العدد الثالث عشر

المواجهة الإيجابية للتحدّيات في المنهج التبليغي عند الإمام علي بن محمد الهادي (عليه السلام)
تحميل
الباحثين أ. د. شكري ناصر عبد الحسن المياحي أ. د. شكري ناصر عبد الحسن المياحي

المواجهة الإيجابية للتحدّيات في المنهج التبليغي عند الإمام علي بن محمد الهادي (عليه السلام)

 

Positive Confrontation of Challenges in the Propagation Methodology of Imam Ali ibn Mohammad Al-Hadi (PBUH)

 

أ. د. شكري ناصر عبد الحسن المياحي

جامعة البصرة

كلية التربية للعلوم الإنسانية

 

Prof. Dr. Shukri Nasir Abd Al-Hassan Al-Miyahi

University of Basra

College of Education for Human Sciences

 

الملخص:

مثّل الإمام علي بن محمد الهادي (عليه السلام) أحد القادة الإلهيين الذين تصدّوا لسياسة الإقصاء الممنهجة التي اتخذتها السلطة العباسية الحاكمة، والتي أرادت من خلالها تغييبه وتحجيم دوره الرسالي في بناء المنظومة الفكرية للمجتمع الإسلامي، ومع عظيم تلك التحديات إلا انه (عليه السلام) عمل على أداء هذا الدور الرسالي من خلال مواجهته الإيجابية لتلك التحديات التي تعرض لها، وتسخير هذه التحديات لنشر الأحكام والتشريعات الإلهية، ولم يمنعه الحصار والتهجير والسجن والحرمان من أداء هذه المهمة. ومن خلال متابعة حركة التبليغ عند الإمام علي بن محمد الهادي (عليه السلام) نجد أنّ المواجهة مع التحديات قامت على مجموعة من الخطوات تبعاً لنوع ذلك التحدي وخطورته، كطبيعة عقلية السلطة التي عادة ما تكون بين الإصرار والتمادي واستراتيجية المهادنة والموادعة والمنهج الروحي وصياغة العقلية التوكلية وأسلوب الجذب والاستقطاب. وقد تبين على الرغم من صعوبة الظروف وشدة تلك التحديات وخطورتها وتأثيراتها، إلا أنه(عليه السلام)  حقق الأهداف والغايات الرسالية المنشودة، وعلى وفق استراتيجية محكمة وخطوات مدروسة.

الكلمات المفتاحية:

الإمام علي بن محمد الهادي، التحديات، منهج السلطة، المنهج الرسالي.

 

Abstract:

Imam Ali ibn Mohammad Al-Hadi (PBUH) represented one of the divine leaders who confronted the systematic exclusion policy adopted by the ruling Abbasid authority, which sought to marginalize him and limit his missionary role in building the intellectual framework of Islamic society. Despite the enormity of those challenges, he worked to fulfill this missionary role by positively confronting the obstacles he faced and channeling those challenges toward the spread of divine rulings and legislation. Siege, displacement, imprisonment, and deprivation did not prevent him from carrying out this mission. By following the Imam's propagation movement, we find that his confrontation of challenges was based on a set of steps corresponding to the nature and severity of each challenge, including understanding the mindset of authority (often swinging between insistence and excess), strategies of truce and reconciliation, spiritual methodology, cultivating a mindset of reliance on God, and methods of attraction and outreach. Despite the harshness of the circumstances, he achieved the desired missionary goals through a well-crafted strategy and deliberate steps.

key words: Imam Ali ibn Mohammad Al-Hadi(PBUH), challenges, the authority's methodology, the missionary approach.

 

المقدمة

على طول المراحل التاريخية التي مرت بها مسيرة القادة الإلهيين أنبياء وأوصياء، كان التحدي العنوان الأكثر ظهوراً فيها، إذ أن هذا العنوان قد أخذ الحيز الأكبر من هذه المراحل، بل وشكل القطب الذي دارت عليه كل تفاصيل حياتهم. وهذا من الأمور البديهية، وتعد نتيجة طبيعية لحالة المواجهة التي تقوم مع الجهات التي تمثل الانحراف والباطل.

فكما هو معلوم أن الأصل في مبعث الأنبياء والمرسلين وقيام الأوصياء من بعدهم هو لتقويم موارد الانحراف والاعوجاج التي عانت وتعاني منها المجتمعات البشرية، ولبعث الأمان والاطمئنان داخل تلك المجتمعات، قال تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللهُ الَّذِينَ آَمَنُوا لِـمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ سورة البقرة، الآية 213.

كما لا يخفى أن جبهة الباطل والانحراف عادة ما تكون جبهة متصلبة في مواقفها ومعتقداتها؛ لذلك تكون مواقفها تجاه مشروعات التصحيح والتقويم انعكاساً لتلك المعتقدات، ولذلك نجد أن هذه الجبهة تتبنى مواقف إقصائية تجاه هؤلاء القادة، وتعمل جاهدة لتحجيم حركتهم التبليغية والتقليل من تأثيرهم في تلك المجتمعات والعمل على وضع الحواجز والفصل بينهم وبين مجتمعاتهم.

ومع جميع تلك التحديات كان هؤلاء القادة لا يفترون عن أداء دورهم التبليغي وإرشاد المجتمع وعدم التراجع أمام تلك التحديات، بل العكس تماماً، فإنهم كانوا ينطلقون من تلك التحديات ويتعاطون معها بشكل إيجابي؛ لأنها تمثل نقاطاً تنكشف معها جبهة الانحراف وخططها.

ومن هنا ارتأينا دراسة هذا الموضوع تبعاً لنوع التحديات وخطورتها وتأثيراتها على وفق مجموعة من المحاور، وبالشكل الآتي:

المحور الأول: عقلية السلطة بين الإصرار والتمادي

على امتداد المسيرة التبليغية لأهل البيت(عليهم السلام) كان التحدي مع الاتجاهات الأخرى ملازماً لهم، بل وأصبح معرقلاً لحركتهم التبليغية في كثير من الأحيان، مما دعائم (عليهم السلام) إلى البحث عن البدائل لإتمام حجتهم على الناس.

ولعل تحدي السلطة كان من أبرز التحديات التي أخذت حيزاً من هذه المعرقلات؛ لأنهم (عليهم السلام) قد واجهوا وجابهوا سلطات اتصفت بالقسوة والتضييق وسلب الحريات، ولقد أظهرت لنا الروايات التاريخية أن الإمام علي بن محمد الهادي (عليه السلام) قد عاش في أزمنة ملؤها الإرهاب والفتن والتضليل.

اتضح ومن خلال المعطيات التاريخية إنه وعلى الرغم من أن الإمام (عليه السلام) كان يعاني من إجراءات السلطة وطغيانها أشد المعاناة، إلا أنه (عليه السلام) انطلق بأداء دوره الرسالي متحدياً إرادة السلطة الجائرة التي أرادت بترحيله إلى سامراء أن تقوض من أدائه لهذا الدور الرسالي، وتجعله عاجزاً عن ذلك، وتقطع كل وسائل التواصل بينه وبين المجتمع.

لقد كشفت إجراءات السلطة المتكررة تجاه الإمام (عليه السلام) أنها كانت تسير بعقلية الإصرار والتمادي في جميع ذلك، ولم تكن تلك الإجراءات وقتية أو آنية، أو أنها كانت ردة فعل تجاه فعل صدر من الإمام (عليه السلام)، خاصة وأن المتوكل قد جمع بين الدكتاتورية السياسية والتعصب المذهبي، وهذا من الأمور الخطيرة جداً التي معها تفقد السلطة قدرتها على إدارة دفة الحكم إدارة تتصف بالعدالة والاحتواء لجميع فئات المجتمع.

وقد ذكر المستر ريتشارد كوك فيرى أن المتوكل كان متطرفاً في تأييده لعقيدة السنة، فألغيت بأمر منه في الحال جميع الأنظمة والتعليمات التحررية.. وبدأت فترة من حكم الإرهاب الذي أصابت شروره الشيعة والمعتزلة واليهود والنصارى على حد سواء. وأخذ أتباع أحمد بن حنبل يرهبون الناس في بغداد، فكان ذلك بداية القصة الطويلة للفتن الدينية وعدم التسامح التي فعل تأثيرها السيئ في الأخير فعله في مصير مدينة السلام المحزن. ولقد كانت شخصية المتوكل من أسوأ الشخصيات وأنحسها، حتى أطلق عليه اسم نيرون العرب[1][2].

وبطبيعة الحال فإنه لابد أن يكون الإمام علي بن محمد الهادي(عليه السلام) قد عانى كثيراً من حقبة حكم المتوكل التي امتدت قرابة ستة عشر عاماً ما بين السنوات (٢٣٢ هـ -
٢٤٧هـ)، وهي حقبة ليست قليلة في سنواتها بما حملته من الظلم والتجبر.

وبناء على المعطيات التاريخية يظهر لنا أن الإمام (عليه السلام) كان يتعامل مع طاغوتية المتوكل بمنهج المهادنة والموادعة بعيداً عن التشنج والتوتر، وهذا هو الأسلوب الأمثل الذي تتطلبه مثل هذه الظروف طالما أن السلطة كانت تنظر بعين الريبة والشك إلى حركة الإمام (عليه السلام) وأتباعه، فقد اشتهر المتوكل بعدائه المعلن لأمير المؤمنين[3]، وهدم قبر سيد الشهداء الإمام الحسين[4]، وملاحقة الشيعة تحت كل حجر و مدر، حتى عادت التهمة بالتشيع شبحاً مخيفاً يتراءى لأتباع أهل البيت من الشيوخ والشباب والأطفال والنساء. ولهذا رأينا عداء المتوكل لأهل بيت النبوة، تعداهم خطوط إلى أوليائهم وأتباعهم وأصحابهم قتلاً وتشريداً وسوء إيقاع[5].

ولعل ما فعله المتوكل العباسي مع ابن السكيت[6] لأوضح شاهد على ذلك المنهج الإرهابي، فقد كان مؤدباً لولدي المتوكل والمعتز والمؤيد، إذ سأله وهما بين يديه، قال المتوكل من أحب إليك هما - يعني المعتز والمؤيد - أو الحسن والحسين؟ فقال ابن السكيت: قنبر - يعني مولى أمير المؤمنين – خير منهما !!فأمر الأتراك بسلّ لسانه فمات، وذلك في سنة ٢٤٤هـ[7].

ونتيجة لهذه الأساليب الإرهابية نجد أن الإمام (عليه السلام) كان على درجة عالية من الحذر في مواجهتها، فكل خطوة خطاها (عليه السلام) تعطينا صورة واضحة للمنهج الذي سار عليه أهل البيت (عليهم السلام) في التعامل مع التحديات التي أوجدتها السلطات الحاكمة، فكان التمويه عليها وتشتيت تركيزها وجعلها في مواجهة مع أكثر من جبهة قد فعل فعله، وانه (عليه السلام) بهذا المنهج قد حصن خط الإمامة من أن يوصل إليه بسوء، على الرغم من قوة الإجراءات التي كانت متبعة حينذاك في أيام المتوكل، فقد ابتدع كثيراً من الأساليب لإيصال الأذى بالإمام والاستهانة به والتضييق عليه، وتغريبه عن دياره ومقر آبائه. وقد علل سبط ابن الجوزي ذلك بالسبب المتوارث لدى العباسيين، من أن المتوكل كان يبغض علياً وذريته[8].

وفي قبال ذلك كلّه كان المنهج الاحتوائي الذي اعتمده الإمام علي بن محمد الهادي(عليه السلام) هو الخيار الأسلم في التعامل مع عقلية المتوكل التي اتسمت بالإصرار والتمادي، خاصة وانه قد سلّ سيف الانتقام من أتباع أهل البيت(عليهم السلام)، فضلا عن أن الإمام(عليه السلام) كان يرى أن خيار التصادم مع السلطة لا يأتي بنفع للمشروع الإلهي، بل ربما سيكون سبباً في خسارة المجتمع لقيادته الإلهية المتمثلة بالإمام(عليه السلام)،
مما سيخلق فراغاً عقائدياً وروحياً لديهم، كما أن الإمام(عليه السلام) قد شخص أن التيار الشيعي قد أصابته كثير من الفتن، وظهرت فيه الفرق والأهواء، مما جعله عرضة للتشظي، الأمر الذي تطلب جهوداً كبيرة نحو الحفاظ عليه ولملمة شتاته؛ لكي يبقى محافظاً على تماسكه ووجوده، مما فرض على الإمام(عليه السلام) تحدياً جديداً، وتتطلب منه أن يتعامل مع هذا التحدي على وفق المعطيات السياسية القائمة وبما يحفظ خط الإمامة والكيان الإمامي، كما كشف لنا هذا المنهج الثابت الذي كان أهل البيت (عليهم السلام)
يتعاطون به مع السلطات وقدرتهم على مواجهة المواقف الصعبة واحتوائها خاصة تلك التي يراد بها تصفية الخط الرسالي.

