جدلية البناء والهدم في مدينة سامراء الإسلامية
221 - 656هـ
The
Dialectic of Construction and Demolition in the Islamic City of Samarra (221–656 A.H)
م. د. مضر محمد عبد الحسين
مركز واسط الدراسي
الكلية التربوية المفتوحة
Lect. Dr.
Mudhar Mohammad Abdulhussein
Wasit
Study Center
Open
Educational College
الملخص:
تتناول الدراسة الموسومة جدلية
البناء والهدم في مدينة سامراء الإسلامية المرحلة الممتدة من تأسيسها عام(221هـ)
حتى سقوط بغداد سنة(656هـ)، إذ يُعد عمران المدينة، التي أسسها المعتصم العباسي
كعاصمة جديدة، انعكاساً مباشراً للتحولات السياسية والاقتصادية للدولة العباسية.
يركز البحث على تتبع العوامل التي أدت إلى ازدهار المدينة باستخدام مواد بناء
فخمة، وكيف تحولت هذه العوامل لاحقاً إلى ظروف قادت إلى هدم منشآتها وإعادة تدوير
موادها في مدن أخرى. يُفسر البحث الجدلية على أنها آلية تاريخية وحضارية عكست
أوضاع المدينة الإسلامية، حيث ارتبط البناء بترسيخ السلطة السياسية للخلفاء، بينما
ارتبط الهدم بظروف سياسية واقتصادية واجتماعية متغيرة، تهدف الدراسة إلى تحليل
الأبعاد السياسية والاجتماعية والاقتصادية لهذه الجدلية، وإبراز أثرها في تشكيل
ملامح العمارة الإسلامية وتاريخ المدن العراقية.
الكلمات
المفتاحية: سامراء، البناء، الهدم،
الجدلية العمرانية، العصر العباسي.
Abstract:
This study, titled "The Dialectic of
Construction and Demolition in the Islamic City of Samarra," covers the
period from its founding in 221 A.H to the fall of Baghdad in 656 A.H. The
city's urban development, founded by the Abbasid Caliph Al-Mu'tasim as a new capital, directly
reflected the political and economic transformations of the Abbasid state. The
study traces the factors that led to the city's flourishing through the use of
lavish building materials, and how those same factors later gave way to
circumstances that led to the demolition of its structures and the recycling of
materials in other cities. The study interprets this dialectic as a historical
and civilizational mechanism that mirrored the state of the Islamic city, where
construction was tied to consolidating the political authority of caliphs,
while demolition was tied to changing political, economic, and social
conditions. The study aims to analyze the political, social, and economic
dimensions of this dialectic and highlight its impact on shaping Islamic
architecture and the history of Iraqi cities.
key words: Samarra,
construction, demolition, urban dialectic, Abbasid era.
المقدمة:
تُعد مدينة سامراء إحدى أهم الحواضر الإسلامية
التي ازدهرت في العصر العباسي، إذ شُيّدت لتكون عاصمة جديدة للدولة في عهد المعتصم
العباسي (198-227هـ)، وقد ارتبط عمرانها ارتباطًا وثيقًا بالتحولات السياسية
والاقتصادية والعسكرية للدولة العباسية، مما جعلها مسرحًا لدورة متواصلة من البناء
والتشييد من جهة، والهدم والإهمال من جهة أخرى. يركز البحث على دراسة جدلية البناء
والهدم في سامراء عبر تتبع العوامل التي أدت إلى ازدهارها العمراني من خلال
استعمال مواد بناء فخمة أسهمت في ظهور أبنية وقصور بديعة، والظروف التي قادت إلى إعادة
هدمها وتدويرها في أماكن ومدن أخرى، مما أدى إلى انحسار دورها الحضاري حتى سقوط
بغداد سنة(656هـ)، مع تحليل للأبعاد السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي انعكست
على عمرانها، واستعراض أدلة وشواهد تاريخية على ذلك.
يُقصد بمصطلح الجدلية في البحث العلاقة
التفاعلية–المتناقضة بين عمليتي البناء والهدم في مدينة سامراء الإسلامية خلال
الحقبة الممتدة ما بين (221–656هـ). فالجدلية هنا لا تُفهم على أنها مجرد تقابل
بين فعلين متناقضين، بل هي آلية تاريخية وحضارية عكست وضع المدينة وتطورها عبر
الزمن؛ إذ لم يكن البناء في سامراء فعل تشييدٍ معماري فحسب، بل ارتبط بالسلطة
السياسية ورغبة الحكام والسلاطين في ترسيخ هيبتهم وإظهار عظمتهم، بينما ارتبط
الهدم –سواء أكان إهمالًا أم تدميرًا مقصودًا أم إعادة توظيف للمنشآت– بظروف
سياسية واقتصادية واجتماعية متغيرة، ومن ثم فإن دراسة هذه الجدلية تكشف عن طبيعة
العمران في سامراء، وتوضح كيف أسهم الصراع بين البناء والهدم في تشكيل ملامحها
المعمارية والحضارية مستقبلاً.
إشكالية البحث:
تمثل مدينة سامراء واحدة من أهم
المدن الإسلامية التي شهدت حركة عمرانية هائلة منذ تأسيسها سنة(221هـ)، لكنها في
الوقت نفسه تعرضت لعمليات هدم واستنزاف متعاقبة بعد انتقال السلطة منها، يثير ذلك
تساؤلات حول جدلية البناء والهدم في هذه المدينة: كيف تشكلت حركة البناء الضخمة؟
وما العوامل التي قادت إلى الخراب وإعادة توظيف موادها البنائية في أماكن أخرى؟
وما انعكاس هذه الجدلية على هوية العمارة الإسلامية في العراق حتى سقوط بغداد
سنة(656هـ)؟ وفي ظل التحديات التي تواجه المدن الإسلامية كيف يمكن استلهام الدروس
لتطوير استراتيجيات معاصرة توازن بين التجديد العمراني والحفاظ على التراث الحضاري
في المدن الإسلامية اليوم؟
أهداف البحث:
1. الكشف عن المواد البنائية
ومصادرها وطرق جلبها عند التأسيس.
2. دراسة ظاهرة الخراب والهدم
في المدينة بعد هجرتها.
3. تتبع حركة المواد البنائية
المنقولة من سامراء إلى أماكن أخرى.
