العدد الثالث عشر

مكاتبات وتوقيعات الأئمة (عليهم السلام) حقيقتها وحكمها دراسة في التوقيع الصادر من الإمام المهدي (عليه السلام) بحق الشيخ المفيد (قدس سره)
تحميل
الباحثين الشيخ رشيد عودة جبر المياحي الشيخ رشيد عودة جبر المياحي

مكاتبات وتوقيعات الأئمة (عليهم السلام) حقيقتها وحكمها دراسة في التوقيع الصادر من الإمام المهدي (عليه السلام) بحق الشيخ المفيد (قدس سره)

 

Correspondences and Signed Letters of the Imams (PBUT) Their Nature and Rulings: A Study of the Signed Letter Issued by Imam Al-Mahdi (PBUH) Regarding Sheikh Al-Mufid (may God sanctify his soul)

 

الشيخ رشيد عودة جبر المياحي

 

AL-Sheikh Rasheed Awda Jabr Al-Miyahi

 

الملخص:

يتمحور البحث عن المكاتبات والتوقيعات الصادرة عن المعصومين (عليهم السلام) على مباحث ثلاثة فيها مطالب:

وكان المبحثان الأولان لبيان حقيقتها لغة واصطلاحا، ومراحلها التأريخية، وحجيتها في مقام استنباط الاحكام الشرعية، مع بيان وجوه معرفة خط الإمام المعصوم (عليه السلام)  وخصوصا في الفترة التي سبقت غيبة الإمام المهدي (عليه السلام) .

مع اثبات وحدة خط الإمام العسكري مع خط الإمام المهدي (عليهما السلام) ، ومدى تأثير وحدة الخط كأحد وسائل التواصل بين الإمام المعصوم وشيعته، وكانت المباحث الأولى بمثابة التمهيد للمبحث الثالث الذي عقدت لأجله الدراسة، وهو المكاتبات والتوقيعات الصادرة بشأن الشيخ المفيد طيّب الله ثراه. وقد عالج الباحث فيها مواطن الإرسال بين الشيخ المفيد والشيخ الطبرسي رضوان الله عليهما، كون كتابه الاحتجاج هو أكثر المصادر شهرة في نقل هذه التوقيعات، مع ثبوت أنّ التوقيعات في هذا المصدر يمكن أن تكون مسندة وليست مرسلة بالدليل مع التتبع والتحقيق. ثم ذكر الأقوال في المسألة والرأي المختار منها والقرائن الدالة عليها.

وكانت نتيجة القول المختار في المسألة هو إثبات صحة صدور التوقيعات المباركة الصادرة بشأن الشيخ المفيد(قدس سره) بحسب المصادر والطرق التي وصلت إلينا من المصادر الثابتة النسبة لأصحابها والطرق المعتبرة الدالة عليها.

الكلمات المفتاحية: الإمام المهدي(عليه السلام) ، الشيخ المفيد، التوقيعات، الأقوال.

 

Abstract:

 

The study focuses on the correspondences and signed letters issued by the infallible Imams (PBUT), covering three main sections: the first two sections explain their linguistic and terminological nature, their historical stages, and their authority in deriving Islamic rulings, along with ways of recognizing the handwriting of the infallible Imam, especially during the period preceding the occultation of Imam Al-Mahdi (PBUH). It also establishes the unity of handwriting between Imam Al-Askari and Imam Al-Mahdi (PBUT) , and explores how this shared handwriting served as a means of communication between the Imam and his followers. The third section, the core purpose of the study, examines the correspondences and signed letters issued concerning Sheikh Al-Mufid, addressing the points of discontinuity (irsal) between Sheikh Al-Mufid and Sheikh Al-Tabrasi, since the latter's book Al-Ihtijaj is the most well-known source for transmitting these letters. The study demonstrates that these letters in this source can be considered properly attributed rather than disconnected. It then discusses the scholarly opinions on the matter and identifies the preferred view along with its supporting evidence.

The conclusion reached is that the authenticity of the blessed signed letters issued concerning Sheikh Al-Mufid is confirmed, based on the sources and chains of transmission that have reached us through reliably attributed sources.

key words: Imam Al-Mahdi(PBUH) , Sheikh Al-Mufid, signed letters, scholarly opinions.

 

المقدمة:

بسم الله الرحمن الرحيم، وصلّ اللهم على محمد وآل محمد صلاةً شارحةً لمنقولهم في مسطورهم، بعدد النور وظهوره.

أما بعد؛ فإنّ التوقيعات والمكاتبات الصادرة عن الأئمة (عليهم السلام) تمثل إحدى الثروات الثقافية والدينية الغنية في تاريخ الإسلام، حيث تعكس تلك الوثائق الفكرية والسياسية، والاجتماعية والتي كان ينتهجها الأئمة (عليهم السلام) في عصورهم المختلفة، بُعداً معرفياً يمثل أنّ التوقيعات ليست مجرد نصوص مكتوبة، بل هي شواهد حية على كيفية تفاعل الأئمة (عليهم السلام) مع مجتمعاتهم وكيفية توجيههم لأتباعهم في مواجهة التحديات الفكرية والسياسية والثقافية.

تُعد هذه المكاتبات نافذةً على الدروس والمبادئ الإسلامية الأساسية التي أراد الأئمة (عليهم السلام) نشرها، فهي تحمل في طياتها خطابات مهمة حول مسائل تتعلق بالفقه، والعقيدة والسياسة، والأخلاق، والعلاقات الاجتماعية.

من خلال دراسة هذه التوقيعات، يمكننا أن نفهم بشكل أعمق الرؤية الإمامية للأحكام الفقهية والأحداث التاريخية، والمعاني القيمية التي يرغب الأئمة (عليهم السلام) في غرسها في نفوس أتباعهم.

على الرغم من أهمية هذه الوثائق، فإنها تواجه تحديات تتعلق بالتوثيق السندي، والتحليل النصيّ، مما يستدعي ضرورة القيام بدراسات شاملة وممنهجة للكشف عن ما تحتويه من عمق فكري وتجارب اجتماعية ونتائج علمية.

وما تجدر الإشارة إليه في هذا البحث هو التركيز على فترة غيبة الإمام المهدي (عليه السلام)،
حيث كانت تخرج تلك المكاتبات والتوقيعات على يد السفراء الكرام، لذا فإنّ هذا البحث يسعى إلى استكشاف جوانب متعددة من التوقيعات والمكاتبات في تلك الحُقبة الزمنية، والاستفادة من تحليل محتوياتها وأثرها على الفكر الإسلامي والمجتمع بشكل عام.

أهمية البحث: 

وتأتي أهمية البحث عن المكاتبات والتوقيعات المتعلقة بالأئمة(عليهم السلام)، لكونهم الأئمة والممثّلين الحقيقيين بعد النبي
محمد (صلى الله عليه وآله).

وهم ورثة العلم والدين، وأنهم (عليهم السلام) المعصومون، ولهم المكانة الخاصة والسلطة الروحية والدينية، ومنهم تأخذ الأمة أحكامها في كل ما له من الأهمية في قضايا الحق والعدالة.

وتشغل المكاتبات والتوقيعات المساحة المهمة في توجيه الناس وبناء قيمهم، فتأخذ أثرها الاجتماعي في التواصل بين الأئمة (عليهم السلام) والناس، فإنها واحدة من أبرز الوسائط التي كان الأئمة يتواصلون مع أتباعهم ويوجهونهم من خلالها؛ لذا تُعد من الآثار الفقهية والعقدية والوثائق التاريخية؛ لأنها تحمل أهمية فقهية وعقدية وتاريخية كبيرة في التراث الإسلامي، حيث تعكس التفاعل بين النصوص الروائية والعالم المحيط بالأئمة (عليهم السلام)،
وأهم القضايا الدينية والاجتماعية.

وتأتي هذه الأهمية كمصدر للتشريع، كونها من السنة المنقولة عنهم(عليهم السلام)؛
إذْ تحتوي على الأحكام في مختلف المسائل الشرعية والتي لها دور في تطور الفقه الإسلامي.

 إلى جانب ذلك من الأهمية، نشير إلى أن تلك الأبحاث ستسهم في توسعة نطاق الأبحاث الحديثية، ومدى اعتبار حجيتها في الاستدلال، والاعتماد عليها في مقام الاستنباط في الموضوعات التطبيقية.

أهداف البحث:

فإن أهداف بحث التوقيعات والمكاتبات الصادرة عن الأئمة(عليهم السلام) تتنوع، فالهدف من هذا البحث هو محاولة إلقاء الضوء على ما تحفل به التوقيعات من مضامين عالية، وأفكار هادية، ومعان سامية، مثلها مثل أي نص مقدس من حديث أو رواية.

فدراسة التوقيعات والمكاتبات، لأجل التحقيق في التراث المعرفي والفكري والديني للأئمة (عليهم السلام)؛ فهي تعدّ نحواً من أنحاء التوثيق التأريخي حول فترات معينة من التاريخ الإسلامي، وفيها إظهار لسيرة الأئمة (عليهم السلام)، وبيان دورهم في حياة الأمة الإسلامية.

 ويكون ذلك من خلال دراسة إسنادها وتحليل بعض نصوصها، فإنه يسهم في فهم معاني النصوص ودلالاتها الفقهية والعقدية.

والبحث فيها لأجل الالتزام بالتراث الإسلامي الأصيل، وهو من تعزيز الهوية الثقافية والفكرية للشيعة الإمامية.

وإنه يوفر إثراء للنقاشات المعاصرة، في قضايا إسلامية لها خصوصيتها التاريخية والعقدية.

والهدف المهم في ذلك؛ هو الربط بين تسلسل طبقات العلماء الأعلام للوصول إلى سلسلة الإسناد الصحيحة بين الأئمة (عليهم السلام) والرواة الحاملين للمكاتبات، لأجل الاستفادة منها في إثبات صحة صدور تلك الوثائق المباركة، والصيرورة في الاعتماد عليها والانتفاع منها في المجال الفكري والمعرفي.

منهجية البحث:

يجب أن يحتوي البحث على منهج علمي، مع توضيح مدى استخدام كل منهج وكيفية تأثيرهما في الوصول إلى النتائج.

واعتمد الباحث المنهج الاستقرائي، والتحليلي، والوصفي، من خلال البحث بخصوص الروايات التي تثبت تأريخية التوقيعات، والأقوال فيها، ومناقشة بعض الأقوال، وإثبات صحة صدور بعضها، والتكامل بين المناهج الثلاثة. ويمكن دمجها (الاستقرائي والوصفي والتحليلي) للحصول على صورة شاملة لنتائج البحث.

مشكلة البحث:

إنّ البحث يدور حول إثبات صحة صدور التوقيعات والدليل على حجيتها، بشكل عام، وتحديداً حول إسناد التوقيعات الصادرة بشأن الشيخ المفيد (قدس سره) بحسب المصادر، والطرق التي وصلت إلينا، وبيان حال الإرسال في الفترة ما بين الشيخ المفيد (قدس سره)، وصولاً إلى الشيخ الطبرسي طيب الله ثراه، كون كتابه الاحتجاج، هو أكثر المصادر التي نقلت لنا تلك التوقيعات شهرةً.

