تثوير المعنى في الزّيارة الجامعة الكبيرة
- التّوحيد مثالاً -
Revolutionizing
the Meaning in the
(Al-ziyarah
Al-Jamia’ Al-Kubra) Great Comprehensive Visitation
Monotheism
as an Example
أ.د. عبد الكريم جديّع نعمة النّفّاخ
جامعة الكوفة - كلية التربية الأساسية
م.م. زهراء أكبر كريمي
حوزة طهران
Prof.
Dr. Abdulkareem Jadea' Nea’ma Al-Nafakh
University of Kufa
Faculty Of Basic Education
Assist.
Lec. Zahraa Akbar Kareemi
Tehran
Hawza
الملخص:
يعنى هذا البحث بتسليط الضوء على نظرة الإمام الهادي(عليه
السلام) إلى حقيقة التوحيد وكيفية معرفة الله من خلال الزيارة الجامعة الكبيرة
للإمام علي الهادي(عليه السلام)، لذا جاء هذا البحث ليرصد منابع التوحيد في هذه
الزيارة والسبل التي انتهجها الامام علي الهادي(عليه السلام) لبيان معرفة الله
سبحانه وتعالى، وكذلك يعنى البحث بذكر الوسائل التي أسهمت في أثبات التوحيد
وتقريبه إلى ذهن السامع، فذكر مراتب التوحيد وفرق بين الوحدة الحقيقية والوحدة
العددية، إذ نظر الإمام(عليه السلام) إلى وحدانية الله سبحانه وتعالى بوصفه لاحد
له ولا نهاية ونفى الوحدة العددية لأجل نفي الشرك الأكبر والأصغر.
الكلمات المفتاحية: الإمام
الهادي(عليه السلام)، الربوبية، الزيارة الجامعة الكبيرة، الوجود، الوحدانية.
Abstract:
The study aims to
highlight Imam Al-Hadi's (PBUH)
perspective on the truth of monotheism and how to know Allah through
(Al-ziyarah Al-Jamia’ Al-Kubra) the Great Comprehensive Visitation by Imam Ali Al-Hadi (PBUH) . Therefore, this study aims to monitor the sources of monotheism
in this visitation and the methods adopted by Imam Ali Al-Hadi (PBUH) to demonstrate the knowledge of Allah, glory
be to Him. The study also focuses
on the means that contributed to proving monotheism and making it more
comprehensible to the listener. It mentions the levels of monotheism and
differentiates between true unity and numerical unity. The Imam (PBUH) viewed Allah's oneness, glory be to Him, as
limitless and infinite, and negated numerical unity to deny both major and
minor polytheism.
key words: Imam Al-Hadi (PBUH), Lordship, Great Comprehensive Visitation,
Existence, Oneness.
مقدمة
يهدف البحث إلى تسليط الضوء على نظرة الإمام عليّ
الهادي(عليه السلام) إلى حقيقة التوحيد وكيفية معرفة الله، لذا سوف يبنى البحث على
تمهيد وثلاثة مطالب نقف في التمهيد على معنى التوحيد في اللغة والاصطلاح فضلا عن
أهميته، أمّا المطلب الأول: ندرس فيه وحدانية التوحيد في الزيارة الجامعة، وفي
المطلب الثاني: نتناول فيه مفهوم معرفة
الله وعلاقته بالتوحيد، أمّا المطلب الثالث: نوضّح فيه مفهوم الإخلاص بوصفه مظهرا
من مظاهر التوحيد وعلاقة ذلك كلّه بالنبيّ وأهل بيته الطيبين الطاهرين.
ومن هنا جاء هذا البحث ليرصد منابع التوحيد في هذه
الزيارة والسبل التي انتهجها الإمام عليّ الهادي(عليه السلام) في بيان معرفة الله
سبحانه وتعالى، وما الوسائل التي أسهمت في إثبات التوحيد وتقريبه إلى ذهن السامع
والقارئ فيها، ثم نختم البحث بأهم النتائج التي توصلنا إليها، فضلاً عن قائمة
المصادر والمراجع.
التمهيد: مفهوم التّوحيد في اللغة
والاصطلاح:
اللغة هي المعين الذي لا ينضب والمصدر الأساس لمعاني
الألفاظ بوصفها الإطلالة الأولى التي من
خلالها تكتسب المفردات دلالاتها، فهذه الدلالات تتطور بحسب الحاجة فضلا عن التطور الفكري عبر الأجيال وتعاقب
الحقب الزمنية، فتنتقل اللفظة من معناها
اللغوي إلى المعنى الاصطلاحي، ولكن على الرغم من ذلك تبقى محافظة على
استعمالها في أصل الوضع، وهذه القاعدة تنطبق على الجذر اللغوي لمصطلح التوحيد
فعندما نذهب إلى معاجم اللغة نجد أنّ لفظة (وَحِد) لها دلالات متعددة، نقول
(وَحِد يَوْحَدُ، وحادة ووحْدة وحِدا، بقي
وحده، وحِد الشخص، بقي مُفردا، ووحَد (يحد) حِدة، ووحْدا ووحُودا، ووحْدة، فهو
أوحد، ونقول: وحَد الشخص: انفرد بنفسه، ووحّد القوم: جمع بينهم، صيّرهم واحدا،
وتركته وحده: أي تركته منفردا، ونقول: هو وحْد: منفرد بنفسه، وكان رجلا متوحّدا:
أي منفردا لا يخالط النّاس، وتوحّد برأيه: تفرد به.
ومن معانيها:
توحّد الله بربوبيته وجلاله وعظمته: تفرّد بها، ووحّد الله: آمن بأنّه واحد في
ملكه تعالى، والتوحيد: الإيمان بالله وحده لا شريك له، والله الواحد الأحد،: ذو
الوحدانية والتوحّد، وقال ابن سيدة: والله الأوحد والمتوحّد وذو الوحدانية، ومن
صفاته الواحد الأحد، قال أبو منصور وغيره: الفرق بينهما أنّ الأحد بني لنفي ما
يذكر معه من العدد، تقول ما جاءني من أحد، والواحد اسم بني لمفتتح العدد، تقول:
جاءني واحد من النّاس، ولا تقول جاءني أحد، فالواحد منفرد بالذات في عدم المثل
والنظير، والأحد منفرد بالمعنى، وقيل الواحد: وهو الذي لا يتجزأ ولا يثنى ولا يقبل
الانقسام ولا نظير له ولا مثل ولا يجمع هذين الوصفين إلا الله عزّ وجل.
وقال ابن الأثير: في أسماء الله تعالى الواحد، قال: هو
الفرد الذي لم يزل وحده ولم يكن معه آخر، وقال الأزهري: وأمّا اسم الله عزّ وجلّ
أحد فإنّه لا يوصف شيء بالأحدية غيره، لأنّ أحداً صفة من صفات الله التي استخلصها
لنفسه ولا يشركه فيها شيء.
والواحد: من صفات الله سبحانه وتعالى، معناه لا ثاني له،
ذو الوحدانية والتوحد، ونقول: لا واحد له: لا نظير له ولا شبيه[1].
ويندرج تحت مفهوم التّوحيد مصطلح الرّبوبية المتمثل بـ
(الربّ) الذي أصله المصدر (ربّ، يَرُبّ) الذي يؤدي معنى نشأ الشيء من حال إلى حال،
وتعطي معنى التربية، ويقال: ربّه وربّاه وربّبه، فلفظة (ربّ) مصدر مستعار للفاعل،
ولا يمكن إطلاق (الربّ) إلا على الله سبحانه وتعالى، وربّ كلّ شيء مالكه ومستحقه
أو صاحبه، بوصفه المتكفل في إصلاح الوجود وربّ الكون بأجمعه، نحو قوله: (ربّ
العالمين)[2]
وقوله: (رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾[3]،
والربانيّ المتأله، العارف بالله عزّ وجل [4].
والتّوحيد له
علاقة بـ (الخَلْق)، وخلق: الله تعالى وتقدّس الخالق والخَلاّق، وفي التنزيل (هُوَ
اللهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُُ﴾[5]،
وأصل الخَلْق: التّقدير، فهو في كلام العرب: ابتداع الشيْ على مثال لم يُسبق إليه،
وكلّ شيء خلقه الله فهو مبتدئه على غير مثال سبق إليه[6].
أمّا في الاصطلاح:
فإنّ لفظة (التّوحيد) تعني توحيد الله تعالى من جميع الجهات، في الذات
والصفات، بوصف صفاته عين ذاته، لأنّ الله واحد لا مثيل له ولا نظير ولا شبيه ولا
عديل[7]،
ومصداق ذلك نجده في سورة الإخلاص) (لمْ يكنْ لّهُ كُفوا أحدٌ)[8]
وقوله: (قُلْ هُو اللهُ أحدٌ)[9]،
ومن هذا المفهوم يجب توحيد الله في الذات والصفات والعبادة، فلا تجتمع هذه الجهات
مع عبادة غيره سواء أكانت هذه العبادة واجبة أم مستحبّة، ولا يمكن أنْ يشترك معه
أحد، أو أنّ شخصا يرائي في عبادته ويتقرب إلى غير الله تعالى، فهذا حكمه كحكم من
يعبد الأصنام والأوثان، فعلى العبد أنْ يعتقد أنّ الله (قادر من حيث هو حيّ، وحيّ
من حيث هو قادر، اثنينية في صفاته ووجودها وهكذا الحال في سائر صفاته الكمالية)[10]،
فالصفات الحقيقية هي صفات (الجمال والكمال) كالعلم والقدرة والغنى والإرادة
والحياة. وهذه الكمالات جميعا تعني ذات
عينه ووجودها وجود ذاته، فوجود قدرته بمعنى وجود حياته، وحياته بمعنى وجود قدرته،
وبتعبير آخر هو قادر لأنّه حيّ وهو حيّ لأنّه قادر[11].
ومن خلال ما تقدم نستطيع القول: إنّ معرفة الله هي معرفة
وجود مرتبطة بمعرفة حقيقته وذاته، وذات الله المقدسة هي ذات أولية لا تركيب فيها
وهذا المعنى نلحظه في أقوال الإمام عليّ(عليه السلام) إذ يقول: (هو واحد ليس له في
الأشياء شبه)[12]،
وحقيقة التوحيد قائمة على معرفته، وهذه المعرفة واجبة على كلّ مكلف، لذا نراه في
موضع آخر يقول: (أوّل الدّين معرفته، وكمال معرفته التّصديق به ...)[13]،
فغاية الإمام التدرج في معرفة الله من جهة ويضع المعرفة والتصديق في سلّم مراتب
التوحيد من جهة ثانية، بتعبير آخر من البسيط إلى الأعمق الدقيق [14]،
فعلى العبد أنْ يتدرّج في معرفة مراتب التوحيد.
