العدد الثالث عشر

المستبعد في القراءات الشواذ عند العكبري (ت 616 هـ)
تحميل
الباحثين م.م. أحمد هادي جاسم م.م. أحمد هادي جاسم

المستبعد في القراءات الشواذ عند العكبري (ت 616 هـ)

The Excluded in Irregular Readings According to Al-Akbari (d. 616 AH)

 

م.م. أحمد هادي جاسم

جامعة القادسيّة

كليّة الآثار

 

Asst. Lect: Ahmed Hadi Jassim

University of Al-Qadisiyah, College of Archaeology

 

الملخص:

يفكك هذا البحث إشكاليات الإبدال الصوتي والصرفي في القراءات القرآنية، مسلّطًا الضوء على ظواهر عدّة مثل إبدال الياء ألفًا أو همزةً، وإبدال النون إلى جيمٍ أو ظاء، ويستقصي الخلافات النحويّة والصوتيّة حول هذه الظواهر في ضوء أعمال العكبري وموازنتها بمواقف النحويين الكبّار كابن جني وسيبويه والزمخشري وأبي علي الفارسي. واعتمدت الدراسة منهج التحليل البنيوي النقدي، متتبعةً الجذور الصوتيّة والوظيفيّة للظواهر من خلال الشواهد القرآنية واللغويّة، مع مراجعة تداخل القاعدة النحويّة مع السياق البلاغي والاستعمال اللهجي.

وقد خلص البحث إلى أنَّ القواعد النحويّة العربية الكلاسيكيّة لم تكن مطلقة، بل شهدت تفاعلات مع الحاجة البلاغيّة أو الضرورة الشعريّة أو اختلاف القبائل، وظهر ذلك في مرونة النحويين في تفسير بعض الظواهر، لاسيما عند العكبري الذي قدّم رؤية وسيطة تمزج بين احترام القياس والانفتاح على السياق البلاغي والصوتي. كشفت الدراسة كذلك عن مركزيّة الأثر السمعي والغنّة في تحديد الإدغام والإخفاء، وبيّنت أنّ التحليل الصوتي الحديث يدعم في كثير من جوانبه الرؤية التراثيّة في تفسير الإبدال. وتؤكد نتائج البحث أنّ تحليل ظواهر الإبدال الصوتي في القرآن يمثل مدخلًا لفهم دينامية العربية بين النظام والاستعمال، ويعكس قدرتها على التكيّف مع التنوّع السياقي والزمني، مما يستدعي مواصلة البحث الموازن بين التراث والتحليل الصوتي المعاصر.

الكلمات المفتاحية: الإبدال الصوتي، الإدغام، التحليل الصوتي، العكبري، القراءات القرآنية.

Abstract:

 

This study deconstructs the issues of phonetic and morphological substitution in Quranic recitations, shedding light on phenomena such as substituting ya (ي) with alif (ا) or hamza (ء), and substituting nun (ن) with jeem (ج) or dha (ظ). It examines the grammatical and phonetic disputes around these phenomena through the works of Al-Akbari and compares them with the positions of major grammarians like Ibn Jinni, Sibawayhi, Al-Zamakhshari, and Abu Ali Al-Farisi. The study adopts a critical structural analysis method, tracing the phonetic and functional roots of these phenomena through Quranic and linguistic evidence, while reviewing the overlap between grammatical rules, rhetorical context, and dialectal usage.

The study concludes that classical Arabic grammatical rules were not absolute; they experienced interactions with rhetorical necessity, poetic license, or tribal differences, a flexibility that appeared in how grammarians interpreted certain phenomena, particularly Al-Akbari, who offered a middle-ground view blending respect for analogy with openness to rhetorical and phonetic context. The study also revealed the centrality of auditory effect and nasalization in determining assimilation and concealment, showing that modern phonetic analysis largely supports the classical perspective on substitution. The findings affirm that analyzing phonetic substitution in the Quran offers a gateway to understanding Arabic's dynamic balance between system and usage.

key words:

Phonetic substitution, assimilation, phonetic analysis, Al-Akbari, Quranic recitations.

 

المُقَـدَّمَة

الحمدُ للهِ حمداً يمتري المزيد من فضله، ونحمده حمداً هو أَهلٌ له، ونستعينه ونلتمسُ رضاه، والصلاة والسلام على خاتم أنبيائه ورسله محمَّد (صلى الله عليه وآله).

أمَّا بَعدُ:

تتشرف العلوم بموضوعاتها، وتتفاضل بقدر ما تحمله من شرف المباحث ودقة المسائل، ولما كانت القراءات القرآنية تدور حول كتاب الله تعالى وطرائق أدائه، فقد بلغت مكانة رفيعة، حتى عُدّت في الذروة والسنام بين سائر العلوم، وفي هذا السياق برز اسم محبّ الدين عبد الله بن الحسين بن عبد الله بن الحسين العكبري البغدادي الأزجي الضرير، المعروف اختصارًا بـ (أبي البقاء العكبري)، النحوي، وهو من أهل عكبرا التي تقع قرب نهر دجلة بين بغداد وسامراء؛ ولد عام (538هـ)وتوفي في 8 ربيع الآخر عام (616هـ)، والذي لم يكن شخصية مغمورة في تراثنا اللغوي والتفسيري، بل عُدّ من الأعلام البارزين الذين خلد ذكرهم بما خلفوه من آثار علميّة جليلة، وقد وُصف بأنّه أحد كبّار علماء اللغة والأدب في عصره، لما امتاز به من رسوخ القدم في علوم النحو، واللغة، والفرائض، والحساب، حتى عُدّ مرجعًا لا يُجارى في ميدانه.

تعالج هذه الدراسة ظاهرة صوتية صرفيّة للإبدال الصوتي في القراءات القرآنيّة، وهي ظاهرة تكررت في عدد من المواضع القرآنيّة، وأثارت نقاشًا مطوّلًا في كتب النحو والقراءات. يظهر الإبدال في صور متعددة؛ لذا ضمّنته أربعة مطالب: الأول: شمل إبدال الياء ألفًا، والثاني: تناول إبدال الياء همزةً، والثالث: شرع في إبدال النون جيماً، والرابع: عالج إبدال النون ظاءً، وهذه التحوّلات كانت وما تزال محل جدل بين النحويين والقرّاء، إذ اختلفوا في تحديد ضوابطها وحدود قبولها، فكثير من النحويين تعاملوا مع هذه الظواهر بوصفها خروجًا عن الأصل، بينما حاول بعضهم البحث عن تفسيرات صوتيّة أو لهجيّة أو بلاغيّة تسوّغ وجودها. تتجلى المشكلة البحثيّة في صعوبة الفصل بين ما هو استثناء مسوّغ داخل النظام النحوي، وما يُعد شذوذًا غير مقبول من وجهة نظر القاعدة.

يركز البحث على تحليل مواقف النُحاة إزاء هذه الظواهر، مع تخصيص مساحة لمقاربة العكبري، الذي اتسمت آراؤه بجمعها بين الالتزام القاعدي وإدراك خصوصية السياق، إذ لا يتوقف البحث عند حدود الجدل النحوي التقليدي، بل يتوسّع ليشمل رؤية الدرس الصوتي الحديث، محاولاً رصد كيفيّة تفاعل النظام النحوي العربي مع معطيات الأداء الصوتي ومع نتائج البحوث الصوتيّة المختبريّة المعاصرة. ويطرح البحث تساؤلات حول مدى إمكانية عدّ هذه الظواهر جزءًا من ديناميّة النظام اللغوي العربي، أو هل هي مجرد حالات عارضة فرضتها ظروف الأداء أو النقل الشفوي.

يهدف البحث إلى تحديد الأسس النظرية التي اعتمد عليها النحويون في قبول أو رفض الإبدال، ومقاربة التحليل التراثي بما يقدّمه علم الأصوات الحديث من تفسيرات بنيويّة ووظيفيّة، ويسعى في النهاية إلى تقديم تصوّر واضح لحدود مرونة النظام النحوي العربي في مواجهة الاستعمال القرآني، مع إبراز أثر ذلك على الفهم الصوتي والصرفي للغة، وعلى تدريس الأداء القرآني اليوم.

 ولا أدّعي الكمال فيما كتبت، بل تقومُه القراءة والملاحظ الدقيقة، فإن أحسنت فالحمدُ لله، وإن كانت الأخرى، فهذا شأن من سار في طريق العلم.

المطلب الأول: إبدال الياء ألفاً في قراءة قوله تعالى: ﴿يَحَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللهِ﴾[1]

تعدّ ظاهرة إبدال الياء ألفًا من المسائل اللغوية التي خضعت لتحليل دقيق ومطوّل في كتب التراث النحوي والصوتي، خصوصًا عندما ارتبطت بالقراءات القرآنية الشاذة أو المختلف فيها، تكمن أهمية دراسة هذه الظاهرة في أنّها تكشف عن التفاعل المعقّد بين قواعد البدل والعِوض، وبين اعتبارات النظام الصوتي، وتداخلها أحيانًا مع السياقات البلاغية والشعرية، تزداد هذه الأهمية عند مقاربة مواقف النُحاة من مختلف المدارس، حيث يبرز موقف العكبري بوصفه موقفًا وسيطًا، يمزج بين التقيّد القاعدي والانفتاح البلاغي الصوتي. يتناول هذا البحث تحليلًا بنيويًا وموضوعيًّا للظاهرة، مع عرض مقارن نقدي لموقف العكبري إلى جانب بقيّة النحويين، مستعينًا بالاقتباسات الأصلية، ومسجلاً اختلافاتهم في المنهج والتعليل. ويهدف النص إلى فهم أعمق لدينامية اللغة بين النسق والانفعال بين القياس والاستعمال، وإلى إبراز حدود التفاعل بين الصرف والصوت.

تنطلق إشكالية إبدال الياء ألفًا في التراث من القراءة القرآنية التي جاءت في قوله تعالى: ﴿يَا حَسْرَتَا عَلَىٰ مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللهِ﴾، حيث وردت بصيغة "حسرتي" بياء بعد الألف[2].

وتبرز هذه القراءة بوصفها محورًا لخلاف نحوي؛ إذ تطرح سؤالًا جوهريًا: هل يصح في النظام العربي أن يجتمع العوض (الألف) والمعوّض منه (الياء) في كلمة واحدة؟ وهل ثمة حالات يبرّر فيها السياق أو الضرورة هذا الجمع؟

انطلق أغلب النحويين من فكرة مركزية تتمثّل في قاعدة امتناع الجمع بين البدل والمعوض منه، فقد أشار ابن جني(ت392هـ) إلى هذا الحظر بطريقة تقريرية صارمة، معتبراً أن اجتماع ياء المتكلم بعد الألف غير جائز؛ لأنَّ الألف جاءت بدلاً من ياء الضمير، وليس في العربية جمع بين العوض والمعوض، يقول: "ينبغي أن لا يأتي بياء المتكلم بعد الألف؛ لأنَّ هذه الألف إنّما هي بدل من ياء الضمير، وليس له هناك ياءان فهذا وجه اشكال هذا، وهو واضح، والذي عندي فيه أنّه جمع بين العوض والمعوض منه، أعني البدل والمبدل منه. وأمّا إسكان الياء في (يا حسرتاي) في الرواية الثانية هو على ما مضى من قراءة نافع ‹محياي ومماتي›..."[3].

هذا التحليل يُظهر مركزية فكرة البدل والعِوض في الذهنية النحويّة، ويضع لها إطارًا صارمًا لا يسمح بانتهاك القاعدة إلّا بضوابط دقيقة، ويؤكد ابن جني شمول مصطلح "البدل" قياسًا إلى "العِوض"، ويصوغ العلاقة بينهما بقوله: "فالبدل أعم تصرّفًا من العِوض، فكلّ عِوض بدل، وليس كلّ بدل عِوضًا"[4].

