العدد العاشر

حجاجية الخطاب الاشهاري في رسالة الإمام علي الهادي(عليه السلام) في الرد على أهل الجبر والتفويض
تحميل
الباحثين د. رشا حسين عبد سبتي د. رشا حسين عبد سبتي

حجاجية الخطاب الاشهاري في رسالة الإمام علي الهادي(عليه السلام) 

في الرد على أهل الجبر والتفويض

A Concise Study of Imam Al-Hadi's (PBUH) Answers on Ibn Aktham's
 Questions

 

د. رشا حسين عبد سبتي

جامعة الكوفة

كلية التربية الأساسية

 

Dr. Rasha Hussein Abed Sebti

University of Kufa

Faculty Of Basic Education

 

الملخص:

يعد الخطاب الاشهاري من الخطابات الجاذبة لطبقات المجتمع جميعها، على اختلاف مستوياتهم الثقافية والمذهبية والمجتمعية؛ كونه خطابا تواصليا، يصوغه المتكلم من خلال اللغة، التي تمثل السلطة الأولى في أدوات الإشهار، لما تسفر عنه من سمة اديولوجية، تحاول أن ترسخ لدى المتلقي مبادئ، ومفاهيم يروم المتكلم ايصالها، من خلال اعلامه واقناعه، عن طريق حجج مترابطة على وفق استراتيجية توجيهية تأثر في المتلقي، وتغير أفكاره، ومبادئه الخاطئة، فكانت رسالة الإمام علي الهادي(عليه السلام) الميدان الرحب لبيان ذلك؛ لما وُظِّفَ فيها من عناصر إشهارية موسومة بسمة حجاجية، تعمد إلى دحض الأفكار التي شوهت العقيدة الإسلامية الحق، وأخذت مأخذها في انتشار ثقافة التجهيل، من ذلك مسألة الجبر والتفويض، التي تمثل محور رسالته(عليه السلام). 

الكلمات المفتاحية: الإمام الهادي(عليه السلام)، أهل الجبر والتفويض، الخطاب الاشهاري، المنزلة بين منزلتين . 

 

Abstract:

Being a communicative discourse, formulated by the speaker through language, which represents the first authority in publicity tools, due to its ideological feature, which tries to establish in the recipient principles and concepts that the speaker intends to communicate, by informing and persuading him, through interrelated arguments according to a guiding strategy. The recipient was affected, and his thoughts and wrong principles changed, so the message of Imam Ali Al-Hadi (PBUH) was the welcoming field to explain that; for what he employed in it of publicity elements marked by argumentative feature, he deliberately refuted the ideas that distorted the true Islamic creed , and took its root in the spread of the culture of ignorance, including the issue of reparation and delegation, which represents the focus of his message (PBUH).

key words: Imam Al-Hadi (PBUH) , predestination and free will people, advertising discourse, the Position between two positions.

مقدمة

الحمد لله الذي خَلَقَ الخَلْق بقدرته، وملَّكهم استطاعة تعبّدهم بها، ولله الخِيَرة في الأمر والنهي، وصلى الله على مَن اصطفاه من عباده؛ لتبليغ رسالته، فبعثه رحمة للعالمين، محمد وآل بيته، وخير خَلَفِه الطيبين الطاهرين.

وبعد،((لسنا ندينُ بجبرٍ ولا تفويضٍ، لكنّا نقولُ بمنزلةٍ بين المنزلتين))[1]

نحاول في هذا البحث أن نكشف عن العناصر اللسانية، التي وسمت الخطاب الاشهاري بسمة الحجاجية، من خلال قوة تأثيرها على المتقبل، ودرجة إقناعه، ومن ثَم الوصول للغاية القصوى المتوخاة من الخطاب، من خلال ثبات الملابسات، واختيار الصواب في القضية المطروحة، وقد تبلور هذا الأمر في رسالة الإمام علي الهادي(عليه السلام)
في الرد على مسألة الجبر والتفويض، بناء على التركيز على الاشهار الحجاجي، وعناصره، والأدوات اللغوية الخاصة بالملفوظات الاشهارية؛ لما لها من أثر بالغ في القضايا المتعلقة بالتعامل الانساني، من شتى النواحي الاجتماعية والعقدية والسياسية وما سواها. فالخطاب الاشهاري ولاسيما الحجاجي يحقق نتيجة لا يمكن اغفالها، إذ إنها تسفر عن قيمة أخلاقية، اجتماعية، ثقافية لها ايديولوجية خاصة، تعمل على ترسيخ مبادئ لدى المتقبل، بحسب ما يريده المتكلم؛ لذا كان عنوان بحثنا (حجاجية الخطاب الاشهاري في رسالة الإمام علي الهادي(عليه السلام) في الرد على أهل الجبر والتفويض) وكانت خطته على النحو الآتي:

المطلب الأول: عنوانه (مهاد نظري في مفاهيم البحث)، بينا فيه مفهوم الإشهار، وأنواعه، والخطاب الإشهاري، وعلاقته بالحجاج. أما المطلب الثاني: فعنوانه(خصائص الخطاب الإشهاري في رسالة الإمام علي الهادي(عليه السلام)، وقد قسم إلى ستة محاور، هي: المحور الأول: (براعة الانتقال)، المحور الثاني: إشهارية التوكيد، المحور الثالث: (إشهاريةالتعليل)، المحور الرابع: (إشهارية أقوال الإمام الصادق(عليه السلام)
وينقسم هذا المحور على ثلاث نقاط: (1- إشهارية النفي والاستدراك، 2- إشهارية الشرط، 3- إشهاريةالتفضيل في المراتب)، المحور الخامس: (إشهارية التلازم المضموني للشاهد القرآني)، أما المحور السادس فكان عنوانه (إشهارية المثل). ثم ختمنا البحث بخاتمة بينا فيها أهم النتائج التي توصلنا إليها في دراستنا لرسالة الإمام الهادي(عليه السلام)، وذيلناها بقائمة بمصادر البحث ومراجعه.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

 

توطئة:

قبل الولوج في تحليل رسالة الإمام(عليه السلام)، وبيان ما فيها من خصائص إشهارية، لابد من توطئة موجزة عن مفهوم الإشهار، وارتباطه بالحجاج؛ حتى يكون البحث مترابطا، ومتكاملا منهجا وأسلوبا، ويحقق الغاية المنشودة .

المطلب الأول: مهاد نظري في مفاهيم البحث

الإشهار

يرتبط الاشهار من الناحية اللغوية بمعنى الظهور والوضوح والشُهرة[2]، أما معناه الاصطلاحي فيمثل طريقة تواصليّة تتحرك في وسط إنساني؛ لتسهيل بثّ الأفكار من ناحية، وتيسير العلاقات التي تبرم بين شخصين أو أكثر، من ناحية أخرى[3]، ويعرّف أيضاً بأنه «النشر بالوسائل المختلفة، للفت نظر الجمهور إلى سلعة معينة أو عمل من الأعمال ويمر بمراحل مختلفة وهي جلب الانتباه وإثارة الاهتمام، وخلق الرغبة واقناع الفرد وحثه على العمل)[4]، وتعددت أنواع الاشهار بحسب الغاية التي يروم المتكلم تأديتها من خلاله فيكون اشهار بحسب وظيفته التسويقية (تعليمي، ارشادي، تذكيري، اعلامي، تنافسي)، ونوع بحسب الهدف منه (اشهار أولي، اشهار اختياري، اشهار مؤسسات)، ونوع بحسب الجمهور المستهدف (اشهار موجه للمستهلك النهائي، اشهار الاعمال)، ونوع بحسب الوسيلة المستخدمة (وسائل مسموعة، وسائل مقروءة، وسائل مرئية مسموعة)، ونوع بحسب الأثر المطلوب (الاشهار ذو الأثر المباشر، الاشهار ذو الأثر غير المباشر)[5]. لذا سيكون تحديد مفهوم الخطاب الإشهاري بحسب التخصص الذي ينتمي له.