وهذا ما نتلمسه في قول الإمام علي بن الحسين
السجّاد(عليهما السلام) إذ قال: (وإنّ معرفة الله عزّ وجلّ، أنْ يعرف في الوحدانية
والرأفة، والرحمة والعزّة، والعلم والقدرة، والعلوّ على كلّ شيء، وأنّه النّافع
الضارّ، القاهر لكلّ شيء، الذي لا تدركه الأبصار، وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف
الخبير، وأنّ محمدا(صلى الله عليه وآله) عبده ورسوله، وأنّ ما جاء به الحقّ من عند
الله عزّ وجلّ، وما سواه هو الباطل، فإذا أجابوا إلى ذلك فلهم ما للمسلمين، وعليهم
ما على المسلمين)[15]،
فأهل البيت(عليهم السلام) قد أوضحوا للعباد مراتب التوحيد لأنّهم الأجدر والأقوم
بهذا الأمر، فعلمهم علم لدّني جاء نتيجة لموافقتهم مرضاة الله، والاجتهاد في طاعته
مع الإخلاص له، فهو ثمرة العبودية والصدق مع الله، وبذل الجهد في تلقي العلم من
مشكاة رسوله.
وأعلى مراتب الإخلاص في التّوحيد هو إخلاص الصدّيقين،
الذي يبنى على معطيات عدّة:
أولا: إنّ معرفة هذا الوجود قائم على أنّ له خالق وصانع.
ثانيا: الإيمان والتصديق بهذا الخالق الصانع قولا وفعلا،
أداء ومضمونا
ثالثا: إنّه واحد أحد فرد صمد، لا شريك له ولا ندّ ولا
نظير ولا شبيه له.
رابعا: نفيّ الصفات عنه كما فعل المشبّهة والمعطّلة [16].
وبناء على ما تقدم لابدّ للعبد أنْ ينظر إلى نعم الله
ويشكرها، تلك النعم المعنوية والمادية، وعليه أن يتساءل منْ الذي أنعم عليه هذه
النعم؟ ومنْ الذي دفع عنه الضرر؟ ثمّ هناك أناس اتصفوا بالصدق والأمانة وهم
الأنبياء والرسل والأوصياء، فهل يتغاضى عن أقوالهم في تبليغ رسالات السّماء، ومن
هنا وجب علينا أن نبحث في معرفة أصول التوحيد والتفكّر والتدبّر فيها، ويجب أنْ
يكون هذا التدبّر والتفكّر برويّة وعمق حتى ندفع التردد والشّك في توحيد الله، من
خلال الأدلة على وجوده، التي تتمثل بالأدلة الشرعية والعقلية.
فالدليل الشرعي يتمثل بالنصوص القرآنية كقوله تعالى:
(قُلْ سِيرُوا في الأرض فانظرُوا كيفَ بَدأ الخَلقَ)[17]،
وقوله سبحانه وتعالى: (فاعلمْ أنّه لا إله إلا اللهُ)[18]،
ونرى أنّ معرفة الله تتعلق بالخلق بمعنى أنّه لا خالق إلا الله، وأنّ هذا الوجود
الذي نحن جزء منه هو من خلقه، وقد أكد القرآن الكريم على هذه الحقيقة، كقوله
تعالى: (قُلِ اللهُ خالقُ كلّ شيءٍ وهو الواحدُ القَهّارُ)[19]،
وقوله: (ذلكُمُ اللهُ ربُّكم خالقُ كُلّ شيءٍ لا إلهَ إلّا هُو)[20].
ولكن هذا لا يعني أن التّوحيد في الخالقيّة ينفي السببية
والعليّة في عالم الوجود؛ لأنّ كليهما من مظاهر المشيئة الإلهية [21]،
ومصداق ذلك قول الله سبحانه وتعالى: (اللهُ الّذي يُرسلُ الرّياحّ فَتُثيرُ
سَحاباً فيَبسُطُه في السّماء كيفَ يَشاءُ)[22]،
وهذا الأمر لا ينطبق على الإنسان التي تصدر منه الأعمال القبيحة لسبب بسيط، هو
أنّه مخير وله إرادة، بمعنى أنّ الإنسان قد قدّر الله له أنْ يفعل ما يريد
بإرادته، ويترك ما يريد بإرادته [23]،
وهذا الأمر لا يتعارض مع مفهوم التّوحيد في الخالقيّة؛ لأنّ الله قد أعطى الإنسان
القدرة على إيجاد الفعل، وفي الوقت عينه منحه الحرية والاختيار والتصرف.
وهناك دليل عقلي يتعلق بالتوحيد لا بدّ أنْ نلتفت
إليه يتمثل في توحيد الرّبوبية الذي يعدّ
مرتبة من مراتب التوحيد، وهو الإيمان المطلق بأنّ الله سبحانه وتعالى هو الربّ
المدبر لهذا الوجود ولا شريك له في التّدبير؛ لأنّ ثمة من يؤمن بأنّ الله هو من
يدبّر الكون ويجعلون معه أندادا، ولو نظرنا في الأمم السالفة أو بعض الأمم ممن
يعيشون في هذا الكون وفي عصرنا الحاضر نجدهم يعتقدون أن من يشارك الله سبحانه
وتعالى في التّدبير، كمشركي عصر الأنبياء إبراهيم ويوسف(عليهما السلام) الذين كانوا
يعتقدون أنّ النجوم والكواكب هي الأربّاب والمدبّرات لهذا الكون؛ لذا أشار القرآن
الكريم إلى المناظرة التي جرت بين نبيّ الله إبراهيم(عليه السلام) من جهة وبين
قومه الذين جعلوا مع الله أربابا[24]،
فإنّ الشرك كان في مسألة الرّبوبيّة ونتلمس ذلك بشكل جليّ في حديث يوسف (عليه
السلام)؛ إذ يقول لصاحبيه في السجن: (يا صاحِبي السِّجن ءأربَابٌ مُتفرّقون خيرٌ أمِ الله الواحِدُ
القَهّارُ)[25]،
بل أنّ القرآن الكريم قد كشف ما يعتقد به بعض البشر من أنّ مصيرهم إنّما هو بأيدي
معبوداتهم إذ يقول: (واتّخذُوا مِن دُونِ اللهِ آلهةً لِيَكونُوا لّهُمْ عِزّا)[26].
ولمّا جاء الإسلام ونزل القرآن الكريم فنّد هذه
المعتقدات ودعا إلى عبادة الواحد الأحد وعنّف المشركين وأبطل معتقداتهم وتصوراتهم
الخاطئة، وبيّن أنّ هذه الأصنام أو الظواهر الكونية لا تضرّ ولا تنفع، وليس لها
تدبير وربوبية، بل أنّ هذه المعتقدات سوف تجلب عليهم الويل والثبور والعذاب يوم
القيامة، كقوله تعالى: (ومِنَ النّاسِ مَن يَتّخذُ مِن دون الله أندادا
يُحبُّونَهم كحُبّ الله والّذين آمَنُوا أشدُّ حبّا لله ولو يَرى الّذين ظَلَمُوا
إذ يَروْنَ العَذابَ أنّ القُوّةَ لله جَميعاً وأنّ الله شديدُ العَذابِ)[27]،
بل أنّ القرآن الكريم ينقل عن لسان المشركين ما سوف يصيبهم في يوم القيامة من عذاب
أليم، إذ يقول على لسانهم: (تَالله إنْ كُنّا لَفي ضَلالٍ مُّبينٍ، إذ نُسَوّيكُم
بِربّ العَالمينَ)[28].
ونلحظ أنّ القرآن الكريم يجري حوارا مع المشركين الذين
يعتقدون أنّ ثمة أكثر من مدبر للكون والوجود على الرغم من كونهم موحّدين في أمور
معينة، كالتدبير الكلّي للكون والموت والحياة والرزق، إذ قال سبحانه وتعالى: (قُلْ
مَن يَرزُقُكُم مِن السّماء والأرضِ أمّنْ يَملكُ السّمعَ والأبَصارَ ومَن يُخرجُ
الحَيّ مِن المَيّت ويُخرجُ الميّتَ مِن الحَيّ ومِن يُدبّرُ الأمرَ فسّيَقُولُونَ
الله فَقُلْ أفَلا تَتّقون﴾[29].
ومن هذا المفهوم لربوبية التّوحيد فإنّ القرآن الكريم قد
فنّد كلّ تصوّر قائم مستقل بذاته، وإن كان من شيء للتدبير من منطلق مفهوم علاقة
السبب بالمسبب فهو راجع إلى الأذن الإلهي كليّا أو جزئيا[30]،
بوصف أنّ التدبير راجع له، إذ يقول: (اللهُ الّذي رَفَعَ السّماواتِ بِغَيرِ
عَمَدٍ تَروْنَها ثُمّ استَوى على العَرشِ وسَخّرَ الشّمسَ والقَمَرَ كلٌّ يَجري
لأجَلٍ مسمّى يُدبّرُ الأمَرَ ...)[31].
خلاصة القول: إنّ هناك مجموعة من الأدلة على توحيد الله
سبحانه وتعالى منها ما هو عقلي ومنها ما هو نقلي، ومسألة التوحيد لا تخضع للتعبّد
والتقليد وإنّما يخضع للتفكّر وهذا ما أوضحه الإمام الحسن(عليه السلام) بقوله:
(عليكم بالتفكّر فإنّه حياة قلب البصير ومفاتيح أبواب الحكمة)[32]
وقوله: (أوصيكم بتقوى الله، وإدامة التفكّر، فإنّ التفكّر أبو كلّ خير وأمه)[33]،
فالتّوحيد يحتاج للحجّة والبرهان والدليل، والذي يملك الفطرة السليمة يعرف الله
حقّ معرفته، ويعبده حقّ عبادته، كما قال الإمام الحسين(عليه السلام): (مَن عبد
الله حقّ عبادته، أتاه الله فوق أمانيه وكفايته)[34]، بل
نراه(عليه السلام) يقسّم العبادة إلى
أقسام متعددة إذ قال: (إنّ قوما عبدوا الله رغبة، فتلك عبادة التّجار، وإنّ قوما
عبدوا الله رهبة، فتلك عبادة العبيد، وإنّ قوما عبدوا الله شكرا، فتلك عبادة
الأحرار وهي أفضل العبادات)[35]،
ومن يدقق النظر ويقف على كلام أهل البيت يجد البراهين والأدلة والحجج قائمة متحققة
لمن أراد أن يوحّد الله ولا يشرك به طرفة عين، فالعبادة تحتاج من العبد أن
يكون شكورا لما أنعم عليه الله من نعم
التي لا تعدّ ولا تحصى، وتحتاج إلى قلب سليم وعقل واع مدرك لما حوله، لذا جعل
الإمام عليّ(عليه السلام) العقل من قواعد الإسلام[36]،
وعلّل ذلك أنّ العقل بني عليه الصبر؛ لأنّ الصّبر إيمان يعبّر عن سلوك واقعي فعلى
قَدر الصّبر يكون العطاء الإلهي.
