلاً بل ممتنع
قطعاً».[17]
وهذا التقريب المستدلّ به على الترجيح ناقشه بعد تقريبه
بقوله: «أنّه إنّما يجب الترجيح لو كانت المزية موجبةً لتأكيد ملاك الحجّيّة في
نظر الشارع لا مطلقا».
ثمَّ اشكل على إطلاقه بإعتبار أنَّ تلك المزايا إن لم
تعطِ قوة أو ظهور للملاك تكون من قبيل وضع الحجر بجنب الإنسان، وكان الترجيح بها
بلا مرجّح وهو قبيح.
ثمَّ أضاف إشكالاً آخر يقدح في هذ الوجه العقلي حاصله
مضافاً إلى ما هو في الإضراب من الحكم بالقبح إلى الامتناع من الترجيح بلا مرجّح
في الأفعال الاختيارية لا يكون إلَّا قبيحاً ولا يستحيل وقوعه إلاَّ على الحكيم
تعالى، وإلاَّ فهو بمكان من الإمكان؛ لكفاية اردة المختار عِلةً لفعله، وإنّما
الممتنع هو وجود الممكن بلا علّةٍ، فلا استحالة في ترجيحه تعالى للمرجوح إلاَّ من
باب امتناع صدوره منه تعالى، وأمّا غيره فلا استحالةَ في ترجيحه لما هو المرجوح
ممّا باختياره [18].
الدليل الثاني: الروايات
اتفق مشهور فقهاء الإماميّة ومنهم المجدد الشيرازي[19]
أنَّ الأصل الثانوي للخبرين المتعارضين الترجيح لذي المزية؛ لدلالة الأدلّة
الخاصّة على تعيين الترجيح[20].
و أنَّ الشارع المقدّس قد بيّن موقفه من تلك الأخبار
المتعارضة، والتي لا يشملها دليل الحجّيّة العامّ؛ لوجود الممانعة في ما بينها
إلاَّ بعد رفع المانع، وهذا متحقّق في أخبار الترجيح، خصوصاً إذا علمنا أنَّ
القاعدة العقلية الأولية هي التساقط معلّقةٌ على عدم ورود البيان الشرعيّ[21]؛
وقد تمَّ البيان فعلاً بواسطة الروايات المتضافرة المردّدة بين التعيين لذي المزية
والتخيير، والأولى قد استفاضت بها الاخبار وتلقّاها الأصحاب بالقبول، وهذا ما يكفي
باعتمادها خصوصاً على مسلك الوثوق وأنّه يحقّق الاطمئنان بالصدور وأنّها قد ضمّت
المرجّحات التي على أساسها يقدّم أحد الخبرين المتعارضين على الآخر.
إنَّ عدد المرجّحات عند القدماء مردّدة بين ستّة أو سبع
مرجّحات، بعضها ترجع إلى جهة الصدور أو الظهور أو الجهة، وهناك تقسيم آخر أرجع هذه
المرجّحات إلى صفات الراوي أو إلى مضمون الرواية أو إلى ذات الرواية، بينما حصرها
السيد الخوئي والسيد محمد باقر الصدر[22]
بمرجّحين: هما موافقة الكتاب ثم مخالفة العامّة.
فلذلك سوف يتركّز البحث عن دلالاتها المضمونية والتي
تحقّق حجّيّة ظهورها في تلك المرجّحات المنصوصة، وأنّها منطبقة إلى حدٍّ ما على
الترجيح.
وعليه، تكون الدراسة السندية لا ضرورةَ لها، خصوصاً مع
القول بمسلك الوثوق أو الاعتماد على كبرى عمل الاصحاب المتقدّمين الجابر للضعف
السندي خلافاً للسيد الخوئي القائل بعدم الانجبار بعمل المشهور [23].
أمّا الآخوند الخراساني الذي عده أغا بزرك الطهراني من
فقهاء مدرسة سامراء اتخذ مسلك التخيير[24].
بين الروايات المتعارضة وناقش الآخوند الروايات التي استدل بها على القول
بالترجيح وبين انها غير تامة صدوراً ولا ظهوراً.
وسوف نستعرض هذه الروايات التي ذكرها في كتاب الكفاية مع
تقريباتها على الترجيح ونقضه لتماميتها على المطلوب لكثرة الإشكالات عليها سنداَ
ودلالة وهذا ما حتم عليه رد القول بالترجيح واختياره القول بالتخيير وهذا ما يظهر
من خلال استعراض الأدلة الإثباتية كــ(مقبولة عمر بن حنظلة ومرفوعة زرارة).