الخطاب الإشهاري

هو خطاب يندرج من ضمن الممارسة الثقافية كالخطاب الأدبي أو السينمائي أو البصري، أو التداولي أو السيميائي، إذ يكتسي طابعا ثقافيا يتمثل في مكوناته اللغوية والأيقونية[6]؛ لذا يسعى الخطاب الإشهاري جاهدا إلى توظيف كل الامكانيات المتاحة في بنيته، من علامات لسانية، أو ايقونات رمزية أو نزعات فكرية أو مرجعيات عقدية أو مسلمات اجتماعية، أو غير ذلك؛ بغية الوصول إلى تسليم المخاطَب بما يطرح عليه[7]، مما جعله يوظف أية أداة لغوية توصله إلى (إعلام الجمهور واقناعه)[8]. ويفصح لنا لفظا الاعلام، والاقناع عن العلاقة بين الاشهار والحجاج، فالأول: أي الإعلام يشير إلى أن المتكلم يخبر المخاطَب بأمر ما، إلا إن المتكلم لا يتكلم بشيء لأجل الابلاغ، والإعلام فقط بل ليحاجّ[9]؛ بناءً على ما توصل إليه أصحاب التداولية المدمجة من أنّ الوظيفة الحجاجية هي الوظيفة الأساس للغة من بعدها تأتي الوظيفة الإبلاغية بالدرجة الثانية[10]. أما الاقناع فهو الغاية المتوخاة من الحجاج[11]. فيمثل الحجاج في الخطاب الاشهاري كل المقامات التواصلية، والأفعال الانسانية، التي تسعى إلى التأثير في المتلقي وحمله على تبني سلوك أو تقبل رأي، أو فكرة معينة[12]. فيكون الخطاب الإشهاري خطابا حجاجيا بامتياز، بل هو نموذج جيد للحجاج؛ لأنه يؤسس استراتيجيته على الأساليب والأدوات الحجاجية؛ وذلك للتأثير في المتلقي، ومن ثَمّ حمله على الاقتناع بما يروم إليه المتكلم[13]. ويمكن أن نستشفي الأساليب الحجاجية وأدواته في بنية الخطاب الاشهاري من خلال الاعتماد على خصائص حددها أغلب اللسانيين، وتعد من أساسيات الاقناع في الحجاج اللغوي، منها: بساطة الجملة وكثافة الدلالة، استعمال الملفوظات الاسمية اكثر من الفعلية، هيمنة الفعل الطلبي المباشر، براعة الانتقال من السرد إلى الوصف أو البرهان أو التفسير أو الدمج بين هذه الأغراض، توظيف الشاهد، والأمثال والحكم، الاستشهاد بمن يحظى بمصداقية عالية من جانب المتلقي، عرض الرأي على أنه حقيقة بالرغم من عدم الاجماع عليه. فهذه الاساليب من شأنها تقريب المعنى، وتجسيد وجهة نظر القائم بالإقناع[14]، وما سواها من الأدوات الحجاجية، التي تسفر عن جوانب اقناعية، تأثيرية في المتلقي.

فمدار الأمر هو أنّ الخطاب الاشهاري يقوم على استعمال اللغة بعدها سلطة لنقل المادة الإشهارية إلى المتلقي؛ يجعل له أثراً خطيراً في توجيه الرأي العام وتغييره؛ بفضل قدرته على تمرير إديولوجيته وقيمه للمتقبل[15]. لذا يعد وسيلة ناجعة لترويج المبادئ الاجتماعية والسياسية، والدينية؛ لما يتسم به من قوة تعليمية تؤثر على أفكار الناس وتقوم باقناعهم. ونلمس ذلك واضحا في رسالة الإمام علي الهادي(عليه السلام) للرد على أهل الجبر والتفويض، إذ عمل الإمام جاهدا على الحفاظ على أصول الدين الإسلامي، ولم يمنعه السلوك العدائي من الحكّام من ممارسة دوره القيادي بشكل تام، غايته(عليه السلام) معالجة مشكلة عقدية أحدثت التنازع، والتحاقد، والعداء بين المسلمين. فكانت رسالته(عليه السلام) شاهدة على عبقريته في توظيف الوسائل اللغوية الحجاجية؛ لما يخْلف لنا نصا فكريا، يفرض حضوره على المتلقي. وهنا نقف على نص من نصوصه التي كان لها دور مائز في اصلاح الأمور العقدية لدى المجتمع، وتثبيتهم على أوامر الله (جل وعز)؛ لما يمر به عصر الإمام الهادي(عليه السلام) من فوضى؛ بسبب كثرة الفتن، وتعدد الفرق وتشتتها، والتمسك بقشور الأحاديث، ومعاداة أهل البيت(عليهم السلام)، واقصائهم، وادّعاء الإمامة لغيرهم، فضلا عن كثرة الطروحات الفكرية والعلمية والعقدية وتداخلها، وما سواها من أمور أدت إلى تفكك الامة الإسلامية.

مّا جعل الإمام الهادي(عليه السلام) يولي في خطابه (المتلقي) اهتماما واضحا في رسالته؛ كونه الفئة المستهدفة في أصل موضوعه، وهو عينه ما يركز عليه الخطاب الإشهاري، إذ يولي المتقبل أهمية خاصة في خطابه، فهو موجه بالدرجة الأولى له، لذا يراعي كل أصناف المتقبل من ناحية الجنس والعمر والمعتقد والكفايات الموسوعية والمعرفية وما سواها؛ إذ إنّ الخطاب الاشهاري يوجه إلى الجميع، يطلع عليه كل ذي كفاية تواصلية، فيحدث فيه ردة فعل وإن كان بعضهم- أي: المتقبل- لا يعنيه موضوع هذا الخطاب الاشهاري، نحو: على سبيل التمثيل لا الحصر، الاشهار عن الحواسيب المنقولة مثلا. وعليه فالمتلقي يفرض على المتكلم منهجا خاصا لمعالجة أي موضوع، مهما كان منطلقه[16] ممّا جعل الاسترسال الخطابي للإشهار هو المحقق لنجاعته التواصلية الحجاجية، التي لا تتم إلا إذا أدرك المتكلم المسلك، الذي يجب أن يؤثر في المتلقي، حتى يضطره إلى اتخاذ مسلك واحد في عملية تأويل الملفوظ، وتوجيهه الوجهة المبتغاة[17] فالاسترسال الخطابي للإشهار سيعمل على اعانة المتلقي في ادراك غاية الرسالة؛ وحتى تتحقق هذه التواصلية في الخطاب الاشهاري، التي تكمن في غايته الاقناعية، فعليه أن يبني نصه على براهين وحجج تجعل موضوعه مقبولا عند المتلقي[18]؛ لذا نجد رسالته(عليه السلام) أخذت منحى حجاجيا اشهاريا؛ لما اسفرت عنه بنيتها من خصائص إشهارية قائمة على أدوات لغوية حجاجية، بحسب قوتها، ومناسبتها للموضوع، كما سنبين ذلك في المطلب الثاني من البحث.

المطلب الثاني: خصائص الخطاب الإشهاري في رسالة الإمام علي الهادي(عليه السلام)

تتمثل خصائص الخطاب الاشهاري بمجموعة من الأساليب والأدوات اللغوية، تختلف من خطاب إلى آخر، قد تتوفر في خطاب ما، أساليب معينة غير متوفرة في خطاب آخر، فيكون توفر هذه الأساليب، والأدوات اللغوية نسبية، بحسب هدف الخطاب وغايته، وتكون هذه الخصائص عبارة عن مرآة عاكسة لما يحدث في المجتمع من تفاعلات سواء ايجابية أم سلبية، وعلى وفق ذلك يعمل الاشهاري – أي المتكلم- على التركيز عليها، حتى يحقق غايته المنشودة. وقد لمسنا من رسالة الإمام الهادي(عليه السلام) مجموعة خصائص بارزة بناء على الأساليب الإشهاريةالمصبوغة بصبغة حجاجية، هي على النحو الآتي:

المحور الأول: براعة الانتقال

من الخصائص التي تميز بها خطابه الاشهاري(عليه السلام) هو براعة الانتقال في بناء رسالته، و(ترتيب الأفكار على شكل جمل متسلسلة)[19]، فبدأ بالتعريف بالشخصية مجردها من كل الألقاب فقال: « مِن علي بن محمد»[20]، لم يقل من خليفتكم أو إمامكم؛ لسببين: الأول: ليبين للناس تواضعه(عليه السلام) وأنه واحد منهم، والسبب الآخر: الرسالة موجهة لكل الناس، الذين تعددت مذاهبهم، وتوجهاتهم العقدية، فليس كلهم من أتباع أهل البيت، فلو قال: من إمامكم؛ لانصرف الذهن إلى أنها مخصصة لأتباعهم فقط، والإمام(عليه السلام) يريد أن يقضي على مسألة عقدية خطيرة تشربت في أغلب الناس من مختلف المذاهب. ثم أردف قوله(عليه السلام) بتحية الإسلام «سلام عليكم وعلى من اتبع الهدى ورحمة الله وبركاته»[21]، التي كانت عتبة دخوله(عليه السلام) في رسالته، فتضمنت تحيته(عليه السلام) صيغة ملفوظ الدعاء، بل حتى عندما انتقل بخطابه المباشر لهم عن طريق توظيف الملفوظ التوجيهي- الذي تكمن قوته الحجاجية بإنجاز الفعل في حال تلفظه- بقوله: «اعلموا رحمكم الله...»[22] أيضاً ضمّنه صيغة ملفوظ الدعاء، ليس هذا فحسب، فقد ختم رسالته بصيغة ملفوظ الدعاء، فقال(عليه السلام): «وفقنا الله وإياكم إلى القول والعمل لما يحب ويرضى..»[23]؛ لما لهذه الصيغة من تأثير فعّال في المتلقي، كونها – أي ملفوظ الدعاء - من الحجج التي تحقق التواصل والتوافق بين المتكلم والمتلقي، لما فيها من تأثير يجذب المقابل ويحفزه لسماع مضمون الخطاب والتفاعل معه سلوكيا وعقديا وفكريا ونفسيا؛ لأن الإمام(عليه السلام) في صدد بيان مسألة عقدية مختلفين فيها؛ لذا كان لا بد من التمهيد بأسلوب يضمن لفت جميع المتلقين، والتفاعل مع مضمون رسالته، وهذه من سمات نجاعة عملية الاقناع في المستوى النفسي في الخطاب الإشهاري، إذ لابد من التهيئة النفسية، من خلال ملفوظات إشهارية– كالدعاء مثلا- لإعداد الفرد في استقبال موضوع ذي قيمة اجتماعية، أو سياسية، أو دينية، وما سواها[24]. وقد أسفرت الرسالة عن تحقق ذلك من خلال ملفوظ الدعاء، ثم يدخل(عليه السلام) إلى التفصيل، لبيان أن أية مسألة لا تخرج عن أمرين، وذلك من خلال الأداة اللغوية (إما) فقال: (إما حق فيتبع، وإما باطل فيجتنب)[25]، فأسفرت هنا إلى أن جميع الاخبار تندرج تحت هذين المعنين لا غير، إما أن يكون الخبر حقا أو يكون باطلا، ثم انتقل لبيان أن القرآن حق وأن كل ما يرد فيه واجب على الأمة الاقتداء به وعدم دحضه فقال: «اجتمعت الأمة قاطبة لا اختلاف بينهم أنّ القرآن حق لا ريب فيه عند جميع أهل الفرق»، بعد ذلك يعزز الأمر بإيراد الشاهد النبوي: (لا تجتمع أمتي على ضلالة)، وقوله عليه الصلاة والسلام: (اني مخلف فيكم الثقلين: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي، لن تضلوا ما تمسكتم بهما...)، بعدها ينتقل لبيان علة بناء مقدمة رسالته على ما تقدم، إذ يقول: (إنما قدمنا هذا الشرح والبيان دليلا على ما أردنا، وقوة لما نحن مُبَيّنِوه من أمر الجبر والتفويض والمنزلة بين المنزلتين...)[26]، ثم يبين حقيقة هذه المسألة تارة بحجة الشرط، وتارة بحجة التوكيد، وتارة بحجة الشاهد وأخرى بحجة المثل. وسنفصل الحديث عنها كلا في محورها الخاص بها. فنلمس الترابط بين مفاصل الرسالة كلها، وكأنها وحدة واحدة، من خلال براعة الانتقالات وتسلسلها، والدمج بين الأساليب بصورة يشهر فيها المتكلم ويفصح عن مبتغاه، فيشد المتلقي ويجعله متأثرا ومتواصلا في سماع أو قراءة ما يطرح عليه.

المحور الثاني: إشهارية التوكيد

قلنا فيما تقدم أنّ المتكلم يبني خطابه الإشهاري على أدوات حجاجية تتراص فيما بينها حتى تحقق نجاعته التواصلية الكامنة في غايته الاقناعية التي يروم إليها المتكلم. فنجد ملفوظ التوكيد قد أخذ حيزا مائزا في الرسالة، فهو أنسب الأساليب الحجاجية، الذي يسفر عن إشهارية عالية؛ كون الرسالة في صدد إثبات أمر مختلف فيه، وغير متفق عليه؛ لذا يتطلب استعمال حجة تتسم بالقوة وتنفي الشكوك، وهذا ما يسفر عنه ملفوظ التوكيد فهو يدل على (تمكين الشيء في النفس وتقوية أمره وفائدته إزالة الشكوك، وإماطة الشبهات عما أنت بصدد).[27] وقد تمثل ملفوظ التوكيد في مواطن عدة من الرسالة. فبعد افتتاح رسالته بالخطاب المباشر، المتمثل بتعريف شخصه، والتحية المتضمنة صيغة الدعاء لهم، لشد أذهانهم لما سيقوله، ثم فصل القول بأن أي خبر لا يخرج عن أمرين: إما حق أو باطل، انتقل إلى ارشاد الناس إلى ممّن يأخذون كلمة الحق، ومعرفة الصواب، حتى يكون جوابه عن مسألة الجبر والتفويض حجة عليهم.

فوظف في نصوص الرسالة أداة التوكيد (انّ)، إذ يأتي بها لإزالة الشك والتوهم والتردد الذي ينتاب المتلقي؛ لأنها تفيد معنى(حققت أو أكدت أو أنا متحقق كون كذا هو كذا)[28]. فقال(عليه السلام): (اجتمعت الأمة قاطبة لا اختلاف بينهم أنّ القرآنَ حقٌ لا ريبَ فيه عند جميع أهل الفرق)[29]، وأخبر(عليه السلام): (أنّ جميعَ ما اجتمعت عليه الأمة كلها حقٌ)[30]، وقوله(عليه السلام): (أنّ أقاويل آل رسول الله(صلى الله عليه وآله) متصلة بقول الله)[31]، إذاً، قول آل الرسول حق لا اختلاف فيه كون قولهم هو قول الله وهو حق لا اختلاف فيه.

ثم يقوي هذا الأمر ويؤكد تحققه من خلال ايراد الملفوظ الاسمي، وهو من الأساليب المعتمدة في الخطاب الاشهاري، كونه يدل على الثبات والدوام؛ وأنه أكثر تأكيدا من الملفوظ الفعلي، فضلا عن أنه (ينهض من الناحية الدلالية والحجاجية بوظيفة التعليل والقناع)[32]، من ذلك قوله(عليه السلام): (القرآنُ حقٌ لا اختلافَ بينهم في تنزيله وتصديقه)[33]. فهنا أفصح(عليه السلام) وأعلن عن عدم الاختلاف بين الجميع في كون كل ما ورد في القرآن حقاً، فهو أمر ثابت عندهم. فنلحظ توظيف التوكيد سواء بـ(الأداة انّ، أم بالملفوظ الاسمي) في هذه النصوص لإعلام المتلقي واقناعه أن كلام آل البيت(عليهم السلام) هو الحق، فقولهم قول الله جل وعز، فمن أنكر ذلك فقد أنكر كلام الله جل وعز، وسنبين ذلك الاستلزام بين القرآن وآل البيت من خلال الترسيمة الحجاجية الآتية:

(ح) انّ جميعَ ما اجتمعت عليه الأمة كلها حقٌ ← (ن) القرآن حق لا ريب فيه.

(ح) انّ القرآنَ حقٌ لا ريبَ فيه عند جميع أهل الفرق ← (ن) باجتماعهم مصيبون.

(ح) أنّ أقاويل آل رسول الله(صلى الله عليه وآله) متصلة بقول الله ← (ن) قولهم حق لا ريب في ذلك.

وعليه يكون كلامهم(عليهم السلام) حجة على الناس كافة؛ لذا نتوصل من خلال هذه الترسيمة الحجاجية، إلى الآتي:

القرآن حقٌ عند جميع المذاهب، وهو أمرٌ ثابتٌ عنهم، إذن يستلزم أن أقوال آل الرسول حقٌ عند جميع أهل المذاهب

 ثم ينتقل الإمام(عليه السلام) في رسالته إلى بيان العلة من هذه المقدمة قبل الاجابة عن مسألة الجبر والتفويض وبيان صوابها، وهذا ما سنلحظه في المحور الثالث( إشهاريةالتعليل) الآتية.

المحور الثالث: إشهارية التعليل

 سنلمس في هذه النقطة توظيف خصيصة إشهاريةأخرى في رسالته(عليه السلام)، وهي أسلوب التعليل، المسمى بـ(القيمة الاستدلالية) في الدرس الحجاجي، لما يسفر عنه هذا الأسلوب من تأثير واقناع في المتلقي، تجعل الشيء أكثر قبولا، لذا وُظفت في الرسالة؛ لتُفصح للمتلقي عن علة الأخذ بقول آل بيت رسول الله(صلى الله عليه وآله)، وبيان سبب هذا الشرح في مقدمة الرسالة، من ذلك ما ورد في رسالته(عليه السلام): (القرآنُ حقٌ لا اختلافَ بينهم في تنزيله وتصديقه... لزمهم الإقرار به ضرورة حين اجتمعت في الأصل على تصديق الكتاب)[34]. هنا بين علة الاقرار بتصديق كل خبر شهد القرآن بصدقه؛ وذلك لإقرارهم بالإجماع أنّ القرآن حق، فكل ما يتضمنه يجب الأخذ به وتصديقه. كما موضح ذلك في المخطط الآتي:

لزمهم الاقرار به ضرورة ← (العلة) اجتماعهم في الأصل على تصديق الكتاب.