ولو أمعنا النظر في سيرة الإمام (عليه السلام)
نلمس أن المتوكل العباسي كان عالماً ومقتنعاً بأن الإمام (عليه السلام) كان لا يحمل أي مشروع عدائي تجاه السلطة بما هي سلطة، ولكن تلك الوسوسة والشعور بالنقص الذي كان عليه المتوكل العباسي هو الذي دفعه إلى استهداف الإمام(عليه السلام)، ولذلك وكما نفهم من هذا المنهج أن الإمام(عليه السلام) قد شخص هذه المخاوف وحالة الانهزام النفسي الذي عاشه المتوكل، فدفع باتجاه بيان أن المشروع الذي يحمله إنما هو مشروع رسالي يهدف إلى بناء المنظومة الفكرية للمجتمع بعيدا عن التوجهات السياسية والسلطوية.

قال أحد الباحثين: (إن الإمام علياً الهادي لم يحاول قيد أنملة قط الاقتراب من التفكير في الاستيلاء على السلطة بأي شكل من الأشكال، فضلاً عن العمل من أجل ذلك، فهو معني بإنقاذ الأمة اجتماعياً، وتثقيف الجماعة الإسلامية إيمانياً، وإشاعة العلم النافع بين أوليائه بخاصة والمسلمين بعامة، ولكن الهاجس النفسي لدى المتوكل وأتباع الخلافة العباسية هو الذي كمن وراء التحرك الفعلي لإزعاج الإمام، وتصديق أي نوع من أنواع الوشاية به، صغر ذلك أو كبر)[9].

ولقد بينت بعض الإشارات التاريخية أنّ حالة الخوف والشك عند المتوكل تجاه الإمام (عليه السلام) قد بدأت من مرحلة مبكرة من حكمه، إذ ذكر أن بريحة العباسي[10] هو أول من بدأ الحملة ضد الإمام علي الهادي حينما كتب من المدينة إلى المتوكل إن كان لك في الحرمين حاجة، فأخرج علي بن محمد منها، فإنه قد دعا الناس إلى نفسه، واتبعه خلق كثير....[11]

يضاف إلى ذلك ما كتبه عبد الله بن محمد بن داود الهاشمي - نفسه بريحة كما قيل - من الأكاذيب والافتراءات على الإمام (عليه السلام)، إذ ذكر المؤرخون أن عبد الله بن محمد هذا قد سعى بأبي الحسن (عليه السلام) إلى المتوكل، وكان يقصده بالأذى، وبلغ أبا الحسن (عليه السلام) سعايته به، فكتب إلى المتوكل يذكر تحامل عبد الله بن محمد عليه، وكذبه فيما سعى به، فتقدم المتوكل بإجابته عن كتابه، ودعاه فيه إلى حضور العسكر على جميل من الفعل والقول[12].

وحدثتنا المصادر التاريخية عن العقلية الإقصائية للمتوكل القائمة على منهج الإصرار والتمادي في تعامله مع الإمام(عليه السلام)، ومن ذلك إنزاله في خان الصعاليك[13].

ولنلحظ كيف تعامل الإمام(عليه السلام) مع هذا المنهج والاستهداف، فقد روى أحد أصحاب الإمام(عليه السلام)، وهو صالح بن سعيد[14]، إذ قال: (دخلت على أبي
الحسن(عليه السلام) يوم وروده فقلت له: جعلت فداك؛ في كل الأمور أرادوا إطفاء نورك!! والتقصير بك!! حتى أنزلوك هذا المكان الأشنع (خان الصعاليك)؟ فقال: هاهنا أنت يا ابن سعيد! ثم أومأ بيده، وقال انظر. فنظرت، فإذا أنا بروضات آنقات وروضات باسرات، فيهن خيرات عطرات، وولدان كأنهم اللؤلؤ المكنون، وأطيار وظباء وأنهار تفور، فحار بصري، وحسرت عيني: فقال: حيث كنا فهذا لنا عتيد!! لسنا في خان الصعاليك[15]. وكأن الإمام(عليه السلام) أراد بهذه الحركة التبليغية:

1- أن يخفف من وقع الحدث عليه (صالح بن سعيد)، وأن يكشف عن الملحظ الروحي الذي يحياه الإمام (عليه السلام) بما أراه من المشاهد الحسية على نحو من اللمح الغيبي عياناً[16].

2- وهو(عليه السلام) بعث رسالة أمان واطمئنان لأصحابه وشيعته؛ لئلا تأخذ هذه الأفعال التعسفية أثرها في بثّ الشك والريبة في أنفسهم.

3- أراد (عليه السلام) أن يثبّت قضية مهمة لدى مريديه بأنه يحمل مشروعاً رسالياً يسعى إلى تبليغه والوصول به إلى أقصى درجات الانتشار في المجتمع، وهذا ما يتطلب حالة من الهدوء والانضباط على أعلى المستويات وحكمة في اتخاذ القرارات لكي يصل الأمر مبلغه.

4- أراد (عليه السلام) إيصال رسالة إلى الحاكم المتوكل العباسي بأن المكان والزمان ليسا هما من يحددان إرادة القائد الإلهي وما يحمله من مشروع رسالي، بل انه ينطلق ضمن تكليفات إلهية، فذاك النبي يوسف (عليه السلام)
انطلق في تبليغ رسالته وهداية الناس من السجن، كما صرح بذلك القرآن الكريم: ﴿قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ * وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آَبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾[17].

5- إنّ دخول الناس على الإمام (عليه السلام)
واختلافهم إليه وإنكارهم لفعل المتوكل يمثل أنّ الإمام بدأ فعلياً يجني ثمار هذا التعامل الإيجابي، وأن رسالته التبلغية قد بدأت تنفذ إلى المجتمع، وهو ما لم يكن ليحدث إذا ما كان التعامل وفق خيارات انفعالية متسرعة.

6- مثّل ذلك أخطر رسالة إلى المتوكل بأن إجراءاته التعسفية الإرهابية من الترحيل والتضييق والحط من منزلة الإمام(عليه السلام)
في نظر المجتمع، كانت هواء في شبك، بل إنه بهذا الفعل مكن الإمام(عليه السلام) من أن يكون قريباً من النفوس، وإمكانية التأثير باتت اقرب بكثير من أي وقت مضى.

ولعل ذلك الخطر بدأ تأثيره واضحاً من خلال الرواية التي تذكر أنّ المتوكل تراجع نوعاً ما في إجراءاته المشدّدة تجاه الإمام(عليه السلام) ولو لبرهة من الزمن، فقد ذكر بأنه أمر بتخصيص دار إلى للإمام(عليه السلام)
لينتقل إليها
[18] وهناك رواية أخرى أن المتوكل وجه للإمام(عليه السلام) بثلاثين ألف درهم يستعين بها في بناء دار[19].

ومن مظاهر التعامل مع حالة التمادي والإصرار في عقلية السلطة هو ما أظهره الإمام(عليه السلام) من تعامل إيجابي مع استفزازات المتوكل، حينما كان المتوكل يحاول إثارة الأسئلة التي لا تناسب مقام الإمامة، ومن ذلك ما ذكر من أنه سأل علي بن الجهم[20]: مَن أشعر الناس؟ فذكر شعراء الجاهلية والإسلام، ثم سأل الإمام(عليه السلام)
بذلك، فقال: أشعر الناس الحماني[21] حيث يقول:

لقد فاخرتنا من قريش عصابة             بمط خدود وامتداد أصابع

فلما تنازعنا المقال قضى لنا                عليهم بما نهوى نداء الصوامع

ترانا سكوتا والشهيد بفضلنا               عليهم جهير الصوت في كل جامع

فإن رسول الله أحمد جدنا                   ونحن بنوه كالنجوم الطوالع

فقال له المتوكل: وما نداء الصوامع يا أبا الحسن؟ قال: الإمام أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله[22]

            فالواضح من تفاصيل هذه الرواية أن الإمام (عليه السلام) استغل هذا الظرف مع ما فيه من الحرج والضيق أفضل استغلال، واستطاع أن يقلب حالة الهزيمة التي أرادها المتوكل للإمام(عليه السلام) إلى نصر، فالمتوكل ومن خلال مجلسه الذي حتماً كان يغص بالحضور من كبار مسئولي الدولة ورجالاتها والندماء والشعراء وربما غيرهم كثير، أراد أن يبث ثقافة أنّ أهل البيت (عليهم السلام) يجهلون الشعر والشعراء في أزمنة كان الشعر والمعرفة به من بديهيات ثقافته وأبجدياته، ويعاب على أي شخص ليس له معرفة بذلك، ولكن الإمام(عليه السلام) غير مجرى هذه الإرادة ووجهها بالاتجاه الذي يخدم مشروعه الرسالي، وإحباط ما خطط له المتوكل.

المحور الثاني: المهادنة والموادعة

لعل من الأساليب الأساسية التي اهتمت بها الشريعة الإسلامية في منهجها بالتعامل مع الأفراد والجماعات، هو أسلوب المهادنة والموادعة مع الآخر؛ لما له من تأثير في المقابل ويبعث فيه الأمان والاطمئنان.

والهدنة مشتقة من الهدن، وهو السكون؛ لأن بها تسكن الحرب، والمهادنة هي المصالحة والمسالمة، وعقد الهدنة جائز بشروطه الشرعية عند المذاهب الإسلامية كافة...، ومن أدلة جواز الهدنة -أو عقد السلم أو معاهدة السلام- بالشروط الشرعية: أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) هادن قريشًا في الحديبية واتفق معهم على ترك الحرب عشرة أعوام، نُفِّذَ منها عامان، مع قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ﴾[23]، أي: “وإن مالوا إلى مسالمتك ومتاركتك الحرب -إما بالدخول في الإسلام، وإما بإعطاء الجزية، وإما بموادعة ونحو ذلك من أسباب السلم والصلح- فمِلْ إليها وابذل لهم ما مالوا إليه من ذلك”[24].

وقد لوحظ أن هذا المصطلح كثيراً ما يستخدم عند الفقهاء في فقه الحرب، وتحديداً موضوع الهدنة مع الكفار[25].

وقد ذكر أن: من شرائط الذمة أن يقبل أهل الكتاب إعطاء الجزية لولي الأمر على الكيفية المذكورة، فإنه مضافاً إلى التسالم بين الأصحاب يدل عليه الكتاب والسنة، ومنها: أن لا يرتكبوا ما ينافي الأمان، كالعزم على حرب المسلمين وإمداد المشركين في الحرب وما شاكل ذلك، وهذا الشرط ليس من الشروط الخارجية، بل هو داخل في مفهوم الذمة فلا يحتاج إثباته إلى دليل آخر[26].

وهناك كثير من المفردات التي دلت على هذا المعنى كالمعاهدة والمصالحة والمهادنة والذمة والمسالمة. وربما إن استخدام الفقهاء لهذا المصطلح في فقه الحرب إنما لبيان الحكم الفقهي، ولا يعني ذلك أن استخدامه مقصور على الجانب الفقهي دون غيره، فكثرة المفردات الدالة عليه تشير إلى أن هذا المنهج هو منهج عقلائي يتبعه العقلاء كأسلوب حياة في تعاملاتهم وعلاقاتهم مع الآخرين؛ ذلك لأن الأصل في العلاقات بين الإنسان والإنسان الآخر إنما هو المهادنة والموادعة والمسالمة، وهذا ما دلت عليه الآيات القرآنية: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَـمُ بِمَا يَصِفُونَ﴾[27]، وقوله تعالى ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾[28]، وقوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾[29]. فمن خلال هذه الآيات نجد أنّ القرآن الكريم قد وضع منهجاً متكاملاً للكيفية التي يتم من خلالها التعامل مع الآخرين.

لقد ارتبطت إمامة الإمام علي بن محمد الهادي (عليه السلام) بفترة زمنية كانت امتداداً لفترات يمكن وصفها بأنها من أقسى وأشد وأصعب الفترات التي حكم بها بنو العباس، فقد تناوب عليها تسعة من طواغيتهم، وهم أبو جعفر المنصور، ومحمد المهدي، وموسى الهادي، وهارون الرشيد، ومحمد الأمين، وعبد الله المامون، والمعتصم بالله، والواثق بالله، ثم المتوكل على الله، إذ تعرضت الأمة لاسيما أهل البيت (عليهم السلام)
إلى شتى أشكال وأساليب الحرب النفسية والاقتصادية والسياسية، بل وحتى الاجتماعية. وما ذكره أحد الباحثين واصفاً تلك الفترة مختصراً لنا هذه الأساليب: (إن ما وقع على الناس من المظالم أيام بني العباس كان أهول وأبشع... وهانت الدماء على رجال بني العباس حتى إن الإنسان ليترحم على أيام الجاهلية)[30].