أوّلاً: مقبولة عمر بن حنظلة:
استعرض الإمام الصادق(عليه السلام) مجموعة من المرجحات
التي في ضوئها يتم تقديم رواية على اخرى لأن الصادر من المعصوم والذي يشخص الواقع
واحد لا غير؛ لاستحالة التعبد بالمتناقضين أو المتضادين؛ لقبحه عقلاً وشرعاً،
ولتشخيص ذلك حدد في مقام العمل مجموعة من المزايا والتي ترجع إلى أوّلاً صفات
الراوي، وثانياً إلى الشهرة، وثالثاً إلى موافقة الكتاب، ورابعاً إلى مخالفة
العامّة، وعند التساوي في المرجّحات إلى التوقف لا سيما هذه المرجّحات ليست في عرض
واحد وانها يطلق عليها بالمرجّحات المنصوصة، واما نص الرواية قال عمر بن حنظلة :«سألت
أبا عبد الله(عليه السلام) عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة... وكلاهما اختلفا
في حديثكم؟
قال(عليه السلام): الحكم ما حكم به أعدلهما، وأفقههما،
وأصدقهما في الحديث، وأورعهما ولا يلتفت إلى ما يحكم به الآخر.
قال: قلت: فإنهما عدلان مرضيان عند أصحابنا، لا يفضل
واحد منهما على الآخر؟
قال(عليه السلام): فقال: ينظر إلى ما كان من روايتهم عنا
في ذلك الذي حكما به، المجمع عليه من أصحابك، فيُؤخذ به من حكمنا ويترك الشاذّ
الذي ليس بمشهور عند أصحابك؛ فإنَّ المجمع عليه لا ريبَ فيه ...
قلت: فإن كان الخبران عنكما مشهورين قد رواهما الثقات
عنكم؟
قال(عليه السلام): ينظر فما وافق حكمه حكم الكتاب
والسنّة وخالف العامّة فيؤخذ به ويترك ما خالف حكمه حكم الكتاب والسنة ووافق
العامّة.
قلت: جعلت فداك أرأيت إن كان الفقيهان عرفا حكمه من
الكتاب والسنّة ووجدنا أحد الخبرين موافقاً للعامّة والآخر مخالفاً لهم بأيِّ
الخبرين يؤخذ؟
قال(عليه السلام): ما خالف العامّة ففيه الرشاد.
فقلت: جعلت فداك فإن وافقهما الخبران جميعا؟
قال(عليه السلام): ينظر إلى ما هم إليه أميل، حكامهم
وقضاتهم فيترك ويؤخذ بالآخر.
قلت: فإن وافق حكامهم الخبرين جميعاً؟
قال(عليه السلام): إذا كان ذلك فارجه حتى تلقى إمامك فإن
الوقوف عند الشبهات خيرٌ من الاقتحام في الهلكات»[25].
تقريب وجه الاستدلال: بناءً على القول المسلّم به أنَّ
العبرة في جواب الإمام لا بسؤال السائل تكون المقبولة تامّة الظهور في ترجيح
الرواية التي تقترن بالمرجّحات المنصوص عليها في المقبولة على غيرها ممَّنْ تفقد
هذه المزايا، وأنَّ العلاقة بين المرجّحات تترتّب طولياً لا عرضياً.
وعليه، فهي تصلح لتقييد إطلاقات روايات التخيير، وأنّها
تحمل على صورة التساوي الروايات المتعارضة في المرجّحات خصوصاً بعد دفع الإشكال
السندي بعدم ورود توثيق خاصّ في عمر بن حنظلة[26]،
وأنّه مدفوعٌ بعمل الأصحاب بمضمونها الذي يطمئن بصدور هكذا مضمون من
الإمام(عليه السلام)
الإشكالات:
الأول: اعترض الآخوند الخراساني[27]
بان هذه الرواية خارجة عن محل الاستدلال؛ لأنّها تتعلّق بصفات القاضي لا الراوي في
موضع التنازع والخصومة.
وعليه، لا يصحُّ الاحتجاج بها على وجوب الترجيح في مقام
الإفتاء؛ لاحتمال الاختصاص بمورد الحكومة، ولا وجهَ للتعدّي إلى غيرها، فلذلك هي
منحصرة في تقديم قول حاكم على حاكم لا راو على آخر، وكل ذلك لحجّيّة قرينة السياق،
وبدلالة عود الضمائر إلى الحاكم لا إلى الراوي، خلافاً لبقية المرجّحات التي تعلقت
بذات الراوي أو بمضمون الرواية.