ثم يستمر(عليه السلام) في بيان عاقبة من يتخلف عن الإقرار بتصديق القرآن وتحقيقه، إذ يتوجب خروجه عن ملة الإسلام، فقال(عليه السلام): (إن هي جحدت وأنكرت لزمها الخروج من الملة)[35]، موظفا أسلوب الشرط، فهو ذو إشهاريةعالية؛ لما له من أثر في تحقيق البعد الحجاجي للخطاب الإشهاري، وتوجيهه الوجهة التي يريدها المتكلم، وتكثيف رؤية المتلقي، وشد ذهنه لمعرفة النتيجة، كأنه يترقبها، فتقيّد الحجة بهذه النتيجة من دون سواها يجعل المتلقي لا يتصور غيرها، وأنها لا تنفك عنه، تلازمه وتقتضيه، مما يجعلها تتمركز في الخطاب[36]. فعلل في هذا الملفوظ سبب خروجهم من الإسلام في حال تكذيبهم أو انكارهم أي خبر أو شاهد جاء به القرآن. كما موضح ذلك في المخطط الآتي:

(ح) إن جحدت وانكرت الأمة أخبار القرآن وشواهده

↓ ↓ ↓

(ن) لزمها الخروج عن الملة. ومن شواهد القرآن وأخباره أن أقاويل آل الرسول متصلة بقول الله عز وجل، فصار الاقتداء بهذه الأخبار فرضا واجبا. كما موضح ذلك في المخطط الآتي:

لزم على الأمة الاقرار بها ضرورة

↓ ↓ ↓

(العلة) كون هذه الأخبار شواهدها من القرآن.

فعلل لزوم الأخذ بأقوال آل محمد(عليهم السلام)، موضحا عاقبة من تخلف عن لزوم الإقرار بهم فقال(عليه السلام): ( لا يتعداه إلا أهلُ العناد). ونصل في ضوء ما تقدم إلى نتيجة كلية من خلال التعليلات السابقة، مفادها: بما أن قولهم قول القرآن، فتكون عاقبة من أنكر وجحد أخبار القرآن هي عينها عاقبة من جحد وأنكر أقوال آل محمد(عليهم السلام)، فيلزمهم الخروج من ملّة الإسلام. كما مبين ذلك في المخطط الآتي:

(ح) ان جحدت الأمة أقوال آل الرسول(عليهم السلام)

↓ ↓ ↓

(ن) لزمهم الخروج عن الملة.

أما فيما يخص سبب تقديم الإمام(عليه السلام) هذا الشرح في مقدمة رسالته فقد علله بقوله(عليه السلام): (إنّما قدّمنا هذا الشرح والبيان دليلا على ما أردنا وقوّة لما نحن مبَيِّنوه)[37]. يلحظ في هذا القول قد استعمل( التعليل بالقصر) لما له من فاعلية حجاجية تؤثر في المتلقي فتنقله من دور المستمع إلى المنصب، المدرك، إلى المقتنع بالفكرة، ثم المنفذ لها.[38] لما لهذا العامل من مزية (تمكين الكلام وتقريره في الذهن، لدفع ما فيه من انكار أو شك)[39]، فيكون استدلاله على مسألة الجبر والتفويض مبنيا على أقوالهم(عليهم السلام)، وهي اقوال غير قابلة للإنكار أو الشك، بل هي حجة ودليل قوي؛ كون السامع عالما بمنزلتهم، وأنهم خلف لرسول الله(صلى الله عليه وآله)؛ فجيء بـ(إنما) لأن هذا الأمر (لا يجهله المخاطَب ولا يدفع صحته أو لما ينزل هذه المنزلة)[40]، فقصر معرفة الحق والفيصل في هذه المسألة العقدية بهم(عليهم السلام)، فهم الحق لا غيرهم، فيكون كلامهم حجة على الخلق ومصداق لما سيقوله، فيورد الإجابة على أنها من الحقائق المسلم بها. كما مبين ذلك في المخطط الآتي:

إنّما قدّمنا هذا الشرح والبيان

↓ ↓ ↓

(العلة) دليلا على ما أردنا وقوّة لما نحن مبَيِّنوه.

إذن سيكون كلامهم هو مصداق لكلام الله عز وجل، وهو الحق لا ريب فيه، فلا مناص من أخذهم ما يرد عنهم وان جحدوا ذلك خرجوا عن الملة. لذا نجده (عليه السلام) ستكون إجابته قائمة على أقوال الإمام الصادق(عليه السلام) بشكل جوهري وأساسي في رسالته، وهذا ما سيسفر عنه المحور الرابع.

المحور الرابع: إشهارية أقوال الإمام الصادق(عليه السلام)

يُفصح الإمام الهادي(عليه السلام) عن رأيه في مسألة الجبر والتفويض، التي أودت بالناس عامة، والمذاهب التي تتبناها خاصة إلى تفرقتهم، وتقاطعهم، وظهور العداوة بينهم، مستشهدا بأقوال الإمام الصادق(عليه السلام)، يعلن فيه عن الرأي الصواب في هذه المسألة العقدية، وقد عمدنا إلى جعلها في محور مستقل؛ لما فيها من خصائص إشهاريةمتنوعة، قائمة على عناصر حجاجية غير قابلة للشك والانكار، تعمد إلى دحض أقوال الخصم وتوجه المتلقي إلى الوجهة العقدية الحقة. فتبلورت وسائل الإقناع في خطابه الإشهاري في ثلاث نقاط، على النحو الآتي:

إشهارية النفي والاستدراك

يعد النفي عاملا حجاجيا (قائما على حوارية طرفاها: المتكلم ( الآني) والمتكلم (السابق) الذي صدر عنه الاثبات أولا)[41]، فيدخل النفي على أمرٍ قد أُقرّ بإثباته، لذا يكون مدار عمله إزالة التوهم عن ذهن المتلقي ثم اثبات حقيقة وتأكيدها. ونلحظ مصداق ذلك في جواب الإمام(عليه السلام) عن مسألة الجبر والتفويض، إذ قال: (فإنا نبدأ من ذلك بقول الصادق(عليه السلام): «لا جبر ولا تفويض، ولكن منزلة بين المنزلتين»)[42]

بما أن الوظيفة الأساس للنفي قائمة على حوارية بين طرفين، هما: المتكلم السابق صدر عنه اثبات قول صريح أو ضمني، وفي هذا النص (القول الثابت ضمني) هو: (الجبر هو العقيدة الصحيحة وأو التفويض هو العقيدة الصحيحة). وهو الاعتقاد السائد في الواقع، ثم جاء قول الإمام الصادق(عليه السلام) - وهو القول الظاهر - ليبطل هذا الاعتقاد، ويكذبه بأسلوب النفي الحجاجي، لما فيه من إشهاريةعالية تؤثر في المتلقي (لا جبرَ ولا تفويض ...)، فغيّر النتيجة ووجّه القول الوجهة التي يريدها المتكلم، وهي خلاف رأي المتكلم السابق ولمن هو مؤيد له.

القول الضمني (اثبات صحة الاعتقاد بالجبر أو التفويض).

عامل النفي الحجاجي ( لا).

القول الظاهر (إبطال القول الضمني ونفي الاثبات، فلا جبر ولا تفويض).

لم يكتفِ الإمام(عليه السلام) في بنية خطابه الإشهاري بنفي مسألة الجبر والتفويض، ودحضها بل أتبعه بالبديل؛ لترك الفكر الخاطئ الذي يعتقده المتلقي ويتبناه؛ لأن النفي يحتاج إلى تعليل أكثر؛ لأثبات انكاره، وتكذيبه لاعتقاد المخاطَب، فالسؤال الذي يعقب به على النفي، إن لم يسارع المتكلم النافي إلى تعليل نفيه؛ فهو قرينة على المخالفة، وطلب للانتقال من إبهام النفي إلى تفسيره؛ بما يجعل في اعتقاد المتكلم النافي مضموناً ايجابياً.[43]

فوظف الرابط الحجاجي ( لكن) الاستدراكية، التي تدل على أن ما بعدها يكون مخالفا ومبطلا لما قبلها، فكان ما بعد الاستدراك بمنزلة الجواب (لكن منزلة بين المنزلتين)، فهو توجيه المخاطَب إلى محل العقيدة الحق، علماً أنّ قوله (لكن منزلة بين المنزلتين) يمكن جعله (حجة) نتيجتها (الحض على اتباع العقيدة الإسلامية الصحيحة). كما موضح في المخطط الآتي:

 لكن منزلة بين المنزلتين (ح)

↓ ↓ ↓

(ن) الحض على اتباع العقيدة الإسلامية الصحيحة.

 فموقف المتكلم برز في الجواب؛ لشدة اتصال النفي، بمقتضاه الاثباتي من جهة، وبما يستلزمه من وجوبه من جهة أخرى.[44] إذ نفى(عليه السلام) القول بالجبر والتفويض، وازال توهم من قال بهما أو من تبعهم، ثم اثبت حقيقة هذا الأمر العقدي بأنه منزلة بين المنزلتين.

إشهارية الشرط

يعد الشرط من الخصائص اللغوية البارزة في الخطاب الإشهاري، القائم على حجج وبراهين، كونه من أقدرها على إبراز المعنى، إذ يجعل القول يقتضي الجواب اقتضاءً والعكس صحيح، وهذا ما يسعى إليه المتكلم، من إظهار الحتمية في خطابه، وأنّه فات الأوان على الاعتراض[45]. فقيمته الإشهارية، تكمن فيما يحدثه في فكر المتلقي وعاطفته، الذي سلّم، وأذعن لما يُطلب منه، فيحدث تبديل لأفكار كان يتصورها المتلقي أنها صحيحة، من خلال إشهاريةأسلوب الشرط[46].