4. إبراز أثر هذه الجدلية في
فهم العمران الإسلامي وتاريخ المدن العراقية.
أهمية البحث:
• يسلط الضوء على جانب مغفَل من
تاريخ سامراء: إعادة توظيف موادها البنائية.
• يقدّم رؤية نقدية لمفهوم
الجدلية العمرانية بين البناء والهدم.
• يربط التاريخ السياسي
بالتحولات العمرانية والاقتصادية.
منهجية البحث:
• المنهج التاريخي التحليلي:
لدراسة النصوص والمصادر.
• المنهج الأثري المقارن:
لتحليل الشواهد الباقية في سامراء والمدن الأخرى.
• المنهج النقدي: لتفسير
الظاهرة ضمن إطار جدلي (بناء هدم).
قُسم البحث إلى مقدمة وتمهيد
وثلاثة مباحث، تطرق المبحث الأول إلى مرحلة البناء وبدايات الهدم في مدينة سامراء
حتى سنة(334هـ). وتناول المبحث الثاني تفكك سامراء وإعادة توظيف موادها المعمارية
من سنة (334هـ إلى 656هـ). واختص المبحث الثالث بالعوامل المؤدية إلى الهدم وإعادة
التوظيف في مدينة سامراء حتى سنة (656هـ). وذيل بخاتمة استعرضت أهم النتائج التي
توصل إليها البحث.
تمهيد
لم تكن ظاهرة هدم الأبنية وإعادة تدوير موادها
حالة طارئة على العمارة العراقية بصورة عامة والعباسية بصورة خاصة، وذلك لكثرة
تعاقب الحضارات العريقة على أرض العراق منذ فجر التاريخ، فلكل منها طابع معماري
خاص، ونتيجة لذلك امتلك إرثاً معمارياً ضخماً جعل رصيده من المواد الأولية كبيراً
ومغرياً لكل من أراد أن يبني مجده ويخلد ذكره عن طريق الصروح والقصور وغيرها. أما
في العصر العباسي فالشواهد على ذلك كثيرة لتوفرها في المصادر التاريخية ووصول
البناء إلى مرحلة الذروة نتيجة لتراكم الخبرات الفنية والمعمارية. في الوقت ذاته
كان هناك حالات متكررة لنقض بعض الأبنية القديمة وإعادة تدوير موادها في أماكن
جديدة[1]،
أدرجت على أنها ذات طابع اقتصادي الغرض منه التقليل من كلفة البناء في بعض الاحيان[2]،
ومن الممكن أن تحمل في طياتها طابعاً رمزياً يراد به التقليل من إنجازات الأمم
السابقة وتثبيت سلطة الدولة وهيبتها. وفي سامراء مثّل تفكيك قصور الدولة واستخدام
حجارتها في مدن أخرى نوعًا من نقل السلطة من مركزٍ إلى آخر، فكل حجرٍ يُنقل من
سامراء كان شاهدًا على أفول عصرٍ وبزوغ آخر[3].
ثم تطورت عمليات الهدم بعد أن
كانت تقتصر على عمائر الأمم السابقة شملت مشيدات العصر العباسي، وأصبحت مباحة في
أي وقت ولأي منشأة معمارية، ولأي سبب كان، فهدمت الكثير من الأبنية التي شيدها
الحكام العباسيون وغيرهم في عصر قوتهم لا سيما في مدينة بغداد، فظهرت مرحلة جديدة
في تاريخ العمارة العباسية يمكن أن نطلق عليها الهدم الذاتي[4].
ومن الطبيعي أن تتأثر المدن
العراقية بالظروف التي مرّت بها حاضرت الدولة ومنها مدينة سامراء، فما وصل إلينا
من أخبارها يثبت أنها استمرت بالتدهور والانحطاط العمراني بعد أن هجرت في نهاية
القرن الثالث الهجري وصولاً إلى نهاية العصر العباسي[5]،
هذه الظاهرة – أي إعادة توظيف عناصر العمارة السابقة – ليست جديدة في التاريخ
الإسلامي، لكنها في حالة سامراء بلغت مستوى فريدًا؛ بسبب ضخامة المدينة وغناها
بالمواد الإنشائية الفاخرة، في ضوء هذا المفهوم يمكن فهم ما حدث في سامراء بوصفه
حلقةً في سلسلة التطور الحضاري للعراق، حيث يتحوّل الهدم إلى فعلٍ بنّاءٍ بالمعنى
الثقافي، وخسارة لا يمكن تعويضها في المنظور الآثاري.
المبحث الأول: مرحلة
البناء وبدايات الهدم في مدينة سامراء حتى سنة(334هـ)
لم يكن تأسيس مدينة سامراء من
قبل المعتصم العباسي سنة (221هـ) مجرد حدث عمراني مثل انعكاسًا لتكامل السلطة
والعمران في الحضارة الإسلامية، وإنما أنتج مدينة قد فاقت مثيلاتها من المدن
العربية بسبب استقدام أعداد كبيرة من المعماريين والحرفيين والفنانين من مختلف أنحاء
الدولة الإسلامية، وهؤلاء بدورهم وضعوا كل ما يمتلكون من خبرات في هذا المجال[6]،
مما أسهم في ظهور طراز فني جديد ومميز عرف بطراز سامراء، استخدم فيه الجص لطلاء
الجدران؛ لسهولة نقشه وزخرفته، فظهرت قصورها ومبانيها كتحف معمارية رائعة[7]،
فكان لسامراء طراز خاص «ترك
بصماته على أغلب منتجات الفنون الإسلامية في شتى أقطار العالم الإسلامي»[8].
مثّلت المدينة مشروعًا سياسيًا
وإداريًا واقتصاديًا متكاملًا جسّد ذروة التنظيم العباسي، لكنه حمل في داخله بذور
الاضمحلال ذاته، فالطابع العسكري للمدينة جعل ازدهارها مرهونًا باستمرار القوة
السياسية، وعندما تزعزعت تلك القوة بدأت ملامح الإنهيار تظهر تدريجيًا[9].