رد الإشكال: الذي يقتضي اختصاص المقبولة بالحاكم على
إطلاقه ليس بصحيح، وإنّما هو تامٌّ بلحاظ الصفات لا بلحاظ الشهرة، فبلحاظ الأوّل
تكون الضمائر في الصفات كلّها ترجع إلى الحاكم، فالحكم ما حكم به أعدلهما
وأفقههما، فهذه الصفات واضحة الرجوع إلى الحاكم لا إلى الراوي، خلافاً للمرجّح
الآخر الذي يرتبط بالرواية، إذ قال(عليه السلام): «إنَّ الرواية المجمع عليها لا
ريبَ فيه» فلا توجد ضمائر، بل هي نصٌّ لترجيح رواية على رواية بالشهرة، وهي من
مختصّات ما ينقله الرواة لا الحاكم، باعتبار أنَّ الترجيح بالصفات يرجع للحاكم في
حال الخصومة والمنازعة ثم انتقل إلى الترجيح بالشهرة والتي تختصّ بالراوي
فقال(عليه السلام): «خذ بالمجمعِ عليه من اصحابك فيؤخذ به من حكمنا ويترك الشاذّ
الذي ليس بمشهور عند اصحابك».
بتقريب: أنَّ هذا اللسان من الروايات، إنّما هو للتمييز
بين الحجّة واللاحجة، وليس من باب تقديم حجّة على حجّة حتّى يمكن إعمال المرجّحات،
فهذه الطائفة من الروايات، إنّما تلحق بأخبار العرض حيث يعتبر الخبر المعارض
ساقطاً عن الحجّيّة؛ لأنّه يخالف الدليل القطعي، سواء من القرآن الكريم أو السنّة
القطعية على نحو التباين أو العموم والخصوص من وجه في مادة الاجتماع، وهذا خارج عن
محل البحث، وعليه يكون هذا المرجّح خلاف الفرض الذي قلنا إنّه للترجيح بين
الحجّتين، وهنا متحقّق بين الحجّة واللاحجة، فيكون خروجه على نحو التخصّص، وأنَّ
الشهرة الروائية لا تعدُّ من مرجّحات التعارض المستقر.
وخلاصة ما تقدم: فالمرجّحان الأوليان خارج موضوع الترجيح
بين المتعارضين؛ فإنَّ الأوّل ( أي الصفات ) ترجع إلى الحاكم، والثاني ( وهي
الشهرة ) من باب التمييز بين الحجّة عن اللاحجّة، وليس لتمييز الحجّة عن الحجّة
الأخرى حتّى نحتاج إلى مرجّحات.
الثاني: إنَّ المقبولة التي ذكرت المرجّحات تختصّ بزمن
حضور الإمام دون زمن الغيبة، ومع هذا الاختصاص فيظهر منها التوقّف مطلقاً حتّى في
حالة وجود مزية لأحد المتعارضين على الآخر، والتي تقتضي ظاهراً التقديم لقرينة
الإطلاق في كلمة الارجاء.
تعقيب ومناقشة: إنَّ التوقّف والارجاء جاء كنتيجة عملية
يُلتزم بها في حالة فقدان المرجّحات بدلالة ذكرها في ذيل الرواية، وإلاَّ لا
يتصوّر مع وجود المزية لأحد المتعارضين كموافقة أحدهما للكتاب أن لا يقدّم على
الآخر، وأن يعالج بالتوقّف والارجاء.
نعم، يختصّ هذا الإشكال
في حالة فقدان المرجّحات المنصوص عليها وعليه قال بالإرجاء حتى تلقى الإمام
واشكالية البحث تفرض التفاوت في المرجحات بين الروايات المتعارضة لتساوي في
المزايا التي هي خارج عن محل البحث والنزاع فيكون الإشكال أجنبياً عن المورد.
ثانياً: مرفوعة زرارة، قال «قال زرارة: سألت الباقر(عليه
السلام) جعلت فداك، يأتي عنكما الخبران أو حديثان متعارضان فبأيهما آخذ؟
فقال(عليه السلام): يازرارة خذ بما اشتهر بين أصحابك ودع
الشاذ النادر.
قلت: ياسيدي أنّهما معاً مشهوران ومرويان ومأثوران عنكم؟
قال(عليه السلام): خذ بقول أعدلهما عندك وأوثقهما عند
نفسك.
فقال(عليه السلام): انظر ما وافق منهما العامّة فاتركه،
وخذ بما خالفهم؛ فإنَّ الحقَّ فيما خالفهم.
قلت: ربّما كانا معا موافقين لهم أو مخالفين فكيف اصنع؟
قال(عليه السلام): إذاً فخذ بما فيه الحائطة لدينك وترك
ما خالف الاحتياط.
قلت: إنّهما معاً موافقان للاحتياط أو مخالفان له، فكيف
أصنع؟
فقال(عليه السلام): إذن فتخيّر احدهما فتأخذ به وتدع
الآخر» [28].