 لذا نلحظ التتابع الشرطي، في مواطن كثيرة من رسالة الإمام(عليه السلام)، وكلها تصب في نتيجة كلية واحدة، هي: ( إبطال مسألة الجبر والتفويض ومن دان بهما ودحضهما).

يقول(عليه السلام): (الجبر الذي مَن دان به يلزمه الخطأ، وأن الذي يتقلد التفويض يلزمه الباطل فصارت المنزلة بين المنزلتين بينهما)[47]

 فأبطل القول بالجبر والتفويض بملفوظ الشرط الذي يجعل الحجة تستلزم النتيجة استلزاما، حتى تغدو العلاقة بينهما ضربا من التلازم الذي لا ينفك، فقوله(عليه السلام) ( من دان بالجبر...، الذي يتقلد التفويض..)، حجة اقتضت النتيجة( يلزمه الخطأ...، يلزمه الباطل)، إذ لا يتحقق الجواب ما لم يتحقق الفعل، فلا يتحقق الخطأ إلا إذا دان بالجبر، ولا يتحقق الباطل مالم يدين بالتفويض، فإنْ لم يقل بالجبر ولا بالتفويض لم يلزمه الخطأ ولا الباطل. كما مبين ذلك في المخطط الآتي:

(ح) من دان بالجبر← (ن) لزمه الخطأ

(ح) الذي يتقلد التفويض

↓ ↓ ↓

(ن) يلزمه الباطل

(ح) من قال المنزلة بين المنزلتين

↓ ↓ ↓

(ن) لزمه الحق

 ويستمر(عليه السلام) بإبطال مسألة الجبر والتفويض باستعمال الشرط، كونه يقصر مجموعة الخيارات المتعددة على خيار واحد فقط، فيوجه ذهن المتلقي نحو ما أراده المتكلم.[48] ويزيل عن ذهنه كل الاحتمالات، فأخبر(عليه السلام)، سبب بطلان هذه المسألتين( الجبر والتفويض) فيقول: (مَن تقلد الجبر والتفويض ودان بهما فهو على خلاف الحق)[49] فأزال كل احتمالات المخاطَب حول تبني مسألة الجبر أو التفويض، وقصر نتيجة مَن تقلدهما أن معتقده باطل لا محالة، لأن ( الجبر والتفويض خلاف الحق). وهذا ما سيسفر عنه المخطط الآتي:

(ح) من تقلد الجبر والتفويض ودان بهما← (ن) خالف الحق، وتقلد الباطل.

ثم يتابع(عليه السلام) في بيان بطلان الجبر والتفويض، مستمرا بتوظيف الشرط، فيقول: (من دان بالجبر أو بما يدعو إلى الجبر فقد ظلم الله ونسبه إلى الجور والعدوان)[50]، فتبني مسألة الجبر تلزم قائلها بأن الله ظالم وجائر على عباده، وتعالى الله علوا كبيرا، فلو نلحظ النتيجة بالمخطط الآتي:

(ح) من دان بالجبر أو يدعو إليه

↓ ↓ ↓

(ن) ظلم الله ونسبه إلى الجور والعدوان.

 فالحجة (دان بالجبر أو يدعو إليه) اقتضت، وألزمت النتيجة (ظلم الله ونسبه إلى الجور والعدوان )؛ لذا أبطل الإمام(عليه السلام) القول بها، وبالتفويض، لما يؤول إليه من تنسيب الوهن والعجز لله جل وعلا، فهذه الصفات التي يقتضيها الجبر أو التفويض باطلة، لذا أبطل الإمام(عليه السلام) القول بهما، بل بيّن عاقبة من دان بهما أو دعا إليهما، مشهرا عن ذلك بخصيصة الشرط، لما لها من اقناعية بالغة الأثر في المتلقي، تجعله يلغي كل الاحتمالات والتصورات في ذهنه، ويتوجه نحو النتيجة التي جاءت بعد فعل الشرط، لخاصية التلازم الذي بينهما؛ ولكون الشرط يوظف دائما في الأمور التي تستند إلى الأدلة العقلية، (من قال كذا فهو كذا) لا يوجد أي احتمال آخر، فقال(عليه السلام): «من ظلم الله فقد كذّب كتابه، ومن كذّب كتابه فقد لزمه الكفر باجتماع الأمة)[51] ستؤول إليه عاقبة من تقلد هذه العقائد الباطلة، إلى خروجه عن الملة، ولزومه الكفر، لا محالة، وهذا مرتبط مع ما أثبته الإمام(عليه السلام) في مقدمة رسالته، من أنّ الأمة أجمعت على أنّ القرآن حق لا ريب فيه، فمن خالفه فهو من أهل العناد وخرج عن الملة، وإن كذّب كتاب الله فهو كافر باجتماع الأمة. إذاً، من قال بالجبر أو التفويض فهو كافر، لمخالفته كتاب الله وهو حق باجتماع الأمة. وسنوضح ذلك في المخطط الآتي:

(ح) مَن دان بالجبر

↓ ↓ ↓

(ن) ظلم الله وكذّبه.

(ح) مَن ظلم الله وكذّبه

↓ ↓ ↓

(ن) كذّب كتاب الله.

(ح) مَن كذّب كتاب الله

ن) لزمه الكفر باجتماع الأمة.

 إذن: (ح) مَن دان بالجبر← لزمه الكفر باجتماع الأمة.

وهذا عينه ينطبق على من قال بالتفويض، وسنبين ذلك بالمخطط الآتي:

(ح) مَن دان بالتفويض ← (ن) وهّن الله وأعجزه.

(ح) مَن وهّن الله وأعجزه ← (ن) خالف كتاب الله وكذّبه.

(ح) مَن خالف كتاب الله وكذّبه ← (ن) لزمه الكفر باجتماع الأمة.

إذن: (ح) مَن دان بالتفويض ← (ن) لزمه الكفر باجتماع الأمة .

ليس هذا فحسب، فقد بينا في بداية البحث ما كان يروم إليه الإمام(عليه السلام) قبل البدء بالإجابة عن مسألة الجبر والتفويض، وهو أن كلام آل البيت هو كلام الله جل وعلا، فمن كذّب كلامهم أو خالف كمن كذّب كلام الله وخالفه، ومن فعل ذلك فقد لزمه الكفر باجتماع الأمة، وعليه فوجب على المخاطَب الأخذ بكلام آل البيت وإلا خرج عن ملة الإسلام، وهم أبطلوا القول بالجبر أو التفويض وإنما قالوا: (إنّ الله جلّ وعزّ خلق الخلقَ بقدرته، وملّكهم استطاعة تعبدهم بها، فأمرهم ونهاهم بما أراد، فقبل منهم اتّباع أمره، ورضيَ بذلك لهم، ونهاهم عن معصيته، وذمّ من عصاه وعاقبه عليها، ولله الخيرة في الأمر والنهي، يختار ما يريد ويأمر به، وينهى عمّا يكره ويعاقب عليه، بالاستطاعة التي ملّكها عباده لاتباع أمره واجتناب معاصيه)[52].

إشهاريةالتفضيل في المراتب

 أورد(عليه السلام) في موضع آخر من رسالته عن الإمام الصادق(عليه السلام): (الناس في القدر على ثلاثة أوجه: رجل يزعم أن الأمر مفوض إليه، فقد وهّن الله في سلطانه، فهو هالك. ورجل يزعم أن الله جل وعز أجبر العباد على المعاصي، وكلفهم ما لا يطيقون، فقد ظلم الله في حكمه، فهو هالك. ورجل يزعم أن الله كلف العباد ما يطيقون ولم يكلفهم ما لا يطيقون... فهذا مسلم بالغ)[53].

 يفصح القول على بيان مراتب الناس، قد تكون ايجابية، أو سلبية، بحسب عقيدتهم في مسألة الجبر والتفويض، جاءت على النحو الآتي:

إن الأمر مفوض إليه، فقد وهّن الله في سلطانه ← (اذن) فهو هالك.

إن الله جل وعز أجبر العباد على المعاصي... فقد ظلم الله في حكمه ← (إذن) فهو هالك.

إن الله كلف العباد ما يطيقون ولم يكلفهم ما لا يطيقون ← (إذن) فهذا مسلم بالغ.

فنحن أمام ثلاث فئات من الناس تم التفضيل بينهم بحسب عقيدتهم وما ستؤول إليه من عاقبة: اثنان منهما هالكان لا محالة (فهو هالك)، وهما من قال بالجبر والتفويض، ونهضت الجملة الاسمية في بيان دلالة التثبيت والتأكيد على عاقبة هذه الفئتين، ثم تأتي المرتبة الثالثة من الناس فتكون هي الناجية، وهو من قال بالمنزلة بين المنزلتين، التي ستكون عاقبته، حسنة فهو ( مسلم بالغ).