وقبل الخوض في حجية هذه التوقيعات، فلابد من معرفة حقيقتها، وبيان ماهيتها، حتى يتسنى لنا معرفة الآثار المترتبة عليها، كما قيل في الحكمة: العرش ثم النقش. إذن صار لزاماً المرور على تعريفها لغة واصطلاحاً، بما يتناسب مع مقتضى حال هذا الموضوع.

المبحث الأول: المبادئ التصويرية لمفهوم المكاتبات والتوقيعات

المطلب الأول: مفهوم التوقيعات في اللغة والاصطلاح:-

توطئة: إن قلنا إنّ هذه التوقيعات، هي مكاتبات كانت تكتب من المعصومين(عليهم السلام) إلى شيعتهم، ولكن كونها ذيلت بذيل وخصت بخصوصية، فاشتهرت بين الشيعة الإمامية بهذه التسمية، فيكون بين المكاتبات والتوقيعات إما عموماً وخصوصاً مطلقاً، أي المكاتبات هي أعم مطلقاً، والتوقيعات أخص مطلقاً، أو من باب تسمية الشيء باسم لازمه؛ وذلك من خلال أنْ يَكْتُبَ المَرْءُ اسْمَهُ بِعَلَامَةٍ خاصَّةٍ في ذَيْلِ الكِتابِ أوِ المُعاهَدَةِ أوْ نَحْوِ ذِلك. او هو تذييل على كتاب أو وثيقة بما يفيد الرَّأي فيه[1]. سواء أكانت مراسلات، أم مخاطبات رسمية، على مستوى تدرج وظيفي ضمن نظام إداري مُقنن، يأخذ الطابع العملي في ذلك النظام[2].

 ولعله لوحظ فيها خصوصية قصر كلماتها، ومختصر جملاتها في بعض المناسبات، أو التذييل الصادر للمكاتبة، في آخرها باسم المعصوم (عليه السلام)، أو بما يرمز له.

فحتى يتبين ذلك اقتضى بيان حقيقة تلك التوقيعات وتعريفها لغةً واصطلاحاً.

1-.التوقيعات لغةً: التوقيعات جمع توقيع؛ فإما أن يكون التوقيع مشتقاً من الوقوع، فهو مصدر مشتق من الفعل الثلاثي (وقَعَ)؛ لذا قيل: إنَّ التوقيع مشتقٌّ من الوقوع؛ لأنَّه سبب في وقوع الأمر الذي تضمَّنه[3].

وإما أن يكون مشتقاً من الإيقاع، أي إيقاع الشيء المكتوب في الخطاب أو الطلب[4].

 لذا قال الخليل: (التوقيع في الكتاب إلحاقٌ فيه بعد الفراغ منه، واشتقاقه من قولهم: وقَّعت الحديدة بالميقعة، وهي المطرقة، إذا ضربتها، وحمار موقَّع الظهر، إذا أصابته في ظهره دَبَرَة، والوقيعة نُقْرَة في صخرة، يجتمع فيها الماء، وجمعها وقائع)[5].

ويمكن أن يقال: (هو من الفعل الرباعي، وقَّعَ على وزن فعَّل، ومنه فعل أثَّرَ، فكأنَّه سُمّي توقيعاً؛ لأنَّه تأثير في الكتاب، أو لأنَّه سبب وقوع الأمر وإنفاذه، من قولهم: أوقعت الأمر فوقع)[6].

٢. التوقيع اصطلاحاً: قد سماه العلماء بالحديث المُكاتَب، وعرّفوه[7] بـ(أن يروي آخر طبقات الإسناد حديثاً عن توقيع المعصوم(عليه السلام)، مكتوباً بخط معلوم عنده جزماً أنه له(عليه السلام)، أو بإمضائه)[8]. أو (ما كان حاكياً عن كتابة المعصوم(عليه السلام) وخطه)[9].

وأما في البحوث القانونية فقد خصُّوا التوقيع (هُوَ أنْ يَكْتُبَ المَرْءُ اسْمَهُ بِعَلَامَةٍ خاصَّةٍ في ذَيْلِ الكِتابِ أوِ المُعاهَدَةِ أوْ نَحْوِ ذِلك، او هو تذييل على كتاب أو وثيقة بما يفيد الرَّأي فيه؛ ككتابة الشخص اسمه في مُحرر بالطريقة التي يتخذها عادة، موافقة على ما في هذا المُحَرَر)[10].

وأما في المخاطبات السياسية: التي تجري بشكل رسمي بين الرئيس والرعية، فتكون هي الكلمات القصار التي يكتبها الخليفة أو الأمير أو الوالي في آخر الكتاب المرفوع له، ويكون لفظاً موجزاً بليغاً، يحمل معنى وافياً بالمراد.

وما ينفعنا في المقام: التوقيع في المصطلح الروائي الصادر عن المعصوم(عليه السلام) . يُطلق التوقيع في لسان روايتنا طِبقاً للعرف السائد آنئذٍ، على الكلمات القصار التي تمليها أقلام الكبراء في ذيل الرسائل والعرائض ونحوها، لأجل جواب السؤال الذي تتضمّنه، أو حلّ المشكلة التي تحتويها، أو التعبير عن وجهة نظر معينة فيها.

إذن بالنتيجة فإنّ التوقيع هو: جوابٌ مكتوبٌ يُجيب به المعصوم(عليه السلام) على سؤال أو أسئلة ترد عليه، وربَّما يصدر ابتداءً من دون أن يسبق السؤال، أي عدم احتياج التوقيع إلى سؤال؛ لأنَّ التوقيعات الصادرة عنه(عليهم السلام) لم تكن مقتصرة على جواب الأسئلة، وإن كان الأغلب هو ذلك، بل كانت المكاتبات والتوقيعات على نحو بيانات، تتّخذ أحياناً شكل بيان ابتدائي يطول ويقصر حين تقتضي المصلحة ذلك، من دون سؤال يقتضيه ويتطلّبه، وهي في جميع ميادين المعرفة من الناحية العقائدية، والفقهية، والاجتماعية
ومنها ما جاء عن النبي الخاتم (صلى الله عليه وآله) والأئمة المعصومين (عليهم السلام)، كما سنذكر في تاريخيّة المكاتبات والتوقيعات بإذن الله تعالى.

المطلب الثاني: صور المكاتبات والتوقيعات، وحكمها، وآراء العلماء فيها:

ويقع الكلام في هذا المطلب على فروع:

الأول: وتنقسم المكاتبات والتوقيعات بحسب ورودها على صور:

الصورة الأولى: أن يكون راوي المكاتبة هو صاحبها الذي ورد جواب المعصوم (عليه السلام) إليه، كما في حديث أيوب بن نوح، قال: (كتبت إلى أبي الحسن الثالث (عليه السلام) أسأله عن المغمى عليه يوماً أو أكثر هل يقضي ما فاته أم لا؟ فكتب (عليه السلام): «لا يقضي الصوم ولا يقضي الصلاة)[11].

ثانيتها: أن يكون راوي المكاتبة غير صاحبها الذي ورد إليه الجواب، كما في حدیث ابراهیم بن مهزیار قال: كتب الخليل بن هاشم إلى أبي الحسن (عليه السلام): رجل سمع الوطء والنداء في شهر رمضان فظن أنّ النداء للسحور... فكتب (عليه السلام) بخطه (يقضي ذلك اليوم إن شاء الله)[12].

ثالثتها: أن یرد كتاب الإمام (عليه السلام) ابتداءً منه لا جواباً، كما في حديث أبي علي ابن أبي الحسين الأسدي عن أبيه، قال: ورد عليَّ توقيع من محمد بن عثمان العمري ابتداءً منه لم يتقدمه سؤال: «بسم الله الرحمن الرحيم، لعنة الله والملائكة والناس أجمعين على من استحل من مالنا درهماً)[13].

الثاني: حجية المكاتبات والتوقيعات وتنقسم إلى حيثيات ثلاث:

قد وقع الخلاف بين الفقهاء في حجية المكاتبات؛ فبينما ذهب جملة منهم إلى عدم حجيّتها، وبنى مشهورُ الفقهاء ومحدّثيهم على القول بالحجيّة، مؤكدين أنه لا فرق بينها وبين سائر الأحاديث الأخرى المروية عن المعصوم(عليه السلام) مشافهةً....[14]

الحيثية الأولى: الراوي قدم السؤال مكتوباً فجاءه الجواب مكتوباً؛ إنما الكلام يقع في البحث في حجية المكاتبات من حيث هي مكاتبة بلا توسط شخص بين راويها وبين المعصوم (عليه السلام) للفحص عن حاله.

ولا يثبت ذلك إلا أن يكون الجواب بخط المعصوم(عليه السلام)؛ ليعرفه الراوي فيخبر عنه. إن قلت: وهنا يمكن أن يرد احتمال أن هذه المكاتبات هي بوجود وسائط؟

قلتُ: وينتفي احتمال أن يكون الراوي قد اعتمد في نسبة المكاتبة إلى المعصوم (عليه السلام) على الرسول الجائي بالكتاب، أو على الشخص الذي ورد الجواب إليه إن لم يكن الراوي هو المُكاتب، فإنه خلاف ظاهر الكلام، وإنما الظاهر نسبة الكتاب إلى المعصوم (عليه السلام) بدون واسطة.

وما يشهد على ذلك؛ فهو نظير ما يرويه عنه (عليه السلام) مشافهة بلفظ: (قال) ونحوه، فإنّه ظاهر في نسبة المقول إليه بلا واسطة.

وقد استعمل لفظ (قال) عند الإخبار عن جواب الإمام(عليه السلام) في عدة من المكاتبات؛ ومما يتضح أن الكلام موجه للراوي صاحب المكاتبة مباشرة بلا واسطة[15].

فمنها: ما رواه علي بن الفضل الواسطي، قال: كتبتُ إلى الرضا (عليه السلام): رجل طلق امرأته الطلاق الذي لا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره، فتزوجها غلام لم يحتلم؛ قال (عليه السلام): «لا، حتى يبلغ».

فكتبتُ إليه: ما حدّ البلوغ؟

فقال(عليه السلام): (ما أوجب الله على المؤمنين الحدود)[16].

فإن جواب الإمام (عليه السلام) عن كلا السؤالين إنما كان بالمكاتبة، وأسند الراوي الحكم إليه بلفظ (قال)؛ لعدم الفرق بين المكاتبة والمشافهة في نسبة الحكم إليه (عليه السلام)، ولكن بقرينة (كتبتُ) في الرواية مرتين، وإلا لو كان جواب الإمام (عليه السلام) مشافهة، لما كتب إليه الراوي في المرة الثانية، بل لسأله مشافهة كما جردت عليه سيرة الرواة في بداية السؤال، بـ(سألته أو سألتُ) بذكر اسم الإمام (عليه السلام).

إن قلتَ: إنّ حصر جواب الإمام عليه بالمكاتبة، فيه مجازفة علمية؛ لاحتمال نقل الجواب مشافهةً للسائل خصوصاً والقرينة على هذا الاحتمال موجودة في متن الرواية، وهي كلمة (قال).