ثم جاءت آراء النحويين لاحقًا منسجمةً مع هذا التصوّر؛ إذ شدد الرازي (ت311هـ) على أنّ قراءة "حسرتاي" تتضمن جمع العِوض والمعوّض منه في تركيب واحد، دون أن يورد مسوّغاً صوتيًّا أو صرفيًّا إضافيًّا "ويا (حسرتاي) على الجمع بين العِوض والمعوّض منه"[5]. وقد كرر الزمخشري (ت538هـ) الفكرة نفسها في تفسيره، "ويا حسرتاي، على الجمع بين العِوض والمعوّض منه"[6].

أمّا ابن يعيش (ت643هـ) فقد نقل القاعدة بصياغة حاسمة "إنّما يعوّض من الشيء إذا كان معدوماً، ولا معنى للتعويض عن شيء موجود، يكون جمعاً بين العِوض والمعوّض وهو ممتنع"[7].

يتضح أنّ الموقف الكلاسيكي هنا يقوم على ثنائية الامتناع والإباحة المقيّدة، إذ اتفق النحويون أن الامتناع مطلق في الفصيح للجمع بين البدل والمعوَّض منه في بنية واحدة، إلّا إذا قام دليل خاص أو ضرورة بلاغية، وهو ما أشار إليه ابن جني بقوله: "لا يجتمع العِوض والمعوَّض منه"[8]، وأكده العكبري في رفضه لأي تركيبٍ يجمع بين الأصل والفرع صوتيًّا أو صرفيًّا[9].

وعلى رغم هذا التشدّد، لم يغب عن النحويين فكرة الاستثناء تحت وطأة الضرورة الشعرية أو الاستعمال، فقد أقرّ السيرافي (ت368هـ) بأنَّ البصريين يجوّزون الجمع في حالات معينة لأجل ضرورة الشعر، معترفاً بأنّ الضغوط الإيقاعيّة قد تسوّغ انتهاك القاعدة "وهذا عند البصريين في ضرورة الشعر جائز أن يعوضوا من حرف ثم يردوه مع بقاء العِوض"[10]. ويوضح هذا الرأي وجود شق في جدار القاعدة، يُتيح للشاعر تجاوز النظام تحت ضغط الوزن أو الحاجة التعبيرية، ويعكس وعيًا بمرونة اللغة في مواجهة المتطلبات البلاغية، وفي هذا السياق أورد أبو حيّان (ت745هـ) "أنّ بعض القراءات جمعت الألف والياء بعد الألف، مبينًا أنّ الياء قد تأتي مفتوحة أو ساكنة، "وعنه (يا حسرتاي) بالألف والياء جمعاً بين العِوض والمعوّض، والياء مفتوحة أو ساكنة"[11].

أمّا السمين الحلبي (ت756هـ) فقد استعرض فرضية أخرى، وهي تثنية "حسرة" مع إضافة ياء المتكلم، غير أنه سرعان ما أبدى شكه في صحة هذه القراءة، وطرح احتمالات أخرى لشرح الظاهرة " أنه تثنية (حسرة) مضافة لياء المتكلم، واعترض على هذا، أنه كان ينبغي أن يقال يا حسرتي بإدغام ياء النصب في ياء الإضافة، وأجيب بأنّه يجوز أن يكون على لغة الحارث بن كعب وغيرهم نحو ‹رأيتُ الزيدان، وقيل الألف بدل من الياء والياء بعدها مزيدة، وقيل: الألف مزيدة بين المتضايفين وكلاهما ضعيف"[12].

ويكشف هذا العرض تعددية الموقف النحوي؛ إذ تراوح بين إعمال القياس الصرفي الصارم، وقبول الأعراف اللهجيّة عند بعض العرب بوصفها شواهد على إمكان التوسع في القاعدة.

وقد ورد في كتب القراءات والشروح أنّ بعض العرب، مثل بني الحارث بن كعب، يثبتون الألف في المثنى في جميع أحواله الإعرابية، غير مبالين بخطر اللبس، فيقولون: "من العرب من لا يخاف اللبس ويجري الباب على أصل قياسه فيدع الألف ثابتة في الأحوال الثلاث فيقول: قام الزيدان، وضربتُ الزيدان، ومررتُ بالزيدان، وهم بنو الحارث بن كعب"[13]. وهذا التوثيق اللهجي يبيّن أنّ النظام الصوتي والصرفي في العربية القديمة كان يحتمل أحيانًا تجاوز القياس لصالح ثبات الصيغة عند بعض القبائل، مما يؤكد الطبيعة غير الصلبة للبنية النحوية في مواجهة تعددية الموقف النحوي بين الأعراف اللهجية والقياس الصرفي.

يشكّل موقف العكبري من ظاهرة إبدال الياء ألفًا نقطة اختلاف واضحة عن باقي النحويين، فالعكبري لم يكتفِ بترديد قاعدة امتناع الجمع بين البدل والمعوض منه، بل تجاوز ذلك إلى تحليل الظاهرة في ضوء السياق البلاغي والصوتي، واضعًا في اعتباره وظيفة الألف في سياق الندبة تحديدًا، يقول العكبري "ويقرأ (حسرتاي) بياء بعد الألف ساكنة، ومفتوحة، وهذه القراءة ضعيفة؛ لأنَّ الألف بدل من الياء، فلا وجه للجمع بينهما، وينبغي أن يقال إنّ الألف زائدة، كما تزاد في الندبة، ومن سكن نوى الوقف"[14].

 يتضح من هذا القول أنّ العكبري يرى في زيادة الألف بعد الياء وظيفةً بلاغيةً تتصل بخصوصية سياق الندبة والانفعال الصوتي، وليس مجرد تنازع بين البدل والمعوض منه كما ركّز سائر النحويين، لا سيما أنّه يعد القراءة "ضعيفة"، أي إنّه لا يمنحها مرتبة القاعدة المستقرة، وإنّما يضعها في سياق خاص يبيح فيه النظام بعض التراخي، وهو يدعم السيرافي في التفسير الصوتي حين يرجع علّة زيادة الألف في الندبة إلى ما يوفره الحرف من فسحة صوتية للمد والانفعال، فيقول: "الألف أبعد للصوت وأمكن للمد"[15]. ويبدو أنّ هذا التوجيه يصدق على زيادة الألف في قراءة حسرتاي، فزيادتها في الندبة أصل وحمل عليه، وهو يُعد سببًا كافيًا لتبرير بعض الشذوذ في البناء الصرفي عند حدوث الانفعال أو النداء.

كما تشير نصوص ابن جني إلى أنّ التقاء الساكنين، رغم ما فيه من ثقل صوتي في أصل اللغة، جائز في موضع الوقف على الكلمة؛ لأنّ آخر الكلمة أيسر في احتمال ذلك من حشوها، من خلال قوله " فإن سكن ما قبلها وهما ساكنان طرفا جاز نحو "عدْوْ وظبْىْ"، وذلك إنّ آخر الكلمة أحمل لهذا النحو من حشوها... لأنّ الطرف ليس سكونه الواجب ألا تراه في غالب الأمر محركاً في الوصل وكثيراً ما يعوض له روم الحركة في الوقف..."[16].

أمّا ابن يعيش، فيرى أنَّ الوقف يمكّن الحرف ويستوفي صوته، بل ويوفر عليه، فيجعل هذا الجمع مجرى الحركة"؛ لأنَّ الوقف يمكّن الحرف ويستوفي صوته ويوفر على الحرف الموقوف عليه، فيجري ذلك مجرى الحركة لقوة الصوت واستيعابه كما جرى المد في حروف المد مجرى الحركة"[17]، وهذا التحليل، يعكس وعي النحويين بأنّ للوقف أثرًا صوتيًا يبيح اجتماع الساكنين ويغيّر من طبيعة الإعراب المعتادة، مما يفتح الباب أحيانًا لممارسات لا يقبلها الوصل.

ومن خلال تتبع آراء النحويين وترتيب الحجاج عندهم، يمكن رصد خطوط الالتقاء والافتراق بين موقف العكبري وسائر الاتجاهات النحوية، وهي:

أولاً: على صعيد التأسيس القاعدي، اتفق العكبري مع بقيّة النحويين في منع الجمع بين البدل والمعوض منه، وعدَّ القراءة ضعيفة، وهذا رأي غالبية النُحاة إذ عدّوها ضعيفة، لكنّه في الوقت ذاته لم يختصر التحليل على الإطار الصرفي البحت، بل سعى إلى تعليل الظاهرة في ضوء البلاغة والسياق الصوتي.

ثانياً: في ضوء التفسير الصوتي البلاغي، انحاز العكبري إلى اعتبار الألف الزائدة في "حسرتاي" ذات وظيفة انفعالية تتعلق بالندبة، وهو ما جعله يستعين بتقليد بلاغي يسبق النحو المكتوب، ويستند إلى العادة الشفهية في اللغة، بينما ركّز أكثر النحويين الآخرين على البناء الصرفي المعياري، وسمحوا بالاستثناء فقط في الضرورة الشعرية أو الوقف.

 ثالثاً: في النظرة إلى الاستثناءات، فقد عدّ العكبري جواز زيادة الألف بعد الياء في سياق الندبة أو الوقف مظهرًا لانفتاح النظام الصوتي العربي على التعبير، لكنّه لم يمنح هذه الظاهرة مكانة القاعدة، بل ظل متحفظًا في تعميمها.

رابعاً: في معالجة البعد اللهجي، أقر العكبري ضمنيًا أنّ هناك استعمالات لهجيّة أقدم قد تسمح بما لا يجيزه القياس الصرفي، كما ظهر في شهادات بني الحارث بن كعب وغيرهم، لكنّه لم يعتمدها في إقرار القاعدة، بل رأى فيها شذوذًا مفسرًا بالسياق أو بالضرورة الصوتية.

خامساً: موقفه في علاقة البدل بالعوض، إذ يتضح من مجمل النصوص أنّ بقية النحويين ظلوا متمسكين بمنظور أحادي للبدل والعِوض، بينما حاول العكبري أن يدخل للعلاقة بعدًا نفسيًّا وصوتيًّا أوسع.

ويبدو أنَّ نظرتهم إلى أنَّ الألف ساكنة لا يؤيده الدرس الصوتي الحديث، إذ المتوافر في البنية المقطعيّة مقطع مديد موقوف عليه وهو من مقاطع الوقف[18]، ومع ذلك، بقي الدرس التراثي مركزًا على التبريرات النحويّة والصوتيّة في إطار التحليل الكلاسيكي.

ونخلص القول أنّ العكبري، رغم محافظته على جوهر القاعدة النحوية، قدّم قراءة أوسع وأعمق لظاهرة إبدال الياء ألفًا، مانحًا النظام الصوتي والبلاغي حقه في تفسير بعض الشذوذ الظاهري، من دون التفريط في البناء الصرفي العام، وقد استند في تحليله إلى خصوصية سياق الندبة أو الوقف، رافضًا تعميم الظاهرة على سائر البنى العربية، في المقابل، انحصر موقف أغلب النحويين في الالتزام الحرفي بالقاعدة، مع فسحة ضيقة للاستثناء، معتمدين على التحليل المعياري، وفي ضوء ذلك، يمكن القول إنّ دراسة إبدال الياء ألفًا لا تقتصر على مجال التحليل الصوتي الصرفي، بل تمثل انموذجًا حيًّا لصراع الاستعمال مع القياس، وللقدرة التعبيرية التي تحتفظ بها العربية عبر تاريخها، وتعيد تعريف القاعدة كلما دعت الحاجة البلاغية أو الصوتية.

المطلب الثاني: إبدال الياء همزةً في قراءة قوله تعالى ﴿قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ﴾[19].

يمثل موضوع إبدال الياء همزةً أحد الإشكالات الصرفيّة والصوتيّة الدقيقة التي برزت في القراءات القرآنية، وانعكست على الجدل النحوي العربي القديم والحديث، وتظهر هذه الظاهرة في مواضع نادرة، يبرز منها في سورة المؤمنون قوله تعالى: ﴿تُرِيَنِّي﴾، حيث قُرئت أحيانًا بالهمز: ﴿تُرِئَنِّي﴾[20]، وكذلك في قراءة "لا تُجْزِي نَفْسٌ"[21]، والتي قُرئ "لا تَجْزِئُ" بالتاءِ مفتوحة وبهمزةٍ مضمومة[22].