ومن المهم أن نذكر المواد
الأولية التي استخدمت في بناء مدينة سامراء؛ كونها العنصر الحاسم في عملية الهدم
والبناء، فأنواعها وطبيعتها مهد فيما بعد لتحديد مصيرها وحركة التدوير التي
شهدتها، فلم يكن من السهل بناء مدينة ذات أبنية فائقة الضخامة شيدت على مساحة شاسعة
كان أبطالها الآلاف من المهندسين والفنانين والعمال[10]
من دون توفير مواد أولية كفيلة بتغطية التفاصيل المعمارية الكبيرة للمدينة، ومن
أهمها المواد المتوفرة محلياً كاللبن والآجر والجص والحجر والحصى[11].
كما أثبتت التنقيبات الأثرية استعمال مواد أخرى في تقنيات البناء مثل من الكلس
والرماد لا سيما في الأرضيات والمناطق التي تتعرض للمياه والرطوبة؛ للحيلولة دون
التلف والتأكل[12].
وهناك إشارة إلى إحضار بعض
أنواع الآجر والأبواب وغيرها من أنقاض مدينة النجف والحيرة وبغداد[13].
أما السقوف فكانت من جذوع النخيل جلبت من البصرة. يضاف إلى ذلك الخشب القوي
وأساطين الرخام والأحجار التي وضعت في الأرضيات أو تغليف الجدران، وتلك المواد،
أحضرت من الدول المجاورة للعراق كمدن الشام وبلاد فارس وغيرها. فكان للتنوع
الجغرافي للدولة الإسلامية أثر في تعدد موارد المواد الأولية وصقلها على يد خبراء
العمارة؛ لتمكنهم من ظهور عمارة المدينة بأبهى صورها[14]،
وهذا ما أظهرته التنقيبات الاثرية في بقايا أبنية المدينة[15].
أما المواد التي كانت تستعمل
لربط الطابوق والأجزاء الأخر أثناء البناء، فكانت مادة الجص في أغلب الأحيان، وتم
الاستفادة منه بصقل وتسوية الجدران وصبّ قوالب نقوش جاهزة لتثبت بعد ان تجف على
بعض الجدران والسقوف وغيرها، وقد غلفت جدران بعض الأبنية بقطع زجاجية كانت مركبة
بالجص أيضاً[16]. ولم يكن اختيار هذه المواد اعتباطيًا، بل جاء
نتيجة رؤية هندسية متكاملة تأخذ في الحسبان المناخ المحلي وطبيعة الأرض، فالآجرّ
يحتفظ بالحرارة نهارًا ويبرد ليلًا، مما جعله مثاليًا لبيئة العراق الحارة، كذلك
فإن استخدام الجصّ منح العمائر سطحًا ناعمًا يعكس الضوء ويُظهر الزخارف بوضوح فني
فائق.
ونتيجة لذلك، أصبحت المدينة
مختبرًا لتفاعل الأساليب المعمارية والفنية المتنوعة في العالم الإسلامي، استخدم
فيها البناؤون الطابوق المفخور والجص والآجر بكميات هائلة، وأُقيمت قصور فخمة
ومساجد عظيمة في زمنٍ قياسي، فقد كان إنشاء سامراء أيضًا مشروعًا اقتصاديًا ضخمًا
أنعش مناطق واسعة من العراق، حفّز الطلب على المواد البنائية والتجهيزات وحركة
النقل والتجارة على طول دجلة، وربط بين المدن العراقية في شبكة اقتصادية متكاملة،
غير أن هذا الازدهار كان يعتمد اعتمادًا كليًا على إنفاق الدولة، مما جعل المدينة
رهينةً لاستقرار السلطة السياسي والمالي[17].
يرتبط الوضع السياسي لكل بلد
بصورة مباشرة بالحالة العمرانية، فما أن يستقر الوضع السياسي حتى يستقيم معه كل
مفاصل الدولة. وإذا أردنا أن نقيم اسقاطات السياسة على عمارة مدينة سامراء يلاحظ
أن عمر المدينة لم يدم سوى ما يقارب نصف القرن؛ إذ شهد ظهورها نهاية عصر القوة
وبداية عصر التدهور رغم اتساع رقعتها الجغرافية وكثرة أبنيتها المتقنة، وقد شكّلت
تلك العمارة الفريدة قاعدة مادية لما تلاها من عمليات نقض وإعادة استعمال لمكونات
المدينة في عصور لاحقة.
فلم تلبث أن شهدت تحولاً
ملحوظاً منذ عهد المتوكل(232-247هـ) الذي وضع سنّة هدم الأبنية وإعادة تدوير
موادها الأولية فيها؛ إذ باشر بهدم المسجد الذي شيده المعتصم عند انتقاله إليها
سنة (221هـ) بحجة عدم استيعابه لأعداد المصلين، وكان موقعه في طرف السوق[18]،
ولم يمض عليه عشر سنوات، وكان يسمى الجامع القديم[19]،
ومن المرجح ان يكون استغل مواده البنائية في عمارة جامعه الجديد المعروف بالملوية،
وقد ظهر ذلك جلياً حينما أهدر موارد الدولة ليضيف إلى سامراء مدينة أخرى سميت
بالمتوكلية في سنة (245هـ)[20]،
مستعملاً في بنائها مواد وأجزاء من أبنية سامراء، فأمر بهدم قصري البديع والمختار،
مع انه شيدهما مسبقاً، ولم يمض على ذلك وقت طويل وكانا غاية في الجمال والروعة،
فلم يكن هناك أحسن منهما بناءً وأثاثاً، زينت جدرانهما بالصور[21]،
والسبب في ذلك لاستعمال ساجهما وموادهما الأخرى في مدينته الجديدة، ووضعها في قصره
المعروف بالجعفري الذي أنفق عليه حوالي مليوني دينار[22]،
ثم لم تلبث مواد البناء في الجعفري طويلاً، إذ عادت إلى سامراء مجدداً بعد أن أمر
ابنه وخليفته المنتصر بالله (247-248هـ) بهدم قصور وأبنية المتوكلية، ونقل موادها
عند عودته إلى المدينة سنة (247هـ)[23]،
بسبب الصراع العائلي والعداء الشخصي بينه وبين أبيه حتى وصل الأمر إلى اتهامه
بقتله، فنقلت معظم المواد التي بنيت بها المتوكلية كتعبير عن غضبه على سياسة أبيه
مع أن عُمر المدينة لم يدم سوى حوالي تسعة أشهر[24].