المطلب الأول: وحدانية التّوحيد في الزيارة
الجامعة:
ممّا لاشك فيه أنّ للتوحيد مراتب ومنازل وأوّل هذه
المراتب هي وحدانية الله سبحانه وتعالى، فالولوج إلى عالم التّوحيد يتمثل في
وحدانيته، فضلا عن أنّ فهم معارف التّوحيد تتوقف على فهم مسألة الواحد، وهذه
الوحدة هل هي وحدة حقيقية أو وحدة عددية ؟
فثمة فارق بين المفهومين، وقد أوضحت الآيات القرآنية
الوحدة الحقيقية، إذ قال عزّ وجلّ: (وما مِنْ إلهٍ إلّا اللهُ الواحدُ القَهّارُ)[37]،
وقوله سبحانه وتعالى: (لَقَدْ كَفَرَ الّذين قَالُوا إنّ الله ثالثُ ثَلاثَةٍ ومَا
مِن ْإلهٍ إلّا إلهٌ واحدٌ)[38]،
وقوله جلّت عظمته: (قُلِ اللهُ خالِقُ كُلّ شيءٍ وَهُو الواحِدُ القهّارُ)[39]،
فهذه الآيات وغيرها تنسب الوحدة إلى الله سبحانه وتعالى.
وثمّة فرق بين وحدانية الله التي لا حد ولا نهاية لها،
وبين الوحدة العددية التي تبدأ وتنتهي، وقد أشار إلى هذا الفرق الإمام عليّ(عليه
السلام) بقوله: (ومن أشار إليه فقد حدّه، ومن حدّه فقد عدّه)[40]،
فالمراد من الوحدة الحقّة الحقيقية سنخ واحد لا نهاية له لا يقبل العددية، ومن هنا
علينا أن نفرق بين وجود الله ووجود الثاني
بين الحدّ والعدد فإذا ما حدّ الشيء فسيتعدد، بمعنى أنّه يقبل الثاني والثالث وغير
ذلك[41]؛
ولذا نرى الإمام عليّاً(عليه السلام) يرفض مفهوم الوحدة العددية لأنّ الله لا يوصف
بها، فحينما سئل بأنّ الله واحد، قال للسائل: أتقول إنّ الله واحد؟ لأنّ السائل
قصد من وراء سؤاله العددية، (فقول القائل واحد يقصد به باب العددية فهذا ما لا يجوز، لأن ما لا ثاني له لا يدخل في
باب الأعداد)[42]،
وقد استدل الإمام بقوله للرجل: (أما ترى أنّه كفر من قال: إنّه ثالث ثلاثة)[43]،
فالمراد من الوحدة الحقّة أنّ الله منزه من العددية والواحدية بل هو يتنزه عن
مخلوقاته المعنوية والمادية.
وقد أكدّ أئمة أهل البيت على هذا المنطق والمفهوم،
فالإمام الحسين(عليه السلام) يجيب نافع بن الأزرق رأس المتكلمة في البصرة حينما
وجه سؤالا لابن عباس وهما جالسان في مسجد الرسول(صلى الله عليه وآله)، فقال له:
(صف لي إلهك، فلم يجبه ابن عبّاس، فقال له
الإمام: أنا أصفه لك أيّها المتورط في
الضلالة المرتكن إلى الجهالة ... أصفه بما وصف به نفسه، وأعرّفه بما عرّف به نفسه،
لا يدرك بالحواس ولا يقاس بالنّاس، قريب غر ملتزق، وبعيد غير مُقص يوّحد ولا
يتبعّض لا إله إلاّ هو المتعال)[44]،
فالإمام يقول له الله هو هو، لا تعدد فيه ولا تكثير ولا مغايرة لا في الواقع ولا
في غيره، لا كيف له، لأنّه مكيّف الكيف، ولا يجري عليه ما هو أجراه، ولا يعود إليه
ما هو أبداه[45]،
أمّا الإمام عليّ بن الحسين(عليه السلام)
حينما سئل عن مفهوم الصّمد في قوله تعالى: (قل هو الله أحد الله الصمد)[46]،
فإجاب بقوله: (الصّمد الذي لا شريك له، ولا يؤده حفظ شيء، ولا يعزب عنه شيء، والذي
لا جوف له، والذي قد انتهى سؤدده، والذي لا يأكل ولا يشرب، والذي لا ينام، والذي
لم يزل ولا يزال)[47]،
ومن يجيل النظر في كلامه(عليه السلام) يلاحظ تجلّي فكرة التّوحيد قد تملّكت أفعاله
وجوارحه، وقد أحاط بها من جميع جوانبها فمعنى الصّمد في كلامه هو السيد الذي يقصد
إليه في قضاء الحوائج، فهو عبارة عن وجوب الوجود، والاستغناء المطلق، واحتياج كلّ
شيء في جميع أموره إليه، أي الذي يكون عنده ما يحتاج إليه كلّ شيء، ويكون رفع حاجة
الكلّ إليه، ولم يفقد في ذاته شيئا، مما يحتاج إليه الكلّ، وإليه يتوجّه كلّ شيء
بالعبادة والخضوع، وهو المستحق لذلك[48]،
وقد أكّد هذا المعنى الإمام محمد الباقر(عليه السلام) بقوله: (إنّ الله تباركت
أسماؤه التي يدعى بها وتعالى في علوّ كنهه أحد، توحّد بالتوحيد في توحّده ثم أجراه
على خلقه فهو أحد صمد قدّوس يعبده كلّ شيء ويصمد إليه)[49]،
بل نراه(عليه السلام) يذهب إلى أبعد من ذلك ولا سيما في صفة القدم إذ يقول: (إنّه
واحد صمد، أحدي المعنى، ليس بمعان كثيرة مختلفة)[50]،
بينما عرّف الإمام محمد بن عليّ الجّواد(عليهما السلام) الصّمد بقوله: (الذي لا
سُرّةَ له)[51].
فسبيل التوحيد عند أهل البيت يقترن بصفة الإيمان، ذلك
الإيمان القائم على اليقين، ومن مصاديقه عند الإمام عليّ(عليه السلام) (... تبصرة
الفطنة وتأوّل الحكمة وموعظة العبرة، فمن تبصّر في الفطنة تأوّل الحكمة، ومن تأوّل
الحكمة عرف العبرة، ومن عرف العبرة عرف السنّة، ومن عرف السنّة فكأنّما عاش في
الأولين)[52]،
ونجد الإمام جعفر الصادق(عليه السلام) قد وصف
الإيمان وصوره بأبهى صوره من خلال خضوع العبد لربّه، إذ قال: (الإقرار
والخضوع لله بذّل الإقرار والتقرّب إليه به، والأداء له بعلم كلّ مفروض من صغير أو
كبير من حدّ التوحيد فما دونه إلى آخر باب من أبواب الطاعة أوّلا فأوّلا مقرون ذلك
كلّه بعضه إلى بعض موصول بعضه ببعض، فإذا
أدّى العبد ما فرض عليه ممّا وصل إليه على صفة ما وصفناه فهو مؤمن مستحقّ لصفة
الإيمان ... وذلك أنّ معنى جملة الإيمان الإقرار، ومعنى الإقرار التصديق بالطاعة
... فلا يخرج المؤمن من صفة الإيمان إلا بترك ما استحق أن يكون به مؤمنا ...)[53]،
وقد حدد(عليه السلام) الخروج من صفة الإيمان بخمس جهات هي: (الكفر، والشرك،
والضّلال، والفسق، وركوب الكبائر)[54].
لذلك نراه في موضع آخر يفرق بين المسلم والمؤمن إذ يقول:
(إنّ المسلم إنّما يكون مؤمنا أنْ يكون مطيعا في الباطن ما هو عليه في الظاهر،
فإذا فعل ذلك بالظاهر كان مسلما، وإذا فعل ذلك بالظّاهر والباطن بخضوع وتقرّب بعلم
كان مؤمنا، فقد يكون العبد مسلما، ولا يكون مؤمنا إلا وهو مسلم)[55]،
فكان أهل البيت يحرصون أشدّ الحرص على التوحيد، بل إنّهم يفرّقون بين الكفر
والشّرك، فحينما سئل الإمام موسى بن جعفر (عليهما السلام) عن الفرق بينهما
قال(عليه السلام): «الكفر أقدم، أوّل من كفر إبليس، أبى واستكبر وكان من الكافرين،
والكفّر شيء واحد، والشّرك يُثبت واحد ويشرك معه غيره»[56]،
بينما نرى الإمام عليّ بن موسى الرضا (عليهما السلام) يحدد أركان الإيمان بأربعة
هي: (التّوكّل على الله، والرضا بقضاء الله، والتّسليم لأمر الله، والتفويض إلى
الله، قال العبد الصالح: وأفَوّضُ أمري إلى الله فَوّقاهُ الله سَيّاتِ ما
مكَرُوا)[57].