قلتُ: إنّ كلمة (قال) يفهم منها المشافهة، ويفهم منها نقل المكاتبة للآخر السامع، فإنّ الراوي كتب السؤال إلى الإمام (عليه السلام)، فجاءه الجواب مكتوباً، ثم هو بدوره ينقل جواب الإمام (عليه السلام) المكتوب للآخرين بلفظ (قال)؛ ليبين للسامع جواب الإمام (عليه السلام)، وهي ما جرت عليه السيرة في مخاطبات العقلاء عرفاً.

ومنها: ما جاء في بعض المكاتبات تأكيد من الراوي بقوله: (فكتب(عليه السلام) بخط)[17] كما في حديث إبراهيم بن مهزيار السابق[18].

ومثله حديث أخيه علي قال: كتبت إلى أبي جعفر الثاني (عليه السلام): أن الرواية قد اختلفت عن آبائك(عليهم السلام) في الإتمام والتقصير للصلاة في الحرمين... فكتب إليَّ بخطه...)[19].

وفي حديث العبيدي..(وقرأت الكتاب، والجواب بخطه (عليه السلام)...)[20].

هذا كلّه فيما إذا ورد الكتاب بلا واسطة وبخط المعصوم (عليه السلام).

الحيثية الثانية: من حيث هي مكاتبة بخط الإمام (عليه السلام) - وتقدم الكلام عن حديث المعصوم(عليه السلام)، حجة بما يكون متصلاً بلا واسطة بين المعصوم(عليه السلام) وراوي الحديث - وهذا نفسه جار في حيثية الإخبار عن خط المعصوم(عليه السلام)، فلا يكون حجة إلا إذا عاصره الراوي، أو ثبت له طريق معتبر إلى راوي المكاتبة الأول المعاصر للمعصوم(عليه السلام) كما في غير المكاتبات من سائر الأحاديث، وإلا ثبت الإشكال في حجيتها، إذْ يدور إخباره عن خط المعصوم (عليه السلام) بين أحد أمرين:

إما اعتماده على القرائن الموجبة لحصول الوثوق له بذلك، فيكون الإخبار حدسياً ناشئاً عن اجتهاد المخبر، فتختص حجيته به.

أو نقله عمّن عاصر المعصوم (عليه السلام)، فيكون الإخبار حسيّاً، لكنه مرسل؛ للجهل بحال الواسطة، فيجري على المكاتبة أحكام مراسيل الأحاديث، وأنّ كلا الأمرين يثبت الإشكال في الحجية!

ونحتاج في الإجابة عن الإشكال هذا بنقاطٍ؛ لبيان ما هو الملاك والمناط بأن يمكن لنا أن نجزم بأن نسبة الخط إلى المعصوم (عليه السلام) ؟ هو إن الملاك والمناط في ذلك، قد يحصل الوثوق للمنقول إليه بصحة نسبة الخط للمعصوم أو الراوي عنه بأمرين أساسين:

أحدهما: معروفية خط المعصوم (عليه السلام) وتثبت لقرب عصر الناقل لصاحب الخط؛ وقد ذكرتْ بعض الروايات أن الأصحاب قريبي العهد من المعصوم(عليه السلام) يعرفون خطه (عليه السلام)، ففي الحديث قال: حدثنا محمد بن إبراهيم بن إسحاق الطالقاني رضي الله عنه قال: (سمعت أبا علي محمد بن همام يقول: سمعت محمد بن عثمان العمري قدس الله روحه يقول: خرج توقيع بخط أعرفه...)[21].

وفي حديث سليمان بن أبي زينبة: (...فكتب(عليه السلام) إليَّ بخط أعرفه مع مصادف: يغتسل من جنابته ويتمّ صومه ولا شئ عليه).[22]

فعبارة (بخطٍ أعرِفُهُ) المتكررة كاشفة عن معروفية خطّه(عليه السلام)، وهو أمرٌ متداول بينهم.

ثانيهما: طريقة نقل المكاتبة بخط المعصوم (عليه السلام)، وهي من الطرق المتعارفة بين الأصحاب في نقل الرواية مثال: النسخة[23]، وهي الروايات المستنسخة عن خط المعصوم (عليه السلام)، وقد يثبت من خلالها معروفيّة خطه (عليه السلام) أو خط الراوي عنه (عليه السلام)، وذكر النجاشي في ترجمة عمر بن عبد الله بن يعلى الثقفي قال: (له نسخة يرويها عن أبيه، عن جده، عن أمير المؤمنين (عليه السلام))[24].

إذن كان الخط شائعاً بين الأصحاب معروفاً، ومتواتراً عندهم، يداً بيد، بحيث يكون الإخبار عنه (عليه السلام)، بمنزلة الإخبار الحسي، فيكون حجة في حق المنقول إليه كالناقل.

وكمثال على ذلك؛ في المكاتبات التي يرويها لنا الصدوق (المتوفى38١هـ) ونظائره، وهو ممن لم يعاصر المعصوم (عليه السلام)، فإن قوله (فكتب) (عليه السلام) أو (ووقَّع) أو(إن توقيعاته عندي بخطه) (عليه السلام).

ويأتي إشكال، وهو عدم المعاصرة؛ إن بين الإمام (عليه السلام) والشيخ الصدوق (قدس سره) عدم معاصرة؛ اذن يكون ذلك النقل؛ إنما نشأ عن حدس واجتهاد في أن ذلك الخط والتوقيع صادر عن المعصوم (عليه السلام)، وإما بتوسط راوٍ مجهول لنا، وعلى الأول يكون الإخبار حدسياً، وعلى الثاني يكون مرسلاً، ويسقط عن الحجية على كلا التقديرين ؟!

وجواب الإشكال: ويمكن أن يثبت ذلك بالوثوق أو التواتر اللذين أشرنا إليهما بطريقين: الأول: إنّ الواسطة معلومة ومقطوع بها، فإن الشيخ الصدوق الأب؛ هو أبو الحسن عليّ بن الحسين، فقيه، ومحدث، قد عاصر الإمام الحسن العسكري، والإمام المهدي(عليهما السلام)، وكان وكيلاً عنهما(عليهما السلام)، وهو مَحَلٌّ لاحترامهم؛ حيث كان الإمام العسكري (عليه السلام) يكاتبه ويخاطبه في رسائله بكلمات: (شيخي ومعتمدي وفقيهي)[25]، وبالتالي يمكن أن يكون الشيخ الصدوق الابن، قد ورث من أبيه هذه المراسلات والمكاتبات.
 الثاني: الأخذ عن طريق المشايخ، والأساتذة، وهو إنّ واقع تلك التوقيعات، أنها وصلت إلى الصدوق (قدس سره) وأخذها عن مشايخه وأساتذته؛ إذْ هو(قدس سره) يقول: (وكتب محمد بن الحسن الصفار إلى أبي محمد الحسن بن علي(عليهما السلام): كم حدّ الماء الذي يُغسَّل به الميت؟ فوقَّع (عليه السلام): حدّ غُسل الميت يُغسَّل حتى يطْهُر إن شاء الله تعالى). وقال الصدوق: (وهذا التوقيع في جملة توقيعاته عندي بخطّه (عليه السلام) في صحيفة)[26].

كونه هو(قدس سره) يصرّح بأنّ هذه التوقيعات والمكاتبات عنده من مشايخه بخط الإمام (عليه السلام)، وذلك حينما ذكر الحديث قال: (كَتَبَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الصَّفَّارُ (رضي الله عنه) إِلَى أَبِي مُحَمَّدٍ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ (عليه السلام):‌ رَجُلٌ أَوْصَى إِلَى رَجُلَيْنِ أَيَجُوزُ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يَنْفَرِدَ بِنِصْفِ التَّرِكَةِ وَ الْآخَرِ بِالنِّصْفِ؟

فَوَقَّعَ (عليه السلام): لَا يَنْبَغِي لَهُمَا أَنْ يُخَالِفَا الْمَيِّتَ، وَ يَعْمَلَانِ عَلَى حَسَبِ مَا أَمَرَهُمَا إِنْ شَاءَ الله)[27].

فذكر(قدس سره) في ذيل الحديث قائلاً: وَهَذَا التَّوْقِيعُ عِنْدِي بِخَطِّهِ(عليه السلام))[28].
لكنه صرح في مشيخة كتابه (الفقيه) بأنَّ ما رواه فيه عن محمد بن الحسن الصفار إنما كان بواسطة شيخه محمد بن الحسن بن الوليد، فالطريق معتبر ثابت هنا؛ وبكلا الطريقين، يثبت وصول خط المعصوم (عليه السلام) للشيخ الصدوق بطريقه الحسي، مع عدم المعاصرة.

وما يؤيد ذلك رواية هذه المكاتبة ايضا عن الشيخ الكليني عن شيخه محمد بن يحيى عن الصفار...)[29].

فيكون من الإخبار الحسي الشائع، الذي قلنا هو الضابطة في كون الخط خط المعصوم(عليه السلام). وممكن أن تأخذ المكاتبات حجيتها بهذه الضابطة من السيرة المتشرعة الممتدة من زمن الإمام المعصوم (عليه السلام) إلى زمان علمائنا كابراً عن كابر وجيلاً بعد جيل.

فائدة: وما جرت عليه العادة أيضاً في سيرة المتشرعة، كون الخط كان شائعاً، حيث يجري هذا حتى في معرفة خط أصحاب الكتب الناقلة لأخبار المعصومين (عليهم السلام)

والشاهد عليه: كتاب درست بن أبي منصور( كان حياً ١٨٣هـ)[30].

فقد قال المُحدِِِّث النوري (ت ١٣٢٠هـ)[31]: إن هذا الكتاب وغيره من الكتب التي وصلت إلى العلامة المجلسي (ت١١١١ه‍)[32] الذي قال: إنه أخذها من نسخة قديمة مصححة، بخط الشيخ منصور بن الحسن الآبي (ت٤٢١هـ) وهو نـقله - أبو منصور الآبي - من خط الشيخ الجليل محمد بن الحسن القمي (ت٣٤٣هـ)، وكان تأريخ كتابتها سنة (٣٧٤هـ)، يعني أخذها أبو منصور الآبي ونقلها في هذه السنة، وهو معاصر له، وذكر أبو منصور الآبي[33] أنَّ الشيخ محمد بن الحسن القمي، أخذها من خط الشيخ الأجل هارون بن موسى التلعُكبري (ت٣٨٥هـ)؛ وأول نسخة عُرفت للكتاب هي نسخة العلامة المجلسي، ومنها انتشرت النسخ [34].

إذن ما يمكن أن يستدل به؛ أنّ سلسلة وصول خط أبي منصور الآبي المتوفّى على أقل التقادير سنة (٤٢١هـ) إلى العلامة المجلسي المتوفّى (١١١١هـ)، والذي بينه وبين العلامة المجلسي (٦٩٠سنة) يكشف ذلك؛ عن حفظ الخطوط وطرق إيصالها، إلى يومنا هذا، وهوما يسمى بالمخطوطات وقد أصبح اليوم علماً مستقلاً.