يستدعي هذا التحول بين الصائتين، من الياء إلى الهمزة، نقاشاً صوتياً دقيقاً حول إمكانات الإبدال، وحدود العلاقة بين المخارج، والطبيعة الفونولوجية للصوتين، وتنعكس في توجيهات العلماء التراثيين والمحدثين تعددية في التحليل، منها ما يقرّ بالإبدال الوظيفي أو الأصلي، ومنها ما يستبعد العلاقة الصوتية ويعدُّ الهمز مجرد أداة فصل أو تحقيق للإعراب، لا بديلاً حقيقيًا للياء.

وقراءة "تُرِيَنِّي" بالهمز لا تخرج عن نظرتين هما: الأولى: تذهب إلى قبول إبدال الياء همزة وتوثيق ذلك في القراءات، وهو ما أشار إليه ابن خالويه (ت370هـ) بقوله: "أما تُرِئني بالهمز عند بعضهم"[23]. ويتابع الزمخشري (ت538هـ) هذا التوجه، ويقرّ بوجود القراءة المهموزة في قوله: وقُرئ (إما ترئِنّهم) بالهمز، مكان ترينّي، كما قُرئ (فإن ترئن) و(لترؤن الجحيم)، وهي ضعيفة"[24]. ويعزز أبو حيّان الأندلسي هذا الرصد التاريخي، لكنه يصف القراءة بالضعف الصوتي: "وقرأ الضحاك وأبو عمران الجوني ترئني بالهمز بدل الياء، وهذا كما قُرئ فأمّا ترئني ولترؤن بالهمز وهو إبدال ضعيف"[25].

يوضّح هذا الاتجاه وجود القراءة في التراث، لكنّه يربطها دومًا بكونها نادرة أو ضعيفة، ولا يمنحها مكانة الاستعمال القياسي المستقر.

والأخرى: تتجه إلى أنّ الهمزة لم تأتِ عن إبدال صوتي للياء، بل تنبيهًا على الأصل الثلاثي المجرد للفعل "رأى"، أو مراعاة لجذر الفعل في البنية الصرفيّة، في هذا السياق، يبرز موقف العكبري، الذي فصل توجيه القراءة بقوله: "قوله تعالى: تُرِيَنّي يقرأ بالهمز، والوجه أن يكون إبدال الياء همزةً تنبيهاً على أصل الكلمة ويجوز أن تكون الهمزة عين الكلمة، وسكن الياء وحذفها، وحرك الهمز بحركتها لتدل عليها، وكلّ ذلك شاذ ضعيف"[26]، وهذا يكشف تحليل العكبري عن حرصٍ على مراعاة الأصل الاشتقاقي للكلمة (الفعل رأى)، مع الاعتراف بأنّ الظاهرة شاذة وضعيفة ولا تنهض دليلاً على قاعدة مطردة.

 يبدو أنّ العكبري يؤسس لمنظورٍ وسطيٍّ بين التصوّر الوظيفي (إبراز الأصل الاشتقاقي أو تسكين العين المهموزة) واستبعاد إمكان الإبدال الصوتي المباشر بين الياء والهمزة، ويلمّح النص في سياق التحليل إلى أنّ الهمز في مثل هذه المواقع هو مراعاة لعين الفعل المهموز (رأى) أو لبيان الأصل الاشتقاقي، لا نتيجة إبدال صرفي اعتيادي، ويعني ذلك أنّ التحوّل بين الياء والهمزة لا يعكس تبديلاً فيزيائيًا بين المخرجين، بقدر ما هو علامة على الوظيفة الصرفيّة أو دلالة على الأصل الجذري للكلمة.

أمّا الدرس الصوتي الحديث فهو يفند علاقة الإبدال بين الياء والهمز كما عند الدكتور عبد الصبور شاهين، إذ طرح طرحاً منهجيّاً لهذه المسألة، مؤكداً على اختلاف المخرج والوظيفة الصوتية، وما بين الجانبين مفارقات من عدّة وجوه في التباين البنيوي الفونولوجي هي:

أولاً: الهمز من الحنجرة، والياء من وسط اللسان مع ما يحاذي الموضع من الحنك الأعلى.

ثانياً: الهمز صوت انفجاري (شديد)، والياء صوت انطلاقي (ليّن).

ثالثاً: الهمزة صوت ذو وجود صوتي وسياقي(فونتيكي وفونولوجي)، أمّا الياء فهي صوت ذو وجود انتقالي سياقي(فونولوجي).

رابعاً: الهمزة صوت مهموس، أو بمعنى آخر لا هو بالمهموس ولا بالمجهور، في حين الياء صوت مجهور إلّا في حالة خاصة، وهي حالة الوقف/نحو/ السعيْ، حيث يمكن أن تتعرض للهمس في هذا الموقع، وهو ما يقع أحياناً لحركات أواخر الكلمات في حالة ما سماه القدماء بالروم، وهي حالة من حالات الوقف[27].

يخلص الدكتور عبد الصبور شاهين إلى أنّ العلاقة الإبدالية بين الياء والهمزة "معدومة" من الناحية الصوتية، وأن ما يظهر من تحوّل في الرسم أو النطق ليس نتيجة قرب بين المخرجين أو طبيعة الصوت، بل تحكمه غالبًا عوامل صرفيّة أو وظيفيّة أخرى، وبذلك يؤكد أن "الدرس الصوتي الحديث لا يؤيد القول بالإبدال بين الهمز والياء"[28].

ويعمق الدكتور عبد الصبور شاهين رؤيته بطرح أن الهمزة قد تظهر للفصل بين عناصر المزدوج الصوتي في السياق العربي، ويقول: " فإذا تأملنا كل صورة من هذه الصور بعد همزها، أي نبرها، وجدنا أنّ عنصري المزدوج باقيان كما هما، وأنّ كل ما حدث منحصر في الفصل بينهما بعد أن كانا متصلين، وقد عدل الناطق البدوي نطقه للكلمة بهمزها، نتيجة شعوره بأنّ الانزلاق من العنصر الأول من عنصري المزدوج، إلى العنصر الثاني لا يحقق صورة النبر كما تعودها، فكان الهمز وسيلته إلى ذلك دون أن يسقط من المزدوج شيئاً... ولعلنا نكون على صواب إذا ما الحقنا هذه الأمثلة في آلية نبرها بمثال قائل وبائع"[29].

ويستشهد بمقاربة مقطعيّة بين "تُرِيَنِّي" (ت ــُـ/ رــِـ/ ي ــَـ/ ن ــِـ ي) و"تُرِئَنِّي" (ت ـُــ/ ر ــِـ/ ء ــَـ/ ن ــِـ ي)، مبينًا أن النبر الصوتي قد يدفع المتكلم لإدخال الهمزة لتأمين الوضوح الفونولوجي عند تلاقي الصوائت أو المقاطع[30].

لكن الدكتور جواد كاظم عناد يعترض على هذا التفسير، ويعدُّ توظيف الهمزة لتحقيق النبر قراءة ظرفية لجماعة نطقيّة محددة لا قاعدة صوتية عامة، ويرى أنّ في تفسير مثل "تُرَئني" بالهمز تشابهًا ظاهريًا مع ظواهر نطقيّة في كلمات مثل "قائل" و"بائع"، لكنه يعترض على استيعاب كل حالات الهمز ضمن نظرية المزدوج الصوتي، ويعتبر الهمز هنا لونًا من "الهمز غير القياسي"، مشيرًا إلى صعوبة تحديد وظيفة الواو أو الياء في بعض البُنى المقارنة[31].

ويذهبُ أيضاً إلى أنّ التحليل الصوتي العربي التقليدي أدق في استبعاد الإبدال بين الياء والهمزة، وأن تسويغ الظاهرة بآلية النبر أو الفصل لا يصلح لتفسير ظواهر التغيير في الكلمة العربية، إذ إنَّ هذه التغييرات خاضعة لعوامل نطقيّة وصرفيّة أعمق تتجاوز مجرد الحاجة إلى النبر أو الوضوح الصوتي[32].

وهنا تتسع دائرة النقاش عند استعراض قراءة "لا تُجْزِي نفس" التي وردت في بعض القراءات "لا تجزئ" بهمزة بدلاً من الياء، إذ رصد ابن خالويه القراءة بقوله: "لا تجزيءُ بفتح التاء والهمزة"[33]، بينما ربط الزمخشري القراءة بفاعلية الأصل الاشتقاقي: "ومن قرأ (لا تجزئ) من أجزأ عنه إذا أغنى عنه، فلا يكون في قراءته إلا بمعنى شيئاً من الأجزاء"[34].

أمّا الرازي فيعيد الفعل إلى أصله (قضى): "أمّا قوله تعالى: (لا تجزي نفس عن نفس شيئاً) فقال الأصل في جزئ هذا عند أهل اللغة قضى، ومنه الحديث أن رسول الله(صلى الله عليه وآله) قال لأبي بردة بن يسار تجزيك ولا تجزي أحداً بعدك، هكذا يرويه أهل العربية "تجزيك" بفتح التاء غير مهموز أي تقضي عن أضحيتك وتنوب"[35].

ويوجز العكبري توجيهه النقدي للقراءة بقوله: "قُريء بالتاء مفتوحةٌ وبهمزةٍ مضمومة، ويبعد أن يكون ذلك لغة، إذ ليس بمسموع ولا منقول، ويجوز أن يكون هذا القارئ سمعها، وهي لغة شاذة، ويجوز أن يكون أبدل من الياء همزةً ليظهر فيها الإعراب الذي هو الضم"[36].

والمتأمل في نص العكبري يلمس أنّ الدافع الرئيس لإبدال الياء همزة في هذا الموضع هو تحقيق الوظيفة الإعرابية (إظهار الضمة)، ويربط جواز هذا الإبدال ببيان العلامة الإعرابية، لكن مع الإقرار بندرة الظاهرة وشذوذها، كما يُقصي أن تكون لغة قائمة مستقلة لعدم السماع أو النقل، ويُرجح أن يكون الأمر إما لغة شاذة أو دافعًا نحويًا لبيان الإعراب.

ويؤكد البحث الصوتي الحديث أن القول بالإبدال بين الهمزة وأصوات المد والعلّة، ومنها الياء، قول لا يستقيم صوتيًا؛ لأنَّ مخرج الهمزة من الصدر بشكل نبرة، أما أحرف العلّة فموضعها في فضاء الفم، والبعد بين المخرجين عميق، والتبديل خاضع لعوامل صوتية ووظيفية متداخلة، لا تقبل تبسيط الظاهرة إلى مجرد تحوّل مباشر[37].

ويلخص التحليل المقطعي الصوتي أنّ وجود الهمزة قد يكون هروبًا من تتابع الحركات، أو محاولة لتكوين مقطع عربي سليم، أي أنّ للهمزة وظيفة بنيوية إلى جانب الوظيفة النحوية في بيان الحركة الإعرابية[38].

وقد نقل القرطبي(ت671هـ) أنّه "قرئ: تُجزئ بضم التاء والهمز، ويقال: جزى واجزأ بمعنى واحد"[39]، ما يدل على حضور الأصل الاشتقاقي والمجاز في ترجيح أوجه القراءة وتوجيه الإبدال.

ومن خلال تحليل نصوص العكبري وسائر العلماء إذ يتضح ما يأتي:

أولاً: القراءة المهموزة: يميل العكبري إلى تفسير الهمزة في "تُرِئني" أو "تُجزئ" بوصفها علامة تنبيه على الأصل الثلاثي للفعل أو مراعاة للجذر المهموز أو بيانًا للحركة الإعرابية، لا على أنها إبدال صوتي حقيقي للياء.

ثانياً: اللغة الشاذة والوظيفة الإعرابية: لا يمنح العكبري الظاهرة مكانة اللغة أو القاعدة المطردة، ويظلّ حريصًا على ربطها إما ببيان الإعراب أو الأصل أو حتى الشذوذ، بخلاف بعض النحاة الذين يوثقون القراءة دون ترجيح التوجيه.