المحور الخامس: إشهارية التلازم المضموني للشاهد القرآني

وممّا تتميز به بنية الخطاب الإشهاري من خصائص، هو توظيفها للشاهد، لما يمتلكه من (توضيح القاعدة، وتكثيف حضور الأفكار في الذهن)[54]؛ فضلا عن كونه يحقق الغاية الاقناعية للخطاب الاشهاري[55]، بسبب سمته الحجاجية، إذ يعد الشاهد من أقوى الحجج التي يلجأ إليها المتكلم؛ لدعم فكرته أو موضوعه، أو دحض حجج الخصم، للإجابة على ردود وافتراضات معينة، فهو يمتلك قوة إقناعية تأثيرية في المتلقي[56]، لذا نلحظ التلازم المضموني[57] بين أقوالهم(عليهم السلام) وكلام الله (جل وعز)، فأقوالهم (شواهدها من القرآن ناطقة، ووافقت القرآن والقرآن وافقها)[58]، فَهُم القرآن الناطق، ومع أن قولهم حجة، كما بيّنا ذلك في الصفحات السابقة، غير أنه(عليه السلام) قد وظّف الشاهد القرآني في بيان رأيه حول مسألة الجبر والتفويض؛ كونه(حجة رئيسية تنوعت بين الإبطال والاثبات)[59] إبطال القول بالجبر، والتفويض، واثبات خلافهما، بأنها منزلة بين المنزلتين. إذ يقول الهادي(عليه السلام):
(لما التمسنا تحقيق ما قاله الصادق(عليه السلام) من المنزلة بين المنزلتين وإنكاره الجبر والتفويض، وجدنا الكتاب قد شهدَ لهُ وصدَّق مقالتًه في هذا)[60]، فأقواله(عليه السلام) تتوافق مضمونا مع الشواهد القرآنية على النحو الآتي:

 فقال(عليه السلام) (من قال بالجبر لزمه الخطأ) ← لأنه ( ظلم الله في حُكمِه وكذّبه)

ونجد مصداق ما ذهب إليه الإمام(عليه السلام) في قوله تعالى: ( وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾، الكهف 49 وقوله: (ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ الحج 10، وقوله: (إِنَّ اللهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَلَٰكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ يونس 44، وغيرها من الآيات التي أوردها الإمام(عليه السلام) في رسالته، لا يسع المقام لذكرها.[61]

أما قوله في أهل التفويض (من قال بالتفويض لزمه الباطل)←لأنه وهّن الله عز وجل وأعجزه[62].

إذن «من زعم أن الله تعالى فوّض أمره ونهيه إلى عباده، فقد أثبت عليه العجز، وأوجب عليه قبول كل ما عملوا من خير وشر، وأبطل أمر الله ونهيه، ووعده ووعيده، لعلّة ما زعم أن الله فوضها إليه)[63]، وكيف يكون ذلك وقال تعالى في محكم كتابه: (وَلَا يَرْضَىٰ لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ الزمر 7، وقال تعالى: (اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ آل عمران: 102، وقوله عز وجل (أَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ) الانفال 20. فمن قال بالتفويض فقد نفى القدرة والتألّه، وأنكر كل ما ورد في القرآن من أوامر، ونواهٍ، ووعد، ووعيد، وثواب، وعقاب، وأبطلها، ونجد مصداق ما ذهب إليه الإمام(عليه السلام) بأن أهل التفويض لزمهم الباطل عندما يصفهم بأنهم من أهل هذه الآية: (أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَٰلِكَ...) البقرة 85.

المحور السادس: إشهارية المثل

يعتمد الخطاب الإشهاري في بنيته على توظيف المثل؛ كونه يتم اعتماده حجاجيا لتأسيس قاعدة، والبرهنة على صحتها[64]. فـ(انّ ضرب المثل أبلغ في التأثير، وأوقع في النفس، وأقوى في إقامة الحجة، ويجعل الحقائق أثبت في العقول، وأعلق بالنفس... يقرب المعنى ويشرح الفكرة ويزيد المنطق تفخيما، ويكسبه قبولا)[65]، ونجد مدار ذلك في رسالة الإمام الهادي(عليه السلام)، فقد اعتمد في دحض مسألة الجبر والتفويض على توظيف أمثلة تفصح عن بطلان هذه المسألة، غير أنه لم يكتف بذلك بل أشفع هذا التمثيل بالأدلة القرآنية التي تشير ضمنا لصحة ما ذهب إليه(عليه السلام)، لذا نلحظ التلازم المضموني بين كلامهم(عليهم السلام) وكلام الله عزوجل، فلا يدحض أية مسألة من دون دليل دامغ قد أجمعت الأمة قاطبة على تصديقه وهو القرآن الكريم. إذ يقول(عليه السلام): «وأضرب لكلّ باب من هذه الأبواب مثلا، يُقرب المعنى للطالب، ويُسهّل له البحث عن شرحه، وتشهد به محكمات آيات الكتاب، وتحقق تصديقه عند ذوي الألباب، وبالله التوفيق والعصمة»[66]، وسنبين ذلك على النحو الآتي:

حجة إبطال من زعم بالجبر ← مثله[67]: (مثل رجل ملك عبدا مملوكا لا يملك نفسه ولا يملك عرضا من عرض الدنيا، ويعلم مولاه ذلك منه، فأمره على علم منه بالمصير إلى السوق لحاجة يأتيه بها، ولم يملكه ثمن ما يأتيه... وقد وصف مالك هذا العبد نفسه بالعدل والنصفة وإظهار الحكمة ونفي الجور، وأوعد عبده ان لم يأته بحاجته أن يعاقبه..... فانصرف إلى مولاه خائباً بغير قضاء حاجته فاغتاظ مولاه وعاقبه، مع علمه أن الحاجة عليها مانعا يمنع منها إلا الشراء والعبد لا يملك ثمنها.

ان عاقبه فيكون ظالما، مبطلا لما وصف به نفسه بالعدل والحكمة، وإن لم يعاقبه كذّب نفسه في وعيده إياه، فالظلم والكذب ينفيان العدل والحكمة. وتعالى الله عما يقولون علوا كبيرا.)

فمن قال بالجبر كصاحب هذا المالك للعبد فيكون قد ظلم الله في حكمه وكذّبه في وعيده، وتعالى الله عما يقولون. وهذا المثل يتوافق مضمونا مع نصوص قرآنية[68] تلازم قوله(عليه السلام) بنفي (الظلم والكذب) عن الله جل وعلا، كما قال تعالى في محكم كتابه: ( بَلَىٰ مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) البقرة 81، وقوله جل وعلا: (مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَىٰ إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ)الانعام 160، وقوله: (الْيَوْمَ تُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ) غافر: 17 ثم يقول(عليه السلام): «هذه آيات محكمات تنفي الجبر ومن دان به»[69] فختم رأيه في مسألة الجبر بأسلوب إشهاري ذي تأثير بالغ في المتلقي وهو (الجملة الاسمية)؛ لما تسفر عنه من قوة توكيدية؛ لما فيها من دلالة إثباتية غير قابلة للإنكار. فنلحظ أن بنية الخطاب الاشهاري في هذا المقام قد اندمج فيها أكثر من خصيصة اشهارية، ( المثل + الشاهد القرآني + الجملة الأسمية)، مما أسهم في زيادة درجة تأثيرها في المخاطَب، وبطلان معتقده الخاطئ، وتوجيهه نحو ما يروم إليه المتكلم من نتيجة صائبة.

يستمر الإمام(عليه السلام) بضرب مثلٍ آخر عن مسألة التفويض لتقريب المعنى للسامع، هو على النحو الآتي:

حجة إبطال من زعم بالتفويض ← مثله[70]: (مثل رجل ملك عبدا ابتاعه ليخدمه ويعرف له فضل ولايته ويقف عند أمره ونهيه، وادعى مالك العبد أنه قاهر عزيز حكيم، فأمر عبده ونهاه ووعده على اتباع أمره عظيم الثواب وأوعده على معصيته أليم العقاب، فخالف العبد إرادة مالكه... بل كان العبد يتبع إرادة نفسه واتباع هواه، ولا يطيق المولى أن يرده إلى اتباع أمره ونهيه والوقوف على إرادته، ففوض اختيار أمره ونهيه اليه... فيكون المالك عاجزا غير قادر ففوض أمره إليه أحسن أم أساء، ... عاجز المالك عن عقوبة العبد ورده إلى اتباع أمره، وفي إثبات العجز نفي القدرة والتألّه، وإبطال الأمر والنهي والثواب والعقاب وتعالى الله علوا كبيرا عن ذلك).

فمن قال بالتفويض كصاحب هذا المالك للعبد، فيكون قد زعم أن الله تعالى فوض أمره ونهيه، وابطل وعده ووعيده للعباد، فثبت عليه العجز وأوجب عليه قبول كل ما عملوا من خير أو شر[71]، وتعالى الله عما يقولون، لذا يورد الإمام(عليه السلام)
نصوصا قرآنية تخالف ما ذهبوا إليه وتتوافق مضمونا مع ما ذهب إليه في نفي مسألة التفويض . قال تعالى في محكم آياته: (لَا يَرْضَىٰ لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ) الزمر:7، وقال عز وجل: (اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ) آل عمران: 102. وقوله جل وعلا: (وَاعْبُدُوا اللهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً) النساء 36. فمن خلال هذا التلازم المضموني بين قول الإمام(عليه السلام)، والتمثيل، والنصوص القرآنية يبطل من دان بالتفويض، وينزه (الله عز وجل)، عما يدين به أهل التفويض علوا كبيرا .