تقريب الاستدلال: إنّها نصٌّ في ترتيب المرجّحات ابتداءً
بالشهرة، ثمَّ صفات الراوي، ثمَّ مخالفة العامّة، وأخيراً الموافقة للاحتياط، وحيث
لا معنى للرجوع إلى هذه المرجّحات إلاَّ بعد استحكام التعارض بين الحجّتين فتكون
الرواية تامّة الدلالة على أنَّ الأصل الثانوي في الخبرين المتعارضين هو الترجيح،
لولا الإشكال السندي عليها باعتبارها ضعيفة من جهة الإرسال على مسلك الوثاقة دون
الوثوق.
الإشكالات: أورد الآخوند الخراساني على الروايتين
المتقدّمتين بعض الإشكالات التي تجعل القول بالترجيح غير تامّ، وهذه الإشكالات هي:
1-
إنَّ
المرجّحات المنصوصة في مقبولة عمر بن حنظلة ترجع إلى الحاكم لا إلى الراوي
فقال:« والاحتجاج بها على وجوب الترجيح في مقام الفتوى
لا يخلو عن إشكال؛ لاحتمال اختصاص الترجيح بها بمورد الحكومة برفع المنازعة وفصل
الخصومة»[29].
2- إشكال يختصّ بمرفوعة زرارة وأنّها ضعيفة السند ولم
يروها إلاَّ أبو جمهور الإحسائي عن العلّامة الحلي، ولم توجد في كتبه، وقد طَعن
فيها حتّى من ليس مسلكه الطعن في الروايات، كالمحدث البحراني من الأخبارية.[30]
قال الآخوند: (وضعف سند المرفوعة ظاهر جدّاً)[31].
3- إنَّ المقبولة والمرفوعة متعارضتان من جهة عدد
المرجّحات وترتيبها، ففي المقبولة ابتدأت بصفات الراوي، بينما المرفوعة ذكرت أولا
الترجيح بالشهرة، ولم يكن فيها الترجيح بموافقة الكتاب الذي ذكر في المقبولة،
وكذلك ذكر الترجيح بالاحتياط بالمرفوعة دون المقبولة، وهناك أيضاً اختلاف في ترتيب
المرجحات بين الروايتين، كل ذلك يستدعي عدم اللزوم في الأخذ بالمرجحات عند
التعارض، إذ لو كان ذلك مراده واقعا للزم الاتفاق بينهما في العدد والترتيب، قال
الآخوند الخراساني: « إنَّ اجمع خبر للمزايا المنصوصة في الأخبار هو المقبولة والمرفوعة
مع اختلافهما)[32].
إنَّ تقييد إطلاقات أخبار التخيير بأخبار العلاج يقتضي
اقتصار أخبار التخيير وحصرها بالفرد النادر وهذا مستهجن[33].
بتقريب: أنّها تقتصر في مورد سقوط المزايا للخبرين
المتعارضين وهذا نادر جدّاً؛ إذ أغلب أخبار التعارض متفاوتة من جهة المزايا، ومن
الواضح أصوليّاً أنَّ حمل المطلق على الفرد النادر بعيدٌ جدّاً.
فالنتيجة: التي يراها الباحث بحسب مباني الآخوند عدم
صلاحية أخبار الترجيح لتقييد إطلاقات اخبار التخيير، وإنها من موارد الجمع العرفي
مما يقتضي حمل أخبار الترجيح على الاستحباب.
المبحث الثاني: القول بالتخيير وأدلته
المطلب الأول: القول بالتخيير
التمهيد
يعدّ الآخوند
الخراساني من أشهر علماء أصولي الإماميّة المتأخّرين وممَّنْ تبنّى القول بالتخيير
بين الأخبار المتعارضة بناءً عل مسلكه في القاعدة الثانوية؛ وذلك لعدم تمامية
أدلّة الترجيح خصوصاً الإحرازية منها لنكتة التعارض بينها في المرجحات كماً وكيفاً
وهذا ما حتم عليه الفحص عن أدلّة أخرى للقول بالتخيير.
وقبل بيان تلك الأدلّة لابدَّ من توضيح نقطتين:
الأولى: ما المقصود بالتخيير؟
التخيير ضدّ
التعيين، يطلق ويراد منه إطلاق العنان في العمل أو الحجة بناءً على أنّه ينقسم إلى
قسمين هما التخيير الأصولي والتخيير الفقهي.[34]
فالأول: يراد منه أنَّ المكلّف مخيّرٌ بالأخذ بهذه الحجة
أو تلك، ولا يتعدّى هذا التخيير إلى مدلول الحجّيّة أو مدلول اللفظ؛ باعتبار أنَّ
مباحث الحجج من أهمّ المباحث الأصولية فيتركّز البحث على ذات الحجّيّة.