ثالثاً: التحليل الصوتي الحديث: يدعم رؤية العكبري إلى حدٍ كبير، إذ ينفي أن يكون هناك تقارب أو علاقة صوتية حقيقية بين الهمزة والياء، ويؤكد أن ظهور الهمزة في هذا الموضع غالبًا ما يرتبط بمقتضيات النبر أو تشكيل المقطع أو البيان الإعرابي وليس بقوانين الإبدال المباشر.

رابعاً: إنّ بقيّة النحويين: يظهر ميلهم إلى رصد الظاهرة وتوثيقها، دون الخوض في أسبابها أو تبريرها تحليليًا بشكل وافٍ، وغالبًا ما توصف بالضعف أو الشذوذ.

المطلب الثالث: إبدال النون جيماً في قراءة قوله تعالى ﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾[40].

تمثل القراءة القرآنية "نُجِّي" في قوله تعالى ﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾، موضع جدل نحوي وصوتي عميق، إذ قُرئت بنون واحدة وتشديد الجيم[41]، وهي صيغة تخالف القراءة القياسية التي تتطلب وجود نونين، تظهر هذه القراءة في مصاحف بعض القُرّاء وصرّح بها عاصم، ما جعلها محل نقاش موسع في كتب التفسير والقراءات واللغة[42].

يرى الفرّاء (ت 207هـ) أنّ هذه القراءة محل استبعاد ونقد، ويربطها باللحن دون تردد، إذ يقول: "وقد قرأ عاصم- فيما أعلم- (نُجِّي) بنون واحدة ونصب (المؤمنين) كأنه احتمل اللحن ولا نعلم لها جهة إلّا تلك"[43].

وفي هذا النص تبرز مسألة مركزية تتعلق بجهة الإعراب، ودور النون الثانية، ومدى مشروعية حذفها أو إدغامها، ويظهر من اعتراض الفرّاء أنّه لا يرى مسوغًا مقبولًا لصحة هذه القراءة خارج إطار اللحن، يعتمد استبعاده هنا على غياب أي توجيه صرفي أو نحوي يقبل هذا التركيب، ما يشي بصرامة المدرسة البصرية والكوفيّة المبكرة تجاه الابتكار في الصيغ الصوتية.

أمّا الزجّاج (ت311هـ) فقد أعاد نفس الموقف، وربطه بمستوى أعمق من التحليل النحوي، منطلقًا من رسم المصحف ومنطق التركيب، فقال: "الذي في المصحف بنون واحدة، كُتبت؛ لأنّ النون الثانية تخفى مع الجيم، فأمّا ما روي عن عاصم بنون واحدة فلحن لا وجه له، لأنّ ما لا يسمى فاعله لا يكون بغير فاعل، وقد قال بعضهم: نُجّي النجاة المؤمنين، وهذا خطأ بإجماع النحويين كلهم، لا يجوز ضرب زيداً، تريد ضرب الضرب زيداً لأنك إذا قلت ضرب زيدٌ فقد علم أنّه الذي ضُربه ضرب، فلا فائدة في إضماره وإقامته مع الفاعل"[44].

ويتضح هنا أنّ حجة الاستبعاد عند الزجاج ترتبط بموقع النون في بنية الكلمة، وعلاقتها بالفاعل أو نائب الفاعل، يرفض الزجاج توجيه الفعل إلى صيغة المبني للمفعول دون نائب فاعل، ويفند رأي من أراد توجيه الفعل بإضمار "النجاة" بوصفه مصدراً، ويُعد ذلك فاسدًا من جهة المعنى والبنية النحويّة، مستندًا في ذلك إلى مبدأ أنّ المبني للمفعول لا يستقيم بغير نائب فاعل، وأنّ إضمار المصدر وإقامته مع الفاعل عمل غير ضروري ولا يُعتد به من الناحية النحوية.

يعمق أبو علي الفارسي (ت 377هـ) هذا الجدل حين يربط قراءة عاصم بمسألة الإخفاء والإدغام بين النون والجيم، حيث يرى أنّ النون الثانية تُخفى مع حروف الفم، إذ يقول: "قوله في ذلك أنّ عاصماً ينبغي أن يكون قرأ (ننجي) بنونين وأخفى الثانية؛ لأنّ هذه النون تخفى مع حروف الفم وتبينها لحن، فلمّا أخفى عاصم، ظن السامع أنّه مدغم؛ لأنّ النون تخفى مع حروف الفم ولا تبين، فالتبس على السامع الإخفاء بالإدغام، من حيث كان كل واحد من الإخفاء والإدغام، غير مبيّن، وبيّن ذلك إسكانه الياء من (نُجّي)؛ لأنّ الفعل إذا كان مبنياً للمفعول به وكان ماضياً لم يسكن آخره، وإسكان آخر الماضي إنّما كان يكون في قول من قال في رُضٍ – رُضَا، وليس هذا منه"[45].

والمتأمل في هذا النص يلمس الآتي:

أولاً: تصدّر النص بعبارة (ينبغي) فيه حلمٌ قضوي لا يخرج عن أنَّ الأصل (نُنجي) بنونين.

ثانياً: تكراره لمقولة: النون تخفى مع حروف الفم، إذ تفيد أنَّه التوجيه الأوحد عنده.

ثالثاً: وجود إشكال صوتي محوري يتمثل في تشابه أثر الإخفاء والإدغام على المتلقي، وهو يُنتج صورة صوتية غير متميزة بوضوح.

رابعاً: التباس الأمر على السامع بسكون الياء في الفعل (رُضا- نَجا)، وهي ظاهرة صوتية تميز المستقبل عن الماضي.

خامساً: يربط بين التوجيه الصرفي وموقع اللام في الكلمة، كما يرجّح أنّ الفعل في "نُجّي" قد يكون على وزن معتل اللام بالألف، مما يسوّغ سكون الياء باعتبارها ألفًا محذوفة لا ياءُ ساكنة.

نقل أبو زرعة (ت325 أو403هـ) عن أبي عبيد توجيهًا بديلاً، حيث يُحتمل أن يكون عاصم أراد "ننجي" فأدغم النون في الجيم، أو أن "نجي" فعل مستقبل وعلامة الاستقبال سكون الياء: "يجوز أن يكون أراد (نُنجي) فأدغم النون في الجيم … و(نجي) على ما ذكره أبو عبيد فعل مستقبل وعلامة الاستقبال سكون الياء"[46].

أمّا مكي القيسي (ت437هـ) فقد ميّز بوضوح بين الإدغام الحقيقي والإخفاء، مؤكدًا أنّ ما حدث في قراءة "نُجّي" ليس إدغامًا حقيقيًّا وإنّما هو إخفاء فقط، والإخفاء لا ينتج عنه تشديد في الصوت: "وإنّما أدغم النون الثانية في الجيم إدغاماً صحيحاً يكون منه التشديد، إنّما تُخفى عند الجيم والإخفاء لا يكون معه التشديد"[47].

ويعكس هذا التحليل وعيًا بصعوبة تمييز الإخفاء عن الإدغام، خاصة في سياق مجاورة النون لحرف من حروف الفم (الجيم)، ما يقلل من اعتماد المستمع على الفرق السمعي بين الحرفين، ويركز التحليل على ضعف الصوت الناتج عن سكون النون وقوة الجيم، إذ أنّ اعتماد النطق على الحرف الساكن أقل من المتحرك، والجيم بطبيعتها لا تحتاج إلى اعتماد قوي في إخراجها، فيكون كلاهما على نسق واحد في ضعف الاعتماد[48].

أمّا الزمخشري (ت 538هـ) فذهب إلى أنّ النون لا تدغم في الجيم، ورفض المحاولات التي تؤول الفعل إلى مصدر أو تضيف فاعلًا مضمرًا، معتبراً كلّ ذلك تكلفًا لغويًا: "(نُجّي)، وننجي، ونجي، النون لا تدغم في الجيم، ومن تمحّل لصحته فجعله فعل وقال نجى النجاء المؤمنين فأرسل الياء وأسنده إلى مصدره ونصب المؤمنين بالنجاء ـ فمتعسف بادر التعسف"[49].

يظهر موقف العكبري في إعرابه لقوله تعالى: "ونُنجي" أكثر انفتاحًا على تعدد التوجيهات، لكنّه لا يبتعد عن التيار النقدي العام في الاستبعاد، فيقول في قوله تعالى: "ونُنجي يقرأ بنون واحدة وتشديد الجيم، وفيه وجهان: أحدهما: أن النون أُبدلت جيماً وأدغمت، والفعل على ذا مستقبل، والثاني: أن يكون ماضياً وقد سُكِّن الياء تخفيفاً، والقائم مقام الفاعل النجاء، وكلا الوجهين ضعيف"[50].

والعكبري هنا يركّز على تحليل التركيب الصرفي المحتمل للقراءة، ويقترح تفسيرين: الأول: أنّ النون أبدلت جيماً وأدغمت، فتكون القراءة فعلًا مضارعًا، والآخر: أنّ الفعل ماضٍ وسُكِّنت الياء تخفيفًا، والقائم مقام الفاعل هو المصدر "النجاء"، ومع ذلك، يُصنّف العكبري كليهما ضمن القراءات الضعيفة، ولا ينسب لنفسه ابتكارًا في التحليل، بل يُشير إلى اعتماده على ما قُدِّم قبله من شروح.

كذلك يتبيّن من نص العكبري أنّه وازن بين العرض الصرفي والتحليل الصوتي من جهة، وبين التقويم النقدي المستند إلى الإجماع النحوي من جهة أخرى، إذ يؤكد ضعف التوجيهين المقترحين، ويربط وجهيهما بالسياق الصرفي للغة، دون أن يعطيهما مرتبة القاعدة أو الاستحسان.

ويتعمق البحث الصوتي في المسألة عند سيبويه(ت180هـ)، الذي أفرد في كتابه مواضع متعددة للحديث عن الحروف المشربة وحروف القلقة، إذ قال: "إنّ من الحروف حروفاً مشربة من مواضعها، فإذا وقفت خرج معها من الفم صويت ونبا اللسان عن موضعه، وهي حروف القلقة... وذلك القاف، والجيم، والظاء، والدال، والياء"[51]. ويشرح في موضع آخر اختلاف أثر الوقف على الحروف المشربة مقارنة بحروف أخرى كالنون واللام، بقوله: "ومنها حروف مشربة لا تسمع بعدها في الوقف شيئاً مما ذكرنا؛ لأنّها لم تضغط ضغط الأولى، ولا تجد منفذاً كما وجد في الحروف الأربعة، وذلك اللام والنون؛ لأنّهما ارتفعتا عند الثنايا فلم تجد منفذاً"[52].

وبهذا يصدق وصف المشربة، إذن على حروف خرج معها(صويت) عند الوقف عليها، وعلى حروف خرج معها نحو (النفخة)، وعلى حروف لا يسمع بعدها في الوقف شيء لا صوت ولا نفخة ولا يصح بهذا أن يكون الإشراب وصفاً فقط للحرف الذي أتبع بذلك الصويت فخلط به أو بتلك النفخة بمعنى أنَّ الحرف المشرب لم يُحز هذا الوصف من هيئته التي يكون عليها في الوقف، بل من شيء آخر، وإنَّ علاقة الإشراب بالجهر هي علاقة سبب ونتيجة، فالإشراب هو تعبير عن علّة الجهر، لِما فيه من تعبير عن رفع الصوت والقوة والموضوع[53]، وسميت بالمشربة؛ لأنَّها خالطت صوت الصدر، بخلاف غير المشربة التي تخرج مع التنفس وهي المهموسة[54].

وهذا التحليل الصوتي التراثي ينتقل في العصر الحديث إلى أعمال لغويين معاصرين، كما يوضّح الدكتور جواد كاظم، الذي يرى أنّ مصطلح "الإشراب" عند العرب القدامى يعود إلى معنيين هما الإشباع والمخالطة، فيستشهد باستعمال سيبويه لمفهوم الإشباع الصريح في ميزان الاعتماد على الحرف؛ إذ يكون مع المجهور (أي الجهر) الاعتماد مشبعًا، ومع المهموس يكون ضعيفًا: "عبَّرت الجماعة العربية بالإشراب عن معانٍ يمكن إرجاعها إلى معنيين اثنين هما: الإشباع والمخالطة، استعمل سيبويه الإشباع صراحة في ميز اعتماد من اعتماد جمع الجمهور يكون الاعتماد مشبعًا، ومع المهموس يكون ضعيفًا"[55]. ويضيف: "فالمجهور حرف أشبع الاعتماد في موضعه... وأمّا المهموس فحرف أضعف الاعتماد في موضعه"[56]، ويعكس هذا الطرح أنّ المسألة لا تتعلق بالإبدال الصرفي المجرد، بل بظاهرة صوتية تتصل بدرجة الجهر أو الهمس، ومدى تداخل مخرجي الحرفين.