ومن الجدير بالذكر أنّ نقل الإخبار عن خط سائر الرواة أيضاً أمر متعارف؛ اذْ إن خط الشيخ الطوسي (المتوفى ٤٦٠هـ) كان معروفاً إلى عصر ابن إدريس (المتوفى ٥٩٨هـ)، كخط بعض أعلامنا الذين قاربوا عصرنا، فثبتت حجية نقله عنه، على رغم المدة بين وفاة ابن إدريس، والشيخ الطوسي، وهي أكثر من مئة وخمسين عاماً، كما في إخبار ابن إدريس في مُستطرفات السرائر، ذكر عن خط الشيخ الطوسي قائلاً[35]: بعد النقل عن کتاب المشيخة: (تصنيف الحسن بن محبوب السرّاد)، وعن كتاب نوادر المصنفين (تصنيف محمد بن علي بن محبوب) فقال: (وهذان الكتابان بخط شيخنا أبي جعفر الطوسي(رحمه الله) مُصَنِّف النهاية)، فنقلتُ هذه الأحاديث من
خطه(قدس سره)[36]؛ لأن الأصحاب كانوا يحافظون على الكتب الروائية المسماة بالأُصُول، وكان قسم من تلك الأصول باقياً بالصورة الأولية إلى عهد ابن إدريس الحلّي؛ لذا قد استخرج من جملةٍ منها ما جعله مستطرفات السرائر، او إلى ما بعد زمن صاحب السرائر هذه السيرة جارية.[37]

حيث يذكر الشيخ الثقة المعروف بالمحدث عباس القمي (المتوفى ١٣٥٩هـ) (رحمه الله) في كتاب مفاتيح الجنان، دعاءً منقولاً (عن خط الشيخ الشهيد) المعروف بالشهيد الأول (المتوفى٧٨٦هـ).[38]

والنتيجة: حتى صار من الواضح في سيرة المحدثين وأرباب الحديث أن تناقل الخط أمرٌ متعارفٌ بينهم.

وهذا مما يوجب القطع في نفس من وصل إليه التوقيع، فضلاً عن الوثوق والاطمئنان بمعرفة خط المعصوم (عليه السلام).

الحيثية الثالثة: وهي إذا كان بإملائه(عليه السلام)، ولكن بخط غيره، فيكون في حجيته قولان:

القول الأول: الحجية لخصوص الكتابة بخطه(عليه السلام)، وأشار إليه الشيخ المامقاني بقوله: (.. وظاهر اعتبار كون الحجية للكتابة بخطه الشريف)[39].

القول الثاني: الحجية لعموم المكاتبة، حتى إذا كان بغير خطه مع كون الإملاء منه (عليه السلام) [40].

لكن البحث في حجية المكاتبة من حيث لو كان بخط غير المعصوم، وإملاء منه (عليه السلام)، فلابد في حجيتها من ثبوت كون الألفاظ المكتوبة من إملاء المعصوم (عليه السلام)، ويتوقف ذلك:

 أولاً: على وثاقة ذلك الكاتب ليؤمن من تصرفه فيما كتب، أو عرض كتابته على المعصوم (عليه السلام) بعد الفراغ منها.

ويمكن تحقق وثاقة الكاتب بالقول: ويصح بأنّ إسناد المعصوم (عليه السلام) إليه أمر كتابة الأحكام والإجابة عن اسئلتها كافٍ في ثبوت وثاقته.

ثانياً: على وجود واسطة ثقة يخبر راوي المكاتبة بأنها من إملاء الإمام(عليه السلام) ؛لأنه لم يك حاضراً في مجلس الكتابة ليسمع إملاءه(عليه السلام) وإلا لأخبرنا عنه مشافهة، ويغني عنه إخبار الكاتب الثقة في كتابته بأنها من إملائه(عليه السلام)، بشرط معرفة الراوي بخطه، ومعاصرته له ليمكن إخباره عنه حسّاً، أو وصول كتابته إليه بطريق معتبر[41].

والنتيجة: في حصيلة البحث عن حجية المكاتبات والتوقيعات يمكن القول: بأنه قد ثبت ان الحجية للمكاتبات والتوقيعات الصادرة من المعصوم بخطه (عليه السلام)
الثابت بالتواتر أو الاشتهار المفيد للقطع أو للوثوق والاطمئنان والواصلة إلى علمائنا الأعلام القريبين من زمن النص، ويجري ذلك إلى من جاء من بعدهم ممن لم يعاصر المعصوم ولكن وصله خطهُ (عليه السلام)، بنفس هذا التواتر، الشهرة.

ومما يُستدل عليه بالسيرة المتشرعية الممتدة من زمن الأئمة المعصومين (عليه السلام) إلى فترة علمائنا المتقدمين الذين يمكن القول بوصول خط الإمام المعصوم، إليهم أو معرفتهم لخطه (عليه السلام)، وتميزه عن غيره بالقرائن والدلائل المعتبرة والتي كانت متعارفة بينهم.

وأما التعامل مع المكاتبات والتوقيعات الصادرة بإملاء الإمام(عليه السلام) وبالشرطين السابقين، فهو حاله حال الروايات الصادرة بطريق معتبر بصحة سلسلة سند تلك المكاتبات والتوقيعات الحاصلة إلى علمائنا المتقدمين أيضاً.

وأما إلى زمننا الحاضر فنتعامل معها كونها خبر آحاد يجري عليه معرفة وثاقة رجال السند أو الوثوق بصحته بالقرائن والدلائل التي تثبت اعتبار ذلك السند.

المطلب الثالث: حقيقة المكاتبات والتوقيعات تاريخياً وبيان مراحلها:

توطئة: إن أهمية البحث في الجانب التاريخي في أصل وجود التوقيعات يثَبِت هذه الحقيقة، وإنّ التسالم التأريخي على وجودها بين أوساط العلماء والفقهاء، فضلاً عن عامة الشيعة والموالين، كونها الواسطة المهمة بينهم وبين أئمتهم ولمدة من الزمن ولضرورة من الضرورات التي دعت الحاجة إليها، وهنا سنذكر تأريخيتها؛ بمعنى الأيام الأولى للمكاتبات والتوقيعات والتسلسل الزماني لهذه الواسطة، والتي احتاجت لها العلاقة بين الأئمة (عليهم السلام) وشيعتهم.

 فإذا لاحظنا المكاتبات والتوقيعات بما هي أحداث ووقائع تاريخيّة فيمكن أن تكون بداياتها في زمن النبي محمد (صلى الله عليه وآله).

وما تجدر الإشارة إليه؛ ومن الشاهد على ذلك، هو ما في صُلح الحُديبية من السنة السادسة للهجرة، حيث أرسلت قريش رجالاً للتفاوض تباعاً وجس نبض المسلمين، وكان آخرهم سهيل بن عمرو، الذي ما أن رآه الرسول(صلى الله عليه وآله) حتى علم بنية قريش، وهي التفاوض، وبالفعل فقد تعاهد الطرفان وتصالحا، وتمّ عقد الصلح المعروف تاريخياً بصلح الحديبية، وكتب هذا الصلح الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وكان الرسول (صلى الله عليه وآله) هو من يملي عليه بنود المعاهدة والصلح[42].

وكذلك المكاتبات والرسائل التي أرسلها إلى الملوك والأمراء في
عصره(صلى الله عليه وآله)[43].

وإذا لاحظناها في مقام السُنة الحاكية عن الشّريعة، والتي تُأخذ منها الاحكام الشرعية وبما وصل إلينا بأسانيد ومتون، والتي يمكن أن نحاكمها بقواعد التصحيح والاعتبار.

إذْ إنّ أول شيوع الحديث المكاتب كبديل عن المشافهة بالسؤال في عهد الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، فقد روى الحافظ سعيد بن منصور بن شعبة الخراساني المكي: بسنده عن (حجاج قال: حدثني شيخ من فزارة قال: سمعت علياً يقول: الحمد لله الذي جعل عدونا يسألنا عما نزل به من أمر دينه؛ إنَّ معاوية كتب إلي يسألني عن الخنثى، فكتبت إليه: أن يورثه من قبل مَبَاله)[44].

والجدير بالذكر أن الأساس الملاحظ والمناط الذي به يؤرخ لاستحداث وسيلة لتلقي الأحكام الشّرعية ومعرفتها، من خلال الدواعي والأسباب - سياسية كانت، أو العزة بالإثم، كالشواهد المتقدمة، او كانت أمنية، بعد الظروف المتشددة من قبل السلطة وتكثيف وسائل المتابعة - مما أدى إلى اعتماد طريقة المراسلة الكتبية والاستعاضة بها عن المشافهة[45].

وعلى هذا الأساس تنقسم مدة المكاتبات والتوقيعات إلى مراحل ثلاث:

المرحلة الأولى: وهي مرحلة احتجاب الأئمة القسري من قبل السلطات الحاكمة وعزلهم (عليهم السلام) عن شيعتهم كما بدأ واشتد ذلك في زمان الإمام الكاظم(عليه السلام)؛ حيث سُجِنَ وأُبعد عن الاتِّصال المباشر بشيعته، سواء من خلال الإقامة الجبرية أو أيام حبسه (عليه السلام)، فلا يستطيع أن يُحدِّثهم ويُحدِّثونه، فاضطرَّ الشيعة إلى مكاتبته (عليه السلام)
لأخذ أحكامهم الشرعية بطرقهم الخاصَّة.

ومن الشواهد على ذلك مسائل علي بن جعفر لأخيه الإمام موسى بن
جعفر (عليه السلام)، حيث أفاد من علاقته النسبية التي تتيح له الاتصال المباشر والدخول على أخيه (عليه السلام)، فكان يسجل الإجابات لغرض إيصالها لشيعته.

وأمَّا الأئمَّة قبل الإمام الكاظم (عليه السلام) فقد كانوا مع الرواة يُحدِّثون عنهم بالمباشرة أو بواسطة راوٍ آخر، فكانت الروايات تأتي بعبارة: (قلت له)، أو (سمعت منه)، ولا يعني هذا أنَّهم (عليهم السلام) كانوا في سعة من العيش، وفسحة من العمل، غير مشدَّد عليهم، يعيشون بحرّيتهم، بل كانت الحال معهم بين مدٍّ من بحر الظلم وجزر، فيضيَّق عليهم تارةً بحيث لا يتمكَّن الرواة من الذهاب إليهم والأخذ عنهم، ويُفسَح لهم المجال تارةً أُخرى، وكأنَّ ذلك تبع للظروف المحيطة بالدولة، وإلَّا فالقاعدة الأوَّلية عند حُكّام بني أُميَّة وبني العبّاس بالنسبة لهم، هي التضييق والتشديد وإبعاد الناس عنهم، إلَّا أنَّ الظروف تتحكَّم في خطِّ السير كرهاً على الحُكّام.

إنّ أبا جعفر المنصور، وجه بإشخاص الإمام الصادق (عليه السلام) من المدينة إلى العراق، فلما سار إلى النجف توضأ للصلاة ثم قال: اللهم بك أستفتح وبك أستنجح، سهل لي حزونته ولين لي عريكته، وأعطني من الخير ما أرجو، وادرأ عني من الشر ما أخاف وأحذر. فلما دخل عليه قام إليه وأكرمه وبره وغلفه بيده وصرفه إلى منزله، وإنما كان أشخصه ليقتله رضي الله عنه[46].

حتى في حياة الإمام الرضا(عليه السلام)[47]، حيث حُكي له عدة مكاتيب ومراسلات مع أصحابه ورويت عنه(عليه السلام)، ومنها ما كتبه إلى محمد بن سنان في جواب مسائله عن علل الأحكام الشرعية[48].