والإمام علي بن محمد الهادي(عليه السلام) وفي إطار منهجه التبليغي كان من الذين تعرضوا إلى جملة من التحديات الكبيرة والخطيرة احتاجت إلى أن يتبع معها أسلوب المهادنة والموادعة، ليس خوفاً من السلطة أو هروباً من المواجهة، وإنما هو عمل تبعاً للوظيفة التكليفية التي يحملها في هداية الناس وإرشادهم ووعظهم وتنبيههم، وان كان هؤلاء الناس هم السلطة نفسها؛ لأنّ الإمام (عليه السلام) لا ينظر إلى الشخوص، بل ينظر إلى الوظيفة الشرعية التي كلّف بها وكيفية أدائها وإيصالها إلى المجتمع، والأهم من ذلك كله هو زحزحة المجتمع عن مواطن الانحراف والهلكة.

ولكي نعرف شكل هذا المنهج الذي اعتمده الإمام (عليه السلام) في التعامل مع التحديات لابد لنا أن نعرض تلك التحديات وبيان خطورتها وقسوتها، ومن ثم نبين أسلوب المهادنة والموادعة الذي أظهره الإمام (عليه السلام) في ردها والتصدي لها. ولعل من بين تلك التحديات هو قرار الحاكم المتوكل العباسي (232 – 247هـ) باستدعاء الإمام(عليه السلام) إلى سامراء حيث عاصمة الدولة العباسية؛ إذ إن المتوكل العباسي حرّر كتاباً أظهر فيه عزمه على نقل الإمام من مدينة جده رسول الله(صلى الله عليه وآله)، متظاهراً بحبه ومودته ورغبته بصلة الإمام(عليه السلام)، وبما نصه: (بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد، فإن أمير المؤمنين عارف بقدرك، راع لقرابتك، موجب لحقك، مؤثر من الأمور فيك وفي أهل بيتك ما يصلح الله به حالك وحالهم، ويثبت به عزّك وعزّهم، ويدخل الأمن عليك وعليهم، يبتغي بذلك رضا ربه، وأداء ما فرض عليه فيك وفيهم. فقد رأى أمير المؤمنين صرف عبد الله بن محمد عما كان يتولى من الحرب والصلاة في مدينة الرسول، إذ كان على ما ذكرت من جهالته بحقك، واستخفافه بقدرك، وعندما قرفك[31] به ونسبك إليه من الأمر الذي قد علم أمير المؤمنين براءتك منه، وصدق نيتك في ترك محاولته، وأنك لم تؤهل نفسك لم قرفت بطلبه، وأمير المؤمنين مشتاق إليك، يحب إحداث العهد بك والنظر إلى وجهك، فإن نشطت لزيارته والمقام قبله شخصت ومن اخترت من أهل بيتك ومواليك وحشمك، على مهلة وطمأنينة ترحل إذا شئت، وتنزل إذا شئت، وتسير كيف شئت، فإن أحببت أن يكون يحيى بن هرثمة[32] مولى أمير المؤمنين ومن معه من الجند يرحلون برحيلك، ويسيرون بمسيرك، فالأمر في ذلك إليك، فقد تقدمنا إليه بطاعتك، فاستخر الله حتى توافي أمير المؤمنين، فما من أحد من إخوته وولده وأهل بيته وخاصته ألطف منك منزلة، ولا أحمد أثرة، ولا هو لهم أنظر وعليهم أشفق وبهم أبر وإليهم أسكن منه إليك. والسلام عليك ورحمة الله وبركاته)[33].

يتضمن هذا الكتاب مجموعة من الأمور التي تبين خطورة الظروف المحيطة بالإمام (عليه السلام) والمساعي الحثيثة والمستمرة التي اتخذها المتوكل العباسي للكيد به (عليه السلام)، وإصراره الكبير على استهداف الإمام (عليه السلام).
فعلى الرغم من لغة التودد والاحترام والتبجيل التي صاغ بها المتوكل العباسي لغة هذا الكتاب، إلا إن ما يخفيه في نفسه من الكيد والانتقام يذهب بهذه اللغة أدراج الرياح ولا يبقي لها أثراً واقعياً. ولا يخفى أن الإمام (عليه السلام) مدرك لجميع مقاصد المتوكل وعارف بها، بحكم المنهج القمعي والإقصائي الذي يقوم عليه حكم المتوكل وما مر به المجتمع الإسلامي من تجارب عملية عكست حقيقة هذا المنهج.

وربما يسأل سائل أنه لماذا لم يظهر الإمام (عليه السلام) معارضته العلنية لهذه الخطوة التي أقدم عليها المتوكل العباسي مثلاً من خلال رفض هذه الإجراءات وعدم الخضوع لها، والإعلان للرأي العام الإسلامي بأن المتوكل يخطط إلى استهدافه، أو انه يحشد أتباعه وأنصاره للقيام بمعارضة مسلحة توقف تلك المخططات.

إن مثل هذه الاطروحات يمكن أن تقال بعيداً عن أهل البيت (عليهم السلام)؛ لأنها غالباً ما تعكس ردة الفعل انفعالية بعيدة عن التأني والحكمة والنظر إلى الأمور نظرة عقلائية ومن جميع زواياها، أما من حيث أهل البيت (عليهم السلام) فإن الأمور تكون مختلفة تماماً؛ لأنهم إنما يتحركون على وفق ما تحدده الشريعة وتقتضيه المصلحة العامة للمجتمع الإسلامي، وبالنظر إلى النتائج المتحصلة على تلك الحركة. والإمام علي بن محمد الهادي (عليه السلام) هو أحد أركان هذا المنهج، وجميع خطواته التبليغية تكون ضمن هذه الدائرة، لا سيما ما كان مرتبطاً بطبيعة علاقته مع حكام عصره خاصة المتوكل العباسي الذي تفنن في أساليب استهداف الإمام (عليه السلام).

والذي يبدو لنا أنه على الرغم من شدة وقسوة الإجراءات والخطوات التي أقدم عليها المتوكل العباسي إلا أن الإمام (عليه السلام) كان يتحرك من جانب القوة والتأثير في المجتمع، وهذا ما نستدل عليه بالإجراءات التي أحاطت بالخطوات التي أقدم عليها المتوكل العباسي والتي توحي بأنه كان حذراً جداً في تطبيقها، إذ بدأها المتوكل بانتداب يحيى بن هرثمة[34] لهذه المهمة إذ إنه كان يعد من الشخصيات المعروفة لدى الإمام (عليه السلام)، وقال له: (اختر ثلاثمائة رجل ممن تريد إلى الكوفة، وخلفوا أثقالكم فيها، واخرجوا عن طريق البادية إلى المدينة، وأحضروا علي بن محمد النقي إلى عندي مكرماً معظماً مبجلاً)[35]. فهذه الإجراءات تشير إلى أن المتوكل العباسي كان يعي خطورة هذه الخطوات وما يمكن أن يترتب عليها من انعكاسات وما ينتج عنها من آثار، الأمر الذي كان يتطلب التحرك بحذر كبير تجاه ذلك. ومن هنا نفهم أنّ الإمام (عليه السلام) كان ناظراً إلى هذه الأمور، وربما أنه اختار هذا المنهج في مواجهة إجراءات المتوكل العباسي لعدة اعتبارات:

1- لكي يضع المتوكل في خانة الإحراج والمواجهة مع المجتمع وانكشاف حقيقته العدائية تجاه الإمام (عليه السلام) خاصة وأهل البيت (عليهم السلام) عامة.

2- ربما لو أنّ الإمام (عليه السلام) تحرك بمنهج آخر غير منهج المهادنة والموادعة لذهبت الأمور باتجاه ما يريده المتوكل.

3- كما إن ذلك قد يعطي جانب قوة للمتوكل أمام الرأي العام الإسلامي بأنه بادر إلى صلة الرحم مع الإمام (عليه السلام) وإن الإمام (عليه السلام) رفض ذلك، فيظهره بصفة القاطع للرحم.

4- إنّ المنهج الذي اتبعه المتوكل في إظهار التودد والتقرب والحب والمودة للإمام(عليه السلام) يوحي للمجتمع بأنه صادق في ذلك كله، وإنّ رفض الإمام(عليه السلام) يعطي انطباعاً على انه يخفي عداء للمتوكل ودولته.

5- إنّ المتوكل لم يقدم على إجراء تعسفي يعطي انطباعاً سلبياً عنه تجاه الإمام (عليه السلام)؛ لذلك فإنّ أيّ خطوة عكسية ربما تخلق أجواء إيجابية تجاه المتوكل وتعطيه مبررات وحججاً لتحقيق أهدافه.

6- استبق المتوكل خطوته بإخراج الإمام (عليه السلام) من المدينة بمعاقبة الوالي الذي كان شديداً وقاسياً مع الإمام(عليه السلام): ليظهر أن ذلك كان اجتهاداً من الوالي، وأنه لم يأمره به، خاصة وان عملية عزل الوالي جاءت بناء على الكتاب الذي أرسله الإمام (عليه السلام) إلى المتوكل بهذا الخصوص، ومن لم يفهم حقيقة المتوكل يرى أن هذا الفعل يدل على صدق نوايا المتوكل فيما يدعيه تجاه الإمام(عليه السلام).

7- وهناك أمر مهم جداً لابد من الالتفات إليه، وهو طبيعة الظرف السياسي المحيط بالإمام(عليه السلام)، فهل إنه كان يسمح بانتهاج منهج آخر غير منهج المهادنة والموادعة؟ وهل إن ذلك سيأتي بنتائج إيجابية أكبر من تلك النتائج المتحصلة من منهج المهادنة؟ قطعاً إن القراءة الدقيقة والمعرفة التفصلية من قبل الإمام(عليه السلام) للواقع السياسي القائم هي التي انتهت به إلى اختيار هذا المنهج، مع التأكيد على أن الإمام المعصوم لا ينظر إلى الأمور نظرة تجزيئية، بل إنه ينظر نظرة كلية ومن جميع أطرافها وزواياها، مما يخلق عنده فهماً واقعياً وحقيقياً لتلك الأمور، فتكون قراراته وخطواته نابعة من ذلك الفهم.

8- إنّ منهج المهادنة والموادعة لا يعني أنه استسلام للواقع المفروض من قبل السلطة العباسية، أو انه خيار انهزامي للهروب من مواجهة إجراءاتها، بل إنه أسلوب ينبع عن حكمة ودراية وتعقل، ونظرة ثاقبة في اختيار المنهج الأمثل للمواجهة، فليس دائماً مواجهة القوة بالقوة هو الطريق الأسلم، بل الأسلم هو اختيار أسلوب المواجهة بما يحقق الأهداف والغايات التي تتناسب والمشروع الرسالي الذي يعمل به الإمام (عليه السلام) ويسعى إلى ترسيخه في المجتمع، ولعل هذا الأمر مما دعا له القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾[36].

وتكشف لنا الأحداث اللاحقة فاعلية وقوة الإمام (عليه السلام) في مواجهة تحدي السلطة وانكشافها أمام المجتمع، ومنه نفهم لماذا استخدم معها أسلوب المهادنة والموادعة، فقد نُقل عن يحيى بن هرثمة قوله: (فلما صرت إليها - المدينة - ضج أهلها ضجيجاً وعجوا عجيجاً ما سمعت مثله، فجعلت أسكنهم وأحلف لهم أني لم أؤمر فيه بمكروه، وأنه لا بأس عليه)[37].

وفي هذا النص أمور عدة نلحظها بالآتي:

1- حمل النص إشارة واضحة إلى اعتماد الإمام (عليه السلام) على وعي المجتمع واستيعابه لمشروع السلطة الحاكمة.

2- لم يكن الاعتماد هذا بطبيعة الحال مجرد أمنيات أو توقعات، بل هو واقع حال ناتج عن حب المجتمع (أهل المدينة) العميق له (عليه السلام).

3- حالة الضجيج والعجيج بصوت (ما سمعت مثله) يدل دلالة واضحة على أن الإمام (عليه السلام) قد أجبر السلطة الحاكمة على الدخول في مواجهة مباشرة مع المجتمع، وان منهج المهادنة قد فرض عليها أن تكشف خططها الإقصائية.

4- أثبت النص أنّ الخوف والخشية من ردود الأفعال كانت طاغية على حال السلطة لذلك وجدناها تحاول طمأنة المجتمع (الغاضب) على أنها لم ترد بالإمام(عليه السلام) سوءاً، وهذا ما يدفعنا إلى القول إنّ الإمام (عليه السلام) بهذا المنهج قد أوجد ثقافة الانهزام في نفس السلطة.