أمّا التخيير الفقهي فهو يرجع إلى مقام العمل، وأنَّ
المكلّف مخيّرٌ بين أن يعتمد في تشخيص موقفه العملي على مفاد هذا الخبر أو ذاك.
إذن التخيير الأصولي يركز على ذات الحجّيّة والفقهي على
كيفية الامتثال في مقام العمل.
الثمرة المترتبة على هذا الخلاف: بناءً على التخيير
الأصولي يصحّ نسبة هذه الحجّيّة إلى المولى، وأنَّ الله أمرنا بالتخيير؛ لأنَّ
الحجّيّة حكم وعلم ويصحّ الاسناد إلى المولى مع العلم وإن كان تعبّدياً لا
وجدانيا.
وأمّا التخيير الفقهي والمرتبط بجانب الامتثال فإنّه لا
يمكن اسناد هذا الفعل إلى الله عز وجل؛ لأنّه ليس هناك حكمٌ بل عمل خارجي.
و الفرق الآخر، أنَّ التخيير الأصولي من مختصّات الفقيه،
بينما الفقهي المرتبط بجانب العمل يرجع إلى المكلف الاعمّ من كونه فقيهاً أوغيره.
الثانية: هل التخيير ابتدائي أو استمراري؟
إنَّ القائلين
بالتخيير في القاعدة الثانوية كالآخوند الخراساني اختلفوا فيما بينهم في إرجاع
التخيير إلى الأصولي أو الفقهي في مقام الجري العملي، وهذا ما يؤثّر في كونها
فقهية أو أصولية أو لا؟ وبناءً عليه اختلقوا في كونه ابتدائياً أو استمرارياً[35].
والفرق بينهما أنَّنا لو قلنا بالاستمراري يبقى التخيير،
ولو سلمنا انه ابتدائي ينقطع التخيير بعد العمل.
ويمكن تقريب ذلك بمثال: فلو افترضنا أنَّ المكلّف واجه
روايتين متعارضتين، أحدهما تأمره بوجوب الجمعة، والأخرى تقول بالحرمة، فلو اختار
الوجوب في مناسبة وصلّى الجمعة، هل يحقّ له أن يختار بعد ذلك صلاة الظهر بدلاً
عنها؟
فإن قيل: بأنَّ التخيير استمراري يحقّ له العدول
والتبديل، وإن قيل بالابتدائي لا يحقّ له التبديل بعد التلبّس بالفعل والعمل؛
لأنّه كان مخيراً ابتداءً، ولما اختار سقط عنه التخيير ويجب عليه الالتزام بما
اختاره.
وعليه فهل أنَّ التخيير كمسلك لرفع التعارض في القاعدة
الثانوية هو ابتدائي أو استمراري؟ اختلف أصوليو الإماميّة، والقائلون بالتخيير على
قولين :
أحدهما: تبنى القول بالتخيير الاستمراري تمسّكاً
بالاستصحاب.
و قد اعترض عليه بأنّه استصحاب تعليقي لا يضطرد في حجيته
على جميع المباني، بل فيه خلاف، فالآخوند الخراساني وافق المشهور بحجيته[36]،
بينما ذهب كلٌ من السيد الطباطبائي وولده السيد المجاهد والمحقق النائيني
والسيد الخوئي[37]
إلى عدم حجيته.
ونظراً لعدم تمامية أدلة القول بأن التخيير ابتدائي
قالوا أنه استمراري ينقطع بعد العمل، والوجه في تعيين نختاره اولا وابتداء،
باعتبار أنّ الحجة في حقه في مورد التخيير واحدة؛ لفرض أنه مخير بين متباينين،
فباختياره الحجة الاولى تنجز التكليف عليه أمراً وامتثالاً، فرفع اليد عما اختاره
والتلبس بالحجة الثانية في مقام العمل يستلزم التعبد بالمتناقضين أو المتضادين،
وهو ممنوع عقلاً وعقلائياً، خصوصاً ان الملاك في الامتثال سوف يسقط ويبقى اختيار
الحجة الاخرى بلا ملاك ومن دون أمر.
فالنتيجة أنه باختياره الحجة الأولى يصبح ملاكها ملزم
ويلغي الحجة الثانية؛ دفعا لمحذور التعبد بالمتناقضينِ، فيتعين القول ان التخيير
ابتدائي لا استمراري.