وعلى مستوى أبنية عامة الناس
وحاشية الحاكم ومن يتبعهم، الذين تبعوا المتوكل حين تحول عن سامراء وبنوا دورهم في
المحلات والاقطاعات التي وزعها عليهم، ولكثرة من تبعه قيل بأن سامراء كادت تخلو من
الناس، وبعد هدم قصور الدولة وغيرها أصبح السكن بالمدينة غير ذي جدوى، فعادوا
حاملين معهم أنقاض دورهم إلى سامراء. ومن تلك المرحلة بدأت مظاهر النقض العمراني
بالظهور، لتغدو بعدئذ ظاهرة متكرّرة تجلت في تفكيك الأبنية ونقل موادها إلى مواضع
أخرى، وهو ما شكّل بداية التدهور العمراني الذي اعترى المدينة حتى انحسار دورها
الحضري في العصور اللاحقة[25].
ثم استمرت عمليات الهدم في
مدينة سامراء فيما بعد، فنقضت قصور الشاه والحير والعروس، التي شيدها المتوكل سنة
(241هـ) وأنفق عليها أموالاً طائلة بأمر من المستعين بالله (248-251هـ)، ليهَب
موادها إلى وزيره أحمد بن الخصيب (ت265هـ)[26]؛
ليستفيد منها في بناء قصره الواقع عند الشارع الأعظم في سامراء قرب باب البستان[27]،
ولم تستقر مواد القصر طويلاً، فهدم وسوي بالأرض ونفي صاحبه، على أثر اتهامه
باغتصاب الأموال التي عمّره بها بغير حق[28].
وأسهم الصراع الذي دار بين من
تبع المنتصر من أبناء البيت العباسي حول الحكم بإضعاف سلطة الدولة وتحكم القادة
الأتراك بمفاصل الدولة وعدم استقرار الأوضاع الداخلية والاقتصادية[29].
كانت مغادرة المعتضد العباسي لسامراء وعودة السلطة إلى مدينة بغداد بمثابة إسقاط
الغطاء السياسي عنها[30]
من جهة وايذانا بظهور مرحلة مشابهة لما جرى في المتوكلية، فسكان المدينة
شهدوا في الأمس القريب هدم المدينة، وقد يكون بعض منهم نالت فؤوسهم قصورها وبعض
آخر سمع بذلك، مما أسهم في إعادة فكرة إباحة ممتلكات الدولة وغيرها في العقل
الجمعي للناس. ومن الطبيعي ان يستسيغ قادة وجنود الجيش الذي قدم من سامراء فكرة
الهدم لا سيما وأنهم من سكان سامراء، ولعلهم أعادوا التجربة فيها، بعد أن خسرت
سامرّاء أهميتها السياسية، ولم تعد السلطة المركزية ترى وجوب صيانتها أو الحفاظ
عليها، بينما. كانت بغداد والمدن الأخرى في حالة تقدم عمراني متجدد، فتمت إعادة
توجيه الموارد إليها. هذا النوع من النقل العمراني يعكس سياسة إعادة التمركز
الحضري السائدة في العصور الإسلامية.
ثم بدأت أعداد سكان سامراء
بالتناقص تدريجياً وتضاءلت شهرتها، فلم تعد عاصمة الدولة الإسلامية وانزوت وتحولت
إلى قرية صغيرة بعد أن امتدت عمارتها إلى مسافات شاسعة[31]،
وبدأت المدينة مرحلة جديدة من تاريخها المعماري، فما إن وصلت إلى القمة والذروة
انحدرت وبدأت بالنزول والزوال التدريجي، فتحولت عماراتها الضخمة والواسعة إلى
مناجم لمواد البناء لمن شاء أن يشيد قصراً أو جامعاً أو مدرسةً، طوال العصور
العباسية المتعاقبة[32]؛
لكثرة ما استعمل فيها من المواد الأولية المتنوعة التي جلبت من مختلف أقطار العالم
الإسلامي؛ لذلك كان «عمرانها يطوى وخرابها ينتشر»[33].
المبحث الثاني: تفكك
ابنية سامراء وإعادة توظيف موادها المعمارية من سنة (334هـ إلى 656هـ)
كان انحسار الدور العمراني والحضاري لمدينة
سامراء نتيجة تفاعلٍ معقد بين عوامل سياسية واقتصادية واجتماعية وبيئية؛ إذ بدأت
المدينة التي كانت في يومٍ من الأيام عاصمة الإمبراطورية العباسية، تتحول تدريجيًا
إلى أطلالٍ صامتة، ففي العصر الذي شهد عودة السلطة إلى بغداد كان الاستقرار
السياسي نسبياً، ثم أخذ بالتدهور حتى وصول البويهيين (334-447هـ) إلى العراق
وسيطرتهم على مقاليد الحكم في البلاد، ولم يتمكنوا من ضبط أحوالها بشكل تام؛ لوجود
صراعات بين أبنائهم حول السلطة تزامنت مع تحول العديد من أبنية مدينة بغداد إلى
خرائب وعرضة للنهب. ولم يختلف وضع أبنية سامراء عنها فكانت أعمال الهدم فيها
مستمرةً وواضحةً لكل من شاهدها[34]،
بل إنّ البويهيين لم يترددوا في نقض أبنية المدينة، وإحضارها إلى مواقع بناء
قصورهم التي شيدوها في بغداد، إذ أمر معز الدولة البويهي(334-356هـ) بهدم العديد
من القصور التي كانت قائمة في مدينتي بغداد وسامراء عندما شرع ببناء قصوره في محلة
الشماسية شمال الجانب الشرقي من بغداد سنة(350هـ)[35]،
ويبدو أن سوق بيع المواد الأولية كان رائجاً في ذلك الوقت، فقد سجل ذلك العصر
حالات هدم بعض الدور الضخمة، وبيع أدواتها للاستفادة من أموالها في حل أزماتهم
النقدية، وقد بدا ذلك واضحاً حين بدأ نفوذهم على موارد البلاد بالضعف[36].
وعلى إثر ذلك سعى الأمير عضد
الدولة البويهي(367-372هـ) لتقليل الفوضى العمرانية بحملة إعمار وتنظيف، من أجل
الحد من الدمار الذي جرى على البلاد وأدى إلى شيوع عمليات الهدم لا سيما في مدينة
بغداد[37]؛
لخطورة الوضع الذي وصلت إليه حال القصور والدور الكبيرة نتيجة لما قام بها
الخرابون من دون محاسبة الدولة، فصدرت الأوامر «برفع سنّة الإخراب وبيع
الأنقاض»[38].