ومن هنا نجد الإمام علياً الهادي في الزيارة الجامعة
يؤكد على وحدانية الله عندما سأله
النُخعي: يا بن رسول الله(صلى الله عليه وآله) علّمني قولا بليغا كاملا إذا
أردت زيارة أحدكم، فقال(عليه السلام): إذا صرت إلى الباب فقف وقل: (أشَهدُ أنْ لا
إلهَ إلا اللهُ وحدَهَ لا شَريكَ لهُ وأشهَدُ أنّ محمدا عبدُهُ ورسُولُهُ)[58]،
فالمتمعّن في قوله يراه حريصا على منطق التّوحيد الذي لا يشوبه الشّرك الأكبر ولا
الشّرك الأصغر - وهذه الشهادة تنفي قول بعض المتنطعين المتشدّقين في كلامهم من أنّ
أتباع أهل البيت(عليهم السلام) يعبدون القبور - وكأنّ الإمام يلفت عناية السائل
إلى حقيقة الإيمان وأوّل مراتب حقيقة الإيمان العلم بالله، فمن يطّلع على الخطاب
القرآني يجده يخاطب الرسول(صلى الله عليه وآله) بقوله: (فاعْلَمْ أنّهُ لا إلهَ
إلّا اللهُ﴾[59]،
ومعنى سياق الآية فاثبت على ما أنت عليه من العلم بوحدانية الله سبحانه وتعالى[60]،
وهذا يعني أنّ الله متفرد بوحدانيته لا نظير له وهو توحيد ذات، لذا طلب منه أن
يتشهّد ويعترف بوحدانية الله ولا يشرك مع ذاته شيئا، والإقرار باللسان والقلب
وبأنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله) رسول الله إلى الخلق من الإنس والجنّ كافة،
والتّصديق بما أخبر وأنْ يمتثل السائل لأوامره ونواهيه، ولا يعتقد كما يعتقد بعضهم
من أنّ هناك إلهين هما: إله الخير، وإله الشّر، أو أنّه يعتقد بالأقانيم الثلاثة[61]،
(الأب، الابن، وروح القدس) وهو توحيد ينمّ على عقيدة فاسدة محرّفة[62]،
هذا من جانب، ومن جانب آخر إنّ الإمام أراد أن يثوّر معنى التّوحيد في ذهن السائل
وأنْ لا معبود يستحق العبادة إلا الله؛ لذا افتتح الزيارة بالتشهّد الذي يشتمل على
(لا) النافية للجنس التي تفيد استغراق النفي[63]،
جاعلا طريق التشهّد سبيلا إلى نفي الشّرك واثبات الوحدانية من جهة، ومن جهة أخرى
جعل الوحدانية طريقا للإيمان بنبوة النبيّ محمد(صلى الله عليه وآله)،
ثمّ أمره بالتكبير مائة مرة (الله أكبرُ)، وكأنّ الإمام يشير إلى قول الإمام
الصادق(عليه السلام)، حينما قال رجل أمامه: (الله أكبر) فقال له: (الله أكبر) من
أي شيء؟ فقال: من كلّ شيء، فقال له(عليه السلام): حددته ! فقال له الرجل: كيف
أقول: قال: قل: الله أكبر من أن يوصف[64]،
لأنّ رتبة الله رتبة الأزل، وأنّ ذاته مطلقة لا تقاس إلى شيء آخر، فلا يماثله من
الأشياء أو يضارعه في صفة من الصفات[65]،
ثمّ يكرر(عليه السلام) هذا الأسلوب في موضع آخر من الزيارة بقوله: (أشهَدُ أنْ لا
إلهَ إلاّ الله ُوحدَهُ لا شَريكَ لهُ كما شهِدّ اللهُ لنفسِهِ وشَهِدتْ لهُ
ملائكتُهُ وأولُو العِلمِ مِن خلقِهِ، لا إلهَ إلّا هُو العزيزُ الحَكيمُ﴾[66]،
نلحظ أنّ الإمام قد رتّب منازل وحدانية الله من الأعلى إلى الأدنى إذ بدأ بـ
(شهادة الله لنفسه) لأنّه خالق الوجود والأعرف بوحدانيته كما دلّت عليه كثير من
الآيات الكريمة كقوله سبحانه وتعالى (قُلْ أيُّ شَيءٍ أكبَرُ شَهادةً قُلِ اللهُ
شهيدُ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾[67]،
وقوله جلّ وعلا: (يَومَ يُنفَخُ في الصّورِ عَالِمُ الغَيْبِ والشّهَادَةِ وهَو
الحَكيمُ الخَبيرُ﴾[68]،
ثمّ قدم شهادة الملائكة على شهادة الخلق (وشهدت له ملائكته﴾، وبما أنّ الله قد قدّم في آياته الكريمة شهادة
الملائكة على شهادة الخلق، نرى أنّ الإمام كان حريصا أن يتطابق كلامه مع القرآن
الكريم، بوصف أهل البيت(عليهم السلام) لا يفترقون عن القرآن؛ سواء في كلامهم أم في
أفعالهم؛ لأنّهم عدل القرآن كما قال الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله): (إنّي
تارك فيكم الثقلين ما إنْ تمسكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبدا، كتاب الله وعترتي أهل
بيتي ولن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض)[69].
فجاءت هذه الشهادة لتعزز مفهوم التّوحيد في نفوس النّاس،
وجاء تقديم الملائكة على الخلق بوصفهم يشهدون عن علم ضروري يقع من غير اكتساب، إذ
قرن الله سبحانه وتعالى شهادته لنفسه بشهادة الملائكة له، ولذا فكلامه(عليه
السلام) منبثق من روح القرآن الكريم الذي صرّح بشهادة الملائكة التي أقرّت
بوحدانية، الله إذ قال ربّ العزة: (شَهدَ اللهُ أنّهُ لا إلهَ إلاّ هَو
والمَلائِكَةُ وأولُو العلْمِ قائِماً بالقسِطِ لا إلهَ إلّا هَو العزيزُ الحكيمُ﴾[70]،
إذ لا معبود بحق سواه، فهو الحكيم ذو الحكمة البالغة في أفعاله وأقواله، يضع
الأمور في مواضعها، ثمّ تأتي المرتبة الثالثة في التّوحيد عنده هي شهادة (أولو
العلم من خلقه)، فهؤلاء يتصفون بالعقل الراجح واللّب الذاكر، وقد وصفهم القرآن الكريم
بآيات عدّة:
الوصف الأول: التذكّر والاعتبار: ولا شك في أنّ أفضل شيء
عند الإنسان عقله الذي ينسجم مع الوحي الإلهي الذي يقرّ بالعبودية والسجود لله
سبحانه وتعالى فضلا عن تفرّده، إذ قال: (أفَمَنْ يَعلمُ أنّما أُنْزِلَ إليْكَ
مِنْ ربّكَ الحقُّ كَمَنْ هُو أعْمَى إنّما يتذكّرُ أُولُوا الألبَابِ﴾[71]،
فالآية تضع حدا فاصلا بين أعمى البصيرة وبين الذي يمتلكها، هذا من جهة، ومن جهة
أخرى بين المهتدي والضال.
الوصف الثاني: الوفاء بالعهد: وهذا العهد يتمثل بما أخذه
الله على بني آدم في عالم الذّر قبل خلقهم أن يؤمنوا بإلاهيته ويعترفوا بعبوديته،
إذ يقول: (الّذينّ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللهِ ولا يَنْقِضُونَ المِيثَاقَ﴾[72]،
وقوله: (وإذْ أخَذَ ربُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذرّيَتَهُم
وأشّهّدّهُم على أنْفُسِهِم ألسْتُ بِربّكُم قالُوا بَلى﴾[73]،
كما وصف إيمانهم بقوله: (والّذينَ آمنُوا بالله ورسِلهِ ولمْ يُفرّقُوا بينَ أحدٍ
مِنْهُم أولئِكَ سَوفَ يُؤتيهِمْ أجُورَهُم وكانَ الله غفورا رحيما﴾[74].
الوصف الثالث: الخشية من الله: إذ يقول سبحانه وتعالى:
(الّذينَ يَصِلُونَ ما أمرّ اللهُ يِهِ أنْ يُوصلَ يَخْشَوْنَ ربّهُم ويِخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ﴾[75]،
فهؤلاء في مقام المراقبة الدائمة والخوف الشديد، فهذه الآيات وغيرها تدّل دلالة
واضحة على وحدانية الله والإقرار بالعبودية له.
ولا شكّ ولا ريب أنّ أهل البيت هم المثال الأسمى الذي
تتجسد فيه وحدانية الله، بل هم الأسوة الحسنة بالعبودية لله سبحانه وتعالى، لأسباب
عدّة أوردها الإمام(عليه السلام) في زيارته إذ قال: (وأشهد أنّكم الأئمة الراشدون
المهديون المعصومون المكرّمون المقرّبون المتّقون... القوّامون بأمره والعاملون
بإرادته... اختاركم لسرّه... وتراجمة لوحيه وأركانا لتوحيده... وشهداء على خلقه
وأعلاما لعباده... وأدلاّء على صراطه، عصمكم الله من الزلل... وأذهبَ عنكم الرّجس
أهل البيت وطهّركم تطهيرا ..)[76]،
فالإمام يؤكد على ثوابت لا يختلف عليها اثنان فهم أهل بيت النبيّ بالشواهد العقلية
والنقلية، وتتمثل هذه الشواهد بالآيات القرآنية التي منها آيتي التطهير والمباهلة[77]،
فضلا عن أحاديث متواترة عن النبيّ الأكرم خصّ بها أهل البيت منها: (أمّا بعد، ألا
أيّها النّاس فإنّما أنا بشر مثلكم يوشك أن يأتي رسول ربّي فأجيب وأنا تارك فيكم
ثقلين: اوّلهما كتاب الله فيه الهدى والنّور فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به، ثمّ
قال(صلى الله عليه وآله): وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي أذكركم الله في أهل
بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي)[78]،
ثمّ بعد ذلك يصرّح أنّ كلّ نبيّ ذريته من صلبه إلا هو، فذريته من صلب عليّ(عليه
السلام)، إذ قال: (إنّ الله جعل ذريّة كلّ نبيّ من صلبه، وجعل ذريتي في صلب عليّ
بن أبي طالب)[79]،
وقول: (كلّ بني أنثى ينتمون إلى عصبتهم، إلاّ ولد فاطمة فأنا وليّهم وأنا عصبتهم
وأنا أبوهم)[80].
ولأنّهم من ذريته
فقد نزلت الرّسالة في بيوتهم لأنّهم أهل لحملها، وهذا ما بيّنه الإمام
الحسن(عليه السلام) بقوله (نحن الآخرون، ونحن الأولون، ونحن النّور بنور
الروحانيين، ننوّر بنور الله، ونروّح بروحه فينا مسكنه، وإلينا معدنه، الآخر منّا
كالأوّل، والأوّل منّا كالآخر)[81]،
ومن هذا المفهوم وصفهم الإمام عليّ الهادي (بأنّهم معدن الرّحمة، وأبواب الإيمان،
وأمناء الرّحمن) بوصفهم من ذريّة نوح وإبراهيم وإسماعيل(عليهم السلام) ظاهرا، ومن
طينة الأنبياء والرسل روحا وبدنا[82].
ومن هنا نستطيع القول ونحن في حال الاطمئنان: إنّ أهل
البيت(عليهم السلام) خير من يمثل التّوحيد سواء على مستوى الظاهر من حيث السلوك
والخلق القويم والزهد عن ملذات الدّنيا أم على مستوى الباطن فإنّهم جوارحهم قد
ذابت في محبّة الله، وإنّهم قرنوا أقوالهم بأفعالهم؛ لأنّهم أقرّوا الخضوع لله
سبحانه وتعالى، وتقرّبوا إليه وأدوا إليه كلّ فرض صغيرا كان أو كبيرا من حدّ التّوحيد فما دونه، فنالوا
بذلك المرتبة العليا عند الله أولا، وفي قلوب المؤمنين ثانيا.