أمّا ابن منظور(ت711هـ) فقد ذكر في لسانه أنَّ الهمس: "حس الصوت في الفم مما لا إشراب له من صوت الصدر، ولا جهارة في المنطق، ولكنّه كلام مهموس في الفم كالسر"[57]، مما يؤكد أنّ ثنائية الجهر والهمس كانت محورًا تفسيريًّا في فهم أثر الحروف المشربة وأثرها في ظواهر الإبدال والإخفاء والإدغام في العربية.

وقد امتدت آثار الجدل التراثي حول إبدال النون جيماً إلى ممارسات تعليمية في ميدان القراءة والتجويد، لا سيما عند تدريس القراءات القرآنية المختلفة، إذ تثير هذه الظاهرة إشكالات تربوية تتعلق بكيفية ضبط الحروف المتجاورة، وتحديد الفروق الدقيقة بين الإخفاء والإدغام، خاصة في المواضع التي يكون فيها الإدراك السمعي صعبًا على المتعلم، كثير من معلمي التجويد يضطرون إلى بيان الفروق بين النون المشددة والإخفاء عند الجيم، وهو ما يتطلب تدريبًا دؤوبًا على إدراك الفارق بين الإدغام الكامل والإخفاء الحقيقي، وقد يُلاحظ في صفوف الطلاب تكرار الالتباس ذاته الذي رصده النحويون قديماً[58].

وتبرز أهمية هذه المسألة في القراءات القرآنية المعاصرة التي تعتمد الضبط الصوتي الدقيق، خصوصًا في المعاهد والدورات القرآنية التي تهتم بنقل الأداء كما وُرث عن القراء الأوائل، وتكمن المفارقة هنا في أن صعوبة النطق السليم في مواضع مثل "نُجِّي" دليل على أصالة الإشكال الصوتي الذي شغل النحاة، وأن تكرار الالتباس عبر الأجيال يثبت عمق الإشكال في صميم نظام العربية الصوتي.

أمّا في الدراسات الصوتية الحديثة، فقد عالج الباحثون المعاصرون هذه الظاهرة ضمن إطار نظريات الفونولوجيا العربية، واستعانوا بنتائج الفحوص المختبرية والبرمجيات الصوتية لدراسة أثر الصفات (كالجهر والهمس والإشراب) على تقارب المخرجين وضعف التمييز السمعي بين النون والجيم في بيئات معينة[59]، تؤكد هذه الدراسات أنّ خصائص الجهر والإشراب في الجيم، وقابلية النون للإخفاء عندها، تؤدي بالفعل إلى ظواهر إبدالية مسموعة في الأداء، وتفسّر ظواهر قديمة بقيت دون تفسير قطعي في التراث.

ولا يُغفل أنّ بعض الباحثين استخدموا برامج التحليل الصوتي لتسجيل النطق لدى القرّاء المتمرسين، فوجدوا فروقًا دقيقة في الترددات الصوتية والزمنية للنون المخفاة أو المدغمة في الجيم، وأظهرت النتائج وأنّ كثيرًا من الحالات التي عدَّها النحويون إدغامًا، هي في الواقع إخفاء مشدد أو قريب من الإدغام، ما يُعيد تقييم التراكيب الصوتية ويثري تحليل الظواهر النحوية القديمة[60].

وهكذا، يتبيّن أنّ ما واجهه العكبري وسائر النحويين لم يكن مسألة نظريّة صرفه، بل إشكالاً متجددًا في صميم تعليم العربية ونقلها عبر الأداء الصوتي، وأنّ الأبحاث الحديثة جاءت لتضيف بعدًا تجريبيًا يُعيد قراءة القديم في ضوء معطيات علم الصوت المعاصر.

وعند إجراء قراءة تحليلية لموقف العكبري في سياق أقوال بقيّة النحويين، يتضح ما يلي:

أولاً: الاستبعاد القاعدي والتفسير الصرفي: يتفق العكبري مع الفرّاء والزجاج في الحكم على قراءة "نُجِّي" بنون واحدة بأنّها ضعيفة أو شاذة، إذ لم يعطها مشروعية القاعدة أو القياس، وإن كان أكثر انفتاحًا على عرض الوجوه الصرفيّة المتنوعة، هذا الموقف النقدي المحافظ يعكس استمرار التقليد النحوي في تقييد التجديد أو الشذوذ داخل منظومة ضيقة من الاحتمالات.

ثانياً: المقاربة الصوتية والتداخل مع خصائص الحروف: يبرز عند العكبري اهتمام بالتفريق بين الإبدال والإدغام والإخفاء، ويحاول تفسير الظاهرة في ضوء التفاعل بين النون والجيم، إلّا أنّه يستند في ذلك إلى تحليلات متوارثة من الشرّاح لذين سبقوه كـ (سيبويه والفارسي ومكي القيسي)، وقد جعل تشديد الجيم علامة على الإبدال أو الإدغام، لكنه بقي متحفظًا في ترجيح أي تفسير.

ثالثاً: جدل الإدغام والإخفاء: يظهر في تحليلات بقيّة النحويين، وخاصة مكي القيسي وأبي علي الفارسي، ميل إلى اعتبار ما حدث في القراءة ليس إدغامًا حقيقيًّا وإنّما إخفاء صوتي ناشئ عن طبيعة الحرفين المجاورين، مما يعزز فكرة أنّ الظاهرة ترتبط بالبنية الصوتية أكثر من ارتباطها بضرورة صرفيّة أو اشتقاقية.

رابعاً: الاسقاطات البلاغية والتفسيريّة: في الوقت الذي ذهب فيه الزمخشري إلى رفض جميع التبريرات التعسفيّة لتصحيح القراءة، إذ رأى العكبري أن إمكانية إبدال النون بالجيم أو سكون الياء ليست كافية لتبرير اعتماد القراءة، ما لم تُدعم بنظام صرفي صوتي صلب.

خامساً: تأصيل الظاهرة ضمن نظرية الحروف المشربة والجهر والهمس: يكشف تحليل سيبويه والدكتور جواد كاظم أنّ التداخل الصوتي في النطق (الإشراب، الجهر، الهمس، القلقة) يمثل سببًا مركزيًا في إمكانية اختفاء النون أو تقاربها مع الجيم، ويُحيل الإبدال أحيانًا إلى صعوبة في التمييز السمعي أكثر من كونه نزوعًا صرفيًّا، ولم يتوسع العكبري كثيرًا في هذا الجانب، بل اكتفى بالإشارة إلى احتمالية الإبدال والإدغام.

المطلب الرابع: إبدال النون ظاءً في قراءة قوله تعالى ﴿مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ﴾[61].

تُعد ظاهرة إبدال النون ظاءً في قراءة بعض المواضع القرآنية من المسائل الصوتيّة والصرفيّة الدقيقة في التراث العربي، وقد أثارت جدلًا واسعًا بين النحويين والقرّاء، لما تتضمنه من تعقيدات إبدالية تتقاطع فيها مبادئ الإخفاء والإدغام وقواعد التجانس الصوتي والاقتصاد في النطق، تظهر أهمية هذه الظاهرة جلية في قراءة قوله تعالى: ﴿لننظر﴾، حيث وردت في بعض الروايات بنون واحدة وتشديد الظاء "لنظّر"[62]، ويستدعي هذا التحوّل الصوتي سلسلة من الأسئلة المنهجية حول آليات الإبدال، وحدود الظواهر الصوتية في النظام العربي، ومدى قبول مثل هذه القراءات داخل النسق الفصيح والمعيار، تزداد الإشكالية تعقيدًا مع تداخل مفاهيم الإخفاء والإدغام، وتشابك الرؤى النحوية والصوتية، لاسيما عند مقاربة توجيهات العكبري بنظريات بقيّة العلماء إذ انقسمت رؤية العلماء في توجيه هذه القراءة "لنظّر" إلى اتجاهين بارزين هما:

الاتجاه الأول: يمثل آراء العلماء، إذ تميل آراؤهم إلى اعتبار الظاهرة حالة من الإخفاء لا الإدغام المحض، وهو في الحقيقة خطأ نطقي غير محبب، ومنهم ابن جني إذ ذهب إلى أنّ النون في هذه القراءة مخفاة في الظاء، لا مدغمة، بقوله: " ظاهر هذا أنّه أدغم نون ننظر في الظاء، وهذا لا يعرف في اللغة ويشبه أن تكون مخفاة، فظنها القرّاء مدغمة على عادتهم في تحصيل كثير من الإخفاء إلى أن يظنوه مدغماً، وذلك أنّ النون لا تدغم إلّا في ستة أحرف، ويجمعها قولك يَرْمَلُون"[63].

ويتبيّن من نص ابن جني أنّ ظاهرة الإخفاء أكثر شيوعًا في أصوات الفم، وأنّ كثيرًا من القرّاء يميلون إلى اعتبار الإخفاء إدغامًا بسبب التشابه السمعي، مع أنّ الإدغام بالمعنى الدقيق لا يتحقق إلّا في حروف "يرملون"، يُعيد ابن جني بذلك التمييز الصوتي بين بقاء جزء من أثر النون (الغنّة) وفنائها التام في الإدغام الحقيقي.

تظهر الحاجة المنهجيّة لتعريف اصطلاحي دقيق لمفهومي الإخفاء والإدغام، فالإخفاء: هو "حالة من حالات النون الساكنة والتنوين حين يكون بعدها أحد أصوات الفم البعيدة المخرج"[64]، وهو من المصطلحات التي ذكرها سيبويه حين تحدث في إدغام النون: "وتكون النون مع سائر حروف الفم حرفاً ضعيفاً"[65].

أمّا حروف الفم، وفق سيبويه، تشمل مجموعة من الحروف من ضمنها الظاء، حيث تُخفى النون عند إدغامها في هذه الأصوات، ويبدو أنّ الخفاء هنا لا يعني فناء الصوت كليًا، بل بقاء أثر يسير من النون يُعرف بالغنّة: "وهي الحالة التي تبقى معها بقية من النون وهي الغنّة"[66].

أمّا الإدغام: فهو "أن يتماثل صوتان في الكلام بحسب وضعهما أو بتأثير أحدهما على الآخر فيتماثل معه، فتعتمد لهما في اللسان اعتمادة واحدة"[67]، وقد صاغ الخليل مفهوم الإدغام بقوله: "واعلم أنًّ الراء في (اقشعرّ وابتكرّ) هما راءان أدغمت واحدة في الأخرى والتشديد علامة الإدغام"[68].

تجدر الإشارة إلى أنّ التفريق بين الإخفاء والإدغام لا يتوقف عند الحد الفونولوجي، بل يمتد إلى مستويات أخرى تتعلق بالوظيفة الصوتية، والاقتصاد في النطق، والحفاظ على الجرس الإيقاعي.

يرى أبو حيّان الأندلسي في توجيهه لقراءة يحيى بن حارث الذماري "لنظّر" أن المسألة مرتبطة بمرحلة التدوين، إذ يعتمد توجيهه على مصحف عثمان بن عفان حيث وُجدت بنون واحدة: "وقرأ يحيى بن حارث الذماري (لنظّر) بنون واحدة وتشديد الظاء، وقال: هكذا رأيتهُ في مصحف عثمان بن عفان... ويعني أنّه رآها بنون واحدة، لأنّ النقط والشكل بالحركات والتشديدات إنَّما حدث بعد عثمان، ولا يدل كتبه بنون واحدة على حذف النون من اللفظ، ولا على إدغامها في الظاء؛ لأنّ إدغام النون في الظاء لا يجوز، ومسوغ حذفها أنّه لا أثر لها في الأنف، فينبغي أن تحمل قراءة يحيى على أنّه بالغ في إخفاء الغنّة، فتوهم السامع أنّه إدغام فنسب ذلك إليه"[69].