والظاهر أن تلك الحملة لم تعالج
وضع العمارة لأمد طويل؛ نتيجة لكثرة المشاكل السياسية التي واجهت البويهيين. أما
في العصر السلجوقي (447-590هـ)، فكان مصطلح الخرابات متداولاً؛ لكثرة ما هدم من
القصور الفخمة والواسعة في مدينة بغداد[39].
ومن الطبيعي أن تكون القصور والأبنية الفخمة التي تحتوى على مواد إنشائية مغرية
عائدة لكبار الطبقة السياسية في بلد شهد تغييراً شاملاً لنظام الحكم، عرضة للنهب[40]
من قبل أصحاب السلطة والنفوذ وعامة الناس[41].
ومن دون شك فقد عمت تلك الفوضى
في مختلف أنحاء البلاد، فإذا كان حال عمائر عاصمة الدولة قد وصل إلى تلك الحالة من
التدهور، من الممكن أن ينطبق ذلك على مدينة سامراء. والظاهر أن مرور الزمن على
هجرها لم يكن الموجب الرئيس في اندثار أغلب عمائرها، فهناك ما دل على أنها قد
تحولت إلى منجم للمواد الأولية لكل من أراد تشييد أبنية فاخرة، فتابع
السلاجقة البويهيين في هدم الأبنية والاستفادة منها، ففي سنة (459هـ) قام كبير
موظفي السلاجقة في بغداد أبو سعد المستوفي (ت494هـ)[42]
بعمارة قبر أبي حنيفة النعمان، وصمم على أن يجعله من أجمل وأوسع المراقد في بغداد،
فخصص له قطعة أرض واسعة بعد أن اشترى الأبنية المحيطة به وهدمها، وأُحضرت بعض
المواد التي استعملت في البناء من أبنية سامراء[43].
وعندما باشر السلطان ملك شاه (465-485هـ)[44]
ببناء ما عرف بدار السلطنة السلجوقية الواقعة في الجانب الشرقي من بغداد، أراد ان
يضيف إليها مسجداً جامعاً، سمي بمسجد السلطان أُحضرت «أخشابه من جامع سامرا»[45].
وظلت مدينة سامراء مصدراً مهماً
من مصادر المواد الأولية حتى العصور العباسية المتأخرة، ففي سنة (653هـ) تم نقل
النافورة الضخمة المصنوعة من الحجر المجوف المعروف بقصعة فرعون من المسجد الكبير
في سامراء[46]،
ونُصبت في إحدى أهم المدارس في بغداد وهي المدرسة الشرابية[47]،
ويبدو أن كبر حجم النافورة وصعوبة نقلها لثقل وزنها قياساً لإمكانيات ذلك الوقت،
أدى إلى تأخر قلعها وإعادة تدويرها في مكان آخر، فقد كلف نقلها في زمن المتوكل
حوالي ألف وخمسمائة دينار[48].
ونتيجةً لما طال مدينة سامراء
من أعمال هدم مستمرة، استولى عليها الخراب وتلاشت معظم عماراتها في القرن السابع
الهجري ولم يبق منها الا محلات صغيرة متباعدة أهمها المحلة التي احتوت على مرقد
الإمام علي الهادي وابنه الحسن العسكري(عليه السلام)، ومحلة كرخ سامراء، فيكون
التحول الوظيفي في المدينة من القصور الضخمة والأبنية الشاهقة التي زالت بزوال
مؤسسيها بسبب الأطماع وحب السلطة إلى مزار ديني يقصده الناس للدعاء والتبرك، وتحول
المشهد العمراني للمدينة من معبر عن السلطة الدنيوية الزائلة إلى السلطة الرمزية
الباقية، فانتقلت مركزية الجذب من القصور التي شيدها العباسيون إلى الأضرحة التي
خلدت سيرة الأئمة الأطهار[49]
.
المبحث الثالث: العوامل
المؤدية إلى الهدم وإعادة التوظيف في مدينة سامراء حتى سنة (656هـ)
أصبحت قضية هدم المباني وبيع
أنقاضها في العصر العباسي من الأمور الشائعة؛ وذلك لكثرتها من جهة، واحتواء بعضها
على مواد أولية غالية الثمن، فمعظم القصور وضع فيها المرمر والأخشاب الفاخرة
كالساج وغيره، مما جعلها ذات أهمية كبيرة. والظاهر ان بعض الحكام العباسيين والسلاطين
قاموا بهدم العديد من القصور الكبيرة وحمل موادها كالآجر والأخشاب إلى أماكن تخضع
للحراسة؛ لتفويت الفرصة على عامة الناس من العبث بها وبيعها[50].
كما شهد العصر العباسي المتأخر
منافسة بين الحكام العباسيين والسلاطين السلاجقة حول هدم المباني القديمة وحمل
موادها إلى مقراتهم، فكانت تتوزع بين دار الخلافة ودار السلطنة؛ للاستفادة منها في
تغطية تكاليف القصور الكبيرة التي يشيدها الحكام والسلاطين[51].
وبدأنا نشهد تطور في عملية تدوير مواد البناء، فقد أخذ التحفظ عليها أبعاداً أخرى،
فكان بعض الحكام يهبونها إلى من يشاؤون بدلاً من الأموال، فجعلوا من مخزون الآجر
واللبن والأخشاب رصيداً اقتصادياً، بينما كان أسلافهم يغدقون الأموال والجواهر على
المغنين والشعراء وغيرهم[52].
وعلى الرغم من عدم امتلاكنا
أدلة دامغة عن أسعار مواد البناء في تلك المدة، إلا أن المعطيات عن كثرة هدم
الأبنية واستعمال آجرها يبين أنها كانت ذات قيمة مادية جيدة، فلو كانت غير ذلك لما
أصبح إعادة استعمالها ظاهرة ملفتة للنظر في العصر العباسي[53]،
فقد تكررت عملية نقض الأبنية وحمل موادها من سامراء إلى بغداد للاستفادة منها في
مشاريع معمارية ضخمة[54].