وفي كتاب، العلل التي ذكر الفضل بن شاذان أنه سمعها من الرضا (عليه السلام) مرة بعد مرة وشيئاً بعد شيء، فجمعها وأطلق لعلي بن محمد بن قتيبة النيسابوري روايتها عنه عن الرضا، فإنها في الحقيقة من تأليف الرضا(عليه السلام)، فهو كالمؤلف الذي يملي على الكاتب[49].

وهكذا عاش الإمامان الجواد والهادي (عليهما السلام) حالة رقابية غير التي عاشها الإمام موسى بن جعفر(عليه السلام)، حيث قد حُدّدت الإقامة ضمن البلاط العباسي، مما ضيق على المعصوم وعلی شيعته وحرمهم من اللقاء المباشر معه[50].

المرحلة الثانية: هي مرحلة التوظيف الإيجابي للاحتجاب القسري والتخطيط الاستراتيجي للغيبة.

وقد بدأت في عصر زمان الإمامين الهادي وابنه العسكري (عليهما السلام)، وأصبح الاحتجاب جزءاً من التخطيط لغيبة الإمام المهدي (عليه السلام).

وأصبحت الحاجة إلى المكاتبات والتوقيعات ضرورية في زمان الهاديين العسكريين؛ لإبعاد الدولة لهما عن قواعدهما الإيمانية، ولاعتقالهم في محلِّ سكناهم، في السجن الصغير أو الكبير، ولتفرّق شيعتهم في البلدان البعيدة عن حاضرة الإمام ومحلِّ إقامته وقد ظهر بهذا وجود مسائل الرجال ومكاتباتهم للإمام الهادي(عليه السلام)، وللإمام العسكري(عليه السلام) خاصة، حتى صارت تُذكر بعنوان مسائل أبي محمد وتوقيعاته ، والجميع مشمول بعنوان الحديث المكاتب، كون الأسئلة والأجوبة تحريرية[51].

وهذا يقتضي أنّ المكاتبات والتوقيعات في حياة الإمام العسكري (عليه السلام) أكثر منها في حياة آبائه (عليهم السلام).

ويمكن أن يقال: ما الثمرات التي توخاها الإمام العسكري(عليه السلام) من التوقيعات؟

 الجواب: لقد جمع الإمام العسكري(عليه السلام) بين أمرين في هذه التوقيعات:

 الأول: هو العمل على عدم حصول خلل في حاجات شيعته الفكرية والروحية والمادية.

ومن هنا ندرك أن التوقيعات كلّها أو جلّها كانت تصدر عن الإمام العسكري، ولم نجدها في طريقة آبائه السابقين، لزيادة الاحتجاب عن شيعته، حتى كانوا يرونه كل اثنين وخميس حينما يخرج إلى البلاط العباسي[52].

ومما لا يخفى أنّ المناط في كثرة المكاتبات والتوقيعات، وجود ملازمة بين الاحتجاب والتوقيعات؛ فكلما زادت شدة الاحتجاب زادت الحاجة للتوقيعات، حتى كانت واضحةً في تلك الفترة، كون المكاتبة أو التوقيع الواحد يشتمل على مسائل عِدة؛ وما يدل عليه التوقيع الشريف لإسحاق بن يعقوب المتضمن لأكثر من ثلاثين سؤالاً، من جملتها جوابه على سؤال حول من الذي يُرجع إليه في الحوادث الواقعة[53].

والثاني: والأهم هو لتعويد الشيعة على ثقافة الغيبة، ويبدو أن أهم موقف من حياة الإمام العسكري(عليه السلام) والذي يوجب الوقوف عنده وما له من الأهمية بمكان، هو كونه آخر إمام ختمت به الإمامة الظاهرة، ليبدأ بعده عصر الغيبة الذي بدأت تباشيره وأوشك زمانه، لذلك وقع علی عاتق الإمام العسكري (عليه السلام) العبء الأكبر في ترسيخ مبدأ الغيبة وتأصيله في نفوس شيعته للحفاظ على مذهبهم المبارك، وحفظ عقيدة المؤمنين من الضياع والانهيار.

وقد استطاع إمامنا العسكري (عليه السلام) أن ينجز هذه المهمة الخطيرة بكل جدارة وقوة، فعُزل الإمام(عليه السلام) عن أصحابه وشددت الرقابة عليه، ومع ذلك وظَّف الإمام(عليه السلام) هذا الاتجاه واستطاع أن يهيىء ذهنية شيعته لتقبل عصر الغيبة.

ويمكن أن نقول: بمجيء مرحلة جديدة اشتد فيها احتجابُ الإمام العسكري(عليه السلام)، وكانت من الاحتجاب المقصود من قبله (عليه السلام)، ضمن تخطيط للغيبة؛ لذا فمن مواقفه (عليه السلام) تجاه الغيبة هو احتجابه عن الناس إلا عن خاصة أصحابه، وإِیکال تبليغ الأحكام والتعليمات إلى أسلوب المكاتبات والتوقيعات بينه وبين أصحابه، وإرجاء حاجاتهم إلى عدد من خاصته ووكلائه؛ لأنه (عليه السلام) كان يعلم أن المنهج لابنه المهدي (عليه السلام) في غيبته الصغرى سيسير إلى هذا النسق؛ وهو أمر - كما قلنا- قد يبدو غريباً على الأذهان؛ اذا بدأه الإمام المهدي (عليه السلام) بدون سابقة، ولعل مضاعفاته غير محمودة، تنتج من استغراب الناس من ذلك، إذن فلابد من اتخاذ منهج خاص لتهيئة الذهنية العامة لاستساغة هذا الأسلوب وحسن تقبله.

وهذا الأسلوب ذاته الذي اتبعه ولده المهدي(عليه السلام) في عصرالغيبة، وهو الاحتجاب عن الناس واتخاذ الوكلاء الذين يختارهم من خاصته، والاتصال بأصحابه عن طريق المكاتبات والتواقيع التي صارت هي السمة البارزة بين الإمامين العسكري وولده المهدي(عليهما السلام) وبين شيعتهم.

وما يجدر الإشارة إليه؛ حيث أكد الإمام العسكري (عليه السلام) على اشتهار معرفة خطه في الكتابة بين أصحابه؛ ولأجل ذلك يدخل عليه أحمد بن إسحاق، وهو من خاصته، فيطلب إليه أن يكتب لينظر إلى خطه فيعرفه عند وروده؛ ليكون آمناً من التدليس والتزوير.

فيكتب له الإمام(عليه السلام) في ورقة، ثم يلفت نظره إلى احتمال تغير القلم في
كتاباته (عليه السلام)، قائلا: (يا أحمد، إنّ الخط سيختلف عليك ما بين القلم الغليظ والقلم الدقيق فلا تشكن[54]).

ومن الجدير بالذكر أيضاً؛ أنَّ من أهم وسائل الربط بين زمن الإمامة الحاضرة والغائبة هو أسلوب توحيد الخط بين الإمامين (عليهما السلام).

نعم، كان الواصل من التوقيعات الصادرة عن الإمام المهدي(عليه السلام) هي أكثر مقارنةً بما صدر عن آبائه وأجداده(عليهم السلام)،
كما ذكرنا أن المناط فيها هو كلما زاد الاحتجاب زادت الحاجة للتوقيعات، فما بالك في زمن الغيبتين الصغرى والكبرى.

إذن، هذا يدلل على أنّ اعتماد الإمام المهدي (عليه السلام) طريقة المراسلة الكتبية والاستعاضة بها عن المشافهة هي عينها التوقيعات.

المرحلة الثالثة: في تاريخية التوقيعات هي مرحلة الاحتجاب التام والاعتماد الذاتي على ركنين أساسين:

الأول: السفراء والوكلاء كانوا سمة بارزة بحركة الإمام العسكري(عليه السلام) المباركة.

الثاني: هو المكاتبات والتوقيعات بما هي الواسطة المهمة والأصل في تواصل الإمام (عليه السلام) مع شيعته ومواليه.

وقد توخى الإمام المهدي (عليه السلام) أن تصدر بياناته بنفس الخط الذي كانت تصدر به بيانات أبيه (عليه السلام)، وأنّ خط الإمام العسكري(عليه السلام) معروف لدى جملة من قواعده الشعبية، ومن خاصتهم ومبرزيهم، وقد ذكرنا كيف أن أحمد بن إسحاق، وهو من خاصة أصحاب الإمام العسكري (عليه السلام)،
عند مقابلته طلب منه أن يكتب شيئاً في ورقة حتى يطابقه مع التوقيعات الصادرة منه (عليه السلام)؛ لأجل أن يامن التزوير.

وقد استعمل الإمام المهدي(عليه السلام) نفس الخط طيلة فترة الغيبة الصغرى.

وإن قلت: ما الدليل على اتحاد خط الإمام المهدي (عليه السلام) مع خط أبيه (عليه السلام)؟

قلت: يُستدل عليه بوجوه:

الوجه الأول: الأمر العقلائي القائم على أساس استمرار الخط الذي يخرج عن طريق السفراء، هو نفسه الذي كان يخرج عن طريق الإمام العسكري (عليه السلام)، فهو لا يختلف باختلاف السفراء، مما يحصل القطع واليقين بصدوره عن الإمام المهدي (عليه السلام)؛
لأن استعمال الخط في معرفة صاحبه أمر عقلائي متسالم عليه بين العقلاء، فإن احتمال تزويره من خلال السفراء محال، فإن ثبت من أحدهم فيكون التزوير من مجموعهم محالاً لا عادةً.

الوجه الثاني: السيرة المتشرعية الممتدة من زمن الإمام العسكري وحتى في زمن الغيبة الصغرى، فقد كانت الأجوبة التي تخرج من الناحية المقدسة بالخط الذي يخرج في حياة الإمام العسكري(عليه السلام)[55]، ولسبق معروفية هذا الخط عند الأصحاب والمتشرعة، فيلزم صدق السفراء وأمانتهم، وبسبب خروج وحدة الخط بين الإمام العسكري وولده الإمام المهدي(عليهما السلام)، فيكون هو أقوى قرينية من صدق السفراء أنفسهم، علاوة على كون السفراء هم من الأصحاب المؤتمنين بين العامة والخاصة، وما يدل على وثاقتهم ما قد بذله الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) من جهود مضاعفة في تقوية الارتباط بين العمري والأمة وتوثيقه في محافل عديدة تمهيداً لأمر الغيبة، كقوله (عليه السلام) للوفد اليمني: (اشهدوا على أن عثمان بن سعيد العمري وكيلي، وأن ابنه محمداً وكيل ابني مهديكم)[56].

الوجه الثالث: الجانب الوراثي عرفاً وعادةً قابل لتشابه خط الوالد والولد، فهو كما يحمل الولد من أبيه بعض ملامح الوجه والبدن، فيمكن أن يحفظ الخط بهذا المعنى.

الوجه الرابع: تدخل العناية الالهية لحفظ المصالح العُليا، وهي التي يتوقف عليها حفظ العقيدة، وسلامة إيمان المجتمع وعدم انزلاق أغلب أبنائه في شبهة تزوير الخط، وهذا يغلق الطريق على المزورين والمنتحلين، فإن توارث الخط لمعروفيته بين الشيعة، إذْ لا يمكن لأحد أن يزوره فينفضح أمره في الحال.