وتتضح هنا الأبعاد المركبة في تعامل القرّاء والنحويين مع الظواهر الصوتية في التلاوة: فكتابة الحرف ليست دليلاً قاطعًا على أدائه الصوتي، بل قد تخفي خلفها تعددية في التصورات الصوتية، خاصة أنّ النظام الكتابي في المصحف العثماني لم يكن يشمل كلّ العلامات الصوتية، وأن الاعتماد على الأثر السمعي يبقى الأصل في القراءة، إذ يرجح أبو حيّان أنّ الغنة (أي بقاء بعض صفات النون في النطق) هي ما سهل وقوع الالتباس على السامعين، بحيث حملوا الإخفاء على الإدغام، وهو ما يعكس بدوره تداخل الحوافز الإدراكية والفونولوجية في الحكم على الظواهر الصوتية.

أمّا الاتجاه الآخر: والذي يمثله العكبري، فيذهب إلى أنّ الظاهرة تعكس إدغامًا كاملاً من خلال قلب النون ظاءً ثم إدغامها في الظاء الثانية، يقول العكبري في قوله تعالى: "لننظر، يقرأ بنون واحدة وتشديد الظاء قلب النون ظاءً وأدغمها، وهو ضعيف"[70]، فيتضح من ذلك أنّ العملية تبدأ بقلب النون ظاءً فيكون الصوت الناتج "لنظْظَر"، ثم يحصل الإدغام بين المتجانسين ليصير النطق "لنظّر"، ويقول الشارح: وذهب العكبري أيضاً إلى أنّ النون الثانية قلبت ظاء، وأدغمت في الظاء، قلتُ: بيان هذا أنّ صوتها بعد القلب لنَظْظَر، ثم حصل الإدغام بين المتجانسين فجاء حرفاً مشدداً (لنظّر) ولم أجد مثل هذا عند غيره[71].

كما يبيّن تحليل العكبري بوضوح ميله لتطبيق قواعد الإدغام التام في تفسير الظاهرة، حيث يفترض قلب النون ظاءً أولًا (تأثرا بالمجاورة الصوتية) ثم إدغام الظاء في الظاء الناتجة عن القلب، ويعتمد في ذلك على تشابه الصفات الصوتية بين الحرفين، مع أنّ التحليل نفسه ينتهي بالحكم بضعف القراءة وعدم استقامتها ضمن النسق الفصيح العام.

وعند تحليل البنية الصوتية لمقاربة التحوّل من النون إلى الظاء، وإمكانية وقوع الإدغام، علينا أن ننظر التحليل الصوتي في الصفات المشتركة والمختلفة بين الحرفين، فصفات صوت النون: مجهور، بين الشدة والرخاوة، منفتح، مستفل، مرقق، غنّة، الضعف. وصفات صوت الظاء: مجهور، رخو، مطبق، مستعلي، مفخم، الشدة، النفخ[72].

يلاحظ أنّ الحرفين يشتركان في صفة الجهر والرخاوة، ويختلفان في الاستعلاء والتفخيم والإطباق، إن التشابه بين بعض الصفات كـ (الجهر والرخاوة) سهّل عملية الإدغام، كما تمثل الفوارق عائقًا جزئيًا، إذ يرى بعض النحويين أنّ العربية تميل إلى التخلص من الجهد الزائد في توالي الأمثال أو الحروف المتقاربة، فتفضل الإدغام توفيرًا للطاقة الحركية، وقد شبّه النحويون هذا الميل بالمشي المقيّد[73].

ويُعدّ توالي الأمثال في النظام العربي ظاهرة مكروهة لما تسببه من جهد إضافي على اللسان، ولذلك تميل اللغة إلى تسهيل عملية النطق من خلال الإدغام، ما يؤدي أحيانًا إلى فناء صوت في صوت آخر؛ لأنَّ قلب النون ظاءً وادغام الظاء في الظاء الثانية قد أدى إلى فناء صوت النون وهذا ما يسمى بالادغام التام[74].

يتبدّى من المقاربة بين العكبري وبقية النحويين، أنّ لكلّ من الاتجاهين ما يسوغه من حيث النظرية الصوتية، إذ يميل ابن جني وأبو حيّان إلى تفسير الظاهرة في ضوء الإخفاء، مستندين إلى أثر الغنّة وبقاء بعض صفات النون في النطق، ومعتبرين أنّ الإدغام المحض لا يعتد به إلّا مع الحروف الستة التي جمعها قولهم "يرملون"، ويُرجعان الشبه بالإدغام إلى أثر الغنّة الشديدة أو الإخفاء القوي الذي يلتبس على السامع، ولا يدفعهما ذلك إلى قبول عملية القلب التام أو الإدغام الكامل كما ذهب إليه العكبري.

في حين يستند العكبري إلى نظرية المجاورة الصوتية وقواعد الإدغام، فيقلب النون ظاءً ثم يدغمها في الظاء المتجاورة، مستفيدًا من تشابه الجهر والرخاوة، لكنّه لا يغفل عن الحكم على القراءة بالضعف، استنادًا إلى معيارية القياس النحوي والصوتي الفصيح.

وثمة فرق دقيق في تبرير الظاهرة: ففي حين يركّز العكبري على قوة التشابه الصوتي كمسوغ للإدغام، يذهب ابن جني إلى أنّ العرف العربي الصرفي لا يجيز هذا الإدغام، وأنّ بقاء الغنّة دليل على الإخفاء لا الإدغام، كما يعمد أبو حيّان إلى الربط بين إشكال القراءة وبين غياب النقط والشكل في المصحف العثماني، مؤكدًا أنّ كتابة نون واحدة لا تعني دومًا حذفها في النطق أو إدغامها في الظاء، بل ربّما تعكس مجرد إخفاء غنوي بالغ أدى إلى توهيم السامع بالإدغام.

كذلك يشير التحليل الصوتي الحديث إلى أنّ تداخل الأصوات المجاورة في حيز النطق يؤثر فعليًا في قابلية الإبدال والإدغام، تتطلب عملية الإدغام الكامل تشابهًا كبيرًا في الصفات الصوتية والمخارج، فيما تتيح درجة متوسطة من التشابه وقوع الإخفاء والغنّة، توضح التجارب المختبرية على الأصوات العربية، وأن النون عند الظاء تنتج غالبًا حالة إخفاء مصحوبة ببقاء أثري صوتي (غنّة)، أكثر من تحقيق الإدغام التام، إلّا في حالات الأداء السريع أو اللهجات التي تميل إلى الإدغام الكامل[75].

ويبدو عند مراجعة الواقع التداولي أنّ الإبدال التام من النون إلى الظاء أمر نادر جدًا في العربية الفصحى، فيما يعدّ الإخفاء مصحوبًا بالغنّة هو السائد في قراءة الكلمات المشابهة، ما يدعم موقف ابن جني وأبي حيّان أكثر من تفسير العكبري، رغم متانة التحليل النظري للآخر. وهو يُقدّم تفسيرًا يستند إلى قواعد الإدغام والتقارب الصوتي، غير أنّه ظل حذرًا في التوسع في هذا التحليل، وظل متمسكًا بضرورة وجود مسوغ قوي للنقل من الإخفاء إلى الإدغام الكامل، ويدلل على ذلك حكمه على القراءة بالضعف، وعدم تفضيله لهذا الوجه حتى لو كان له مسوغ صوتي في بعض اللهجات أو بيئات الأداء الخاصة.

أمّا بقيّة النحويين، وخاصة ابن جني وأبو حيّان، فيبدون أكثر تحفظًا في قبول حدوث القلب والإدغام بين النون والظاء، ويرون أن النظام الفصيح لا يقر هذا التحول، وأن ما يدركه السامع من إدغام إنما هو أثر قوة الإخفاء والغنة.

وبذلك، تظهر المقاربة أنّ العكبري، وإن حاول توسيع أفق التحليل باللجوء إلى نظرية الإدغام، ظل في نهاية المطاف مرتبطًا بالتقليد النحوي الذي يحتكم إلى القياس ويضع حدودًا واضحة بين الظواهر الصوتية المختلفة، كما أنّ سياق تحليل العكبري لهذه القراءة يعكس اهتمامًا بنظرية الصفات الصوتية، ومدى تأثير التشابه في تسهيل التبادلات والإدغام في اللغة، لكنّه لم ينفصل عن ميراث النقد الصارم للقراءات الشاذة.

كذلك تنعكس ظاهرة إبدال النون ظاءً وما يتصل بها من قضايا الإخفاء والإدغام بقوة في مجالات تعليم القراءة العربية والتجويد القرآني، إذ يواجه المعلمون والدارسون أثناء تلقين أحكام التلاوة، ولا سيما في باب النون الساكنة والتنوين، صعوبة في توضيح الفروق العملية الدقيقة بين الإخفاء الكامل للنون (مع بقاء أثر الغنّة)، وبين الإدغام التام في حروف بعينها، وفي سياق مثل "لنظّر"، تتضاعف الحاجة إلى تدريب الأذن واللسان على إدراك أثر النون في الصوت رغم غيابها الكتابي، وتقدير بقاء صفات الغنّة دليلاً على حضورها الصوتي[76].

يتضح من التجربة التعليميّة المعاصرة أن غالبية الطلاب والمبتدئين في التجويد يميلون إلى التبسيط، فيظنون أنّ غياب النون من الرسم أو شدّة الحرف الذي يليها يعني إدغامًا دائمًا، وهو ما يقتضي من المعلمين توجيههم إلى أنّ الإخفاء قد يُسمع أحيانًا كإدغام بسبب قوة الإخفاء وتجاور المخرجين، لكن الإدغام التام يظل محصورًا في حروف محددة كما أصّل النحويون، وتؤدي ملاحظة بقاء الغنّة إلى ضبط النطق بدقة وفق قواعد التجويد، وتساعد على تلافي الالتباس الذي وقع فيه كثير من القرّاء والدارسين قديمًا وحديثًا[77].

وفي ضوء الدراسات الصوتية المعاصرة، تبيّن التجارب المخبرية باستخدام الأجهزة الرقمية لتحليل النطق، وأنّ الفرق بين الإخفاء عند الظاء والإدغام التام قد يكون دقيقًا للغاية، إذ تظهر الغنّة في التحليل الطيفي للنون المخفاة عنصراً ثابتاً حتى مع قوة التشديد في الظاء، مما يدعم رأي من عدّ الظاهرة إخفاءً لا إدغامًا[78].

ولهذا السبب، يتم التشديد في برامج إعداد المقرئين على مراقبة الغنّة عند الإخفاء، والتمييز بين حالات الفناء الصوتي الكامل (الإدغام) وبين حالات بقاء الأثر الصوتي الخافت للنون، ما يمنح التعليل النحوي القديم مزيدًا من المصداقية العملية في التطبيق الحديث.

من ثمّ، يتجلى الأثر البيداغوجي لهذه الظاهرة في ترسيخ مهارات السمع الدقيق والتدريب المتدرج في النطق، وكذلك في إعادة الاعتبار للنظريات النحوية والصوتية التراثية في ضوء معطيات العلم الحديث، حيث تؤكد الوقائع الميدانية أن الإخفاء يظل القاعدة الأشيع حتى في السياقات التي قد يظن فيها الإدغام التام.

الخاتمة

وبعد أن مَنَّ اللهُ عليَّ بالانتهاء من هذا البحث توصلتُ فيه إلى مجموعةٍ من النتائج هي:-

أولاً: يتكشّف من تحليل ظواهر الإبدال في القراءات القرآنية، لا سيما إبدال الياء ألفًا أو همزة، أو النون جيماً أو ظاءً، وأنّ البنية القاعدية للغة العربية لم تكن أبدًا مغلقة كما تصورها بعض التصنيفات المدرسية المتأخرة، بل انبنت على شبكة من التفاعلات الصوتيّة والصرفيّة والبلاغيّة والسياقيّة، سمحت على الدوام بمساحات من المرونة والاستثناء، حتى في لحظات التشدد القاعدي الظاهري.