وإن كانت عمليات الهدم
والاستفادة من موادها من قبل أصحاب السلطة تدور حول القصور والعمائر الضخمة، فقد
سار عامة الناس على مسيرة حكامهم، وإن كانت تطلعاتهم متواضعة، فكل طبقة تهدم ما
يناسبها؛ إذ أخذ الفقراء والعامة بهدم المباني والدور القديمة والمهجورة للاستفادة
من أنقاضها وإن كانت متواضعة، لكنها تلبي طموحاتهم واحتياجاتهم؛ ليعاد تدويرها في
بيوت صغيرة مرةً أخرى[55]،
على الرغم من عدم إجازة ذلك من بعض الفقهاء؛ كونها أملاكاً خاصة وان كانت متروكة
أو مهدمة[56].
إلا أن الحد من تلك الظاهرة لم يجد نفعاً، حيث بينت الدراسات الحديثة أن هدم
العمائر والاستفادة من مخلفاتها شمل معظم المدن العراقية بما فيها سامراء[57].
ومن المعروف أنّ أغلب سقوف
العمائر العراقية كانت من الخشب بأنواعه وهو الوقود الرئيس المستعمل في الطبخ
والتدفئة وغيرها؛ لذلك كانت الحاجة إلى طلبه مستمرة، فنجد بعض الإشارات إلى أن
عامة الناس والفقراء اتخذوا من قلع سقوف المباني مصدراً للعيش من خلال بيعها على
الخبازين، ومن المحتمل أن يقتصر ذلك على التالف والمتهرئ منها؛ لعدم إمكانية
تدويره في أبنية أخرى[58].
ومن الملاحظ أن قضية الهدم
والبناء وإعادة تدويره استمرت حتى العصور العباسية المتأخرة، وأصبحت جزءاً من
الأعمال التي تمارسها جماعات مختصة، وتحول بيع الأنقاض إلى تجارة رائجة في بعض
الأحيان، إذ وفرت لهم مورداً مالياً يعتمد على بيع أنقاض العمارات المهجورة أو المخربة،
فأطلق عليهم مصطلح الخرابون[59].
وكان للتحولات في خطط المدن أثر
كبير فتغيير مكانة أي مدينة قد تؤدي إلى تركها لأيّ سبب من الأسباب، فيصبح سعر
العقار فيها متدنياً ولا يساوي قيمتها الحقيقة ولا حتى قيمة المواد الانشائية التي
وضعت فيها، أو تكون مصادر مغرية لمن أراد أن يتجاوز عليها وينهب موادها، فلجأ
أصحاب العقار في بعض المحلات إلى هدمها والاستفادة من قيمة موادها البنائية عن
طريق بيعها كتعويض الخسارة من جهة، وقطع الطريق أمام كل من يفكر في التعدي عليها
ونهبها، مما يدلل على وجود من يتحين الفرصة ويهدم العقارات المتروكة ورواج تجارة
بيع مواد البناء المستعملة[60].
وقد كان للسكان المحليون دور كبير في هدم الكثير من مباني وقصور سامراء؛ وذلك لعدم
ادراكهم لأهميتها كمعالم حضارية من جهة، وقربها من أماكن سكنهم من جهة أخرى، ومن
أهمها قصر المعتصم؛ إذ تم العثور على بقايا جدرانه قد وضعت في المباني المشيدة
بالقرب من المدينة القديمة[61].
ولا يستبعد ان تكون عمليات هدم الأبنية والاستفادة من موادها وتدويرها داخل حدود
سامراء كانت شائعة.
وقد كان لطبيعة أرض مدينة
سامراء دور كبير في إمكانية الاستفادة من المواد الإنشائية المتواجدة هناك،
فوجود مناطق طينية واسعة وصالحة لعمل الآجر وأنواع من التربة الكلسية التي تصلح
لإنتاج أنواع الجص الجيد جعلها مقالع غنية بمواد إنشائية لا غنى عنها[62].
ومن المهم أن نعلم أن المواد
التي كانت تستعمل لربط الآجر والطابوق ببعضه في أغلب المدن العراقية، ومنها
سامراء، هي من شجع على الهدم وإعادة البناء، وذلك لسهولة إزالتها وفرزها من دون أن
تلحق أضراراً في اللبن أو الآجر؛ لأنها تتكون من الطين أو الجص وهما من المواد ذات
الخواص القابلة للتفتيت بيسر من جهة، ولا تتطلب أعداداً كبيرة من الأيادي العاملة،
أو وقتاً طويلاً، وبذلك تكون كلفة هدمها غير عالية، ومربحة لمن أراد المتاجرة بها
أو إعادة استعمالها للبناء في مكان آخر[63].
كما نجد أن تكرار الفيضانات
والكوارث الطبيعية أدى إلى الحاجة الملحة لبناء السدود أو الأسوار المحكمة التي
تتطلب السرعة في الإنجاز وكميات كبيرة من الآجر وغيره من المواد، ومن المحتمل أن
تكون بعض أبنية سامراء قد نقضت لأجل ذلك كما كان يحدث في بغداد[64].
وقد أسهمت محاذاة مدينة سامراء
لنهر دجلة بشكل كبير بتسهيل حركة نقل المواد الأولية في وقت كانت فيه حركة الملاحة
النهرية أفضل طريقة لنقل البضائع من شمال إلى جنوب العراق، وكان الشارع الذي سمي
بشارع الخليج من أهم المناطق التي يتم فيها التبادل التجاري عن طريق السفن المحملة
بالبضائع والراسية عند نقطة اتصاله بالنهر، فقد تم إحضار أغلب متطلبات المدينة عن
طريقها، وعند خراب المدينة وانحسار مركزيتها على إثر انتقال الثقل السياسي إلى
بغداد، يبين ان استراتيجية سحب موادها إلى المراكز الحيوية اعتمد بشكل كبير على خط
نهر دجلة، والاستفادة من سهولة وقلة كلفة النقل النهري[65].