ومع إمكان التزوير ينفتح للشبهات مجال كبير، فما دامت المصلحة مهمة تمس العقيدة والمجتمع المسلم وإقامة الحجة على الحق، وهي مصالح ملحوظة لله عزّ وجلّ، في هدايته لخلقه، فكان من مقتضى حكمته الأزلية، أن يعطى المهدي (عليه السلام) قدرةً في تكييف خطّه على شكل خط أبيه متى احتاج الأمر إلى ذلك، ولو كانت هذه القدرة بسبب إعجازي، خارج عن مجرى القوانين الطبيعية.

 اذن نعرف بأحد هذه الوجوه، إمكان مشابهة خط الإمام المهدي لخط
أبيه(عليهما السلام)، فكانت التوقيعات والبيانات تخرج على يد السفير الأول بالخط الذي كانت تخرج على يده أو على يد غيره من الوكلاء في زمن الإمام العسكري عنه (عليه السلام).

وحين مضى السفير الأول إلى ربه عزّ وجلّ، واضطلع الثاني بمهامه، كانت الكتب تخرج عنه بنفس الخط الذي كانت تخرج أيام سلفه.

ومن الشواهد على وحدة الخط بين الإمامين عليهما السّلام؛ حيث يذكر الشيخ الطوسي في كتاب الغيبة عن عبد الله بن جعفر الحميري: لما مضى (تُوفيّ) ابوعمرو عثمان بن سعيد، أتتنا الكتب بالخط الذي كنا نُكاتَب به (من قبل الإمام المهدي (عليه السلام)) بإقامة أبي جعفر( محمد بن عثمان العمري) رضوان الله عليه مقامه (مقام أبو عثمان بن سعيد العمري)[57].

وبإسناد عن محمد بن إبراهيم بن مهزيار الأهوازي يقول خرجَ إليه (توقيع) بعد وفاة أبي عمرو: (والابن وقاه الله لم يزل ثقتنا في حياة الأب رضى الله عنه وأرضاه ونضَّر وجهه، يجري عندنا مجراه ويسد مسدَّه، وعن أمرنا يأمر الابن وبه يعمل تولاه الله، فانْتَهِ إلى قوله وعرف معاملتنا ذلك)[58].

إلى حدّ أصبح هذا معروفاً واضحاً، فيعبر ويقال: إنّ هذا التوقيع بخط مولانا صاحب الدار، يعني الإمام المهدي(عليه السلام)[59].

نعم، بقي الخط محفوظاً في عهد السفيرين الأخيرين أيضاً إلى نهاية الغيبة الصغرى، حيث نرى أنّ السفير الرابع علي بن محمد السمري يُخْرِج قبل وفاته بأيام توقيعاً من الإمام المهدي (عليه السلام) يعلن فيه انتهاء الغيبة الصغرى، وعهد السفارة بموت السمري سنة (٣٢٩هـ)، ويمنعه الإمام المهدي (عليه السلام) من أن يوصي بعد موته إلى أحد ليكون سفيره بعده، فيقول (عليه السلام) في التوقيع الأخير:

 بسم الله الرحمن الرحيم، يا علي بن محمد السمري أعظم الله أجر إخوانك فيك: فإنك ميت ما بينك وبين ستة أيام فاجمع أمرك ولا توص إلى أحد فيقوم مقامك بعد وفاتك، فقد وقعت الغيبة التامة، فلا ظهور إلا بعد إذن الله تعالى ذكره، وذلك بعد طول الأمد وقسوة القلب وامتلاء الأرض جوراً، وسيأتي شيعتي من يدعي المشاهدة، ألا فمن ادعى المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة فهو كذاب مفتر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

قال: فنسخنا هذا التوقيع وخرجنا من عنده، فلما كان اليوم السادس عدنا إليه وهو يجود بنفسه، فقيل له: من وصيك من بعدك؟ فقال: لله أمر هو بالغه، وقضى فهذا آخر كلام سمع منه رضي الله عنه وأرضاه.

وكان أيضاً هذا آخر خطاب خرج من الإمام المهدي (عليه السلام) عن طريق السفارة الخاصة وآخر ارتباط مباشر بينه وبين الناس في الغيبة الصغرى[60].

ويمكن أن يقال: حصيلة ما تقدم بوجود ارتكاز متشرعي، أنّ خط الإمام المهدي(عليه السلام)، كان معروفاً إلى وقت الغيبة الكبرى وفي بداياتها، حيث بقيت تلك التوقيعات الصادرة من الإمام(عليه السلام) بين المتشرعة، إذْ تُعتبر التوقيعات عملاً من أعمال الإمام (عليه السلام) وتكليفاً من تكاليف هداية الأمة، باعتباره بخطه، وبمعناه، فإن الذي يكتبه(عليه السلام). حل لمشكلةٍ أو جواب على سؤال، أو بيان لمصلحةٍ، صدرت وعالجت ظروفاً وحالات ووقائع معينة؛ فهي متداولة بين أيدي من وصلت إليهم عن طريق السفراء والوكلاء والعلماء، الذين قاربوا عصر الغيبة الكبرى، وما يدل على إمكان ذلك، فقد سبق وأن ذُكر أنّ خط الإمام العسكري (عليه السلام)، فضلاً عن خط ولده المهدي (عليه السلام)، قد وصل إلى الشيخ الصدوق الابن محمد بن علي بن بابويه القمي
(ت ٣٨١هـ)، ففي ذيل الحديث قال(عليه السلام):
(وَهَذَا التَّوْقِيعُ عِنْدِي بِخَطِّهِ (عليه السلام)).

المبحث الثاني: مصادر التوقيعات الصادرة بشأن الشيخ المفيد، وأقوال العلماء فيها:

المطلب الأول: المصادر الناقلة للتوقيعات:

صَدرت التوقيعات المباركة في زمان الغيبة الكبرى، في القرن الخامس تحديداً هي حقبة، حياة الشيخ المعظم المفيد أعلى الله مقامه، وبحسب المصادر التي ذكرت تلك التوقيعات ونقلها علماؤنا المتقدمون وورَدَتْ إلينا في القرن السادس، ويظهر من المصادر التي ذكرتها أن الأمر واضح الاشتهار باعتبار تعدد تلك المصادر، ويُعَدُ ذلك كاشفاً عن تلك الشهرة والمعروفية حتى صارت في متناول يد العلماء.

وقد وصلتنا التوقيعات الصادرة بشأن الشيخ المفيد(قدس سره)، ووسنتناولها في البحث بحسب المصادر :

المصدر الأول: فمن تلك المصادر التي نقلت التوقيعات؛ كتابُ الاحتجاجِ، إذ نقلَ الشيخُ الطبرسيّ رسالتينِ منَ الناحيةِ المُقدّسةِ (عجّلَ اللهُ فرجَه) إلى الشيخِ المُفيد (رضوانُ اللهِ عليه)[61].

إذْ هو أشهر المصادر التي ذكرت التوقيعات، ونقل علماؤنا عنها.

وإنّ طريق الشيخ الطبرسي للشيخ المفيد (قدس سره) هو السيد مهدي بن الحسن بن أبي الحرب المرعشي، وقد ذكره الشيخ الطبرسي أنه من أساتذته ومن مشايخه في الإجازة، وقد وصفه بالعالم العابد العادل الموثق. عدّه المحقق الوحيد البهباني (من أجلاء الطائفة، وهو يروي عن الشيخ المفيد(قدس سره)
بواسطة الشيخ جعفر الدوريستي)[62]
.

المصدر الثاني: ومن المصادر التي نقلت التوقيعات إلينا، كتابُ الخرائجِ والجرائح؛ نقلَ الشيخ قطبُ الدينِ الراونديّ المتوفّى٥٧٣ هـ [63]؛ مقطعاً من الرسالة الأولى، ومِن الرسالةِ الثانية مقطعاً آخر، فقد ادرج احداهُما في الأخرى.

 إن قلتَ: لماذا لم يذكر قطب الدين الراوندي نص الرسالتين كاملاً، ولعلها وصلت التوقيعات له ناقصة؟

قلتُ: إنّ الراونديّ في نُسخةِ الخرائجِ، قد ذكر قطعاً من التوقيعات قاصداً ذلك ؛ لأنه لم يكن في مقام بيان ذكر التوقيعات بما هي أو شرحاً لها، وإنما ذكرها محل شاهد كونها جزءاً من باب معجزات محمد وأوصيائه صلى الله عليه وعليهم أجمعين من جهة الأخلاق، وكيف كانت أخلاق الإمام المهدي(عليه السلام) مع شيعته، وإعانته في بقاع الأرض للمكروبين، ولمن يستغيث به في بر وبحر[64].

ويروي الشيخ الراوندي عن الشيخ المفيد بطريقين:

١. أبو البركات محمد بن إسماعيل الحسيني المشهدي (متوفى ٥٤١ هـ)، وهو المعروف بالإمام السيد ناصح الدين أبي البركات، يروي عن الشيخ المفيد بواسطة الفقيه الشيخ الدُوريستي[65].

وما ينفعنا في المقام: أنّ طريق الراوندي إلى الشيخ المفيد بشهادة قول الراوندي، حيثُ (قال القطب الراوندي في الخرائج: أخبرنا السيد أبو البركات محمد بن إسماعيل المشهدي عن الشيخ جعفر الدوريستي عن المفيد)[66].

وما ينفعنا في المقام؛ هو البناء على المنهج الحديثي في (تجريد الأسانيد)؛ فإن قُطب الدين الراوندي قد أثبت في كتابه (الخرائج والجرائح) طريقه المتصل إلى الشيخ المفيد(رحمه الله)، حيث صرّح في كتابه بقوله: (أخبرنا السيد أبو البركات محمد بن إسماعيل المشهدي، عن الشيخ جعفر الدوريستي، عن الشيخ المفيد (قدس سره).

وعليه، فيمكن أن نفهم: إن ما يورده الراوندي في طيات كتابه من روايات تؤول إلى الشيخ المفيد - وإن ذُكرت بصيغة الإرسال اختصاراً - لا تُعدّ من المراسيل الضعيفة؛ لأنها تستند في حقيقتها إلى هذا الطريق الصحيح إلى الشيخ المفيد المتصل بالمعصوم كما هو واضح من سلسلة الأسانيد[67].

٢. والطريق الآخر للشيخ الراوندي إلى الشيخ المفيد، فهو يروي عن الشيخ أبي القاسم بن كميح،، عن الشيخ جعفر الدُوريستي، عن الشيخ المفيد، فهو يروي الطريقين عنه(قدس سره) بنفس الواسطة المباشرة، هو الشيخ جعفر الدُوريستي عن الشيخ المفيد.[68]

المصدر الثالث: يمكن ان يكون مصدراً، وطريقاً لذكر التوقيعات، وأن كان، ليس طريقاً مباشراً وانما تلويحاً لها عن اصل وجودها حيث أشار ابنَ شهرِ آشوب المازندراني المتوفّى (٥٨٨هـ)؛ في كتابه، معالمِ العلماء[69] في ترجمة الشيخ المفيد، قائلاً (ولقبه بالشيخ المفيد صاحب الزمان صلوات الله عليه وقد ذكرتُ سبب ذلك في مناقب آل أبي طالب) والظاهر كان يقصد سبب التسمية الذي ذكره الإمام (عليه السلام) في التوقيعات، وهو ما وردَ في التوقيعِ الأول) للأخِ السديدِ، والوليّ الرشيد، الشيخِ المُفيد).