المطلب الثاني: معرفة الله أصل في التوحيد:
الإنسان بفطرته يبحث عن معرفة الله لسبب بسيط إنّه يبحث
عن الكمال والتنظيم والترتيب، وثمّة علاقة بين المعرفة التوحيدية المنبثقة من
الفطرة السليمة وبين الكمال المنشود، فحينما سئل الإمام الصادق(عليه السلام) عن
قوله تعالى: (فِطرة اللهِ الّتي فَطَرَ النّاسَ عَليْها﴾[83]،
قال: (فطرهم على التوحيد عند الميثاق على معرفته أنّه ربّهم، فقالوا له أخاطبوه:؟
قال: فطأطأ رأسه ثمّ قال: (لولا ذلك لم يعلموا من ربّهم ولا من رازقهم﴾[84]،
وهناك صلة بين التسخير والكمال، فالكون والملائكة مسخران لخدمة الإنسان وغاية هذا
التسخير بلوغ الكمال، وكمال الإنسان في معرفة الله، وتكمن هذه المعرفة عندما يصل
المرء إلى اليقين[85].
ومن نافلة القول: إنّ الكمال يلتقي بالمعرفة التّوحيدية،
وهي الخطوة الأولى في كمال التوحيد كما وصفها أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب(عليه
السلام) بقوله: (أوّل الدين معرفته، وكمال معرفته التصديق به، وكمال التصديق به
توحيده، وكمال توحيده الإخلاص له، وكمال الإخلاص له نفي الصفات عنه)[86]،
لأنّه كما قال(عليه السلام): (قد علم السرائر وخبر الضمائر، له الإحاطة بكلّ شيء)[87]،
ولذا نفى الإمام(عليه السلام) الصفات السلبية التي لا يصحّ نسبتها إلى الله سبحانه
وتعالى.
ومن هنا نرى أنّ الإمام عليّ الهادي(عليه السلام) يصف
أهل البيت بصفات تتكامل مع مطلب التوحيد بقوله: (السلام على محال معرفة الله،
ومساكن بركة الله، ومعادن حكمة الله، وحفظة سرّ الله، وحملة كتاب الله، وذريّة
رسول الله(صلى الله عليه وآله) ورحمة الله وبركاته)[88]،
فالإمام يلفت انتباه السامع والقارئ إلى مسألة في غاية الدقة فضلا عن خطورتها،
فالذي يريد أن يعرف الله على حقيقته أو أن يقترب من تلك الحقيقة لا بد من الرجوع
لهم، لأنهم موضع الرسالة ومهبط الوحي ومختلف الملائكة، لذا استعمل صيغة منتهى
الجموع في زيارته (محالّ، مساكن، معادن) وهو تعبير في غاية الدقة يدلّ على أنّ أهل
البيت هم المحجّة البيضاء إلى التّوحيد، وأنّ سبله تبدأ بهم وتنتهي إليهم، ومن له
ذلك في فهم التّوحيد أو الوقوف على معاني
القرآن الكريم غيرهم، الرسالة أناخت في بيوتهم، فاتخذتها محلا للإقامة، بل
هم أصل التّوحيد ومحتده، في مساكنهم حلّت بركة الله التي فيها السكينة والهدوء
والطمأنينة والسعادة، والخير الإلهي الذي لا ينقطع ولا يحدّ بزمان أو مكان، بركة
فيها سعادة الدنيا وعظيم الثواب الآخرة، لمن كان يبحث عن التّوحيد وفهم أركانه،
فهم الأدلّاء للموحدين، لذا نلحظ الإمام
عليّ(عليه السلام) يقسم معنى (التوحيد) على وجوه عدّة عندما سأله إعرابي أتقول أنّ
الله واحد؟ فقال(عليه السلام)؟ يا أعرابيّ إنّ القول على أنّ الله واحد على أربعة
أقسام:
وجهان باطلان لا يجوزان القول عليه هما:
إذا أراد المتكلم من معنى الواحد العدد، وعلّل ذلك ما لا
ثاني له لا يدخل في باب الأعداد، فهو هنا(عليه السلام) يعطي برهانا وحجّة للسائل
بقوله: أما ترى أنّه كفر من قال: ثالث
ثلاثة ؟
والوجه الثاني: من قال: (هو واحد من النّاس) لأنّه أراد
به نوع الجنس، وهذا لا يجوز لأنّه يدخل في باب التشبيه وتنزه ربّنا عن ذلك
التشبيه.
أمّا الوجهان الجائزان هما:
قول القائل: (هو واحد ليس له في الأشياء شبه)
قول القائل: (إنّه أحدي المعنى) بمعنى أنّه لا ينقسم في
الوجود، ولا عقل، ولا وهْمَ كذلك ربّنا عزّ وجلّ[89]،
فالإمام انطلق من الواحد وأراد الأحد، لأنّه لا يصح
القول بأنّ الله واحد عددي، فنفى الشّريك، ثمّ نفى الشبيه والمثل والنظير، ثمّ نفى
التركيب.
ففي الأولى نفى العددية وأثبت الواحدية، وفي الثانية نفى
الجنس وأثبت الأحدية، وفي الثالثة نفى التركيب وأثبت البساطة والاولية، وهذا ما فهمه المتكلمون وأهل الفلسفة
من نصوص أهل البيت(عليهم السلام)[90].
وهناك نكتة أخرى في كلام الإمام الهادي(عليه السلام)
عندما وصف أهل البيت(عليهم السلام) بأنّهم: (حفظة سرّ الله، وحملة كتاب الله،
وأوصياء نبيّ الله وذريّة رسول الله(صلى الله عليه وآله)) منْ يتأمل أسلوبه يجد
ألفاظه، (محال الله، ومساكن البركة، ومعادن الحكمة، حفظة السرّ، وحملة الكتاب،
وأوصياء النبيّ، وذريّة الرّسول) مسندة إلى لفظ الجلالة (الله) سبحانه وتعالى فهذه
الصفات التي يتّصفون بها هي بفضل الله عليهم وعنايته لهم لمّا وجدهم في عالم الذّر
أنّهم أهل لحمل رسالة التّوحيد بوصفهم أوصياء النبيّ وذريته، فحينما سئل الإمام
الحسين(عليه السلام) أي شيء كنتم قبل أن يخلق الله عزّ وجلّ آدم، فقال: (كنّا
أشباح نور ندور حول عرش الرحمن، فنعلّم الملائكة التسبيح والتهليل والتحميد)[91].
وعندما بدأت دعوة الرسول(صلى الله عليه وآله) كان مقرونا
بتعيين الوصيّ والخليفة له، وهذا ما حدث في يوم الدار، يوم الإنذار ويوم العشيرة
(وأنْذِر عَشِيرتَكَ الأقْرَبينَ واخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمن اتّبَعَكَ مِنَ
المُؤمِنينَ﴾[92]،
فقد دعا رسول الله عشيرته مراتٍ عدّة فلم يستجب له أحد إلا الإمام عليّ(عليه
السلام)، إنّه أجابه في كلّ مرّة، لهذا أمّره رسول الله(صلى الله عليه وآله) إذ
قال: (هذا وليّي ووصيّي وخليفتي فيكم، فاسمعوا له وأطيعوا)[93]،
وقد صرّح القرآن الكريم بوصايته(عليه السلام) في حجّة الوداع، إذ قال: (يا أيّها
الرّسولُ بَلّغْ ما أنْزِلَ إليكَ مِن ربّكَ وإنْ لمْ تَفعلْ فما بلّغتَ رسالتَهُ
واللهُ يَعصِمُكَ مِنَ النّاسِ ...﴾[94]،
فهذا خير شاهد وبرهان أنّ أهل البيت(عليهم السلام) هم مصدر الدعوة لتوحيد الله في
الذات والصفات والعبادة، فقد أورد ابن أبي الحديد في شرحه لنهج البلاغة أحاديث
تؤكد على ولاية أمير المؤمنين السّياسيّة والدينيّة وأنّه الأعلم بالتّوحيد منها:
قال رسول الله(صلى الله عليه وآله): (ألا أدلّكم على ما إنْ تساءلتم عليه لم
تهلكوا، إنّ وليّكم الله، وإنّ إمامكم عليّ بن أبي طالب، فناصحوه وصدّقوه، فإنّ
جبريل أخبرني بذلك)[95]،
كما أورد حديثا للرسول يؤكد فيه على الوصاية والوراثة للإمام عليّ(عليه السلام)،
إذ قال الرسول(صلى الله عليه وآله): (لولا أنّي خاتم الأنبياء لكنتَ شريكا في
النبوّة، فإنْ لم تكن نبيّا فإنّك وصيّ نبيّ ووارثه، بل أنت سيّد الأوصياء، وإمام
الأتقياء)[96]،
فإذا كان النبيّ(صلى الله عليه وآله) جُمعت له ثلاثة مناصب إلهية: (النبوّة،
والرسالة، والإمامة) فإنّ أئمة أهل بيت(عليهم السلام) كانوا أصحاب منصب الإمامة،
ولا شكّ في أنّه منصب إلهي فيه الحاكميّة والقيادة[97]،
ويؤكد ذلك قول الإمام الصادق(عليه السلام)، إذ قال: (إنّ الله تبارك وتعالى اتّخذ
إبراهيم عبدا قبل أنْ يتّخذه نبيّا، وإنّ الله اتّخذه نبيّا قبل أنْ يتّخذه رسولا،
وإنّ الله اتّخذه رسولا قبل أنْ يتّخذه خليلا، وإنّ الله اتخذه خليلا قبل أن يجعله
إماما، فلمّا جمع له الأشياء قال: (إنّي جاعلك للنّاس إماما) قال: فمن عظمتها في
عين إبراهيم قال: (ومن ذريتي) قال: (لا ينال عهدي الظالمين) قال: لا يكون السفيه
إمام التقيّ)[98]،
نلحظ في هذه النصوص أهمية مقام الإمامة المنحصرة في ذرية النبيّ لما لها من علاقة
في مطلب التّوحيد فضلا عن بيان حكم الله وتوضيح تعاليمه وتشريعاته إلى النّاس
كافة.
ولأنّ ذريّة رسول الله
هي الأجدر والأقوم في حمل رسالة السّماء وتبليغها، نجد الإمام الهادي يركّز
على أثر أهل البيت في الأمة، لذا يصفهم بما يستحقّون إذ قال: (السلام على أئمة
الهدى ومصابيح الدجى، وأعلام التقى وذوي النهى... وورثة الأنبياء والمثل الأعلى...