الخاتمة

يعد الإشهار فنا تواصليا يتمثل بالنشر عبر وسائل مختلفة، للفت نظر المتلقي إلى عمل معين، أو فكرة معينة، مما يجعله يمر بمراحل مختلفة، تبدأ بجلب الانتباه، وإثارة الاهتمام، ثم خلق الرغبة، واقناع الفرد وتوجيهه نحو الغاية التي يريدها المتكلم.

يمتزج الخطاب الإشهاري بكل الخطابات الأدبية، والسيميائية، والتداولية، فهو يسعى جاهدا إلى توظيف كل الامكانيات المتاحة في بنيته، من علامات لسانية، أو ايقونات رمزية أو نزعات فكرية أو مرجعيات عقدية أو مسلمات اجتماعية، أو غير ذلك؛ بغية الوصول إلى تسليم المخاطَب بما يطرح عليه.

يؤسس الخطاب الإشهاري بنيته على الأساليب، والأدوات الحجاجية؛ وذلك للتأثير في المتلقي، ومن ثَمّ حمله على الاقتناع بما يروم إليه المتكلم، لذا يعدّه الباحثون بأنه خطاب حجاجي بامتياز.

ركّز(عليه السلام) على تصحيح عقيدة الناس وإبطال مسألة الجبر أو التفويض، لما ستؤول إليه هذه المسألة من نتائج سلبية تؤثر في بناء عقيدة المسلم، وديمومتها، لذا نلحظ(عليه السلام) كيف يتدرج في نص رسالته، من خلال بنائها على خصائص اشهارية، قائمة على حجج لغوية، توجه المتلقي الوجهة المبتغاة، فتنوعت أساليب الإقناع ذات الإشهاريةالعالية، بحسب قوة الموضوع ومناسبته، من أبرزها: الشرط، التوكيد، النفي والاستدراك، براعة الانتقال، وما سواها قد تم ذكرها في البحث.

لا بد من إحالة الخطاب الاشهاري إلى مرجع سائد، ومشترك بين جميع صنوف المتلقي، حتى يتسم الإشهار بالاقناع، لذا كانت نظرته(عليه السلام) إلهية قرآنية؛ فارتكز في عموم رسالته على توظيف الشاهد القرآني من خلال التلازم المضموني بين أقوال الإمام الصادق(عليه السلام) والنصوص القرآنية؛ لإثبات صحة ما ذهب إليه من المنزلة بين المنزلتين، وإبطال ما ذهبت إليه المذاهب المخالفة لهم من القول بالجبر والتفويض.

وظف الإمام(عليه السلام) (المثل)، في إبطال مسألة الجبر والتفويض، فهو أبلغ في التأثير، وأقوى في إقامة الحجة، يقرب المعنى ويشرح الفكرة، إذ يعد من عماد خصائص الخطاب الإشهاري؛ كونه يتم اعتماده حجاجيا لتأسيس قاعدة، والبرهنة على صحتها.

قائمة المصادر والمراجع:

القرآن الكريم.

1)      سليمان، عطية، الإشهار القرآني والمعنى العرفاني في ضوء النظرية العرفانية والمزج المفهومي التداولي، (سورة يوسف نموذجاً)، الأكاديمية الحديثة للكتاب الجامعي، القاهرة، مصر، 2014م.

2)      المبخوت، شكري، إنشاء النفي وشروطه النحوية الدلالية، مركز النشر الجامعي، تونس، 2006م.

3)      الصعيدي، عبد المتعال، بغية الإيضاح لتلخيص المفتاح في علوم البلاغة، مكتبة الآداب، طبعة نهاية القرن، القاهرة، ج2، 1999م.

4)      الناجح، عزالدّين، تداولية الضمني والحجاج بين تحليل الملفوظ وتحليل الخطاب، بحوث ومحاولات، تقديم: المنصف عاشور، مركز النشر الجامعي، كلية العلوم الانسانية والاجتماعية – تونس، 2015م.

5)      الدريدي، سامية، الحجاج في الشعر العربي بنيته وأساليبه، ط2، عالم الكتب الحديث، اربد- الأردن، 2011.

6)      صولة، عبد الله، الحجاج في القرآن من خلال أهم خصائصه الأسلوبية، ط2، دار الفارابي، بيروت، 2007م.

7)      الشّبعان، عليّ، الحجاج والحقيقة وآفاق التأويل في نماذج ممثّلة من تفسير سورة البقرة (بحث في الأشكال والاستراتيجيّات)، تقديم حمّادي صمّود، ط1، دار الكتاب الجديد المتحدة، 2010م.

8)      الشنقيطي، مريم، الخطاب الإشهاري في النص الأدبي دراسة تداولية، ط1، دار الفيصل الثقافية، الريا، 1440.

9)      الجرجاني، أبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الفارسي الأصل، الدار (ت: 471هـ)، دلائل الإعجاز في علم المعاني، المحقق: محمود محمد شاكر أبو فهر، مطبعة المدني بالقاهرة، دار المدني، جدة، 1413هـ، 1992م.

10)  الجوهري الفارابي، أبو نصر إسماعيل بن حماد (ت: 393هـ)، الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية: تحقيق: أحمد عبد الغفور عطار، ط4، دار العلم للملايين، بيروت، 1407هـ، 1987م.

11)  الفراهيدي، أبو عبد الرحمن الخليل بن أحمد بن عمرو بن تميم (ت: 170هـ)، العين، المحقق: د مهدي المخزومي، د إبراهيم السامرائي، دار ومكتبة الهلال، د.ت .

12)  سيبويه، عمرو بن عثمان بن قنبر الحارثي بالولاء، أبو بشر، الكتاب (ت: 180هـ)، المحقق عبد السلام محمد هارون، ط3، مكتبة الخانجي، القاهرة، 1408هـ، 1988م.

13)  ابن منظور، محمد بن مكرم أبو الفضل(ت: 711هـ)، لسان العرب، ط3، دار صادر، بيروت، 1414 هـ.

14)  زكي، أحمد، معجم مصطلحات الاعلام، دار الكتاب المصري، القاهرة، (د.ت).

15)  مطلوب، أحمد، معجم المصطلحات البلاغية وتطورها، مؤسسة ناشرون، بيروت، لبنان، (د.ط)، 2000م.

16)  الميانجي، علي الأحمدي، مكاتيب الأئمة، تحقيق ومراجعة: مجتبى فرجى، قم، دار الحديث، ط 4، ج6.

الرسائل والأطاريح

1)      عبد، رشا حسين، آيات الأعراف والتقاليد دراسة في الحجاج اللغوي والفعل الكلامي، أطروحة دكتوراه، جامعة الكوفة، كلية الآداب، 2020م.

2)      رقيق، أمينة، بلاغة الخطاب المكتوب دراسة لتقنيات الحرف واللون والصورة في خطاب الدعاية التجارية، أطروحة دكتوراه، جامعة محمد خيضر، بسكرة، كلية الآداب واللغات، 2013، 2014م.

 البحوث المنشورة

1)      كامل، فوز سهيل، التكرار في طائفة من أحاديث الرسول(ص) دراسة وظيفية أسلوبية، المجلة الأردنية في الدراسات الإسلامية، مج7، ع1/أ، 2011م.

2)      عبد الله، واسيني، الحجاج بالتشبيه وضرب الأمثال في الخطاب القرآني/ نماذج مختارة، مجلة الآداب واللغات، الجزائر، مج21، ع1، 2021م.

3)      كادة، ليلى، شوادر، سامية، الغزالي، لبي حامد، حجاجية الشاهد في كتاب المستصفى من علم الأصول، مجلة العلوم الإنسانية، مج19، ع2، 2019.

4)      عبابسي، ميلود، حجاجية عامل النفي في الخطاب التفسيري ابن عاشور انموذجا، مجلة المدوّنة، مج5، ع1، 2018م.

5)      نوسي، عبد المجيد، الخطاب الاشهاري مكوناته وآليات اشتغاله، مجلة الفكر العربي المعاصر، مركز الإنماء القومي، العدد84-85.

6)      حمداوي، سعيدة، الخطاب الإشهاري في ضور المقاربة الحجاجية، مجلة دراسات معاصرة، مج3، العدد 1، 2019م.

7)      حني، عبد اللطيف، فارح، محمد، الشرط وأثره الحجاجي في الخطاب، مقاربة تداولية حجاجية في «مناظرة بين العلم والجهل للشيخ محمد الديسي الجزائري»، مجلة (لغة- كلام)، الجزائر، مج7، العدد 1، 2021م.

8)      بوقرة، نعمان عبد الحميد، القيمة الحجاجية في النص الإشهاري، من ضمن كتاب الحجاج مفهومه ومجالاته، إشراف حافظ اسماعيلي علوي، عالم الكتب الحديث، إربد، الأردن، 2010م، ج2.