ومن مظاهر المهادنة التي أظهرتها لنا هذه الحادثة هو قبول الإمام (عليه السلام) بالرحيل مع رجال السلطة، بل وتعجله بالرحيل إذ ذكرت الرواية قوله لهم: (يا يحيى بن هرثمة،  اقضوا وطركم من المدينة في هذا اليوم، واعمل على الرحيل غداً في هذا الوقت)[38]، فالإمام(عليه السلام) - وكما نفهم - أراد بهذه الخطوة أموراً عدة:

1- زيادة الضغط على السلطة خاصة وأنها كانت تواجه ضغطاً شعبياً رافضاً لإجراءاتها التعسفية الاستهدافية تجاهه(عليه السلام).

2- إن التعجيل بالرحيل يكشف عن أنّ السلطة ماضية بمشروعها الاستهدافي، وإنّ قدومها لهذا الغرض لا لغيره كما ادعت.

3- كما إن التأخير أو المماطلة في تنفيذ أمر الرحيل ربما يعطي مبرراً وحجة للسلطة في ادعاءاتها واتهاماتها المتكررة
له(عليه السلام).

4- من المؤكد أن حكمة الإمام (عليه السلام) وما أوتي من العلم والمعرفة تعطيه بعد نظر واستشرافاً للمستقبل بأن النتائج المتحصلة للمشروع الرسالي في تحدي هذه الرحلة هي أكثر من تلك التي تحصل في حال رفض الرحيل والبقاء.

5- إنّ السلطة العباسية بزعامة المتوكل عملت ومن خلال ماكناتها الإعلامية على تضليل الرأي العام الإسلامي تجاه أهل البيت (عليهم السلام) وإظهارهم بمظهر الجماعة المخالفة لجماعة المسلمين، وهذا تحد كبير يحتاج إلى جهود كبيرة تكشف هذا التضليل، وهذا ما لا يمكن أن يتحقق إلا مع حركة تبليغية واسعة وفي قلب الحدث، ومن هنا وجد الإمام (عليه السلام) في هذه الرحلة الفرصة المناسبة لتحقيق ذلك.

المحور الثالث: المنهج الروحي وصياغة العقلية التوكلية

أرسى الإمام علي بن محمد الهادي (عليه السلام) ومن خلال منهجه التبليغي في مواجهته للتحدّيات كثيراً من القواعد السلوكية والتربوية كانت بمثابة منار وأعلام هدى لجميع فئات المجتمع، يلجؤون إليها في مواجهة مشكلات حياتهم المختلفة، ولعل من بين أهم تلك القواعد هي أهمية اللجوء إلى الله سبحانه وتعالى في كل الأحوال، وان يكون الإنسان ناظراً إلى جميع أموره على أنها بعين الله تعالى ذكره.

وقد أعطتنا السيرة المباركة للإمام علي بن محمد الهادي (عليه السلام) شواهد مهمة للمنهج الروحي وصياغة العقلية التوكلية في مواجهة التحديات، ومن ذلك ما ذكره حاجب المتوكل من أن المتوكل أراد بيان أهمية وزيره الفتح بن خاقان، فأمر أهل مملكته من الأشراف والأمراء والوزراء والقواد والعساكر ووجوه الناس، أن يزينوا أحسن تزيين، ويخرجوا مشاة بين يديه، وأن لا يركب إلا هو والفتح، فأخرجوا الناس في يوم شديد الحر، وفي جملة الأشراف الإمام علي بن محمد الهادي(عليه السلام) فأقبلت إليه، وقلت له: يا سيدي، يعزّ علي ما تلقى من هذه الطغاة، وما تكلفته من المشقة، وأخذت بیده، وقال: يا زرافة، ما ناقة صالح عند الله بأكرم مني!! أو قال: بأعظم قدراً مني، ولم أزل أسائله وأستفيد منه، وأحادثه إلى أن نزل المتوكل من الركوب، وأمر الناس بالانصراف...، ولولدي مؤدب يتشيع من أهل العلم والفضل... فذكرت له ما شاهدته من أبي الحسن علي بن محمد (عليه السلام)، وما سمعته منه من قوله: ما ناقة صالح عند الله بأعظم قدراً مني... قال: بالله إنك سمعت هذا اللفظ منه؟ فقلت له: والله إني سمعته يقوله. فقال لي: اعلم أن المتوكل لا يبقى في مملكته أكثر من ثلاثة أيام ويهلك فانظر في أمرك... فقلت له: من أين لك ذلك؟ فقال: أما قرأت القرآن في قصة الناقة وقوله تعالى: ﴿تَمَتَّعُوا في داركُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوب﴾[39]... فو الله ما جاء اليوم الثالث حتى هجم المنتصر ومعه بغا ووصيف والأتراك على المتوكل فقتلوه وقطعوه... فلقيت الإمام أبا الحسن (عليه السلام)،  فأخبرته بقول المؤدب، فقال: صدق، إنه لما بلغ مني الجهد رجعت إلى كنوز نتوارثها من آبائنا هي أعزّ من الحصون والسلاح والجنن، وهو دعاء المظلوم على الظالم، فدعوت به عليه فأهلكه الله[40].

ويظهر المنهج الروحي والعقلية التوكلية بأجلى صورها في هذه الرواية، إذ تبين أن الإمام(عليه السلام) قد تعرض إلى تحدي كبير ومساع حثيثة من قبل سلطة المتوكل لاستهدافه، فإخراج الإمام(عليه السلام) بهكذا استعراض مع انه كان ذا صفة رسمية خالصة، وفي هكذا أجواء وصفت بأنها شديدة الحر، لا يفسر إلا انه استهداف ممنهج من قبل السلطة. ومع تشخيص الإمام (عليه السلام) لغايات السلطة ومعرفته بنواياها فإنه لم يخطء خطوات تعطي الذريعة للسلطة وتمكنها من تحقيق أهدافها في استهدافه(عليه السلام) وتوجيه التهم إليه، ومن ثم الإقدام على تصفيته؛ لذلك فإن الإمام(عليه السلام) اتجه نحو البعد الروحي التوكلي، وبما خصه الله تعالى من الكرامة كما خص الرسل والأنبياء(عليهم السلام)، واستخدام سلاح الدعاء لرد ذلك الاستهداف؛ (إنه لما بلغ مني الجهد رجعت إلى كنوز نتوارثها من آبائنا هي أعز من الحصون والسلاح والجنن، وهو دعاء المظلوم على الظالم، فدعوت به عليه فأهلكه الله).

ففي هذا التحدي وجد الإمام (عليه السلام) أن منهج الدعاء هو المنهج الأمثل لرد هذا التهديد، مع أن أئمة أهل البيت(عليه السلام) لم يلجؤوا إلى الدعاء على ظالميهم إلا عندما يبلغ الظلم منتهاه، والجور غايته، لأنهم (عليهم السلام)
يبحثون دائماً عن هداية الناس وإيصالهم إلى سلوك طريق الحق والابتعاد عن الظلم والعدوان، ولكن - وكما يظهر من النص - إنّ الظلم الذي تعرض له قد وصل إلى مستويات لا ينفع معها النصح والإرشاد، أو إنه كان هناك أمل برجوع المتوكل العباسي عن غيه وتماديه وظلمه، فما كان منه (عليه السلام) إلا اللجوء إلى هذه الوسيلة ليدفع بها هذا الظلم.

ولعل من الأهداف المهمة التي ركز عليها الإمام علي بن محمد الهادي (عليه السلام) في منهجه التبليغي من خلال توظيف الدعاء كأحد وسائل مواجهة التحديات هو تحديد الأهداف التي يراد لها أن تتحقق من خلال المواجهة الإيجابية مع التحديات، وكان من بين تلك الأهداف هو زيادة وعي المجتمع ومعرفته بأهل البيت(عليهم السلام) إذ لا يخفى المنهج الإقصائي الذي اتبعته السلطات الحاكمة على طول المراحل التاريخية التي مرت بها الدولة الإسلامية منذ وفاة النبي(صلى الله عليه وآله) إلى عصر الإمام علي بن محمد الهادي(عليه السلام) إقصاءً وتغييباً، مما جعل المجتمع في حالة من الجهل وعدم المعرفة بأهل البيت(عليهم السلام) وهذا يتطلب وجود منهج علمي قائم على استراتيجية واضحة المعالم ومحددة الأهداف. ونتيجة لتلك السياسات الإقصائية نجد الإمام(عليه السلام) قد حدد أهدافه من خلال الدعاء ووضع إستراتيجيته التبليغية الهادفة.

ولعل من بين أشكال هذه الإستراتيجية القائمة على المنهج الروحي وصياغة العقلية التوكلية هو توظيف الآيات القرآنية كوسيلة تبليغية لمواجهة التحديات التي تعترض وتعرقل المنهج الرسالي الذي يتبناه الإمام(عليه السلام) بحكم وظيفته التكليفية. وتكمن أهمية توظيف الآيات القرآنية بوصف القرآن الكريم كتاب هداية لجميع أبناء المجتمع، وهو محل اتفاق بين مختلف أطيافه وتوجهاته الفكرية، ومن هنا فإن اعتماده كوسيلة دفاعية لحماية المنظومة الفكرية ودفع الشبهات والانحرافات عنها أمر مهم جداً وله أثاره الإيجابية في ذلك.

ومما اطلعتنا عليه المصادر ما ذكر من أن الإمام (عليه السلام) أوجد ترابطاً موضوعياً ومنهجياً بين منهجه التبليغي ومنهج الأنبياء (عليهم السلام) في مواجهة التحديات، كما جاء ذلك في الرواية آنفة الذكر وتوظيف الآية القرآنية من سورة هود؛ لما تضمنته من تشابه كبير بين ما تعرض له الإمام (عليه السلام)
والنبي صالح(عليه السلام): (وقال: يا زرافة، ما ناقة صالح عند الله بأكرم مني !! أو قال: بأعظم قدراً مني... فقال - المؤدب: أما قرأت القرآن في قصة الناقة وقوله تعالى: تَمَتَّعُوا في داركُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوب[41])[42]. وفي هذا النص تظهر لنا جملة من الإشارات التي نفهم من خلالها المنهج الروحي وصياغة العقلية التوكلية:

1- التأكيد على أهمية الحضور القرآني في جميع مفاصل حركة الإنسان وعدم اقتصار ذلك على الحركة العبادية.

2- تأكيد الإمام على وحدة المنهج في الحركة التبليغية للقادة الربانيين رسلاً وأنبياء وخلفاء، لأجل أن يأخذ المشروع الإلهي طريقه نحو النفوذ في المجتمعات وإيصالها إلى التكاملية.

3- أهمية شيوع ثقافة اللجوء إلى الله سبحانه وتعالى بين الأفراد والمجتمعات، لما لها من أثر في صياغة العقلية الناضجة الواعية لحقيقة التسليم والانقياد للمشروع الرسالي.

4- تعزيز ثقافة الثقة بالقدرة الإلهية المعينة للإنسان في جميع أحواله.

5- إنّ الاعتماد الكلي على القرآن الكريم يخلق عند الإنسان ثقافة أنّ الباطل ضعيف مهما امتلك من عناصر القوة، وأنّ الحق قوي وإن اشتدت ابتلاءاته.

6- ثبّت الإمام (عليه السلام) من خلال هذا التوظيف للآية القرآنية أنّ من أهم عناصر القوة عند أتباع المنهج الرسالي وأنصاره هو الصبر وعدم الجزع لتأخر النصر، قال تعالى ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾[43]، وقال تعالى ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَـمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ﴾[44].

ونجد أنّ الإمام (عليه السلام) توسع كثيراً في نشر المفاهيم القرآنية في المجتمع من أجل أن يأخذ القرآن الكريم طريقه إلى الانتشار، وأن تتسع الأفق المعرفية للمجتمع به، ففي رواية أن يحيى بن أكثم[45] سأله عن قوله تعالى: (وفيها ما تَشْتَهِيهِ الأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ..)[46]، فاشتهت نفس آدم(عليه السلام) أكل البر، فأكل وأطعم وفيها ما تشتهي الأنفس فكيف عوقب؟ فأجاب الإمام علي الهادي(عليه السلام): (وأما الجنة فإنّ فيها من المآكل والمشارب والملاهي ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين، وأباح ذلك كله لآدم(عليه السلام)، والشجرة التي نهى الله عنها آدم وزوجته أن يأكلا منها: شجرة الحسد، عهد إليهما أن لا ينظرا إلى ما فضل الله على خلائقه بعين الحسد (فَنَسيَ ونظر بعين الحسد ولَم يجِد لَه عَزما)[47].