وحجج الله على أهل الدّنيا والآخرة والأولى)[99]،
فأهل البيت الأدلّاء على الطريق القويم والمرشدون إلى الصراط المستقيم؛ لأنهم على
نور وبيان وبصيرة، وقد وصف القرآن الكريم هذه الثلة الطيّبة، إذ قال سبحانه:
(أُولئِكَ على هُدى مِنْ ربِّهِمْ وَأولئِكَ هُمُ المُفلحُونَ)[100]،
فهم على النقيض من أئمة الكفر الذي أمرنا القرآن الكريم بمقاتلتهم سواء على مستوى
الفكر أم على مستوى الحرب إن تطلّب الأمر، إذ قال: (فَقَاتِلُوا أئِمَةَ الكُفرِ)[101]،
ولهذا كنّاهم بالضياء والسراج اللذين يزيحان ظلمة الكفر والشرك والضلال، فهم شعلة
التوحيد الذين يهدون إلى نور الإيمان والطاعة، وأعلام التقى لأنّهم يعملون بنور
الله وقد تركوا كلّ معصية خشية منه وفي الوقت نفسه طاعة له، ولا شك في أنّ أهل
البيت يتّصفون بالورع والحكمة والعبادة وقد تنزّهوا عن كلّ مثلبة لذا وصفهم بالتقى
على سبيل المدح ولم يصفهم بالتقوى، لأنّ صفة التقوى يشترك بها كلّ مؤمن بالظاهر
بينما التقيّ الذي يعمل بالظاهر والباطن، فالمتّقي أمدح من المؤمن[102]،
فأخرجهم من تقوى العوام الذين يجتنبون ما نهي عنه ويفعلون الواجبات إلى تقوى
الخواص الذين يجتنبون المكروهات ويفعلون المندوبات فلا يشغلهم شيء عن ذكر الله لما
يمتلكون من صفات أودعها الله فيهم كالتناهي في العقل والفطنة والحكمة وحسن
التّفكير، قال تعالى: (لا تُلْهِكُم أموالُكُم ولا أولادُكُم عنْ ذِكْرِ الله
وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فأُولئِكَ هُمُ الخَاسِرُونَ)[103]،
ويعلل الإمام ذلك لأنّهم ورثوا علم
الأنبياء وكتبهم هذا من جانب، ومن جانب آخر ورثوا كلّ فضيلة وخلق قويم وكلّ جمال
وكمال، بوصفهم حجّة الله الذين اتصفوا بصفاته فآتاهم الله ما لم يؤت أحد من
العالمين[104]،
فأتمّ الله حجّته بهم على أهل الدّنيا بأنْ جعلهم الأسوة الحسنة والمثال الذي
يحتذى به، فظهرت على أياديهم المعجزات والعلوم اللّدنية والأخلاق الإلهية والعقول
الربّانية، واحتّج بهم في الآخرة أو يوم القيامة ولذا ألقى التحية عليهم لأنّهم
مبرؤون من العيوب[105]،
لهذه الملكات والصفات التي يمتلكونها نرى الإمام
الحسن(عليه السلام) يكشف الحقد الدّفين في النّفوس عليهم، إذ قال: (ما ندري
ما تنقم النّاس منّا، إنّا لبيت الرحمة، وشجرة النبوة، ومعدن العلم)[106]،
بل نرى أنّ الإمام الحسين(عليه السلام) يصرّح بأنّ علم الكتاب مقصور عليهم ولا
يتعداهم إلى الخلق، ويعلل ذلك بوصفهم آل الله وورثة الرسول، إذ قال: (نحن الذين
عندنا علم الكتاب وبيان ما فيه وليس لأحد من خلقه ما عندنا ولأنّا سرّ الله، ثمّ
قال نحن آل الله وورثة رسوله)[107]،
وقد وردت على لسانه أحاديث وأقوال في بعض خطبه تبيّن مكانتهم وقرابتهم من رسول
الله(صلى الله عليه وآله)، إذ قال لبعض بني هاشم ولبعض الصّحابة والتابعين:
(أتعلمون أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) قال: أنا سيّد ولد آدم وأخي علي سيّد
العرب، وفاطمة سيّدة نساء أهل الجنة، والحسن والحسين ابناي سيّدا شباب أهل الجنة،
قالوا: اللهم نعم)[108]،
ثم ختم كلامه(عليه السلام) بذكر حديث الثقلين، إذ قال: (أتعلمون أنّ رسول الله(صلى
الله عليه وآله) قال في آخر خطبة خطبها: إنّي قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله وأهل
بيتي فتمسكوا بهما لن تضلّوا، قالوا: اللهم نعم)[109].
ومن فيض القرآن الكريم وأحاديث الرسول(صلى الله عليه
وآله) تنبثق الزيارة الجامعة للإمام عليّ الهادي(عليه السلام) شكلا ومضمونا،
أسلوبا وألفاظا، إذ فيها فكرة التّوحيد تظهر بشكل جليّ لا لبس فيها.
3ـ المطلب الثالث: الإخلاص مظهر من مظاهر
التّوحيد.
من مصاديق الإخلاص أن يعتقد الإنّسان أنّ الله واحد لا
شريك له، فرد لا مثل له، أزليّ قائم، أبدي دائم، لا أوّل لوجوده، ولا آخر
لأبديته... منزّه عن الجسميّة، ليس كمثله شيء، وهو فوق كلّ شيء، فوقيته لا تزيده
بعدا عن عباده، وهو أقرب من حبل الوريد... منزّه عن أن يحدّه زمان، مقدّس عن أن
يحيط به مكان... وما من حركة وسكون إلا وله حكمة دالة على وحدانيته[110]،
قال تعالى: (إنّ في خَلقِ السّماواتِ والأرضِ واختِلافِ الّيل والنّهارِ لَآياتٍ
لِأولي الألبابِ﴾[111]،
فيجب أن يكون الإخلاص منعقدا داخل الإنسان، وأن يعتقد أنّه مرتبط ارتباطا وثيقا
بالتّوحيد، فلا توحيد كامل من دون نيّة مخلصة لله سبحانه وتعالى، ومن مصاديق
الإخلاص أن يكون العمل خالصا لوجهه تعالى، وأنْ يتبرأ العبد من الأفعال التي
يشوبها الرياء أو النقصان، وقد أكّد الرسول(صلى الله عليه وآله) على الإخلاص في
العمل، إذ قال: (إنّما الأعمال بالنيّات، وإنّما لكلّ امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته
إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى الدنيا يصيبها أو
امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه)[112]،
فنلحظ أنّ الرسول(صلى الله عليه وآله) قد شمل بحديثه (إنّما الأعمال بالنيّات)
أعمال القلوب والجوارح التي تتمثل في الأفعال والأقوال، فترك الأمر بالمعروف
معصية، بل سماه القرآن الكريم صنعا، وهو أبلغ في التعبير، إذ قال سبحانه وتعالى:
(لَوْلا يَنْهاهُمُ الرّبّانِيُّونَ والأحَبارُ عَنْ قَولِهِمُ الإثمَ وأكلِهِمُ
السُّحتَ لَبِئسَ ما كانُوا يَعمَلُونَ﴾[113]،
ولحرص أهل البيت(عليهم السلام) لفكرة التّوحيد نرى الإمام علياً يوصي الإمام
الحسن(عليهما السلام) ببعض وصاياه التي منها قوله: (اعلم يا بُنيّ، أنّه لو كان
لربّك شريكٌ لأتتك رسلُه، ولَرأيت آثار
ملكه وسُلطانه، ولَعرفت أفعاله وصفاته، ولكنّه إله واحد لا يُضادّه في ملكه أحد)[114]،
وروي عنه قوله: (كلّ ما يُتصوَّر في الأذهان فالله سبحانه بخلافه)[115].
ومن هنا، فإنّ جميع الأعمال سواء أكانت بالجوارح أم
الأفعال لا تصحّ إلا بنيّة، أو لا بد فيها من نيّة، ولهذا نرى أهل البيت(عليهم
السلام) يؤكدون على إخلاص النيّة، يقول الإمام عليّ بن الحسين(عليه السلام): (لا
عمل إلا بنيّة)[116]،
فالإمام يؤكد على المقاصد، ومفاتيحه الإخلاص والصدق، إذ قال(عليه السلام): (خير
مفاتيح الأمور الصدق، وخير خواتيمها الوفاء)[117]،
وزكاة الأعمال النيّة الخالصة، فحينما سئل الإمام محمد الباقر(عليه السلام)
عن حسن النيّة قال: (إذا علم الله تعالى من عبد حسن النيّة اكتنفه بالعصمة)[118]،
ولهذا نرى الإمام علياً الهادي(عليه السلام) يؤكد في الزيارة الجامعة على إخلاص
النيّة مع الله سبحانه وتعالى، بوصفهم الأدلاء عليه، إذ يقول: (السلام إلى الدعاة
إلى الله والأدلّاء على مرضاة الله)[119]،
فغاية الإمام الابتداء والانتهاء إلى الله، فحرف الجر (الى) مع الاسم (الدّعاة)
غايتهما الدعوة إلى دين الله، فالحرف (الى) يفيد ذلك المعنى[120]،
فالابتداء والغاية هو الله سبحانه وتعالى، وقد استعمل الإمام لفظة (الدّعاة) لأنها
من ألقاب النبيّ(صلى الله عليه وآله) بوصفه داعيا إلى توحيد الله وطاعته[121]،
ولا شك في أنّ أئمة أهل البيت هم الامتداد الطبيعي لرسول الله بشواهد عدّة سواء من
القرآن الكريم أم الأحاديث النبوية[122]،
ولهذا يغدق الإمام في زيارته الصفات عليهم، إذ قال: (السلام على ... أهل الذكر
وأولي الأمر، وبقيّة الله وخيرته وحزبه وعيبة علمه ... وصراطه ونوره وبرهانه ورحمة
الله وبركاته)[123]،
فأهل بيت النّبوّة (موضع الرسالة ومختلف الملائكة، ومهبط الوحيّ، ومعدن الرّحمة،
... وأبواب الإيمان وأمناء الرّحمن، وسلالة النّبيّين وصفوة المرسلين، وعترة خيرة
ربّ العالمين ورحمة الله وبركاته)[124]،
فالإمام في معظم الزيارة يتناصّ مع القرآن الكريم، (فَسْألُوا أهلَ الذِّكر إنْ
كُنتُم لا تَعْلَمُون)[125]،
فالأخبار متواترة أنّ أهل البيت هم الذكر فضلا عن القرآن والرسول[126]
بل نرى الإمام يؤكد على مفهوم في غاية الأهمية يتمثل بمسألة وراثة الأنبياء(عليهم
السلام)، هذه الوراثة جعلها محصورة في بيت النبوة، إذ قال (السلام على ورثة
الأنبياء والمثل الأعلى)[127]،
فأهل البيت(عليهم السلام) قد ورثوا الأنبياء جميعا من آدم صفوة الله إلى النبيّ
محمد(صلى الله عليه وآله) خاتمهم، لأنهم الأسوة الحسنة والمثال الذي يحتذى به،
لأنّ الله قد سلّمهم من الرذائل الجسمانية والنفسانية، فضلا عن أنّ النبوّة
والرسالة قد نزلت في بيوتهم، أو أنّ الإمام قد قصد بلفظة (النبوّة) الرفعة التي
منحها الله لهم، وهم أهل لحمل الرسالة لقابليتهم على حملها، لأنّهم أخذوا العلم من
رسول الله(صلى الله عليه وآله)، إذ قال الإمام عليّ(عليه السلام): (علّمني ألف باب
يفتح من كلّ باب ألف باب)[128]،
وفي حديث آخر قال: (علّمني ألف حرف يفتح كلّ حرف ألف حرف)[129].