 

[1] الميانجي، علي الأحمدي، مكاتيب الأئمة، ج6، ص 33.
[2] ينظر: الفراهيدي، الخليل، العين، ج3، ص400؛ الجوهري، الصحاح، ج2، ص705؛ ابن منظور، لسان العرب، ج4، ص431.
[3] ينظر: أحمد، عطية سليمان، الإشهار القرآني والمعنى العرفاني، ص22.
[4] زكي، أحمد، معجم مصطلحات الاعلام، ص12.
[5] ينظر: رقيق، أمينة، بلاغة الخطاب المكتوب دراسة لتقنيات الحرف واللون والصورة في خطاب الدعاية التجارية، ص 24-29.
[6] نوسي، عبد المجيد، الخطاب الاشهاري مكوناته وآليات اشتغاله، ص87، مجلة الفكر العربي المعاصر، مركز الإنماء القومي، العدد 84-85.
[7] الشنقيطي، مريم، الخطاب الإشهاري في النص الأدبي دراسة تداولية، ص 69.
[8] الناجح، عز الدّين، تداولية الضمني والحجاج بين تحليل الملفوظ وتحليل الخطاب، ص71.
[9] ينظر: المصدر نفسه: 72.
[10] ينظر: عبد، رشا حسين، آيات الأعراف والتقاليد دراسة في الحجاج اللغوي والفعل الكلامي، ص12.
[11] ينظر: الناجح، عزالدّين، تداولية الضمني والحجاج بين تحليل الملفوظ وتحليل الخطاب، ص72.
[12] ينظر: حمداوي، سعيدة، الخطاب الإشهاري في ضور المقاربة الحجاجية، ص75.
[13] ينظر: الشنقيطي، مريم، الخطاب الإشهاري في النص الأدبي دراسة تداولية، ص 70.
[14] ينظر: عبد الحميد، نعمان، القيمة الحجاجية في النص الإشهاري، ج2، ص230-233، من ضمن كتاب الحجاج مفهومه ومجالاته
[15] ينظر: عبد الحميد، نعمان، القيمة الحجاجية في النص الإشهاري، ج2، ص225 .
[16] ينظر: الناجح، عزالدّين، تداولية الضمني والحجاج بين تحليل الملفوظ وتحليل الخطاب، هامش 71.
[17] ينظر: الناجح، عزالدّين، تداولية الضمني والحجاج بين تحليل الملفوظ وتحليل الخطاب، ص77.
[18] ينظر: عبد الحميد، نعمان، القيمة الحجاجية في النص الإشهاري، ج2، ص 233
[19] ينظر: عبد الحميد، نعمان، القيمة الحجاجية في النص الإشهاري، ج2، ص 233.
[20] ينظر: الميانجي، علي الأحمدي، مكاتيب الأئمة، ج 6، ص 21.
[21] ينظر: الميانجي، علي الأحمدي، مكاتيب الأئمة، ج 6، ص 21.
[22] ينظر: الميانجي، علي الأحمدي، مكاتيب الأئمة، ج 6، ص 21.
[23] ينظر الميانجي، علي الأحمدي، مكاتيب الأئمة، ج 6، ص 40.
[24] ينظر: ينظر: عبد الحميد، نعمان، القيمة الحجاجية في النص الإشهاري، ج2، ص220.
[25] ينظر: الميانجي، علي الأحمدي، مكاتيب الأئمة، ج 6، ص 22.
[26] ينظر: الميانجي، علي الأحمدي، مكاتيب الأئمة، ج 6، ص 23.
[27] مطلوب، احمد، معجم المصطلحات البلاغية وتطورها، ص 239- 240.
[28] صولة، عبد الله، الحجاج في القرآن، ص 302.
[29] الميانجي، علي الأحمدي، مكاتيب الأئمة، ج 6، ص 22.
[30] الميانجي، علي الأحمدي، مكاتيب الأئمة، ج 6، ص 22.
[31] الميانجي، علي الأحمدي، مكاتيب الأئمة، ج 6، ص 23.
[32] صولة، عبد الله، الحجاج في القرآن، ص502.
[33] الميانجي، علي الأحمدي، مكاتيب الأئمة، ج6، ص22.
[34] الميانجي، علي الأحمدي، مكاتيب الأئمة، ج 6، ص 22.
[35] الميانجي، علي الأحمدي، مكاتيب الأئمة، ج 6، ص 22.
[36] عبد، رشا حسين، آيات الأعراف والتقاليد دراسة في الحجاج اللغوي والفعل الكلامي، ص117.
[37] الميانجي، علي الأحمدي، مكاتيب الأئمة، ج 6، ص 23.
[38] ينظر: كامل، فوز سهيل، التكرار في طائفة من أحاديث الرسول(صلى الله عليه وآله) دراسة وظيفية أسلوبية، ص 163.
[39] الصعيدي، عبد المتعال، بغية الإيضاح لتلخيص المفتاح في علوم البلاغة، ج 2، ص 3 هامش.
[40] الجرجاني، عبد القاهر، دلائل الإعجاز، ص330.
[41] عبابسي، ميلود، حجاجية عامل النفي في الخطاب التفسيري ابن عاشور انموذجا، ص 130.
[42] الميانجي، علي الأحمدي، مكاتيب الأئمة، ج 6، ص 23.
[43] ينظر: المبخوت، شكري، إنشاء النفي وشروطه النحوية الدلالية، ص 196؛ عبد، رشا حسين، آيات الأعراف والتقاليد دراسة في الحجاج اللغوي والفعل الكلامي، ص 62.
[44] ينظر عبد، رشا حسين، آيات الأعراف والتقاليد دراسة في الحجاج اللغوي والفعل الكلامي، ص423 .
[45] ينظر: الدريدي، سامية، الحجاج في الشعر العربي بنيته وأساليبه، ص335.
[46] ينظر: الشّبعان، عليّ، الحجاج والحقيقة وآفاق التأويل في نماذج ممثّلة من تفسير سورة البقرة، ص 39.
[47] الميانجي، علي الأحمدي، مكاتيب الأئمة، ج6، ص24.
[48] ينظر: حني، عبد اللطيف، فارح، محمد، الشرط وأثره الحجاجي في الخطاب، مقاربة تداولية حجاجية، ص312.
[49] الميانجي، علي الأحمدي، مكاتيب الأئمة، ج6، ص24.
[50] الميانجي، علي الأحمدي، مكاتيب الأئمة، ج6، ص26.
[51] الميانجي، علي الأحمدي، مكاتيب الأئمة، ج6، ص 25.
[52] الميانجي، علي الأحمدي، مكاتيب الأئمة، ج6، ص 29.
[53] الميانجي، علي الأحمدي، مكاتيب الأئمة، ج6، ص24.
[54] ينظر: عبد الحميد، نعمان، القيمة الحجاجية في النص الإشهاري، ج2، ص 224.
[55] ينظر: عبد الحميد، نعمان، القيمة الحجاجية في النص الإشهاري، ج2، ص 233 .
[56] ينظر: كادة، ليلى، شوادر، سامية، الغزالي، لبي حامد، حجاجية الشاهد في كتاب المستصفى من علم الأصول، ص160-161.
[57] والتلازم: هو «ما لا يَغْنَى واحدٌ منهما عن الآخر، ولا يَجد المتكلّمُ منه بداً)، ينظر: سيبويه، الكتاب، ج1، ص23، قد يكون تلازما في الشكل أو تلازما في المضمون، أو يردان كلاهما في بعض أبنية الخطابات.
[58] الميانجي، علي الأحمدي، مكاتيب الأئمة، ج6، ص23.
[59] ينظر: كادة، ليلى، شوادر، سامية، الغزالي، لبي حامد، حجاجية الشاهد في كتاب المستصفى من علم الأصول، ص162.
[60] الميانجي، علي الأحمدي، مكاتيب الأئمة، ج6، ص24.
[61] للاطلاع على الآيات القرآنية الأُخر راجع الرسالة في الصفحة، ج 6، ص 26.
[62] الميانجي، علي الأحمدي، مكاتيب الأئمة، ج6، ص27.
[63] الميانجي، علي الأحمدي، مكاتيب الأئمة، ج6، ص 28.
[64] ينظر: عبد الحميد، نعمان، القيمة الحجاجية في النص الإشهاري، ج2، ص 223 .
[65] عبد الله، واسيني، الحجاج بالتشبيه وضرب الأمثال في الخطاب القرآني/نماذج مختارة، ص31.
[66] الميانجي، علي الأحمدي، مكاتيب الأئمة، ج6، ص24.
[67] الميانجي، علي الأحمدي، مكاتيب الأئمة، ج6، ص25، نقل المثل بتصرف
[68] اقتصرنا على بعض الشواهد، للاطلاع عليها كاملة في الرسالة في الصفحة، ج6، ص 26.
[69] الميانجي، علي الأحمدي، مكاتيب الأئمة، ج6، ص 26.
[70] الميانجي، علي الأحمدي، مكاتيب الأئمة، ج6، ص27 -28، نقل المثل بتصرف .
[71] ينظر: الميانجي، علي الأحمدي، مكاتيب الأئمة، ج 6، ص 28.