فالملاحظ من هذا النص أن الإمام (عليه السلام) ذهب في تفسيره لهذا النص القرآني باتجاه التفسير التربوي الأخلاقي، والتركيز على البعد الاجتماعي للنص القرآني بما يعزز علاقاتهم الاجتماعية ويمحو الأخلاقيات والسلوكيات التي تعكر صفو هذه العلاقات، وبذلك أوجد الإمام (عليه السلام) بهذا المنهج الروحي علاقة ترابطية بين المجتمع والقرآن الكريم، وعمل على صياغة العقلية التوكلية للمجتمع.

وكان من بين الأمور المهمة التي سعى الإمام (عليه السلام) إلى تثبيتها وترسيخها في أذهان المجتمع من خلال المنهج الروحي وصياغة العقلية التوكلية، هو بيان المكانة السامية والمنزلة العظيمة للرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله)
من خلال الاستناد إلى النص القرآني، كما استدل بها على وجوب طاعة الأئمة المعصومين، إذ نقل أن الإمام (عليه السلام) قال عن النبي (صلى الله عليه وآله): وقد قرنه باسمه وشركه في عطائه، وأوجب لمن أطاعه جزاء طاعته، إذ يقول
﴿وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ...)[48]، وقال يحكي قول من ترك طاعته، وهو يعذب بين أطباق نيرانها، وسرابيل قطرانها (يا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولاً)[49] أم كيف يوصف بكنهه من قرن الجليل طاعتهم بطاعة رسوله، حيث قال: (وأطيعوا الله وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأمْرِ مِنْكُمْ...)[50]، وقال: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وإلى أولي الأمْرِ مِنْهُمْ)[51] وقال: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأمانات إلى أهلها...)[52] وقال: ﴿ فَسْئلُوا أَهْلَ الذِّكْرَ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ[53])[54].

وفي قراءته لهذا النص قال الدكتور محمد حسين الصغير: (فأنت تجد الإمام (عليه السلام)
يستغرق هذه النصوص القرآنية المقدسة في مجال التحدث عن منزلة النبي والأئمة المعصومين(عليهم السلام) مستدلاً على الولاية في الأرض بأنها منصب إلهي، إذ قرن الله تعالى طاعته بطاعة النبي وأولي الأمر من أهل بيته كلاً مشتركاً غير قابل للفصل في حيثياته التكوينية، ومن هنا قال الإمامية - تبعاً لأهل البيت - بحكم الولاية لله ولرسوله وللأئمة المعصومين، بما يسند هذا من الآيات القرآنية التي بحثت في مسائل الاعتقاد وعلم الكلام فضلاً عن الأحاديث النبوية الشريفة التي تؤكد ذلك)[55].

فهذه القراءة جاءت من الجانب العقدي الذي نرى انه مهم جداً؛ لأنه يعرّف المجتمع بحقوق أهل البيت(عليهم السلام) وما يجب أن يكون عليه موقفه تجاههم، خاصة وإن هذه الحقوق قد تعرضت للمصادرة والإقصاء والتغييب، ولعل واحداً من الأهداف التي أرادها الإمام(عليه السلام) هو إظهار هذه الحقوق وتصديرها إلى المجتمع من خلال اعتماد النصوص القرآنية.

وفي المقابل فإن البعد الروحي وصياغة العقلية التوكلية من المضامين التي يمكن أن تكون حاضرة في هذا التوظيف القرآني، إذ إن تنمية عقلية المجتمع وتثقيفها بهذه النصوص القرآنية يولد حالة من التفاعل الروحي والقلبي بين المجتمع وبين القرآن الكريم، ومن ثم فإنه ينعكس على أخلاقه وسلوكياته، فتكون ثقافته ثقافة القرآن، وسلوكه سلوك القران.

ولذلك نجد الإمام (عليه السلام) يتوسع في نشر الثقافة القرآنية وتوظيف آياته في كل مفاصل حياة المجتمع ودفعها باتجاهه، لتكون إحكامه وتشريعاته هي الحاكمة؛ وهي المحرك لحركة ذلك المجتمع، ومن مظاهر ذلك التوسع هو اعتماد الآيات القرآنية في استنباط الأحكام الشرعية، كما جاء في الرواية: (قدم إلى المتوكل رجل نصراني فجر بامرأة مسلمة فأراد أن يقيم عليه الحد فأسلم، فقال: يحيى بن أكثم قد هدم إيمانه شركه وفعله. وقال بعضهم: يضرب ثلاثة حدود. وقال بعضهم: يفعل به كذا وكذا، فأمر المتوكل بالكتاب إلى أبي الحسن الثالث(عليه السلام)
وسؤاله عن ذلك، فلما قرأ الكتاب كتب: يضرب حتى يموت. فأنكر يحيى بن أكثم وأنكر فقهاء العسكر ذلك وقالوا: يا أمير المؤمنين، سل عن هذا فإنه شيء لم ينطق به كتاب ولم تجئ به سنة. فكتب إليه أن فقهاء المسلمين قد أنكروا هذا وقالوا: لم يجئ به سنة ولم ينطق به كتاب، فبين لنا لم أوجبت عليه الضرب حتى يموت؟ فكتب بسم الله الرحمن الرحيم «فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا قَالُوا آمَنَّا بِالله وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ * فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ»[56])[57]. من هذا يتضح أنّ الإمام (عليه السلام) دفع المجتمع نحو الثقافة القرآنية، خاصة وإنه (عليه السلام) وجد أنّ من يطلق عليهم وصف الفقهاء والعلماء كانوا عاجزين عن إدراك تلك المفاهيم القرآنية، فأطلقوا أحكاماً لا تمت إلى القرآن بصلة، فصار لزاماً أن يتصدى هو لذلك ويضع الأمور حيث أمر الله تعالى، ويلفت نظر المجتمع إلى أهمية الرجوع إلى القرآن الكريم والالتزام بأحكامه(عليه السلام)، مما يجعل عقلية المجتمع قائمة على المنهج الروحي والعقلية التوكلية.

المحور الرابع: منهج الجذب والاستقطاب

يعد عنصر الجذب والاستقطاب واحداً من أهم عناصر القوة عند أهل البيت(عليهم السلام)، إذ إنهم يملكون من القوة الروحية التي تتسلط على النفوس وتجعلها منجذبة إليهم، وهذا بطبيعة الحال منشؤه يعود إلى ما جعله الله تعالى في أوليائه من الصفات والخصال والسمات التي تميزهم عن الآخرين وتعطيهم الأفضلية عليهم، وهذه أمور تكاملية في شخصية الأنبياء والأولياء، ولها ارتباط موضوعي بالتكليفات الإلهية التي يكلفون بها. وقد حدثتنا الآيات القرآنية عن هذه الأمور كما جاء في قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْـمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾[58]، وقوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آَتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آَتَيْنَا آَلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآَتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾[59].

وبناء على ما تقدم نجد أن قوة الجذب والاستقطاب كانت حاضرة في المنهج التبليغي عند الإمام علي بن محمد الهادي(عليه السلام) في مواجهته التحديات التي تعرض لها خلال مدة خلافته (إمامته) للأمة الإسلامية، ومن خلال مطالعتنا للنصوص التاريخية عثرنا على أنّ هذه القوة كانت عنصر قوة للإمام(عليه السلام) من جهة وعنصر ضغط على السلطة من جهة أخرى، وقد دل على ذلك مجموعة من الحوادث والروايات.

فمن أوجه تلك القوة ما كان تأثيره على رجالات الدولة ومسئوليها، ومن ذلك ما تحدث به يحيى بن هرثمة عن مسيرة الرحلة التي نقل بها الإمام من المدينة إلى سامراء مروراً ببغداد، فيقول: (... فلما قدمت إلى مدينة السلام بدأت بإسحاق بن إبراهيم الطاهري[60]، وكان على بغداد، فقال: يا يحيى، إن هذا الرجل - يعني الإمام الهادي -
قد ولده رسول الله (صلى الله عليه وآله)، والمتوكل من تعلم، وإن حرضته عليه قتله، وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) خصمك. فقلت: والله ما وقفت منه إلا على كل أمر جميل)[61]. وأشارت بعض الأخبار إلى خروج إسحاق لاستقبال الإمام في بغداد ووصل بركبه إلى موضع يقال له الياسرية[62] لتلقي الإمام، فرأى تشوّف الناس إليه، واجتماعهم لرؤيته، فدخل به في الليل، فأقام ببغداد بعض تلك الليلة، ثم أنفذه إلى سر من رأى[63].

وفي موقف آخر يظهر تأثير منهج الجذب والاستقطاب على رجالات السلطة ما ذكره يحيى بن هرثمة: (ثم صرت إلى سامراء، فبدأت بوصيف التركي[64] وكنت من أصحابه، فقال لي: والله لئن سقطت من رأس هذا الرجل شعرة لا يكون المطالب بها غيري. فعجبت من قولهما)[65].

وذكر في إشارة أخرى أنّ الوزير عبيد الله بن خاقان[66] وصف الإمام علي بن محمد الهادي (عليه السلام) لولده أحمد حينما شاهد تعظيمه لولده الإمام الحسن بن علي العسكري (عليه السلام)، قال: (ولو رأيت أباه لرأيت رجلاً جليلاً نبيلاً خيراً فاضلاً)[67]. وفي رواية أخرى يتجلى لنا من خلالها عظيم التأثير الذي تركه الإمام (عليه السلام) في نفس الفتح بن خاقان؛ إذ ذكر أنّ المتوكل قد مرض مرضاً شديداً، فنصحه الفتح بن خاقان أن يبعث إلى الإمام علي بن محمد الهادي (عليه السلام): (فربما كان عنده صفة شيء يفرج الله به عنك، فقال المتوكل: ابعثوا إليه، فبعثوا إليه، فوصف الدواء للمتوكل، وعوفي من وقته)[68].

1- تبين هذه الروايات حجم القوة الروحية الجاذبة التي امتلكها الإمام (عليه السلام) التي جعلت من بعض كبار رجالات الدولة يتصرفون بهذا الشكل، ويستشعرون استصغار شأنهم في مقابل عظمة الإمام (عليه السلام).

2- إن هذه المواقف لها من الأهمية الكبيرة في الحركة التبليغية له (عليه السلام) إذ أنها تعطي تصوراً عن تلك المكانة التي كان عليها أهل البيت (عليهم السلام) وما يحمله المجتمع من ثقافة التبجيل لهم.

3- ومن خلال الرواية تبين أيضا أن هناك محركات أساسية لهذا الجذب والاستقطاب أولها الانتساب إلى النبي (صلى الله عليه وآله) فقد كان لهذا الانتساب تأثيره في النفوس حتم عليهم الخضوع والإذعان له وإظهاره على سلوكهم وأخلاقياتهم وتعاملهم مع أهل بيته وذريته.

4- أما المحرك الآخر فهو الأخلاقيات (جليلاً - نبيلاً - خيراً - فاضلاً) التي أظهرها الإمام(عليه السلام) في تعامله مع الجماعة المكلفة بنقله إلى سامراء، إذ تركت هذه الأخلاقيات أثرها الكبير في نفوسهم وشاهدوا عظيم أخلاقه بأعينهم واستشعروها في أنفسهم، مما أوجد تغييراً في قناعات بعضهم ممن كان قد ضلّلته الماكنة الإعلامية العباسية، وتثبيت من كان عارفاً بهم.

5- إنّ حجم تأثير قوة الجذب والاستقطاب هذه قد أخذ منحى جديداً وشكلاً آخر حينما نجد بعضاً من كبار رجالات الدولة يهدد من كلّف بنقل الإمام(عليه السلام) بالعقاب الشديد فيما إذا تعرض الإمام(عليه السلام) إلى أيّ مكروه أو أذى، وهذا بطبيعة الحال تحول كبير طرأ على ثقافة هؤلاء، مما يعكس لنا نجاح ذلك المنهج الذي اعتمده الإمام(عليه السلام) في مواجهته لتلك التحديات.

6- إنّ هذه الأمور هو ما كان يريده الإمام (عليه السلام) في منهجه التبليغي مهما كان نوع التحدي وحجمه وخطورته، فهو يريد هداية الناس وتصحيح اعتقاداتهم وتنبيههم إلى مواطن الانحراف والضلالة.