ثانياً: أكدت المقاربة بين موقف العكبري وسائر النحويين أنّ فكرة "الامتناع المطلق" للجمع بين البدل والمعوض منه، أو الاستغناء التام عن قواعد الإدغام والإبدال، ليست سوى صورة معيارية لأصل غالب، سرعان ما يتزحزح عندما يواجه ضغط السياق البلاغي أو الضرورة الشعرية أو الأعراف اللهجيّة. ولم يكن العكبري مجرد ناقل لآراء، بل نجح في توسيع أفق التفسير بأن فسح المجال أمام القراءة السياقية والصوتية والبلاغية للظواهر، دون أن يتخلى عن جوهر القياس النحوي.

ثالثاً: لم يكن الوعي الصوتي حكرًا على الدراسات المعاصرة؛ فقد أظهر النحويون والقرّاء الكبار، مثل سيبويه وابن جني وأبي علي الفارسي، وعيًا عميقًا بفروق المخرج وصفات الحروف (الجهر، الهمس، الإشراب، الغنة)، وميزوا بصرامة بين الإبدال الصرفي المنضبط والإبدال العارض النابع من الاستعمال أو الحاجة الصوتية أو حتى الانفعال العاطفي. ما كان يُعد في معيار النحو شاذًا، أقرّه العرف في سياق الندبة، أو عند الضرورة الشعرية، أو في لهجات قبائل بعينها.

رابعاً: إنّ أغلب النحويين (ومنهم العكبري نفسه) تمسّكوا بقوة القاعدة عند التعليل، فقد ظل الباب مواربًا دومًا أمام الاستثناء؛ إذ كان الإبداع الشعري أو البلاغي أو حتى اللهجي سببًا كافيًا لتعليق العمل بالقاعدة مؤقتًا، شريطة أن يكون ذلك محددًا بسياق استثنائي لا يُعمم.

خامساً: كشفت الممارسة الصوتية الفعلية، كما هو حال الإخفاء والإدغام بين النون والجيم أو النون والظاء، عن أنّ المفهوم السمعي للحرف ظل سابقًا على التقييد الكتابي أو الاصطلاحي؛ فكثير من الأحكام في الإبدال أو الإدغام ترجع في الأصل إلى أثر الغنّة أو بقية الصوت في السمع، لا إلى رسم الحرف أو شكل التشديد، كما أشار إلى ذلك أبو حيّان وغيره.

سادساً: إنّ التقعيد النحوي العربي تأسس على ظواهر اللهجات وتعدد الاستعمالات، إذ انتقلت بعض الأعراف من مجرد شواهد قبليّة (كثبات الألف في المثنى عند الحارث بن كعب) إلى تعليلات صرفية وصوتية جرى على أساسها بناء القواعد، ما يدل على أنّ فكرة "وحدة القاعدة" نفسها وليدة ترجيح مدرسة أو تيار لغوي على غيره، وليس إجماعًا مطلقًا.

سابعاً: إنّ الإبدال بين الياء والهمزة، غير قائم على علاقة فونولوجية مباشرة أو تقارب في المخرج والصفة، بل غالبًا ما يكون محاولة لإبراز الأصل الاشتقاقي، أو لتكوين مقطع فوني أو بيان إعرابي، أو حتى لضبط النبر في السياق الكلامي، وفق ما استنتجته الدراسات الصوتية الحديثة كـ (الدكتور عبد الصبور شاهين، والدكتور جواد كاظم)؛ إذ يكشف أنّ المفهوم الصوتي للإبدال كان وما يزال مرنًا وخاضعًا لوظيفة النطق أو الوضوح السمعي وليس لقوانين هندسية فيزيائية قاطعة.

ثامناً: إنّ التحليل الصوتي الحديث أعاد تقييم كثير من الظواهر التي عُدَّت سابقًا إبدالاً أو إدغامًا، ليكشف أنّ معظمها أقرب إلى الإخفاء المشدد أو ظواهر انتقالية (مثل بقاء أثر الغنّة)، وأنّ التجارب المختبرية أكدت أنّ الحدود بين الإخفاء والإدغام غالبًا ما تظل ضبابية عند الأداء السريع أو في اللهجات غير الفصحى.

تاسعاً: إنّ بعض مظاهر الإبدال أو الإدغام (مثل "نُجِّي" أو "لنظّر") لم تكن مجرد قضايا نظرية باردة، بل ظلت تؤثر في تعليم التجويد وأداء التلاوة، ولا تزال اليوم تفرض تحديات على برامج تدريس العربية الفصحى في ضرورة تدريب الأذن على تمييز الفروق الدقيقة، وتنبيه المتعلمين إلى أنّ اختلاف الكتابة أو التشديد لا يعكس دائمًا اختلافًا صوتيًا حاسمًا.

عاشراً: إنّ الانقسام بين العكبري وبقية النحويين لم يكن صراعًا بين القديم والجديد، بل تفاوتًا في درجات المرونة إزاء القاعدة، حيث حافظ العكبري على بنية القاعدة لكنه لم يتردد في اللجوء للتحليل الصوتي أو البلاغي أو اللهجي حين يقتضي السياق. أمّا غيره، فتوزعوا بين الإخلاص للنظام المعياري، أو الاتكاء على السوابق البلاغية والصوتية.

أحد عشر: إنّ ظواهر الإبدال الصوتي في القراءات ليست قضايا صرفيّة معزولة، بل نماذج حيّة على حيوية النظام العربي وقدرته على إعادة تعريف القاعدة بتأثير البلاغة، والسياق، والاستعمال اللهجي، واحتياجات الأداء السمعي، وأنّ صراع الاستعمال مع القياس كان ولا يزال محرّكًا لتطوّر القاعدة العربية. ويبقى البحث النقدي المقارن هو السبيل الأجدى لفهم دينامية النظام اللغوي العربي، ومرونته في مواجهة التغير الصوتي والسياقي عبر العصور.

قائمة المصادر والمراجع

* القرآن الكريم.

1)      ابن جني، أبو الفتح عثمان، الخصائص، تحقيق محمد علي النجّار، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1994.

2)      ابن جني، أبو الفتح عثمان، المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات والإيضاح عنها، تحقيق علي النجدي ناصف وآخرين، المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، القاهرة، 1966.

3)      ابن خالويه، الحسين بن أحمد، إعراب القراءات الشاذ، تحقيق علي جمعة عوض، دار الكتب العلمية، بيروت، 2008.

4)      ابن منظور، محمد بن مكرم، لسان العرب، دار صادر، بيروت، 1300هـ.

5)      ابن يعيش، موفق الدين يعقوب بن إسحاق، شرح المفصّل، تحقيق إميل بديع يعقوب، دار الكتب العلمية، بيروت، 2001.

6)      أبو زرعة، عبد الرحمن بن محمد، حجة القراءات، تحقيق سعيد الأفغاني، دار الفكر، دمشق، 1997.

7)      الأندلسي، أبو حيّان، محمد بن يوسف بن علي، البحر المحيط في التفسير، تحقيق عادل أحمد عبد الموجود وعلي محمد معوض، دار الكتب العلمية، بيروت، 1993.

8)      أنيس، إبراهيم، علم الأصوات عند العرب، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، 1972.

9)      الجبوري، مي فاضل، القراءات القرآنية بين الدرس الصوتي القديم والحديث، بغداد، 2000.

10)  حميتو، عبد الهادي، القراءات وأثرها في الصوتيات، الدار البيضاء، بغداد، 2007.

11)  الخطيب، عبد اللطيف، معجم القراءات. بيروت، دار الكتب العلمية، 2002.

12)  الداني، أبو عمرو، عثمان بن سعيد، جامع البيان في القراءات السبع، تحقيق طه محسن، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، 1984.

13)  الذهبي، شمس الدين، سير أعلام النبلاء، تحقيق شعيب الأرناؤوط وآخرين، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1985.

14)  الرازي، محمد بن عمر بن الحسن، التفسير الكبير (مفاتيح الغيب)، تحقيق عبد القادر شريف، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1981.

15)  الزجاج، إبراهيم بن السري، معاني القرآن وإعرابه، تحقيق عبد الجليل عبده شلبي، عالم الكتب، بيروت، 1988.

16)  الزمخشري، محمود بن عمر، الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل، دار الكتاب العربي، بيروت، 1998.

17)  السمين الحلبي، محمد بن عبد الرحمن، الدر المصون في علوم الكتاب المكنون، تحقيق أحمد محمد الخراط، دار القلم، دمشق، 1998.

18)  سيبويه، أبو بشر عمرو بن عثمان بن قنبر، الكتاب، تحقيق عبد السلام هارون، مكتبة الخانجي، القاهرة، 1402هـ- 1982م.

19)  السيرافي، أبو سعيد الحسن بن عبد الله، شرح كتاب سيبويه، تحقيق محمد حسّان الطيّان، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1986.

20)  السيوطي، عبد الرحمن بن أبي بكر، الدر المنثور في التفسير بالمأثور، دار الفكر، بيروت، 1993.

21)  شاهين، عبد الصبور. المنهج الصوتي للبنية العربية (رؤية جديدة في الصرف العربي)، مؤسسة الرسالة بيروت، 1400هـ-1980م.

22)  شاهين، عبد الصبور، القراءات القرآنية في ضوء علم اللغة الحديث، مكتبة الخانجي، القاهرة، 1966.

23)  شاهين، عبد الصبور، في الأصوات العربية، مكتبة الخانجي، القاهرة، 1966.

24)  شعبان، مصطفى، التعويض في قضايا النحو والصرف، كلية الآداب، الإسكندرية، 2018.

25)  الصيغ، عبد العزيز، المصطلح الصوتي في الدراسات العربية، دار الفكر، دمشق، 1427هـ-2007م.

26)  عبد الجليل، حازم، التحليل الطيفي للنون الساكنة والإخفاء، المجلة العربية لعلم الأصوات3، العدد2، 2018.

27)  عزوز، محمد السيد أحمد، إعراب القراءات الشواذ لأبي البقاء العكبري، عالم الكتب، بيروت، 1417هـ-1996م.

28)  العكبري، أبي البقاء عبدالله بن الحسن العكبري(ت 616هـ)، التِّبيان في إعراب القرآن، تحقيق: علي محمّد البجاوي، د.ت، د.ظ.

29)  علي، محمد يونس، الإدغام والإخفاء في العربية، مجلة الأصوات العربية، العدد 11، 2016.

30)  علي، محمد يونس، التداخل الصوتي في العربية، مجلة الدراسات الصوتية، العدد 9، 2014.

31)  عناد، جواد كاظم، القراءات القرآنية في كتب معاني القرآن: قراءة في التوجيه الصوتي، مؤسسة الانتشار العربي، بيروت، 2011.

32)  عناد، جواد كاظم، الوقف في المدونة النحوية: تمرين على قراءة متن قديم، دار تموز، بغداد، 2019.

33)  عوض، سامي، التقاء الساكنين في ضوء نظرية المقطع الصوتي، دار قباء، مصر، 2001.

34)  الفارسي، أبو علي، الحسن بن أحمد بن عبد الغفار، الحجة في القراءات السبع، تحقيق بدر الزمان الكردي، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، 1992.

35)  الفرّاء، يحيى بن زياد، معاني القرآن، عالم الكتب، بيروت، 1403هـ-1983م.

36)  الفراهيدي، الخليل بن أحمد، معجم العين، تحقيق مهدي المخزومي وإبراهيم السامرائي، دار الهجرة، بغداد، 1982.

37)  القرطبي، محمد بن أحمد الأنصاري، الجامع لأحكام القرآن، تحقيق أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش، دار الكتب المصرية، القاهرة، 2006.

38)  القيسي، مكي بن أبي طالب، الكشف عن وجوه القراءات وعللها وحججها، تحقيق محيي الدين رمضان، مركز إحياء التراث، مكة المكرمة، 2003.