إن تقادم الزمن على المباني المشيدة في العصر
العباسي، الممتد زهاء خمسة قرون، يعد عاملًا أساسيًا في اندثار الكثير من معالمه
المعمارية؛ إذ أدّى طول المدة، المصحوب بضعف الوعي التاريخي لدى أغلب الناس، إلى
عدم تقدير القيمة الجمالية والأثرية لتلك الأبنية القديمة، فتعرضت للهدم وأعيد
تدوير موادها في إنشاءات تالية، فإنّ ما شُيّد في بدايات الدولة العباسية أخذ
يتقادم تدريجيًّا حتى صار في أواخر عهدها من الآثار المهملة التي لم تُصن أو
تُحفظ، فتقادم البناء في بعض القصور الفخمة وعدم إمكانية ترميمها وانتفاء الحاجة
إليها والاستفادة من المساحات الواسعة المميزة التي كانت تشغلها، وللانتفاع من
إعادة تدوير موادها في بناء أبنية وقصور جديدة اثر كبير في تكرار حالات الهدم في
العصور العباسية لا سيما المتأخرة منها[66].
الخاتمة
تكشف دراسة مدينة سامراء، من خلال منظور جدلية
البناء والهدم، عن عمق العلاقة بين السياسة والعمران في الحضارة الإسلامية، لقد
كانت المدينة تجسيدًا حيًّا لفكر الدولة العباسية، ومسرحًا للتفاعل بين الطموح
الإمبراطوري والواقع المادي، فحين تأسست سامراء كانت رمزًا للقوة والتنظيم، وحين
انهارت أصبحت شاهدًا على هشاشة المجد البشري أمام تقلّبات الزمن، إنّ عملية البناء
في سامراء لم تكن فعلًا عمرانيًا فقط، بل كانت إعلانًا سياسيًا وثقافيًا، بينما
مثّل الهدم الوجه الآخر لتلك الجدلية؛ إذ عبّر عن التغيّر التاريخي والانتقال من مرحلةٍ
إلى أخرى.
يُظهر تحليل العوامل المؤدية
إلى هدم أغلب أبنية سامراء أنها لم تهدم بسبب عاملٍ واحدٍ، بل نتيجة تفاعلٍ جدلي
بين السياسة والاقتصاد والمجتمع والبيئة، فقد كان عمرانها مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا
بقوة الدولة المركزية، وعندما انهارت تلك الدولة تهاوى البناء المادي والمعنوي
معها، فما حدث فيها يُعدّ نموذجًا واضحًا لتأثير التحوّلات السياسية في العمران.
تُبرز دراسة جدلية البناء
والهدم في سامراء أن العمارة ليست مجرد نشاطٍ ماديّ، بل فعلٌ فكريّ وحضاريّ يظهر
صراع الإنسان مع الزمن والسلطة والبيئة، فقد جسّدت سامراء بأطوارها المختلفة – من
البناء إلى الهدم إلى إعادة التدوير– مسار الحضارة الإسلامية في تقدمها وانكسارها
وتجددها، وإذا كانت المادة قد تفكّكت، فإن المعنى استمرّ، وإذا زالت المدينة
فيزيائيًا، فإنها بقيت في الذاكرة المعمارية للعراق والعالم الإسلامي إلى يومنا
هذا.
ومن خلال تتبّع هذه الجدلية،
يتبين أن العمارة الإسلامية في العراق كانت مرآةً صادقةً للتبدلات الكبرى في بنية
الدولة والمجتمع، فالمدينة الإسلامية – كما تجسّدت في سامراء – ليست كيانًا
جامدًا، بل كائنٌ حيٌّ يتفاعل مع الدين والفكر والسياسة والاقتصاد، وكل مرحلة من
حياتها بناءً أو هدمًا أو إعادة توظيف تحمل دلالةً حضاريةً عميقة عن مفهوم
الاستمرارية والبعث في الحضارة الإسلامية.
المصادر
والمراجع:
1) ابن الأثير، عز الدين أبو الحسن
أبو الحسن علي الجزري (ت630هـ-1233م)، الكامل في التاريخ، دار صادر، بيروت،
1386هـ،1966م.
2) ابن الجوزي، أبو الفرج عبد
الرحمن بن علي (ت597هـ-1201م)، المنتظم في تاريخ الملوك والأمم، تحقيق محمد عبد
القادر عطا، مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1412هـ-1992م.
3) ابن العمراني، محمد بن علي بن
محمد (ت580هـ)، الأنباء في تاريخ الخلفاء، تحقيق قاسم السامرائي، دار الآفاق
العربية، القاهرة، ط1، 2001م.
4) ابن الفقيه، أبو عبد الله أحمد
بن محمد الهمذاني (ت 340هـ-951م)، البلدان، تحقيق يوسف الهادي، عالم الكتب، بيروت،
ط1، 1416هـ-1996م.
5) ابن الفوطي، عبد الرزاق بن تاج
الدين الشيباني (ت 723هـ-1323م)، الحوادث الجامعة والتجارب النافعة في المائة
السابعة، تحقيق مهدي النجم، ط1، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1424هـ-2002م.
6) ابن تغري بردي، جمال الدين أبي
المحاسن يوسف (ت874هـ-1469م)، النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، المؤسسة
المصرية العامة للطباعة والنشر، القاهرة، دت.
7) ابن حوقل، أبو القاسم محمد
البغدادي (ت376هـ - 986م)، صورة الأرض، مطبعة بريل، ليدن، 1357هـ-1938م.
8) ابن خلكان، أبو العباس أحمد بن
محمد(ت681هـ-1282م)، وفيات الأعيان وانباء ابناء الزمان، تحقيق احسان عباس، دار
الثقافة، بيروت، د.ت.
9) ابن رسته، أبو علي أحمد بن عمر
(ت بعد 292هـ-905م)، الاعلاق النفيسة، مطبعة بريل، ليدن، 1311هـ-1893م.
10) ابن كثير، أبو الفداء اسماعيل
(ت 774هـ-1372م)، البداية والنهاية، تحقيق علي شيري، ط1، دار إحياء التراث، بيروت،
ط1، 1408هـ-1988م.
11) الأصفهاني، أبو الفرج علي بن
الحسين (ت356هـ-967م)، الأغاني، تحقيق مكتب تحقيق دار إحياء التراث العربي، دار
إحياء التراث العربي، بيروت، 1414هـ-1994م.
12) البلاذري، أحمد بن يحيى بن جابر
(ت279هـ-892م)، فتوح البلدان، تحقيق صلاح الدين المنجد، مكتبة النهضة المصرية،
القاهرة، 1376هـ-1956م.
13) الثعالبي، أبو منصور عبد الملك
النيسابوري (ت429هـ)، الاقتباس من القرآن الكريم، تحقيق ابتسام مرهون، جدار للكتاب
العالمي، اربد، ط1، 2008م.