وقد وصف أحد الباحثين ذلك التأثير الذي تركه الإمام في رجال السلطة ومسؤوليها بقوله: (وقد يتملكك العجب بينما تلمس تأثير الإمام علي الهادي (عليه السلام) وهو يخترق بلاط المتوكل الذي يُحضر فيه الإمام خشية تحركه المضاد وفيما يتوهم، ونتيجة تردد الإمام ضمن الحصار الأمني المفروض عليه إلى القصر العباسي بدأت الأنظار تتجه إلى هذا الإنسان الملائكي في تصرفاته وحياته العامة، إذ استطاع الإمام (عليه السلام) بمسلكيته الوادعة أن يهيمن على طائفة من رواد القصر وحواشيه روحياً، وأن يجذب قسماً منهم إليه فطرياً، وهذه الشرائح من حضّار القصر مختلفة المشارب والمسالك، ومع هذا كلّه فقد يأخذها الانبهار من كرامات الإمام، ويصاحبها الذهول من هيبته ووقاره، ومن هنا كان تأثير الإمام الخاص في حياة البلاط تأثيراً له ذائقته الخاصة، إذ بدا الإمام في ذلك المزيج المختلط نمطاً جديداً لا عهد لهم به، لهذا فقد عاد الإمام أثيراً بصورة جادة ومتصاعدة لدى الكثير من حاشية السلطان، وقد بدا هذا واضحاً بما يقابل به من الاحترام والإجلال بين مختلف تلك الطبقات، وفيهم الوزير والكاتب والحاجب والقائد وصاحب الحسبة وولاة القضاء والمناصب الإدارية، مضافاً إلى الخدم والحشم والقائمين بشؤون الخدمات، وقد وجدوا جميعاً أنّ هيبة الإمام تخترق العمق النفسي تلقائياً ودون أي تأثير خارجي من خوف أو رجاء أو سلطان، وتلك ميزة لم تتوافر أبعادها إلا من خلال شخصية الإمام في جاذبيتها البناءة)[69].

كما ظهرت آثار الجذب والاستقطاب على عامة الناس، مما انعكس بشكل واضح على طبيعة علاقاتهم وتواصلهم وارتباطهم بالإمام (عليه السلام)، مما أوجد رأياً عاماً مضاداً لرأي السلطة وتوجهاتها ومخططاتها، على الرغم مما تمتلكه من قوة ضاغطة من السلطة والإعلام والأموال، ولكن كل ذلك نجده يختفي مع كل حركة تبليغية يقدم عليها الإمام (عليه السلام).

إذ إنه وعلى الرغم من سياسة التكتم الشديد والتعتيم الذي اتبعته السلطة في عملية ترحيل الإمام (عليه السلام) إلا أنّ الأمور جرت خلاف ما تريده السلطة، فقد علم أغلب الناس عدم الاحتفاء بقدومه، ومع موعد وصوله، خرجوا إلى استقباله، إذ روى الخضر بن محمد البران[70] (خرجت في حاجة حتى انتهيت إلى الجسر، فرأيت الناس مجتمعين وهم يقولون: قد قدم ابن الرضا من المدينة، فرأيته وقد عبر من الجسر على شهري تحته كبير، يسير عليه سيراً رفيقاً، والناس بين يديه وخلفه)[71].

لو دققنا النظر في بعض المفردات التي وردت في متن هذه الرواية مثل: (الناس مجتمعين - يقولون - والناس بين يديه ومن خلفه) تظهر جملة أمور تبين حيثيات الجذب والاستقطاب لعامة الناس:

1- جميعها تخلق صورة لذلك الواقع التاريخي الذي كانت عليه بغداد برفقة ذلك الحدث العظيم، الذي يبدو لنا وكأنه يوم عيد ونصر وظفر.

2- هل من كان ينظر إلى الإمام (عليه السلام) وهو محفوف بهذه الأعداد الكثيرة من الناس يتصور انه كان مهجراً مجبوراً على الرحيل وترك ديار جدّه وأهله وعياله؟.

3- علامات النصر هذه هي التي تقودنا إلى القول إن الإمام (عليه السلام) كان يعمل وفق تخطيط وإستراتيجية دقيقة وحلول قائمة لكل حركة تقوم بها السلطات الحاكمة.

4- إن منهج الإمام(عليه السلام) التبليغي في هذه الحركة الرسالية قد أعطى نتائجه بشكل ملموس ورفع من منسوب التأييد المجتمعي له(عليه السلام) ووضع السلطة في موضع الحرج، وعراها من جميع ادعاءاتها، وكشف خططها الاستهدافية أمام الرأي العام.

ولقد امتدت هذه القوة الروحية في منهج الجذب والاستقطاب إلى داخل الوسط الأسري للمتوكل، إذ وكما يبدو من الإشارات التاريخية إنّ هؤلاء قد تأثروا بالإمام (عليه السلام) كثيراً ووجدوا فيه ملجأً روحياً يفزعون إليه حين تصطلمهم النوائب والابتلاءات، ولابد أن يكون هؤلاء قد رأوا فيه (عليه السلام) من الآيات العظام مما جعل قلوبهم تهوي إليه ونفوسهم تطمئن له، بل إنهم قد وجدوا أنه هو الطريق إلى الله والسبيل إلى النجاة من الملمات، وإلا فلا تفسير لما أقدمت عليه أمّ المتوكل حينما نذرت له النذور، واستوصفت منه العلاج والدواء لشفاء ولدها من مرض المّ به[72]، أليس هذا هو عين الوسيلة التي دعانا الله سبحانه وتعالى إلى ابتغاها. إنّ هذه الحادثة عكست لنا كيف أنّ القوة الروحية التي أوجدها الله سبحانه وتعالى في الإمام(عليه السلام) قد ظهرت واضحة جلية لجميع الناس حتى لأولئك الذين حملوا العداء لهم، أو ممن عاش في أجواء الترف واللهو والدعة، فإن نور الإمامة قد اخترق كل الحجب وأزاح الرين.

إنّ أهم ما ميّز المنهج التبليغي للإمام علي بن محمد الهادي (عليه السلام) هو إنه كان يوظف الظروف لتحقيق الغايات الرسالية، فكان لمنهج الجذب والاستقطاب حضوره الواضح والمؤثر في ذلك، خاصة عندما يتعلق الأمر بأعلى المستويات في السلطة الحاكمة وهو المتوكل، فالإمام(عليه السلام) لم يدخر جهداً في وعظه وإرشاده مشفوعاً بتأثيره الروحي، ولعل الرواية التالية تعطينا صورة كاملة عن قوة ذلك الجذب والاستقطاب. تقول الرواية: إنّ الإمام (حمل إلى المتوكل في جوف الليل، فمثل بين بديه، والمتوكل يشرب وفي يده كأس، فلما رآه أعظمه وأجلسه إلى جنبه...، فناوله المتوكل الكأس الذي في يده!! فقال: يا أمير المؤمنين، ما خامر لحمي ودمي قط، فاعفني منه. فأعفاه، وقال: أنشدني شعراً أستحسنه!! فقال الإمام: إني قليل الرواية للأشعار!! فقال المتوكل: لا بد أن تنشدني. فأنشده:

باتُوا على قُلَلِ الأَجْبَالِ تَحْرُسُهُمْ            قُلْبُ الرِّجَالِ فما أغنتهُم القُلَلُ

واسْتُنزِلُوا بَعْدَ عِزٍ عَن مَعَاقِلِهِم            فأودُعُوا حفراً يَا بِئْسَ مَا نَزَلُوا

نَادَاهُمْ صَارِخُ مِن بَعْدِ مَا قُبُروا             أَيْنَ الأَسِرَّةُ والتَّيْجَانُ والخُلَلُ؟

أيْنَ الوُجُوهُ التِي كَانَتْ مُنعمةً               مِنْ دُونِهَا تُضْرِبُ الأَسْتارُ والكِلَلُ؟

فَأَفْصَحَ القَبْرُ عَنْهُم حِيْنَ سَاءَلهُم           تلْكَ الوُجُوهُ عَلَيْهَا الدُّوْدُ يَقْتَتِلُ

قَدْ طَالَمَا أَكَلُوا فِيهَا وَقد شَرِبُوا             فَأَصْبَحُوا بَعدَ طُولِ الأُكلِ قَدْ أُكِلُوا

وطالما كَنَزُوا الأَمْوَالَ وَادَّخَرُوا             فَخَلَّفُوهَا عَلَى الْأَعْدَاءِ وَارْتَحَلُوا

وطالَمَا عَمَروا دُورًا لِتُحْصِنَهُمْ              ففَارُقُوا الدُوْرَ والأَهْلِينَ وَانْتَقَلُوا

أَضْحَتْ مَسَاكِنُهُم وَحْشًا مُعَطَّلَّةٌ             وساكِنُوهَا إِلى الأَجْدَاثِ قَدْ رَحَلُوا

فأشفق من حضر على علي وظنوا أنّ بادرة تبدر منه اليه، والله لقد بكى المتوكل بكاء طويلاً حتى بلّت دموعه لحيته وبكي من حضره، ثم أمر برفع الشراب، ورده إلى منزله من ساعته مكرماً)[73].

قال أحد الباحثين في دراسته لهذه القصيدة: (اللافت في قصيدة الإمام الهادي(عليه السلام) منذ بدايتها أنها تروي جانباً من سيرة الملوك والسلاطين المحتمين بقلل الأجبال خوفًا على حياتهم، والمحاطين بالجيوش التي تحرسهم. وكل ذلك تبين عبر الفعل «باتوا»، ثم جاء الفعل «واستنزلوا» بوصفه عنصراً طارئاً مغيراً ليبين حال التبدّل الذي أصاب أولئك الملوك، فأنزلوا في الحفر المظلمة بعدما كانت إقامتهم في القصور الفارهة ثم يأتي الفعل «ناداهم» ليظهر عنصرًا جديدًا في السرد هو الشخصية المقابلة للملوك، والتي تربطها علاقة تضاد وتناقض معها؛ إنها الحقيقة التي لا مراء فيها. ثم تظهر شخصية ثالثة تتمثل في القبر الذي تولى مهمة الإجابة عن السؤال المطروح؛ لأنّ الملوك لم يعودوا ملوكًا، بل أصبحوا في طي النسيان. بعد ذلك يتتالى السرد عبر الأفعال أكلوا، شربوا، أصبحوا، أكلوا، عمّروا، فارقوا، ارتحلوا، كنزوا، ادخروا خلّفوها، انتقلوا أضحت، رحلوا... لنصل في النهاية إلى نتيجة مفادها أنّ من يعمر دنياه وينسى آخرته فإنّ حياته تنتهي عندما يموت، ولا نصيب له من الحياة الآخرة سوى العذاب الأليم)[74].

وكان الإمام علي بن محمد الهادي (عليه السلام) قد نبه بتكليفه الشرعي في وعظ المتوكل وتبكيته على عمله الشائن في مجلس شراب متهتك، ويدعو فيه الإمام(عليه السلام) تطاولاً على منزلته، واستهتاراً بكل أصول اللياقة، فيعتذر الإمام(عليه السلام) عن ذلك جازماً، ويعفيه المتوكل طالباً إليه إنشاد الشعر فينشده هذا الشعر، الذي له وقع الصاعقة على الطغاة والمتجبرين، حتى أشفق على الإمام من حضر ذلك الندي حذراً من بطش الطاغية[75].

لقد كانت خطوة للإمام علي بن محمد الهادي (عليه السلام) في التعامل مع توجهات المتوكل العباسي باتجاه قتله، من خلال فرض واقع مخالف للواقع الذي أراد فرضه بأن الإمام يريد أن يشتت أمر الأمة ويفرقها، إذ أعطى الإمام(عليه السلام) صورة مغايرة عن ذلك عندما أظهر أنه بعيد كل البعد عن هذه المدعيات، وانه لم يظهر الشقاق ولم يرد الفتنة، بأسلوب (كونوا دعاة للناس بغير ألسنتكم...)[76].

والإمام(عليه السلام) لم يلق خطاباً ولم يرسل رسالة ولم يكتب كتاباَ، بل كان يقابل جميع هذه الإجراءات بالحكمة والاتزان ورد الإساءة بالنصح والوعظ، مما أدخل الاطمئنان في نفس المتوكل بأنّ مثل هذا الشخص لا يمكن أن يكون في موضع التهديد لأمن الدولة، وكل هذا ما كان ليكون لولا قوة الجذب والاستقطاب التي اتصف بها الإمام(عليه السلام) التي جعلت عملية الوعظ والإرشاد ذات تأثير مباشر على شخصية المتوكل، مما يعكس لنا نجاح وفاعلية الإستراتيجية التبليغية التي انتهجها الإمام(عليه السلام) في مواجهته الإيجابية مع هذه التحديات.