وهناك روايات معتبرة تؤكد أنّ الملائكة اكتسبوا الكمال
والعلوم من فيض أهل البيت، وأنّهم لم يعرفوا الله إلّا عن طريقهم بوصفهم الهداة
إلى الله[130]،
لذا جعلهم الإمام عليّ الهادي (مختلف الملائكة، ومهبط الوحيّ، ومعدن الرّحمة)، ولا
نستغرب ذلك لأنّ الروايات تشير إلى أنّ أوّل شيء خلقه الله سبحانه وتعالى أرواحهم
وأنطقها بالتّوحيد والتّحميد، وأنّهم أول من سبّح الله ونزّهه، ومن هنا سبّحت
الملائكة الله ونزّهته، وبهم عرفت الملائكة التّوحيد والتّسبيح والتهليل والتحميد
والتمجيد[131]،
إذ قال عزّ من قائل (الّذين يحْمِلُونَ
العَرْشَ ومِنْ حَوْلهُ يُسبّحُونَ بِحمدِ ربّهم ويَسْتَغفرونَ للّذينَ آمَنُوا ﴾[132].
وفي موضع آخر كنّى عنهم بـ (معدن الرّحمة) وهو المكان
الذي يثبت فيه النّاس ولا يتحولون عنه، أو لأنّهم مركز كلّ شيء ومعدنه، أو المكان
الذي فيه أصله ومبدؤه، وتقول العرب: (فلان معدن للخير والكرم إذ جبل عليه)[133]،
لذلك عبّر الإمام عن أهل البيت في زيارته بأنّهم معدن الرّحمة وأصول الكرم لأنّهم
جمعوا أنواع الخير والشرف والسؤدد والفضائل المعنوية والمادية، أو لأنّهم أسباب
كرم الله على عباده بالشفاعة،[134]
وذهب الإمام إلى أبعد من ذلك إذ حاكى
طريقة العرب بالتفاخر، إذ سألوا رسول الله(صلى الله عليه وآله) عن أكرم النّاس،
فقال: (فعن معادن العرب تسألوني؟ خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا)[135]،
فالخيرة عند الرّسول أنْ يكون معدن
المرء هو التّفقه بالدّين، لذا وصف الإمام
أهل البيت في زيارته بأنّهم (قادة الأمم وأولياء النعم، وعناصر الأبرار ودعائم
الأخيار، وساسة العباد وأركان البلاد، وأبواب الإيمان وأمناء الرّحمن)، لأنّهم
السبيل والمحجّة البيضاء إلى معرفة الله وعبادته، ومصداق ذلك قول الله سبحانه
وتعالى: (يَومَ نَدعُوا كلّ أناسٍ بإمامِهِمْ)[136]،
لهذا تنوّعت صورهم في زيارته، فهم تارة (قادة الأمم وأولياء النعم) فهذه النعم
الظاهرة في الكون نزلت بسببهم، وثمة روايات عدّة تشير إلى ذلك منها (أنّ بهم تنزل
السماء وبهم تنبت الأرض بركاتها)[137]،
وتارة يصورهم بأنّهم (عناصر الأبرار، ودعائم الأخيار
وساسة العباد وأركان البلاد وأبواب الإيمان وأمناء الرّحمن) فأهل البيت أصل الحسب
والنسب لكونهم ذريّة الأنبياء، وأنّهم أفضل الأخيار وملوك العباد وخلفاء الرّحمن،
وأنّ بقاء هذا الوجود بسبب وجود الإمام، فلا يعرف الإيمان إلا منهم ولا يحصل إلا
بولايتهم، كما قال الله تعالى: (وَأطِيعُوا اللهَ وأطَيعُوا الرّسُولَ وأولِي
الأمْرِ مِنكُمْ)[138]،
فالأخبار متواترة بأنّهم أبواب الله وسبيله الذي من سلك بغيره هلك[139].
ويتجلى التّوحيد بأبهى صوره في الزيارة الجامعة عندما
يتساوق الإيمان الواقعي مع الإسلام الحقيقي في قول الإمام الذي جعل أهل البيت
السّلم لمظاهر الله بقوله: (السلام على ... المظهرين لأمر الله ونهيه، وعباده
المكرمين الذين لا يسبقونه بالقول، وهم بأمره يعملون ورحمة الله وبركانه)[140]،
فالإمام في هذا المقطع من الزيارة يوضّح مهمة أهل البيت ودورهم في الأمة لأنّهم
يظهرون أسرار الله وكنهه، ويظهرون ما خفي عن النّاس من أمره وتوحيده ويجعلونه
باديا للعيان بشكل منظور ملموس تدركه الحواس ويتقبله العقل، فالتّوحيد وغيره من
التشريعات في الأعم الأغلب يكون مخفيا عن مدارك النّاس فدورهم(عليهم السلام)
إيضاحه بعد إخفائه وتبيان وجوده وإظهار حقيقته والكشف عن أمره، فضلا عن تبيان
أوامر الله ونهيه في حلاله وحرامه وتشريعاته.
ونلحظ صورة أخرى في هذا المقطع وغيره من الزيارة، إذ نرى
الإمام يستعمل اسم الفاعل (المستقرين، المخلصين، المظهرين، المكرمين) للدلالة على
ثبات حالهم سواء أكان ذلك في عالم الذّر أم في الحال والاستقبال[141]،
ولا شك ثمة فرق بين (المخلص بالكسر وبالفتح) فالمخلِص – بالكسر - هو الذي أخلص
دينه وعمله لله تعالى، والمخلَص – بالفتح -
الذي أخلصه الله تعالى لطاعته بأن عصمه وسدده[142]،
وأعلى مراتب الإخلاص هو إخلاص الصدّيقين، وهو إرادة العمل المحض لله تعالى من دون
توقّع غرض في الدارين، وأدنى مراتب الإخلاص هو قصد الثواب والنجاة من العذاب[143]،
وهناك أحاديث مستفيضة في الثناء والمدح للإخلاص والمخلصين في كلام أهل البيت(عليهم
السلام)، إذ قال الإمام علي(عليه السلام): (طوبى لمن أخلص لله العبادة والدّعاء،
ولم يشغل قلبه بما ترى عيناه، ولم ينس ذكر الله بما تسمع أذناه، ولم يحزن صدره بما
أعطي غيره)[144]،
وقال الإمام الحسين(عليه السلام): (مَن عبد الله حقّ عبادته، أتاه الله فوق أمانيه
وكفايته)[145]،
وقال الإمام عليّ بن الحسين في حقّ الله الأكبر: «فأنْ تعبده لا تشرك به شيئا،
فإذا فعلت ذلك بإخلاص، جعل لك على نفسه، أنْ يكفيك أمر الدّنيا والآخرة، ويحفظ لك
ما تحب»[146].
ثمة نكتة أخرى في كلامه(عليه السلام) حينما وصف أهل
البيت بعباد الله المكرمين فهذا الوصف لا ينطبق إلا على الأنبياء والأوصياء، وسبب
تكريم الله لبني آدم لأنّ فيهم الأنبياء والرسل، إذ قال سبحانه وتعالى: (وَلَقَدْ
كَرّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾[147]،
فهؤلاء الصفوة من عباده لا يتكلمون إلا بأمر الله بوصفهم نفس النبيّ الذي وصفه
القرآن بقوله: (وما يَنطِقُ عن الهَوى، إنْ هُو إلّا وحيٌ يُوحَى﴾[148]،
فلا يعملون شيئا ولا يتركونه إلا بأمر الله تعالى، ولذا ختم هذا المقطع من الزيارة
بقوله: (ورحمة الله وبركاته)؛ لأنّ من معاني الرحمة النبوّة[149]،
قال تعالى: (واللهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتَهِ مَنْ يَشَاءُ﴾[150]،
فأهل البيت قد اجتمعت عندهم نبوّة النبي(صلى الله عليه وآله) فضلا عن البركة التي
هي الخير الإلهي، ومن أسباب البركة
الإيمان والتقوى والاستغفار، وذكر الله وطاعته، وحسن الخلق، ومصداق هذه
البركة الأنبياء والرّسل وأهل البيت(عليهم السلام).
الخاتمة:
إنّ من صفات الله سبحانه وتعالى الوحدانية التي تفرّد
بها، فمن صفاته الواحد الأحد ونفيّ ما يذكر معه من العدد، فضلا عن أنّه لا يتجزأ
ولا يثنى ولا يقبل الانقسام، ولا نظير له ولا مثيل، ولا يجمع هذين الوصفين إلا
الله عزّ وجلّ، ويندرج تحت مفهوم التوحيد مصطلحي الرّبوبيّة والخَلق.
على الإنّسان أن يوحّد الله سبحانه وتعالى من جميع
الجهات، في الذات والصفات والعبادة، سواء أكانت العبادة مستحبّة أو واجبة.
من خلال قراءتنا للزيارة الجامعة نرى الإمام عليّاً
الهادي(عليه السلام) قد ذكر مراتب التوحيد فضلا عن فهم مسألة الواحد، وفرّق بين
الوحدة الحقيقية والوحدة العددية، فقد نظر إلى وحدانيّة الله التي لا حدّ ولا
نهاية لها ونفى الوحدة العددية، والغاية من ذلك نفيّ الشّرك الأكبر والأصغر،
وغايته من ذلك الرّد على بعض المتشدقين الذين يتهمون أتباع أهل البيت بأنّهم عبدة
القبور.