المصدر الرابع: وهو يمكن أن يكون طريقاً، لكنه طريق بالواسطة، ما نقله الشيخُ يوسف البحرانيّ في كتابه لؤلؤة البحرين[70] قائلاً: وذكرَ الشيخُ يحيى بنُ بطريق الحليّ في رسالةِ نهج العلومِ إلى نفي المعدوم طريقينِ في تزكيةِ الشيخ المُفيد: أحدهما: صحة ُ نقله عن الأئمةِ الطاهرينَ بما هو مذكورٌ في تصانيفِه منَ المُقنعةِ وغيرِها. إلى أن قالَ: وأمّا الطريقُ الثاني في تزكيتِه: ما ترويهِ كافّة الشيعةِ وتتلقّاهُ بالقبولِ، من أنّ صاحبَ الأمرِ (صلواتُ اللهِ وسلامُه عليه وعلى آبائه) كتبَ إليه ثلاثةَ كتبٍ، في كلِّ سنةٍ كتاباً… ثمّ قال: وهذا أوفى مدحٍ وتزكية، وأزكى ثناءٍ وتطرية بقولِ إمامِ الأمّةِ وخلفِ الأئمّة، انتهى.

ومن الواضح أنه يجزم بأن الكتب والمراسلات ثلاثة يكشف كونه مطلعاً عليها جازماً بها قد استفاد منها في بحوثه وآرائه والاستدلال فيها كونه مفروغاً من وجودها وصحة صدورها، خصوصاً كون ابن البطريق عالماً فذاً في زمانه كما سنذكر.

 وما ينبغي التنبيه ُ إليه أمور:

منها: إنه يوجد فرق بين أنّ الإمام المهدي(عليه السلام) لقبه بلقب المفيد، وبين من سماه بالمفيد، فإنّ النتيجة واحدة، ولكن من الذي وضع التسمية بالمفيد، ومن الذي استعمل التسمية.

ويمكن أن يقال: إنّ الذي وضع التسمية هو أستاذه علي بن عيسى الرماني، وإنما الإمام المهدي (عليه السلام) استعمل التسمية في رسالته المعروفة، مما أعطى تأكيداً وتثبيتاً للّقب ومما أعطى لهذه التسمية – بالمفيد – زخماً جعلها الأبرز من بين التسميات والألقاب الأخرى التي كان يتمتع بها شيخنا المفيد (قدس سره).

وبحسب التتبع ما وجدت من علمائنا السابقين أو اللاحقين من أدعى انه لقبه الإمام بلقب سوى الشيخ المفيد لُقِّبَ بهذا اللقب، وأكد عليه وثبته له (عليه السلام) إلى يومنا هذا.

ومنها: ذكر بعض في بحث التوقيعات[71] أنّ الشيخ الطبرسي أخذ التوقيعات من ابن بطريق في كتابه نهج العلوم إلى نفي المعدوم، وهذا ليس بصحيح؛ وذلك كون الشيخ ابن بطريق هو يحيى بن الحسنِ بنِ الحُسين الحليّ الربعيّ المعروفِ بابنِ بطريق، صاحب كتاب عُدة عيون صحاح الأخبار وغيرها، كانَ منَ الفقهاءِ، ولدَ سنةَ ٥٣٣هـ، وهي بعد سنة وفاة الطبرسي بثلاث سنين، على بعض الأقوال في أنّ سنة وفاته ٥٣٠هـ).

 ويعد ابن بطريق من تلامذة ابن شهر آشوب، بمعنى هو من تلامذة تلامذة الطبرسي، فكيف يروي عنه، فهذا بعيد!!

وأما كتابُه نهجُ العلومِ يُعدُّ منَ الكتبِ المفقودةِ في هذا الزمان.[72]

ومنها: يمكن اتحاد الطريق بين الأعلام الثلاثة، وهم: أ- ابن البطريق، ب- ابن شهر آشوب، ج- الشيخ الطبرسي، د- قطب الدين الرواندي، باعتبار أن الشيخ الطبرسي والشيخ الراوندي هما مشايخ الأجازة لابن شهرآشوب، وهو يروي عن كليهما، وقد صرح بذلك في كتابه معالم العلماء بقوله: شيخي أحمد بن أبي طالب، وفي قطب الدين الراوندي أيضاً، قال: شيخي أبو الحسين سعيد بن هبة الله الراوندي[73]، وابن شهرآشوب هو شيخ يحيى بن الحسن بن البطريق. إذن سلسلة السند واضحة بين الثلاثة، والواسطة فيها هو ابن شهرآشوب.
ومنها: القول إنّ الشيخَ الطبرسي، وهوَ مِن أعلامِ القرنِ السادسِ الهجريّ، لم ينفرِد بهذهِ التوقيعات؛ إذ تقدّمَ أنّ ابنَ بطريق المتوفّى (سنةَ ٦٠٠هـ) أشارَ لها وذكرَ قطعاً مِنها في رسالةِ نهجِ العلوم.

وذكرها الحر العاملي والعلامة المجلسي(رحمه الله) في باب مستخرج من
توقيعاته (عليه السلام)[74].

وبهذا يظهرُ وجهُ بطلان قول البعضُ ـ مِن أنّ هذهِ التوقيعات مصدرُها الوحيدُ الذي نقلَ عنه الجميعُ بحسبِ الظاهرِ هوَ كتابُ الاحتجاج؛ إذ تبيّنَ أنّ الطبرسيّ لم ينفرِد بها، بل نقلَها غيرُه أيضاً، نعم هوأقدم المصادر وأشهرها؛ لذا صار محلاً للأخذ والرد والمناقشة.

ومنها: وفي مقام معرفة عدد الرسائل المرسلة يمكن الجمع بين مدلولي كلام الشيخ الطبرسي، والشيخ ابن البطريق، فيكون واضحاً أنّ الإمامَ ((عج) أرسلَ إليه ثلاثَ رسائلَ، حيث ذكر ابن البطريق في كلامه (كتبَ إليه ثلاثةَ كتبٍ، في كلِّ سنةٍ كتاباً)، ويفهم منه ما يدلُّ على أنّ هذهِ الرسائلَ وصلَت في ثلاثِ سنينَ متوالية؛ وذكر الشيخُ الطبرسيّ في كتابِ الاحتجاجِ كتابينِ مِنها، وعندَ مُراجعةِ الرسالتينِ في الاحتجاج، نجدُ أنّ الرسالةَ الأولى مؤرّخة بسنةِ (٤١٠ هـ)، والأخرى مؤرّخة بسنةِ (٤١٢ه‍)، ومُقتضى الجمع بين الكلامين يثبت أنّ الرسالةَ الثالثةَ كانَت في سنة (٤١١هـ)، وهي السنة ما بين سنتي (٤١٠ - ٤١٢) التي تتخلل بين السنتين المذكورتين في كتاب الاحتجاج.

إن قلت: ما الوجه الذي جعل أكثر العلماء ينقلون التوقيعات من كتاب الاحتجاج دون غيره، مما فتح باب أنه المصدر الذي انفرد بذكر التوقيعات؟

قلتُ: الوجه في قبول الأصحاب التوقيعات من كتاب الاحتجاج وإكثار النقل عنه هو أولاً: وجود طريق يتصل بالشيخ المفيد بواسطتين كما ذكرتا بحسب المصدر، والطريق متصل بمشايخ الشيخ الطبرسي إلى الشيخ المفيد.

ثانياً: وصول الكتاب إلينا وعدم وصول الكتب الأخرى مثل كتاب ابن البطريق.

ثالثاً: أوضح طريق وصل إلينا للشيخ المفيد (قدس سره) هو طريق الشيخ الطبرسي؛ لتصريحه في مقدمة كتاب الاحتجاج أنه يروي عن أبي جعفر مهدي بن الحسن بن أبي حرب الحسيني المرعشي، وهو بدوره يروي عن الشيخ المفيد بواسطة أبي جعفرالدُوريستي.

رابعاً: التلازم بين شهرة التوقيعات وقول الشيخ الطبرسي الذي ذكره في مقدمة الجزء الأول من كتاب الاحتجاج[75]: (ولا نأتي في أكثر ما نوردُه منَ الأخبارِ بإسنادِه؛ إمّا لوجودِ الإجماعِ عليه، أو موافقتِه لِما دلّت العقولُ إليه، أو لاشتهارِه في السيَرِ والكتبِ بينَ المُخالفِ والمؤالف، إلّا ما أوردتُه عن أبي محمّدٍ الحسنِ العسكريّ(عليه السلام)، فإنّه ليسَ في الاشتهارِ على حدّ ما سواه... إلى آخره.

 خامساً: كتاب الاحتجاج أقدم المصادر التي نقلت التوقيعات كاملةً، على اعتبار أن كتاب الخرائج والجرائح قد نقل قطعاً من التوقيعين المباركين.

ويمكن ان يقال: ومن خلال ذلك نستفيد أنّ الكتاب بمجموعه موضع اعتماد الأعلام والباحثين، بالرغم من أن أكثر أحاديثه مراسيل، إلا أن الثقة الكبيرة التي يتمتع بها الكتاب ومؤلف الكتاب، تلك الثقة التي أورثت الوثوق والاطمئنان وزرعت في نفوس المؤلفين الاعتماد عليه، والنقل عنه، والأخذ منه، دون النظر لأسانيد الأخبار والأحاديث؛ لذا رُجح كتاب الاحتجاج للشيخ الطبرسي وعد أشهر وأقدم مصدر لهذه التوقيعات دون غيرها من المصادر والطرق التي ذكرناها.

المطلب الثاني: الأقوال في المسألة بين الإثبات والنفي والقرائن المؤيدة لها:

ويقع الكلام في إثباتها أو نفيها على قولين:

القول الأول: وهو القول بالإثبات، وهو المشهور، بل وعليه الإجماع ولا خلاف للعلماء على هذا القول؛ وهو ثبوت صدور هذه التوقيعات من الإمام المهدي(عليه السلام)
وهو ما ذهب إليه جملة من العلماء إضافة للطبرسي والراوندي وابن شهر آشوب وابن البطريق قد تلقوا هذه التوقيعات بالقبول؛ بل نسب ابن البطريق روايتها وقبولها إلى كافة الشيعة
.

وذهب إلى هذا القول من المتأخرين المحدث البحراني (ت١١٨٦ﻫ)[76] والسيد بحرالعلوم (ت١٢١٢هـ)[77] والمحقق الكاظمي (ت١٣٤٨هـ)[78] والمحدث النوري (١٣٢٠هـ)، في خاتمة المستدرك[79]، وفي مقابس الأنوار أسد الله التستري (ت١٢٣٤ﻫ)، بل ونسبته إلى الإجماع المنقول أيضاً.

ولم نجد من خالف في هذه الحقيقة، ولا أقله في القرن الخامس لم يسجل أي اعتراض، ولو كان لبان.