المطلب الثاني: أدلّة القول بالتخيير
استدلّ القائلون بالتخيير بعد نقضهم أدلّة القول
بالترجيح بمجموعة من الروايات وهي مطلقة لم تفرق بين وجود المزية لاحد الخبرين على
الاخر وسوف نقتصر على الروايات التي ذكرها الآخوند الخراساني، وهي :
1-
استدلّ
القائلون بالتخيير مطلقاً سواء تفاوتت المزايا بين الروايات المتعارضة أو تساوت
بمجموعة من الروايات يستفاد منها ظاهراً القول بالتخيير، والروايات التي ذكرها
الآخوند الخرساني هي:
أ- رواية
الحسن بن الجهم عن الإمام الرضا(عليه السلام) قال: « قلت له: يجيئنا الاحاديث عنكم
مختلفة ؟ فقال(عليه السلام): فما جاءك عنا فقس على كتاب الله عز وجل واحاديثنا ...
قلت: يجيئنا الرجلان بحديثين مختلفين، فلا نعلم أيّهما الحقّ. فقال(عليه السلام):
إذا لم تعلم فموسّع عليك بأيّهما أخذت»[38].
وجه الاستدلال: إنَّ الرواية ظاهرةٌ في التخيير مطلقاً
بعد استحكام التعارض بين الحجتّين، بتقريب: إنَّ الإمام فرض مرحلتين الأولى العرض
على الكتاب، وهذا هو الذي يتمّ بين الحجّة واللاحجّة، والثانية بين الحجّتين، وهذا
ما يتحقّق بالروايتين المختلفتين من حيث المدلول، مع أنّهما حجةٌ، فلذلك وصلت
النوبة إلى التخيير لقول الإمام: «بأيّهما اخذت»، وهو ظاهر في التخيير الأصولي.
وأشكل على هذا الاستدلال: إنَّ الرواية ضعيفة من جهة
الإرسال[39].
وأنّها في مقام الترجيح بين الروايات المتكافئة من جهة
الصفات لا مطلقاً؛ إذ لا يعقل أَن يُخيَّر الإمام(عليه السلام) مع وجود المرجّح
الصدوري أو المضموني.
أ- رواية
الحارث بن المغيرة عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «اذا سمعت من اصحابك الحديث
وكلّهم ثقة فموسّع عليك حتّى ترى القائم(عليه السلام) فترد إليه»[40].
وجه الاستدلال: على التخيير يظهر في قول الإمام(عليه
السلام) « فموسّع عليك» مطلقاً بعد تحقّق التعارض المستقرّ بين الروايات من دون
النظر إلى وجه التفاوت بين الروايات والذي به يتعين حجية احد الروايتين.
واشكل على هذا الاستدلال: إنَّ هذا الدليل خارج عن موضع
النزاع؛ لأنّها فرضت التساوي في المرجّحات الصفتية بين الروايات المتعارضة وهو
خلاف الفرض في عدم التكافؤ في المزايا بين الروايات المتعارضة.
ج- صحيحة علي بن مهزيار: «قرات في كتاب لعبد الله بن
محمد إلى أبي الحسن(عليه السلام) اختلف اصحابنا في رواياتهم عن أبي عبد الله(عليه
السلام) في ركعتي الفجر في السفر... فوقع(عليه السلام): موسّع عليك بأيّة عملت»[41].
وجه الاستدلال في التوقيع قوله(عليه السلام) «موسّع
عليك» عند التعارض مطلقاً من دون النظر إلى وجود المرجح الصدوري أو الظهوري أو
الجهتي، وهذا هو عين القول بالتخيير.
من خلال ما تقدم يمكن إجمال القول في الخلاف الأصولي بين
الآخوند والمشهور في القاعدة الثانوية وإن خلافهم يرجع إلى الاختلاف في مدلول
روايات القاعدة الثانوية من الترجيح أو التخيير وهل روايات الترجيح تصلح ان تكون
قرينة على تقييد اطلاق روايات التخيير أو لا؟
مع العلم ان روايات الترجيح تختلف فيما بينها في تحديد
المرجحات كماً وكيفاً، ثم مسلك الآخوند الخراساني في التخيير فيه تأمل لانه تبنى
التخيير على أساس الاثار المترتبة على الترجيح وهو متأخر رتبةً عن أصل الترجيح، مع
ظهور كلام الآخوند بأنّه يقبل أصل الترجيح وإشكاله في عدد المرجّحات وترتيبها،
وهذا لا يكفي في رفض الترجيح واختياره مسلك التخيير.نعم، أنّه يؤثّر في التعدّي عن
هذه المرجّحات وأنّها محمولة على الموضوعية أو الطريقية، فلو كانت على الموضوعية
لاتّفقت الروايات في عدد هذه المرجّحات، ولو كانت على الطريقية وأنَّ الغرض منها
هو رؤية الواقع فلا يضرّ الاختلاف.