14) جواد، مصطفى وسوسة، أحمد، دليل
خارطة بغداد المفصل في خطط بغداد قديما وحديثا، مكتبة الحضارات، بيروت، 2011م.
15) الحموي، ياقوت شهاب الدين بن
عبد الله الرومي (ت 626هـ-1229م)، معجم البلدان، دار إحياء التراث العربي، بيروت،
1399هـ-1979م.
16) الخطيب البغدادي، أبي بكر أحمد
بن علي (ت 463هـ-1071م)، تاريخ بغداد أو مدينة السلام، تحقيق مصطفى عبد القادر،
دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1417هـ-1997م.
17) الذهبي، شمس الدين محمد بن أحمد
(ت 748هـ-1347م)، سير أعلام النبلاء، تحقيق حسين الاسد، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط9،
1413هـ-1993م.
18) سبط ابن الجوزي، يوسف بن
قزاوغلي (ت654هـ)، مرآة الزمان في تواريخ الأعيان، تحقيق محمد بركات وآخرون، دار
الرسالة العالمية، دمشق، ط1، 2013م.
19) سفر، فؤاد والحسيني وصادق،
صيانة الأبنية الأثرية في العراق، مديرية الاثار العامة، دار الجمهورية، بغداد،
1965م.
20) سلمان، عيسى واخرون، العمارات
العربية الإسلامية في العراق، دار الرشيد، بغداد،1982م.
21) سلمان، عيسى، تخطيط المدن، بحث
منشور ضمن موسوعة حضارة العراق، دار الجيل، بيروت،1985م.
22) الشابشتي، أبو الحسن علي بن
محمد (ت 388هـ-998م)، الديارات، تحقيق كوركيس عواد، مكتبة المثنى، بغداد، ط2،
1386هـ-1966م.
23) الصابي، أبو الحسين هلال بن
المحسن (ت 448هـ)، الوزراء أو تحفة الأمراء في تاريخ الوزراء، تحقيق عبد الستار
أحمد فراج، مكتبة الأعيان، القاهرة، د.ت.
24) الصولي، محمد بن يحيى (ت
335هـ-947هـ)، الاوراق، تحقيق ج.هيورث. دن، مطبعة الامل، القاهرة، 1425هـ-2004م.
25) الطبري، محمد بن جرير
(ت310هـ-922م)، تاريخ الرسل والملوك أو تاريخ الطبري، تحقيق لجنة من العلماء،
مؤسسة الأعلمي، بيروت، ط4، 1403هـ-1983م.
26) عبد الرزاق، أحمد، الفنون
الإسلامية حتى نهاية العصر الفاطمي، ط1، كلية الآداب جامعة عين شمس، ط1،
القاهرة،2001م.
27) عثمان، محمد عبد الستار،
المدينة الإسلامية، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت -1990م.
28) العلي، صالح أحمد، خطط البصرة،
مجلة سومر، مجلد 8، بغداد، 1952م.
29) العميد، طاهر مظفر، العمارة
العباسية في سامراء في عهدي المعتصم والمتوكل، دار الحرية، بغداد،1976م.
30) الغساني، اسماعيل بن العباس
(ت802هـ-1401م)، العسجد المسبوك والجوهر المحكوك في طبقات الخلفاء والملوك، تحقيق
محمود عبد المنعم، دار البيان، بغداد، 1395هـ-1975م.
31) كريزويل، كبيل ارشبيلد، الآثار
الإسلامية الأولى، ترجمة عبد الهادي عبلة، ط1، دار قتيبة، دمشق، ط1، 1984م.
32) ماري بن سليمان (القرن الثالث
الهجري)، أخبار فطاركة كرسي المشرق من كتاب المجدل لماري بن سليمان، مكتبة المثنى،
بغداد، 1964م.
33) مديرية الاثار العراقية
القديمة، سامراء، مطبعة الحكومة، بغداد،1940م.
34) المسعودي، أبو الحسن علي بن
الحسين (ت 346هـ-957م)، مروج الذهب ومعادن الجوهر، تحقيق يوسف اسعد داغر، دار
الهجرة، قم المقدسة، ط1، 1404هـ-1984م.
35) مسكويه، أحمد بن محمد
(ت421هـ-1030م)، تجارب الأمم وتعاقب الهمم، تحقيق أبو القاسم امامي، دار سروش،
طهران، ط2، 1422هـ-2001م.
36) المقدسي، محمد بن أحمد البشاري
(ت 380هـ-990م)، أحسن التقاسيم في معرفة الاقاليم، ط3، مكتبة مدبولي، القاهرة، ط3،
1411هـ-1991م.
37) الهروي، أبو الحسن علي بن أبي
بكر(ت611هـ-1214م)، الإشارات إلى معرفة الزيارات، تحقيق علي عمر، مكتبة الثقافة
الدينية، القاهرة، ط1، 1423هـ-2002م.
38) الهمداني، محمد بن عبد الملك (ت
521 هـ-1127م)، تكملة تاريخ الطبري، تحقيق ألبرت يوسف كنعان، المطبعة الكاثوليكية،
بيروت، ط2، 1381هـ-1961م.
39) اليعقوبي، أحمد بن أبي يعقوب بن
جعفر (ت292هـ-905م)، البلدان، تحقيق محمد أمين ضناوي، دار الكتب العلمية، بيروت،
1423هـ-2002م.
40) اليعقوبي، أحمد بن أبي يعقوب بن
جعفر (ت292هـ-905م)، تاريخ اليعقوبي، دار صادر، بيروت - د. ت.
41) يوسف، شريف، تاريخ فن العمارة
العراقية في مختلف العصور، دار الرشيد، بغداد، 1982م.
عمّر القناطر وأسقط الضرائب والمكوس وحفر الأنهار الخراب، وشيد مدرسة أبي حنيفة والسوق وغيرها من الأبنية، خُطب له من أقصى بلاد الترك إلى أقصى بلاد اليمن. وكانت الطرق في زمانه آمنة، وكانت أعماله في الخير جميلة، وكان يقف للمرأة والضعيف ولا يبرح إلا بعد أن ينصفهم. ينظر: ابن الجوزي، المنتظم، ج16، ص308 – ص309.