وقد يقول قائل: كيف تتحقق عملية الجذب والاستقطاب في مجلس اللهو والغناء والخمر؟ وجواب ذلك: إن القائد الرسالي لا ينظر إلى عنوان المكان سجناً كان أو مسجداً أو محفلاً علمياً أو غيرها، بل إنه ينظر إلى الكيفية التي يبعث بها هذا المشروع وكيفية التأثير وصناعة الرأي والعمل على تغيير المنظومة الفكرية للفئة المستهدفة، وهذا ما ظهر بتمامه في منهج الإمام علي بن محمد الهادي(عليه السلام) إذا إنه استهدف رأس الهرم والمسؤولين وعمال الدولة من خلال ذلك المنهج الوعظي الإرشادي المتكامل، مما ولد قناعات جديدة عند هؤلاء خاصة ممن كان لا يعرفه بأنه إمام القلوب والأرواح، فبهذا المنهج استطاع الإمام (عليه السلام) أن يجذبهم إليه ويغير الحال الذي كانوا عليه، وهذا ما كان يبتغيه الإمام (عليه السلام) من حركته الرسالية هذه.

 يدلنا جميع ما تقدم على جملة من الأمور في مواجهة الإمام (عليه السلام) للتحدّيات من خلال منهج الجذب والاستقطاب:

١- يبدو أنّ منهج الإمام (عليه السلام) هذا قد أوجد جاذبية في القلوب نحوه بحيث إنه اخترقها وأوقع فيها التأثير وأعطى نتائجه بشكل سريع ومباشر.

٢- إنّ هذا التفاعل مع منهج الإمام (عليه السلام) يظهر أنّ هناك جمالاً روحياً كان ينبعث منه (عليه السلام) لكل من شاهده وشهده أو سمع به، وهذا شبيه بذلك الجمال الذي كان عليه النبي يوسف(عليه السلام) عندما كان يأسر القلوب والأرواح كما وصفه القرآن الكريم ﴿فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآَتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَـمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ للهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾[77]. وإذا كان الجمال في النبي يوسف (عليه السلام) هو الذي اختطف الأبصار والقلوب وهو كان في قصر الملك، فإن الجمال الروحي الذي كان ينبعث من الحال الذي كان عليه الإمام (عليه السلام) هو من جعل تلك القلوب تهفو نحوه وتهوي إليه، قال تعالى على لسان إبراهيم (عليه السلام): ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْـمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾[78].

3- لقد بات تأثير المنهج الذي انتهجه الإمام(عليه السلام) واضحاً في المجتمع وشكل عندهم قناعات مختلفة تماماً عن القناعات التي أرادها المتوكل، بل إنّ هذه القناعات المتولدة أعطتهم قوة وجرأة في رفض واعتراض تلك السياسية الاستهدافية من قبل السلطة تجاه الإمام (عليه السلام).

4- وأجمل ما في هذا التأثير من خلال منهج الجذب والاستقطاب أنه اجتاح قاعدة السلطة وأتباعها، وهو أمر في غاية الأهمية إذا ما أردنا معرفة مستويات النجاح التي حققها الإمام (عليه السلام) في مواجهته مع التحديات.

الخاتمة

1- أرسى الإمام (عليه السلام) الأسس والقواعد وأوجد الآليات التي ترسم منهج التحدي مع عقلية السلطة مهما كان منهجهاً إقصائياً وتعسفياً، فإن من يحمل مشروعاً رسالياً لابد أن يتحلى بأعلى درجات الهدوء والانضباط والتعامل بحكمة، بعيداً عن الانفعال والتوتر؛ لكي يكون قادراً على اتخاذ القرارات الصائبة.

2- أكد الإمام (عليه السلام) بهذا المنهج أنّ إرادة القائد الرسالي لا تخضع للاعتبارات الزمانية والمكانية، بل تخضع للحدود التكليفية، فاختيار شكل المواجهة والرد إنما يكون نابعاً من تلك التكليفات لا غير.

3- إنّ منهج القوة والإيمان العالي الذي تعامل به الإمام (عليه السلام) مع التحديات قد حصن الأمة الإسلامية عامة وخط الإمامة خاصة، من أن يوصل إليهم بسوء والقضاء عليهم، ضمن مشروع استهدافي ممنهج تبنته السلطات الحاكمة.

4- إنّ حركة الإمام (عليه السلام) في المواجهة مع التحديات إنما كانت وفق ما تقتضيه المصلحة العامة للمجتمع الإسلامي، وبالنظر إلى النتائج المتحصلة على تلك الحركة، والنظر إلى الأمور نظرة كلية وفهمها فهماً واقعياً.

5- أثبت الإمام (عليه السلام) في هذا المنهج أنه ينبع عن حكمة ودراية ونظرة ثاقبة في اختيار المنهج الأمثل للمواجهة، وليس هو استسلاماً للواقع، أو هروباً من المواجهة.

6- إنّ الإمام(عليه السلام) بهذا المنهج قد أوقع السلطة في حرج كبير، حينما عملت على تضليل الرأي العام الإسلامي وتغيير قناعاتهم تجاه أهل البيت (عليهم السلام).

7- ولعل من الأهداف المهمة التي ركز عليها الإمام هو زيادة وعي المجتمع ومعرفته بأهل البيت(عليهم السلام)، إذ لا يخفى المنهج الإقصائي الذي اتبعته السلطات الحاكمة على طول المراحل التاريخية التي مرت بها الدولة الإسلامية.

8- إنّ من أهم صور النجاح التي نلمسها في هذا المنهج هو ذلك التأثير الروحي الذي ظهر في كبار رجال الدولة ومسئوليها، عندما أحدثوا تغييراً في قناعاتهم، وهذا يمثل تحولاً كبيراً في الموقف تجاه الإمام(عليه السلام)، على عكس ما كان تريده السلطة تماماً.

قائمة المصادر والمراجع:

- القرآن الكريم

1)      ابن الأثير، أبو الحسن علي بن أبي الكرم محمد بن محمد الجزري (ت ٦٣٠ هـ)، الكامل في التأريخ، دار الكتاب العربي، بيروت، د.ت.

2)      ابن الصبّاغ، علي بن محمد المغربي المالكي (ت ٨٨٥هـ)، الفصول المهمة في معرفة الأئمة، المطبعة الحيدرية، النجف الأشرف، 1381هـ.

3)      ابن خلكان، أحمد بن محمد بن أبي بكر (ت ٦٨١ هـ)، وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، مطبعة السعادة، القاهرة، ١٩٤٩م.

4)      ابن شهر آشوب، أبو جعفر رشيد الدين محمد بن علي السروي (ت ٥٥٨ هـ)، مناقب آل أبي طالب، المطبعة الحيدرية، النجف الأشرف، ١٣٧٥ هـ.

5)      الإربلي، علي بن عيسى بن أبي الفتح (٦٩٣هـ)، كشف الغمة في معرفة الأئمة، مطبعة النجف، النجف الأشرف، ١٣٨٥هـ.

6)      الأصفهاني، أبو الفرج علي بن الحسين (ت ٣٥٦ هـ)، مقاتل الطالبيين، المطبعة الحيدرية، النجف الأشرف، ١٩٥٦.

7)      البخاري، أبو نصر (ت341هـ)، سر السلسلة العلوية، تحقيق محمد صادق بحر العلوم، ط1، المطبعة الحيدرية، النجف الأشرف، 1962م.

8)      الجوزي، سبط بن يوسف بن فرغلي البغدادي (ت ٦٥٤ هـ)، تذكرة الخواص، المطبعة الحيدرية، النجف لأشرف،1383هـ.

9)      الحراني، ابن شعبة، أبو محمد الحسن بن علي الحلبي (من أعلام القرن الرابع)، تحف العقول عن آل الرسول، تحقيق محمد صادق بحر العلوم، المطبعة الحيدرية، النجف الأشرف، ١٣٨٠ هـ.

10)  حمزة، عباس فخري، الإمبراطور نيرون (54م - 68م) دراسة تاريخية، مجلة كلية التربية الأساسية، جامعة المستنصرية (عدد خاص بوقائع مؤتمر)، 2021.

11)  الحموي، ياقوت شهاب الدين بن عبد الله الرومي البغدادي (ت 626هـ)، معجم البلدان، دار صادر، بيروت، د.ت.

12)  الخامنئي، السيد علي، فقه الحكم الإسلامي - المهادنة -https://www.dte.ir

13)  الخوئي، السيد أبو القاسم الموسوي (ت1413هـ)، منهاج الصالحين، مؤسسة آل البيت(عليهم السلام)، قم المقدسة، 1410هـ.

14)  الذهبي، شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان (ت ٧٤٨ هـ)، تاريخ الإسلام، تحقيق عمر عبد السلام تدمري، الناشر دار الكتاب العربي، بيروت، 1987.

15)  الذهبي، شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان (ت ٧٤٨ هـ)، سير أعلام النبلاء، مؤسسة الرسالة، بيروت، ١٤٠٦هـ.

16)  الرازي، ابن أبي حاتم أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم محمد بن إدريس بن المنذر التميمي (ت 327 ه‍ / 938م)، الجرح والتعديل، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1952م.

17)  السيوطي، جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر (ت911هـ)، تأريخ الخلفاء، مطبعة السعادة، القاهرة، ١٩٥٠م.

18)  الشبلنجي، مؤمن بن حسن الشافعي المدني (ت أوائل القرن الرابع عشر)، نور الأبصار في مناقب آل النبي المختار، مطبعة عاطف، القاهرة، ١٣٨٤هـ.

19)  الصدوق، محمد بن علي بن الحسين بن بابويه (ت381هـ)، كمال الدين وتمام النعمة، تحقيق مركز الدراسات التخصصية، النجف الأشرف، 1442هـ.

20)  الصغير، محمد حسين علي (ت 2023م)، الإمام علي الهادي(عليه السلام) النموذج الأرقى للتخطيط المستقبلي، ط 1، مؤسسة البلاغ، بيروت، 2012م.

21)  الصفدي، صلاح الدين خليل بن ايبك (ت 764هـ/1362م)، الوافي بالوفيات، تحقيق: أحمد الارناؤوط، تركي مصطفى، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 2000م.

22)  الطبرسي، أمين الإسلام الفضل بن الحسن (ت 548 هـ)، إعلام الورى بأعلام الهدى، تقديم السيد محمد مهدي الخرسان، المكتبة الحيدرية، النجف الأشرف، 1970 هـ.

23)  الطوسي، ابن حمزة عماد الدين أبو جعفر محمد بن علي الطوسي (من أعلام القرن السادس)، الثاقب في المناقب، تحقيق: نبيل رضا علوان، ط1، الناشر: مؤسسة أنصاريان، قم المقدسة، قم، 1312هـ.

24)  عدلان، عطية، الهدنة في الإسلام بين الممنوع والمشروع، turkpress.co.www

25)  العسقلاني، ابن حجر أحمد بن علي بن محمد (ت 852هـ)، تهذيب التهذيب، دار الفكر، بيروت،1984م.

26)  العلامة الحلي، جمال الدين الحسن بن يوسف بن المطهر الحلي (ت 726هـ)، منهاج الكرامة في معرفة الإمامة، ط1، تحقيق عبد الرحيم مبارك، قم المقدسة، 1421هـ.

27)  الفتال النيسابوري، محمد (ت508هـ- 1114م)، روضة الواعظين، تحقيق وتقديم: محمد مهدي حسن الخرسان، منشورات الشريف الرضي، قم، د.ت.

28)  الفراهيدي، الخليل بن أحمد (ت 170هـ)، كتاب العين، تحقيق مهدي المخزومي وإبراهيم السامرائي، مؤسسة الأعلمي، بيروت، لبنان.

29)  القلقشندي، شهاب الدين أحمد بن علي بن أحمد المصري (ت821هـ)، مآثر الأنافة في معالم الخلافة، مطبعة الكويت، ١٩٦٤م.

30)  الكليني، أبو جعفر محمد بن يعقوب بن إسحاق الرازي البغدادي (ت 329 هـ)، أصول الكافي، دار الكتب الإسلامية، طهران، ١٣٨٣ هـ.

31)  كوك، ريتشارد، بغداد مدينة السلام، ترجمة فؤاد جميل ومصطفى جواد، ط 1، بغداد، 1962.

32)  المجلسي، محمد باقر بن محمد تقي (ت 1111 هـ)، بحار الأنوار، تحقيق: محمد مهدي الموسوي الخرسان، المطبعة الإسلامية، طهران، ١٣٨٥ هـ.

33)  المرزباني، محمد بن عمران (ت384هـ)، معجم الشعراء، الطبعة الثانية، القاهرة، 1982.

34)  المزي، جمال الدين أبو الحجاج يوسف (ت 742هـ- 1341م)، تهذيب الكمال في أسماء الرجال، تحقيق: بشار عواد معروف، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1985م.

35)  المسعودي، أبو الحسن علي بن الحسين بن علي (ت345هـ - 956م)، إثبات الوصية، المطبعة الحيدرية، النجف الأشرف، 1988.

36)  المسعودي، أبو الحسن علي بن الحسين بن علي (ت345هـ - 956م)، مروج الذهب ومعادن الجوهر، دار الهجرة، قم، 1984م.