وكذلك يؤثّر نقض الآخوند على العلاقة بين هذه المرجّحات
على نحو الطولية أو العرضية وهذا خارج عن محل البحث عموماً.
عموماً إنَّ الآخوند بعد اطمئنانه لأدلة
القول بالتخيير وأنها مطلقة حمل روايات الترجيح على الاستحباب[42].
بناءً على أحد قواعد الجمع العرفي للجمع بين الروايات المتعارضة، وذلك باعتبار أن
هناك مجموعتين من الروايات إحداهما امرتنا بالتخيير، والأخرى بالترجيح، فإنَّ هذا
الأمر يحمل على الاستحباب ويُصرف عن الوجوب للقرينة الخارجية، وهي روايات التخيير
التي هي نصّ في المطلوب، فتكون قرينة على التصرّف في الروايات الامرة بالأخذ
بالمرجّحات، إلاَّ أنَّ هذه الطريقة من الجمع العرفي غير صحيحة؛ لعدم جريان الجمع
العرفي في الأحكام الوضعية لاقتضائه الاستهجان المرفوض عرفاً.
هناك وجه آخر من الجمع العرفي بين روايات الترجيح
والتخيير بأن تكون روايات التخيير مطلقة وروايات الترجيح مقيده فتقدم روايات
الترجيح للأخصّية والأظهرية على روايات التخيير التي تكون، وبقرينة روايات الترجيح
في حالة التكافؤ بالمزايا بين الأخبار المتعارضة لا مطلقاً.
النتائج
1-
شكّلت مدرسة
سامراء الفقهية والأصولية مَعلماً بارزاً في الساحة العلمية الشيعية، وخلّفت
تراثاً ثرياً، وخصوصاً على يدّ مؤسسها المجدّد الشيرازي وتلميذه الآخوند الخراساني
أيّام تحصيله في مدينة سامراء، في بداية عمره العلمي.
2-
يتّفق
الأعلام - بما فيهم فقهاء مدرسة سامراء - على أهمية مبحث التعارض، ولا نبالغ إن
قلنا إنّه من أهمّ المطالب العلمية لدارسي علم الأصول.
3-
من المسائل
الأصولية التي أخذت حيزاً كبيراً في البحث العلمي، الأصل الثانوي في المتعارضين؛
لما له أهمية في الاستنباط الفقهية، وقد أبدع علماء سامراء شأنهم شأن أقرانهم من
المدارس الأخرى في إبراز هذا الأمر وإثرائه.
4
- القراءة
الأصولية المعمّقة للأخوند الخراساني في تحليل روايات باب التعارض أفضت لمخالفته
المشهور القائلين من الأصل في المتعارضين ترجيح ذي المزية على غيره، بينما أنّه لا
يرى ذلك أمراً تامّاً، بعد عدم قيام الدليل على مدّعى المشهور، وخلص لنتيجة
مفادها: أن الأصل الثانوي في المتعارضين هو التخيير مطلقاً، سواء وجدت المزية في
أحد المتعارضين أم لا.
5 - لا يعني أن القاعدة الثانوية عند الآخوند هو التخيير
مطلقاً أنّه في مقام الاستنباط أعمل ذلك الأمر، بل يرى (رحمه الله) أنّه لابدّ من
تقديم واجد المزية على فاقدها، ولكن عقلاً (من باب دوران الأمر بين التعيين
والتخيير)، خلافاً للمشهور القائل إنَّ التقديم شرعي (بواسطة روايات الترجيح).
المصادر والمراجع:
1)
الاحسائي، ابن أبي جمهور
محمد بن إبراهيم (ت :880هـ)، عوالي اللالئ، تحقيق الشيخ مجتبى العراقي، مطبعة سيد
الشهداء(عليه السلام)، ايران، 1403هـ.
2)
الاخوند، محمد كاظم ( ت:
1329 هـ ) الحاشية القديمة، مبحث التعارض، تقريرات المجدد الشيرازي، تحقيق ابراهيم
الجوراني، الناشر مركز تراث سامراء، مطبعة دار الوارث، كربلاء المقدسة، الطبعة
الأولى، 1444هـ.
3)
الاخوند، محمد كاظم (ت:
1329هـ ) كفاية الأصول، تحقيق عباس الزارعي، الطبعة الأولى، مؤسسة النشر الإسلامي،
قم، 1427هـ.
4)
الاخوند، محمد كاظم (ت:
1329هـ)، اللمعات النيرة في شرح تكملة التبصرة، مطبعة الولاية، بغداد، 1331هـ.
5)
الاصفهاني، محمد حسين
(ت: 1361 هـ ) نهاية الدراية في شرح الكفاية، تحقيق محمد كلائي، الطبعة الأولى،
مطبعة امير، قم، 1374هـ.