إنّ كمال التّوحيد يلتقي بالمعرفة الكمالية التي هي
الخطوة الأولى للتّوحيد، ولذا نرى الإمام يؤكّد على المعرفة الإلهيّة، وهذه
المعرفة عند أهل البيت(عليهم السلام) بوصفهم محال معرفة الله، فهم أهل بيت النبوّة
وموضع الرسالة، ومهبط الوحي ومختلف الملائكة.
ومن مصاديق التّوحيد الإخلاص في النيّة على مستوى أعمال
القلوب والجوارح التي تتمثل في الأفعال والأقوال، لذا نرى الإمام يؤكد على إخلاص
النيّة، إذ وصف أهل البيت بأنّهم الأدلاّء إلى الله، ولا نستغرب ذلك فهم الامتداد
الطبيعي لرسول الله(صلى الله عليه وآله) بشهادة القرآن الكريم والأحاديث النبوّية
الشريفة وأقوال أهل البيت.
قائمة المصادر والمراجع:
ــ القرآن الكريم
1)
الأبشيهي، بهاء الدّين
أبي الفتح محمد بن أحمد بن منصور (ت 854هـ)، المستطرف في كلّ فن مستظرف، دار صادر،
بيروت، ط1، 1425هـ، 2004م.
2)
ابن قولويه، أبي القاسم
جعفر بن محمد (ت 367هـ)، كامل الزّيارات، نشر المطبعة المرّتضوية، النجف الأشرف،
1356هـ.
3)
ابن منظور، الإمام
العلاّمة أبي الفضل جمال الدّين محمّد بن مكرم، لسان العرب، مراجعة يوسف البقاعي،
منشورات مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت، لبنان، ط1، 1426هـ، 2005 م.
4)
الإربلي، أبي الحسن علي
بن عيسى بن أبي الفتح (ت 692هـ)، كشف الغمّة في معرفة الأئمة، نشر مركز الطباعة
والنشر للمجمع العاملي لأهل البيت(عليهم السلام)، قم، 1426هـ.
5)
الأصفهاني، الحافظ أبي
نعيم أحمد بن عبد الله (ت 430 هـ)، حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، طبع دار الكتب
العلمية، بيروت.
6)
البخاري، الإمام أبو عبد
الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم (ت256هـ)، صحيح البخاري، شرح وتحقيق الشيخ قاسم
الشّماعي الرفاعي، دار المعرفة، بيروت، 1420هـ.
7)
البيهقي، أبو بكر أحمد
بن الحسين بن عليّ (408هـ)، المحاسن والمساوئ، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
8)
الترمذي، أبو عيسى محمد
بن عيسى بن سوده، سنن الترمذي (جامع الترمذي)، تحقيق محمود محمد محمود، دار الكتب
العلمية، بيروت، لبنان.
9)
التنكابني، الشيخ محمد
بن عبد الفتاح (ت١١٢٤)، سفينة النجاة، تحقيق: السيد مهدي الرجائي، الطبعة الأولى،
سنة الطبع ١٤١٩ - ١٣٧٧ ش.
10) الجوهرجي، الحاج محمد صالح، ضياء الصالحين، منشورات
الفجر، لبنان، بيروت، 1440 هـ، 2019.
11) الحاكم النيسابوري، أبو عبد الله (405هـ)، المستدرك على
الصحيحين، طبع دار الكتب العلميّة، بيروت.
12) الحائري، جعفر عبّاس، العاملي، الشّيخ محسن شرارة، بلاغة
الإمام جعفر الصادق، خطب ـ رسائل ـ كلمات، دار الصّفوة، بيروت، ط1، 1424هـ، 2004م.
13) الحائري، جعفر عبّاس، العاملي، الشّيخ محسن شرارة، بلاغة
الإمام عليّ بن الحسين(عليه السلام)، خطب ـ رسائل ـ كلمات، دار الصّفوة، بيروت،
ط1، 1424هـ، 2004م.
14) الحائري، جعفر عبّاس، العاملي، الشّيخ محسن شرارة، بلاغة
الإمام محمد الباقر، خطب ـ رسائل ـ كلمات، دار الصّفوة ـ بيروت، ط1، 1424هـ ــ
2004م.
15) الحرّاني، ابن شعبّة، تحف العقول عن آل الرسول، مؤسسة
النشر الإسلامي، قم، 1404هـ.
16) الحلبي الشافعي، عليّ بن برهان الدين (ت 1044هـ)، السيرة
الحلبية (في سيرة الأمين المأمون إنسان العيون)، طبع مؤسّسة النشر الإسلامي، قمّ
المقدسة.
17) الحيدري، السّيّد كمال، التّوحيد بحوث في مراتبه
ومعطياته، دار القارئ، بيروت، لبنان 1427، 2006م.
18) الخوارزمي، موفق بن أحمد بن محمد المكّي (ت 518هـ)،
المناقب، نشر جماعة المدّرسين، قم، 1411هـ.
19) السامرّائي، فاضل صالح، معاني النحو، دار الفكر، بيروت،
ط2، 1423هـ، 2003 م.
20) السّبحاني، العلاّمة جعفر، العقيدة الإسلاميّة على ضوء
مدرسة أهل البيت، والوكالة العالمية للتوزيع، بيروت، لبنان، دـ ت.
21) السيد البحراني (ت 1109هـ)، غاية المرام في حجّة الخصام،
نشر مؤسّسة التاريخ العربي، بيروت، 1422هـ.
22) الصّدوق، محمد بن علي بن الحسين بن بابويه (ت 381هـ)، علل الشرائع، نشر المكتبة الحيدرية،
النجف الأشرف، 1385هـ.
23) الصّدوق، محمد بن علي بن الحسين بن بابويه، التوحيد،
تحقيق السيد هاشم الحسيني الطهراني، دار المعرفة، بيروت.
24) الصفّار، الشّيخ الجليل محمد بن الحسن بن فرّوخ (ت
290هـ)، بصائر الدرجات، مكتبة آية الله العظمى النجفي، قم المقدسة، 1404 هـ.
25) الطباطبائي، العلاّمة السّيّد محمّد حسين، الميزان في
تفسير القرآن، مؤسّسة إحياء الكتب الإسلامية، إيران، قم.
26) الطبرسي، الشيخ أبو منصور أحمد بن علي، الاحتجاج، نشر
المرتضى، قم، 1403هـ.
27) الطبري، محمد بن جرير(ت 310هـ)، تاريخ الطبري، دار الكتب
الإسلامية، بيروت، 1406هـ.
28) الطبري، محمد بن جرير(ت 310هـ)، تفسير الطبري، طهران،
1411هـ.
29) الطبري، محمد بن جرير، دلائل الإمامة، من أعلام القرن
السادس، نشر المكتبة الحيدريّة، النجف الأشرف، 1383هـ.
30) العسكري، أبو هلال، الفروق اللغوية، ط1، مؤسسة النشر
الإسلامي، قم.
31) الفيروز آبادي، مجد الدّين محمد بن يعقوب، معجم القاموس
المحيط، رتّبه ووثّقه خليل محمود شيحه، دار المعرفة، ط2، 1428هـ، 2007م.
32) الفيض الكاشاني، الشيخ محمد بن مرتضى، الوافي، طبع مكتبة
الامام امير المؤمنين، أيران، أصفهان.
33) القمّي، السيّد أصغر النّاظم زادة، الفصول المائة في
حياة أبي الأئمة عليّ عليه السّلام، مركز الطباعة والنشر التابع لمكتب الإعلام
الإسلامي، 1386هـ، قم.
34) القمّي، الشيخ عبّاس بن محمد رضا (ت 1359هـ)، سفينة
البحار، طبع المكتبة العلمية، النجف الأشرف.
35) الكليني، محمد بن يعقوب (328هـ)، أصول الكافي، دار الكتب
الإسلامية، طهران، 1388هـ.
36) المجلسي، الشّيخ محمد باقر، بحار الأنوار الجامعة لدرر
أخبار الأئمة الأطهار، بيروت، لبنان.
37) المجلسي، العلاّمة محمد بن باقر بن محمد تقي (ت1111هـ)،
مرآة العقول في شرح أخبار الرسول، دار الكتب الإسلامية الآخوندي، طهران.
38) المجلسي، المولى محمد تقي، شرح الزيارة الجامعة الكبيرة،
إعداد وتقديم الشيخ نبيل رضا علوان، مؤسسة الرافد للمعلومات، 2000م.
39) المظفر، الشّيخ محمد رضا، عقائد الإمامية، قدّم له حامد
حنفي داود، مكان النشر، النجف الأشرف، ط1، 1968م
40) معالم العقيدة الإسلامية وأضواء على الفرق الكلاميّة،
الأديان، الحركات العقائديّة، لجنة التأليف والبحوث العلمية، مؤسسة السبطين(عليهم
السلام) العالميّة، ط1، 1426هـ، إيران، قم.
41) المعتزلي، لابن أبي الحديد (ت 655هـ)، شرح نهج البلاغة،
نشر مكتبة المرعشي، قمّ، 1406هـ.
42) الموسوي، مصطفى محسن، العاملي، الشيخ محسن شراره، بلاغة
الإمامين الحسن والحسين(عليهما السلام) خطب ـ رسائل ـ كلمات، دار الصّفوة، بيروت،
ط1، 1424هـ، 2004م.
43) الميّاحي، الشيخ علي، العرفان في الصّحيفة السّجاديّة
وأثره في الفكر الصّوفي، دار المرتضى، بيروت، لبنان، 1444هـ، 2023م.
44) النّراقي، المولى محمد مهدي بن أبي ذرّ، جامع السعادات
في موجبات النجاة، طبع مطبعة النجف الأشرف.
45) النفّاخ، السّيّد حسن، دروس في العقيدة والأخلاق، دار
الإسلام، العراق، ط2، 1430هـ، 2009م.
46) النّوري الطبرسي، الحاج الميرزا حسين المعروف بالمحدّث
النّوري، مستدرك الوسائل ومستنبط المسائل، طبع المكتبة الإسلامية، طهران.
47) النيشابوري، الحافظ أبي الحسين مسلم بن الحجاج (ت
261هـ)، صحيح مسلم، نشر دار الخير، دمشق، 1423هـ.
48) الهندي، الحافظ علاء الدّين علي المتّقي (ت 975هـ)، كنز
العمّال، نشر مؤسسة الرسالة، بيروت، 1405هـ.
49) الهيثمي، ابن حجر (ت 974هـ)، الصواعق المحرقة، طبع مكتبة
القاهرة.
50)
وسيلة النجاة، طبعة كلشن
فيض، لكهنو، الهند.