39)  الكردي، فاطمة الزهراء، التحليل الصوتي للبدائل الهمزية في القرآن، مجلة الدراسات الصوتية، العدد 10، 2019.

40)  الكردي، فاطمة الزهراء، دراسات طيفية للإخفاء والإدغام في النطق القرآني، مجلة الأصوات العربية، العدد 15، 2021.

41)  المرصفي، عبد الفتاح، هداية القاري إلى تجويد كلام الباري، مكتبة المعارف، القاهرة، د.ت.

42)  النجدي، علي محمد، الأشباه والنظائر في النحو، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، دار الفكر العربي، القاهرة، 1958.

43)  النسفي، عبد الله بن أحمد بن محمود، مدارك التنزيل وحقائق التأويل، دار المعرفة، بيروت، د.ت.

44)  النعيمي، حسام سعيد، أبحاث في أصوات العربية، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، 1998.

 

[1] سورة الزمر، الآية 56.
[2] ينظر: الخطيب، عبد اللطيف، معجم القراءات، ج 8، ص175، وهي قراءة ابن وردان ومعاذ القارئ والنهرواني.
[3] ابن جني، أبو الفتح عثمان، المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات والإيضاح عنها، ج2، ص238- 239، سورة الأنعام، الآية 192.
[4] ابن جني، أبو الفتح عثمان، الخصائص، ج1، ص265، وينظر: النجدي، علي محمد، الأشباه والنظائر في النحو، ج1، ص304.
[5] الرازي، محمد بن عمر بن الحسن، التفسير الكبير (مفاتيح الغيب)، ج27، ص7. وينظر: النسفي، عبد الله بن أحمد بن محمود، مدارك التنزيل وحقائق التأويل، ج3، ص188.
[6] الزمخشري، محمود بن عمر، الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل، ج5، ص314.
[7] ابن يعيش، موفق الدين يعقوب بن إسحاق، شرح المفصّل، ج10، ص6، وينظر: شعبان، مصطفى، التعويض في قضايا النحو والصرف، ص78.
[8] ابن جني، أبو الفتح عثمان، المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات والإيضاح عنها، ج2، ص32.
[9] ينظر: عزوز، محمد السيد أحمد، إعراب القراءات الشواذ لأبي البقاء العكبري، ج2، ص410-411، العكبري، أبو البقاء عبدالله بن الحسن، التبيان في إعراب القرآن، ج2، ص118.
[10] السيرافي، أبو سعيد الحسن بن عبد الله، شرح كتاب سيبويه،ج2، ص88.
[11] الأندلسي، أبو حيّان محمد بن يوسف بن علي، البحر المحيط في التفسير، ج7، ص417.
[12] السمين الحلبي، محمد بن عبد الرحمن، الدر المصون في علوم الكتاب المكنون، ج9، ص435.
[13] عزوز، محمد السيد أحمد، إعراب القراءات الشواذ لأبي البقاء العكبري، ج2، ص410-411،
[14] عزوز، محمد السيد أحمد، إعراب القراءات الشواذ لأبي البقاء العكبري، ج2، ص410-411.
[15] السيرافي، أبو سعيد الحسن بن عبد الله، شرح كتاب سيبويه، ج2، ص88.
[16] ابن جني، أبو الفتح عثمان، المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات والإيضاح عنها، ج2، ص496-497، وينظر: عوض، سامي، التقاء الساكنين في ضوء نظرية المقطع الصوتي، ص69.
[17] ابن يعيش، موفق الدين يعقوب بن إسحاق، شرح المفصّل، ج9، ص71، وينظر: عوض، سامي، التقاء الساكنين في ضوء نظرية المقطع الصوتي، ص69-70.
[18] ينظر: النعيمي، حسام سعيد، أبحاث في أصوات العربية، ص9.
[19] سورة المؤمنون، الآية 93.
[20] ينظر: الخطيب، عبد اللطيف، معجم القراءات،ج7، ص243، وهي قراءة الضّحاك وأبو عمران الجوني.
[21] سورة البقرة، الآية 48.
[22] ينظر: الخطيب، عبد اللطيف، معجم القراءات، ج1، ص94، وهي قراءة أبو السمّال العدوي.
[23] ابن خالويه، الحسين بن أحمد، إعراب القراءات الشاذة، ج1، ص410.
[24] الزمخشري، محمود بن عمر، الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل، ج3، ص413.
[25] الأندلسي، أبو حيّان محمد بن يوسف بن علي، البحر المحيط في التفسير،ج7، ص275.
[26] عزوز، محمد السيد أحمد، إعراب القراءات الشواذ لأبي البقاء العكبري، ج1، ص166، وينظر: العكبري، أبو البقاء عبدالله بن الحسن، التبيان في إعراب القرآن، ج2، ص141.
[27] ينظر: شاهين، عبد الصبور، القراءات القرآنية في ضوء علم اللغة الحديث، ص48، وشاهين، عبد الصبور، في الأصوات العربية، ص154-156.
[28] ينظر: شاهين، عبد الصبور، في الأصوات العربية، ص130-131، وشاهين، عبد الصبور، في الأصوات العربية، ص158.
[29] شاهين، عبد الصبور، المصدر السابق، ص67- 68، وشاهين، عبد الصبور، في الأصوات العربية، ص159.
[30] شاهين، عبد الصبور، القراءات القرآنية في ضوء علم اللغة الحديث، ص63.
[31] ينظر: شاهين، عبد الصبور، القراءات القرآنية في ضوء علم اللغة الحديث، ص63.
[32] ينظر: شاهين، عبد الصبور، القراءات القرآنية في ضوء علم اللغة الحديث، ص64.
[33] ابن خالويه، الحسين بن أحمد، إعراب القراءات الشاذة، ج1، ص415.
[34] الزمخشري، محمود بن عمر، الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل،ج 4، ص207.
[35] الرازي، محمد بن عمر بن الحسن، التفسير الكبير (مفاتيح الغيب)، ج28، ص124.
[36] ابن خالويه، الحسين بن أحمد، إعراب القراءات الشاذة، ج1، ص57، وينظر: العكبري، أبي البقاء عبدالله بن الحسن، التبيان في إعراب القرآن، ج2، ص198.
[37] ينظر: شاهين، عبد الصبور،المنهج الصوتي للبنية العربية (رؤية جديدة في الصرف العربي)، ص173.
[38] ينظر: شاهين، عبد الصبور، المنهج الصوتي للبنية العربية (رؤية جديدة في الصرف العربي)، ص175.
[39] القرطبي، محمد بن أحمد الأنصاري، الجامع لأحكام القرآن، ج15، ص331.
[40] سورة الأنبياء، الآية88.
[41] ينظر: الخطيب، عبد اللطيف، معجم القراءات، ج6، ص47، وهي قراءة محمّد بن السمبفع وأبي العالية.
[42] ينظر: الفرّاء، يحيى بن زياد، معاني القرآن، ج3، ص133. والزجاج، إبراهيم بن السري، معاني القرآن وإعرابه، ج4، ص253، وأبو زرعة، عبد الرحمن بن محمد، حجة القراءات، ج5، ص89. ابن خالويه، الحسين بن أحمد، إعراب القراءات الشاذة، ج2، ص88.
[43] الفرّاء، يحيى بن زياد، معاني القرآن، ج3، ص133.
[44] الزجاج، إبراهيم بن السري، معاني القرآن وإعرابه، ج4، ص253.
[45] الفارسي، أبو علي الحسن بن أحمد بن عبد الغفار، الحجة في القراءات السبعة، ج5، ص89.
[46] أبو زرعة، عبد الرحمن بن محمد، حجة القراءات، ج2، ص321.
[47] القيسي، مكي بن أبي طالب، الكشف عن وجوه القراءات وعللها وحججها، ج2، ص375.
[48] القيسي، مكي بن أبي طالب، الكشف عن وجوه القراءات وعللها وحججها، ج2، ص375.
[49] الزمخشري، محمود بن عمر، الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل، ج 3، ص363.
[50] عزوز، محمد السيد أحمد، إعراب القراءات الشواذ لأبي البقاء العكبري، ج1، ص114.
[51] سيبويه، الكتاب، ج4، ص174.
[52] سيبويه، الكتاب،ج4، ص175.
[53] ينظر: عناد، جواد كاظم، الوقف في المدونة النحوية: تمرين على قراءة متن قديم، ص85-87.
[54] ينظر: سيبويه، الكتاب،ج4، ص175.
[55] عناد، جواد كاظم، الوقف في المدونة النحوية: تمرين على قراءة متن قديم، ص85-87.
[56] سيبويه، الكتاب، ج4، ص434، وينظر: عناد، جواد كاظم، الوقف في المدونة النحوية: تمرين على قراءة متن قديم، ص85-87.
[57] ابن منظور، محمد بن مكرم. لسان العرب، ج6، ص302.
[58] ينظر: المرصفي، عبد الفتاح، هداية القاري إلى تجويد كلام الباري، ج2، ص54-56.
[59] ينظر: علي، محمد يونس، التداخل الصوتي في العربية، ص111.
[60] ينظر: عبد الجليل، حازم، التحليل الطيفي للنون الساكنة والإخفاء، ص77-80.
[61] سورة يونس، الآية 14.
[62] ينظر: الأندلسي، أبو حيّان محمد بن يوسف بن علي، البحر المحيط في التفسير، ج6، ص107، عزوز، محمد السيد أحمد، إعراب القراءات الشواذ لأبي البقاء العكبري، ص640، العكبري، أبو البقاء عبدالله بن الحسن، التبيان في إعراب القرآن، ج2، ص95، ابن جني، أبو الفتح عثمان، المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات والإيضاح عنها،ج2، ص362، الخطيب، عبد اللطيف، معجم القراءات، ج3، ص506، وهي قراءة يحيى بن حارث الذماري.
[63] ابن جني، أبو الفتح عثمان، المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات والإيضاح عنها، ج2، ص362.
[64] الصيغ، عبد العزيز، المصطلح الصوتي في الدراسات العربية، ص234.
[65] سيبويه، الكتاب،ج4، ص454.
[66] الصيغ، عبد العزيز، المصطلح الصوتي في الدراسات العربية، ص235.
[67] أنيس، إبراهيم، علم الأصوات عند العرب، ص215، وينظر: الصيغ، عبد العزيز، المصطلح الصوتي في الدراسات العربية، ص236.
[68] الفراهيدي، الخليل بن أحمد، معجم العين، ص49(المقدمة).
[69] الأندلسي، أبو حيّان محمد بن يوسف بن علي، البحر المحيط في التفسير،ج5، ص135، وينظر: الخطيب، عبد اللطيف، معجم القراءات، ج3، ص506-507، العكبري، أبو البقاء عبدالله بن الحسن، التبيان في إعراب القرآن، ج2، ص668.
[70] عزوز، محمد السيد أحمد، إعراب القراءات الشواذ لأبي البقاء العكبري، ص640، وينظر: العكبري، أبو البقاء عبدالله بن الحسن، التبيان في إعراب القرآن، ج2، ص668.
[71] ينظر: الخطيب، عبد اللطيف، معجم القراءات، ج3، ص507.
[72] ينظر: الصيغ، عبد العزيز، المصطلح الصوتي في الدراسات العربية، ص89-176.
[73] ينظر: سيبويه، الكتاب،ج4، ص417، القيسي، مكي بن أبي طالب، الكشف عن وجوه القراءات وعللها وحججها، ج1، ص219، عناد، جواد كاظم، الوقف في المدونة النحوية: تمرين على قراءة متن قديم، ص170.
[74] ينظر: الجبوري، مي فاضل، القراءات القرآنية بين الدرس الصوتي القديم والحديث، ص80.          
[75] ينظر: علي، محمد يونس، الإدغام والإخفاء في العربية، ص81.
[76] ينظر: المرصفي، عبد الفتاح، هداية القاري إلى تجويد كلام الباري، ج1، ص134-137.
[77] ينظر: حميتو، عبد الهادي، القراءات وأثرها في الصوتيات، ص98-103.
[78] ينظر: الكردي، فاطمة الزهراء، دراسات طيفية للإخفاء والإدغام في النطق القرآني، ص41-45.