37)  المفيد، الشيخ محمد بن محمد بن النعمان العكبري البغدادي (ت314هـ)، الإرشاد، الطبعة الثانية، المطبعة الحيدرية، النجف الأشرف، 1392هـ.

38)  مهنا، داود سلمان داود، قصيدة «باتوا على قلل الأجبال» للإمام علي الهادي الله دراسة فنية، مجلة تسليم السنة السادسة، المجلد 12، العددان 23 24 جمادى الأولى 1444هـ، كانون الأول 2022م.

39)  مؤنس، حسين، ظلمات بعضها فوق بعض، دار المستقبل، بيروت، 1986.

40)  النجاشي، أحمد بن علي (ت450هـ)، رجال النجاشي، مؤسسة النشر الإسلامي، قم المقدسة 1416هـ.

41)  اليعقوبي، أحمد بن أبي يعقوب بن جعفر (ت٢٥٤هـ)، تأريخ اليعقوبي، تحقيق: محمد صادق بحر العلوم، المطبعة الحيدرية، النجف الأشرف، ١٣٨٤هـ.

 

[1] هو نيرون كلوديوس، عرف بأنه أغلظ الناس قلباً وأفسدهم طباعا، ينتمي إلى أسرة كلوديوس الشهيرة التي حكمت الإمبراطورية الرومانية لسنوات طويلة. ينظر: حمزة، عباس فخري، الإمبراطور نيرون (54م - 68م) دراسة تاريخية، ص141.
[2] كوك، ريتشارد، بغداد مدينة السلام، ص91.
[3] ابن الأثير، الكامل في التاريخ، ج5، ص387.
[4] السيوطي، تاريخ الخلفاء، ص230.
[5] الذهبي، تاريخ الإسلام، ج18، ص507.
[6] ابن السكيت: يكنى بأبي يوسف، يعقوب بن إسحاق بن السكيت الدروقي الأهوازي البغدادي النحوي المؤدب، عاش للمدة 186 – 244هـ، إمام من أئمة اللغة وعالم نحوي وأديب شهير، مؤلف كتاب إصلاح المنطق وكتاب الكنز اللغوي وكتاب الألفاظ، اشتهر بتشيعه، ينظر: النجاشي، رجال النجاشي، ص449، الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج12، ص17-19.
[7] ابن خلكان، وفيات الأعيان، ج6، ص396.
[8] الجوزي، سبط، تذكرة الخواص، ص373، القلقشندي، مآثر الانافة، ج 1، ص230.
[9] الصغير، محمد حسين علي، الإمام علي الهادي النموذج الأرقى للتخطيط المستقبلي، ص116.
[10] بريحة العباسي: وقيل اسمه «تريخه »، وقيل «بريمة». بينما ذكر آخرون أن اسمه عبد الله ابن محمد وكان يتولّى الحرب والصلاة بمدينة الرسول (صلى الله عليه وآله) ممن كان يشي بالإمام علي بن محمد الهادي (عليه السلام)، ينظر: الكليني، أصول الكافي، ج1، ص501. المفيد، الإرشاد، ص309.
[11] الكليني، أصول الكافي، ج 1، ص501.
[12] الكليني، أصول الكافي، ج 1، ص501.
[13] المفيد، الإرشاد، ص٣٥٩، الإربلي، كشف الغمة، ج2، ص١٧٦، ابن الصباغ، الفصول المهمة، ص٢٦٣.
[14] صالح بن سعيد: لم يذكر عنه الا ما ذكر في هذه الرواية.
[15] الكليني، أصول الكافي، ج 1، ص4۹۸، المفيد، الإرشاد، ص٣٥٩.
[16] الصغير، محمد حسين علي، الإمام علي الهادي النموذج الأرقى للتخطيط المستقبلي، ص126.
[17] سورة يوسف، الآية 38.
[18] المفيد، الإرشاد، ص٣٥٩، الشبلنجي، نور الأبصار، ص١٥١، ابن الصباغ، الفصول المهمة، ص٢٦.
[19] المسعودي، إثبات الوصية، ص٢٠١.
[20] علي بن الجهم بن بدر أبو الحسن، من أهل بغداد، اختص بالمتوكل العباسي، كان بدوياً فظاً جافاً قاسياً أثرت فيه البادية كثيراً، ينظر: المرزباني، معجم الشعراء، ص1753. ابن خلكان، وفيات الأعيان، ج3، ص356.
[21] الحماني: الشّريف أبو الحسين علي بن محمد بن جعفر العلوي الحِمَّاني الكوفي يعرف أيضًا بـالأفوه، فقيه علوي وشاعر عراقي من أهل القرن التاسع الميلادي/ الثالث الهجري، ولد في الكوفة في عائلة علوية هاشمية ونشأ وعاش بها. نظم مراثي في أقاربه العلويين الثائرين وهاجى علي بن الجهم. ينظر: الأصفهاني، أبو الفرج، مقاتل الطالبيين، ص438، البخاري، أبو نصر، سر سلسلة العلوية، ص67، الحلي، ابن المطهر، منهاج الكرامة في معرفة الإمامة، ص62-64.
[22] ابن شهرآشوب، مناقب آل أبي طالب، ج3، ص510.
[23] سورة الأنفال، الآية 61.
[24] عدلان، عطية، الهدنة في الإسلام بين الممنوع والمشروع، turkpress.co.www
[25] ينظر: الخامنئي، السيد علي، فقه الحكم الإسلامي – المهادنة - https://www.dte.ir
[26] السيد الخوئي، أبو القاسم الموسوي، منهاج الصالحين، ج1، المسألة 79.
[27] سورة المؤمنون، الآية 96.
[28] سورة فصلت، الآية 34.
[29] سورة الحجرات، الآية 13.
[30] مؤنس، حسين، ظلمات بعضها فوق بعض، ص73.
[31] بغى عليه: ظلمه، الفراهيدي، العين، مادة بغى.
[32] الفتال النيسابوري، روضة الواعظين، ص245.
[33] الكليني، أصول الكافي، ج 1، ص٥٠٢، المفيد، الإرشاد، ص٣٥٨، الإربلي، كشف الغمة، ج2، ص١٧٥، ابن الصباغ، الفصول المهمة، ص٢٦١، المجلسي، بحار الأنوار، ج50، ص٢٠٠-201.
[34] من رواة احاديث الإمام الهادي(عليه السلام)، وقد أمره المتوكل العباسي أن يصحب الإمام من المدينة إلى سامراء. كان من أتباع مذهب الحشوية، وتأثر بما شاهده من كرامات صدرت عن الإمام الهادي في هذا السفر، فأصبح من شيعته، ونقلاً عنه ورد في مصادر الحديث للشيعة روايات عن الإمام الهادي(عليه السلام) حول تفاصيل السفر وكرامات للإمام، ينظر: المسعودي، إثبات الوصية، ج1، ص233، الجوزي، سبط، تذكرة الخواص، ص395، الطوسي، ابن حمزة، الثاقب في المناقب، ص551، ابن الصباغ، الفصول المهمة، ص1071.
[35] الطوسي، ابن حمزة، الثاقب في المناقب، ص551.
[36] سورة فصلت، الآية 34
[37] المسعودي، مروج الذهب، ج 4، ص84، المجلسي، بحار الأنوار، ج50، ص207.
[38] الطوسي، ابن حمزة، الثاقب في المناقب، ص552.
[39] سورة هود، الآية 65.
[40] المجلسي، بحار الأنوار، ج 50، ص192-193.
[41] سورة هود، الآية 65.
[42] المجلسي، بحار الأنوار، ج50، ص192-193.
[43] سورة غافر، الآية 51.
[44] سورة البقرة، الآية 214.
[45] يحيى بن أكثم بن محمد بن قطن التميمي الأسيدي، أبو محمد المروزي، أحد فقهاء الدولة العباسية، اشتهر عنه أنه كان شديد القرب من الحاكم العباسي المأمون حتى قلده منصب قاضي القضاة في بغداد. مات بالربذة منصرفاً من الحج سنة 242هـ. ينظر: الرازي، ابن أبي حاتم، الجرح والتعديل، ج۹، ص۱۲۹؛ المزي، تهذيب الكمال، ج۳۱، ص۲۰۷-۲۲۱؛ العسقلاني، ابن حجر، تهذيب التهذيب، ج11، ص158.
[46] سورة الزخرف، الآية 71.
[47] الحراني، ابن شعبة، تحف العقول عن آل الرسول، ص479.
[48] سورة التوبة، الآية 74.
[49] سورة الاحزاب، الآية 66.
[50] سورة النساء، الآية 59.
[51] سورة النساء، الآية 83.
[52] سورة النساء، الآية 58.
[53] سورة النحل، الآية 43.
[54] ينظر: الاربلي، كشف الغمة، ج 3، ص247، المجلسي، بحار الأنوار، ج 50، ص178.
[55] الصغير، محمد حسين علي، الإمام علي الهادي النموذج الأرقى للتخطيط المستقبلي، ص222- 223.
[56] سورة غافر، الآية 84-85.
[57] الكليني، أصول الكافي، ج7، ص238.
[58] سورة إبراهيم، الآية 37.
[59] سورة النساء، الآية 54.
[60] إسحاق بن إبراهيم بن مصعب الخزاعي الطاهري من الأمراء وقادة الجيش عند العباسيين، أمير بغداد وليها نحواً من ثلاثين سنة، وعلى يده امتحن العلماء بأمر المأمون في خلق القرآن. وكان سائساً صارماً جواداً ممدحاً، له فضيلة ومعرفة ودهاء، وكان والي بغداد من قبل المتوكل، مات سنة 235هـ، وولي بعده بغداد ابنه محمد ينظر: الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج11، ص171.
[61] المسعودي، مروج الذهب، ج4، ص85.
[62] قرية كبيرة بينها وبين بغداد ميلان، عليه قنطرة مليحة فيها بساتين، ينسب إليها جماعة من أهل العلم، ينظر: الحموي، ياقوت، معجم البلدان، ج 5، ص425.
[63] اليعقوبي، تاريخ اليعقوبي، ج 2، ص484.
[64] وصيف التركي، غلام المتوكل، كان من كبار الأمراء القواد، استولى على المعتز واحتجز واصطفى لنفسه الأموال والذخائر، فشغبت عليه الجند وطالبوه بالأرزاق فقال: ما لكم عندنا إلا التراب. فوثبوا عليه وقتلوه بالدبابيس وقطعوا رأسه ونصبوه على رمح في سنة 253هـ، الصفدي، الوافي بالوفيات، ج27، ص260.
[65] المسعودي، مروج الذهب، ج 4، ص85.
[66] عبيد الله بن يحيى بن خاقان التركي، ثم البغدادي. وزر للمتوكل، وللمعتمد. وجرت له أمور. وقد نفاه المستعين إلى برقة، ثم قدم بغداد بعد خمس سنين، ثم وزر سنة 56هـ، وروي أن المتوكل قال: قد مللت عرض الشيوخ، فابغوني حدثا. ثم طلب عبيد الله، فلما خاطبه، أعجبته حركته، فأمره أن يكتب، فأعجبه خطه، فولاه العرض، وحظي عند المتوكل، ونفاه المعتز، فلما ولي المعتمد طلبه، وخلع عليه، فأدبته النكبة، وتهذب كثيرا، مات سنة 263هـ، الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج13، ص9-10.
[67] الصدوق، كمال الدين، ج1، ص42.
[68] الكليني، أصول الكافي، ج1، ص199، الطبرسي، إعلام الورى، ص344.
[69] الصغير، محمد حسين علي، الإمام علي الهادي النموذج الأرقى للتخطيط المستقبلي، ص143.
[70] الخضر محمد البزاز: قال المسعودي: كان شيخاً مستوراً ثقة يقبله القضاة والناس، روى عنه جماعة، ينظر: المسعودي، إثبات الوصية، ص198.
[71] المسعودي، إثبات الوصية، ص236.
[72] المفيد، الإرشاد، ص209، المجلسي، بحار الأنوار، ج 50، ص199.
[73] المسعودي، مروج الذهب، ج4، ص44-45.
[74] مهنا، داود سلمان داود، قصيدة «باتوا على قلل الأجبال» للإمام علي الهادي(عليه السلام) دراسة فنية، مجلة تسليم السنة السادسة، المجلد 12 العددان 23-24 جمادى الأولى 1444هـ- كانون الأول 2022م، ص188.
[75] الصغير، محمد حسين علي، الإمام علي الهادي النموذج الأرقى للتخطيط المستقبلي، ص132.
[76] الكليني، أصول الكافي، ج2، ص78.
[77] سورة يوسف، الآية 31
[78] سورة إبراهيم، الآية 37.