6)
الأمين، محسن العاملي(ت:
1371هـ) اعيان الشيعة، تحقيق حسن الأمين، بيروت، دار التعارف للمطبوعات، 1983.
7)
الأنصاري، الشيخ مرتضى
بن محمد امين (ت:1281هـ) فرائد الأصول، تحقيق لجنة تراث الشيخ الأعظم، الناشر مجمع
الفكرالإسلامي، قم، 1419هـ.
8)
الايرواني، الشيخ باقر
(معاصر) كفاية الأصول في اسلوبها الثاني، الطبعة الأولى، مطبعة زيتون، 1429هـ.
9)
البحراني، يوسف بن
احمد(ت: 1186هـ) الحدائق الناضرة في احكام العترة الطاهرة، مؤسسة النشر التابعة
لجماعة المدرسين، ايران، قم.
10) البهسودي، محمد سرور الواعظ (ت:1411هـ) مصباح الأصول،
تقريرات بحث السيد الخوئي، الطبعة الخامسة، مكتبة الداوري، المطبعة العلمية، قم،
1417هـ.
11) الحسيني، سيد ضياء، رياض الذكرى في تاريخ مدرسة الاخوند
الكبرى، الطبعة الأولى، مطبعة الاداب، 1430هـ.
12) الحلي، العلامة الحسن بن المطهر(ت: 726هـ) مباديء الوصول
إلى علم الأصول، مكتب الاعلام الإسلامي، قم، 1404هـ.
13) الحائري، عبد الكريم (ت: 1355هـ) درر الفوائد، تحقيق
محمد المؤمن، طبعة الخامسة، نشر وطبع مؤسسة جماعة المدرسين، قم.
14) الحكيم، محمد سعيد (ت: 1443هـ) المحكم في اصول الفقه، الطبعة
الاولى، الناشر مؤسسة المنار، مطبعة جاويد، 1414ه.
15) الخوئي، أبو القاسم (ت:1413هـ) اجود التقريرات، تقرير
بحث الميرزا النائيني، تحقيق محمد باقري، نشر مؤسسة صاحب الأمر(عجل الله تعالى
فرجه الشريف).
16) الروحاني، محمد صادق (ت:1444هـ) زبدة الأصول، الطبعة
الاولى، مطبعة قدس، 1412هـ.
17) السبتي، عدي محمد كاظم، محمد كاظم الاخوند دراسة
تاريخية، رسالة ماجستير، جامعة الكوفة، كلية الاداب، 2007.
18) الششتري، محمد جعفر ( ت: 1419هـ ) منتهى الدراية في
توضيح الكفاية، الطبعة السادسة، مؤسسة دار الكتاب، مطبعة الغدير، 1415هـ.
19) الصدر، محمد باقر (ت: 1400هـ) دروس في علم الأصول،
الطبعة الثانية، دار الأضواء، لبنان، بيروت، 1430هـ
20) الطبرسي، الفضل بن الحسن (ت:548هـ) إعلام الورى لأعلام
الهدى، صححه وعلق عليه علي اكبر الغفاري، مؤسسة الاعلمي، بيروت، 1424هـ
21) الطهراني، آقا بزرك (ت:1389هـ) هدية الرازي إلى المجدد
الشيرازي، الطبعة الأولى، النجف الاشرف، مطبعة الاداب.
22) العاملي، الشيخ حسن (ت:1011هـ) معالم الدين وملاذ
المجتهدين، تحقيق اللجنة التابعة إلى مؤسسة النشر الإسلامي، قم، ايران.
23) العراقي، آقا ضياء الدين (ت:1361هـ) مقالات الأصول،
تحقيق محسن العراقي ومنذر الحكيم، الطبعة الأولى، مجمع الفكر الإسلامي، مطبعة
باقري، قم، 1414هـ.
24) الفيروز ابادي، مرتضى الحسيني (ت: 1410هـ ) عناية الأصول
في شرح كفاية الأصول، الطبعة السابعة، منشورات الفيروز ابادي، قم، 1385هـ.
25) الكاظمي، محمد علي (ت :1365هـ) فوائد الأصول، تقرير بحث
المحقق النائيني، الطبعة الثامنة، مؤسسة النشر التابعة لجماعة المدرسين، قم،
1424هـ.
26) الكليني، محمد بن يعقوب (ت: 329هـ) الكافي، الطبعة
الأولى، منشورات الفجر، لبنان، بيروت، 1435هـ.
27)
فهرس تراث حوزة سامراء،
جمع وإعداد مركز تراث سامراء، طبعة دار الكفيل، كربلاء، 2021.