وما يؤيد القول بإثبات صدور التوقيعات أمور:

منها: ما أفاده الشيخ الطبرسي في مقدمة كتاب الاحتجاج: (ولا نأتي في أكثر ما نورده من الأخبار بإسناده إما لوجود الإجماع عليه، أو موافقته لما دلّت العقول إليه، أو لاشتهاره في السِيَر والكتب بين المخالف والمؤالف، إلا ما أوردته عن أبي محمد الحسن العسكري (عليه السلام) إنه ليس في الاشتهار على حد ما سواه، وإن كان مشتملاً على مثل الذي قدمناه، فلأجل ذلك ذكرت إسناده في أول جزء من ذلك دون غيره؛ لأن جميع ما رويت عنه (عليه السلام) إنما رويته بإسناد واحد من جملة الأخبار التي ذكرها (عليه السلام) في تفسيره)[80].

ومنها: كلام السيد بحر العلوم كمعالجة لمشكلة الإرسال أولاً، وجهالة الواسطة التي نقلت التوقيع إلى الشيخ المفيد ثانياً، ودعوى الواسطة المشاهدة المنفية بعد الغيبة ثالثا، فقال:

 أولاً: ويمكن دفع الإرسال باحتمال حصول العلم بمقتضى القرائن.

وثانياً: اشتمال التوقيع على الملاحم والإخبار عن الغيب الذي لا يطلع عليه إلا الله وأولياؤه بإظهاره لهم.

ثالثاً: وإن المشاهدة المنفية أن يشاهد الإمام ويعلم أنه الحجة (عليه السلام) حال مشاهدته له، ولم يُعلم من المبلّغ ادعاؤه لذلك[81].

ومنها: قد نقل المحقق الكاظمي والمحدث النوري الإجماع المنقول على ذلك، قال أولهما: (المفيد شيخ مشايخ العظام- إلى قوله- صاحب التوقيعات المعروفة المهدويّة المنقول عليها إجماع الإمامية، والمخصوص بما فيها من المزايا، والفضائل السنية، وغيرها من الكرامات الجلية والمقامات العلية)[82].

ومنها: لم تكن هناك دواع لوضع الحديث، أو ما يوجب الكذب لأجل رفع مكانة الشيخ المفيد وجعل شأنية له، حيث إن سمو شخصيته المباركة مما لا شك فيه ولا شبهة، ولا يحتاج إلى ما يوجب المغالاة في شخصه الكريم، بل على العكس من ذلك، إن صدور مثل هذه الرسائل هي في أُخريات حياته المباركة وكان مرجعاً في زمانه، وبلغ ذروة الشهرة مما يجتمع عليه المؤالف والمخالف.

ومنها: إن من الشواهد المضمونية، ما يوجب صحة الصدور كالإخبار بالمغيبات التي ممكن تطبيقها على ما حصل بالمستقبل أو يمكن حصوله.

والتي إنْ لم نقل إنها من القرائن التي تحفّ الخبر والموجبة لحصول اليقين والقطع، وإنما يمكن معها تحقق الوثوق والاطمئنان، المتحصل من تلك المضامين العالية. فقد تفرد الطبرسي في الاحتجاج بذكر كتابين أرسلهما الإمام المهدي(عليه السلام) إلى الشيخ المفيد، يتضمنان بعض المطالب الصحيحة الواعية، وبعض التنبؤات الرمزية على ما سنذكر.

وينبغي أن نتحدث عن هاتين الرسالتين ضمن عدة نواح:

الناحية الأولى:

فيما ينبغي أن نعامل به هاتين الرسالتين بحسب القواعد العامة، من حيث سندهما تارة ومن حيث مداليلهما أخرى. ومن هنا يقع الكلام في أمرين:

الأمر الأول: في سند هاتين الرسالتين:

والملاحظ في هذا الصدد أن الطبرسي ذكرهما بدون سند، ولم نجدهما في المصادر المتأخرة عنه فضلاً عن المتقدمة عليه، فهما روايتان مرسلتان وغير قابلتين للإثبات التاريخي من هذه الناحية.

الا أن الذي يُرجح الأخذ بهما عدة أسباب: منها تختص بالسند، ومنها تختص بالمتن:

ما تختص بالسند:

السبب الأول: إرسال الطبرسي لهما إرسال المسلّمات، مما يدل على أنه كان معتقداً بصحة سندهما، وربما يكون قد حذفه لمدى شهرته ووضوحه، كما فعل في كثير من روايات كتابه، وان كانت مصادر هذه الأسناد قد تلفت في العصور المتأخرة عنه.

وهذا السبب يعطي ظناً كافياً بصحة السند، وإن كان لا يبلغ حدّ الإثبات التاريخي.

ومنها: ما يختص بالمتن:

السبب الثاني: تضمن الروايتين - على ما سنسمع - لتوجيهات عالية وتنبؤات صادقة. بحيث لو كنا علمنا بها قبل وقوع الحوادث المذكورة فيها، لجزمنا بعدم إمكان صدورها الا عن المهدي(عليه السلام).

السبب الثالث: إن المصلحة العامة تقتضي صدور هذه الرسائل في أول زمان الغيبة الكبرى، وذلك لإحراز مصلحتين:

المصلحة الأولى: إعطاء الإمام المهدي(عليه السلام) لقواعده الشعبية القواعد العامة والمفاهيم الأساسية التي ينبغي أن يعرفها الناس، وتكون سارية المفعول خلال عصر الغيبة الكبرى، بحيث لولاها لكان من المحتمل أن يساء التصرف في الدين، وينغلق باب الوصول إلى الأهداف المطلوبة في الاسلام.

و من الطبيعي أن يكون إبلاغ هذه القواعد والمفاهيم موقوتاً في أول الغيبة الكبرى؛ لئلا يمرّ زمان كبير والناس غافلون عن مثل هذه التوجيهات.

المصلحة الثانية: إعطاء الإمام المهدي (عليه السلام) القيادة الرئيسة من الناحية الإسلامية بيد العلماء الصالحين، بعد أن انسحب هو منها من الناحية العملية (الظاهرية)، وانتهاء مهام السفراء الخاصين أيضاً. فكان أهم العلماء الصالحين في ذلك العصر هو الشيخ المفيد، ومن هنا وجّه الرسالة إليه، ليكون هو- بصفته عالماً صالحاً- المنطلق الأول لانتشار التعاليم العليا والتوجيهات الرئيسة، وهذا خط كان قد بدأه الإمام العسكري(عليه السلام) حين أرسل لابن بابويه رسالة: يعبر عنه بقوله: يا شيخي يا أبا الحسن.

وحيث نعلم أن الأسلوب الطبيعي لإيجاد هاتين المصلحتين منحصر بطريق المراسلة، كما كان عليه الحال خلال الغيبة الصغرى، يكون الظن عندئذ بصدور هاتين الرسالتين كبيراً، وخاصة بعد ضمّ السببين الأولين إلى ذلك.

وفي النتيجة قد صرّح(قدس سره) قائلاً: ومعه فأكبر الظن أن هاتين الروايتين يصلحان للإثبات التاريخي، بالرغم من الإرسال الذي يتصفان به.

الأمر الثاني: في مداليل هاتين الرسالتين: ينقسم مدلولهما- بشكل رئيس- إلى قسمين:

القسم الأول: التوجيهات العامة التي يذكرها الإمام لقواعده الشعبية، وكلها صحيحة ومتينة.

ما عدا أمور قليلة لا تخلو من المناقشة على ما سوف نشير. ولا يضرنا ذلك حتى لو أنكرنا صحة هذه الامور، فإنّ إنكار البعض لا يقتضي إنكار الكل، كما سبق أن أكدنا عليه.

القسم الثاني: التنبؤات بوقوع حوادث قريبة أو بعيدة بالنسبة إلى زمن صدور الرسالة.

و يغلب على عبارات هذه التنبؤات، شكل الرمزية والغموض والكلية في المدلول، بحيث يصعب تشخيصها علينا ونحن بهذا البعد التاريخي الكبير، وقد يتعذر ذلك أحياناً، فما نستطيع أن نجده في التاريخ العام. هو المطلوب، وما لم نجده فالواقع الذي نحسه هو أن من قرأه في ذلك الزمن فهمه حق فهمه، وخاصة وهو يعيش الحوادث التي أشار إليها الإمام المهدي (عليه السلام) في كتابه.

والرسالتان، كما عرفنا، غير خاصة بالشيخ المفيد، وان كان هو المرسل إليه، وإنما هي عامة لكل الخواص من المؤمنين بالإمام بالمهدي(عليه السلام). ومعه لا تكون‌ الحوادث المذكورة في الخطاب خاصة بالسنين التي عاشها الشيخ المفيد، بل لعل عددا من الحوادث كانت ستحدث بعد وفاته، وبذلك ينفتح لنا مجال واسع للتعيين التاريخي للحوادث.

القول الثاني: وهو القول بالنفي، أي عدم ثبوت صحة هذه الرسائل؛ لوجود مشكلة الإرسال، وهي ثابتة ولا يمكن حل الإرسال؛ لوجود الجهالة في الواسطة بين الشيخ الطبرسي والشيخ المفيد. وذهب إلى هذا القول السيد الخوئي(قدس سره) (ت١٤١٣هـ).

ومما يؤيد قوله أمور:

 منها: إن هذه التوقيعات لا يمكننا الجزم بصدورها من الناحية المقدسة؛ لوجود عدة مشاكل:

منها: إنّ الشيخ المفيد قد ولد بعد الغيبة الكبرى بسبع أو تسع سنين، وموصل التوقيع إلى الشيخ المفيد مجهول.

ومنها: هبّ أن الشيخ المفيد جزم بقرائن أنّ التوقيع صدر من الناحية المقدسة، ولكن كيف يمكننا الجزم بصدوره من تلك الناحية؟! على أن رواية الاحتجاج لهذين التوقيعين مرسلة والواسطة بين الطبرسي والشيخ المفيد مجهول.[83]

والدليل الذي اعتمد عليه السيد الخوئي في ذهابه إلى عدم إمكان الاعتماد على القرائن والمؤيدات التي تبناها أصحاب القول الأول، هو تأسيسه(قدس سره) لمبناه في حجية الأخبار؛ إذ يرى أن طريق إثبات حجية الخبر ينحصر في وثاقة رجال السند فحسب.

وبناءً على هذا المبنى، فإن عمل المشهور بالرواية، أو وجود قرائن معتبرة مؤيدة لها، لا يصلح لجبر ضعف سندها، ولا ينهض دليلاً على حجيتها[84].

ومنها: إن مصدر الرسالة الوحيد الذي نقل عنه الجميع ـ بحسب الظاهر ـ هو كتاب الاحتجاج، للشيخ أبي منصور أحمد بن علي الطبرسي (٥٤٨هـ)، ولم يشر الطبرسي إلى سندٍ له أو مصدرٍ عثر عليه أخذ منه هذه الرسالة، بل يفهم من كلامه أنّ شخصاً جاء به من ناحية متصلة بالحجاز، وأعطاه (أو أعطى ذلك الشخصُ الشيخَ المفيد) هذه الرسالة.

ومنها: ونحن نسأل لو وصلت رسالة من هذا النوع للمفيد، فلماذا لم يعرف بذلك خاصّةُ الشيخ المفيد والمقرّبون منه، ولم ينقلها أحدٌ من بعده، مثل الطوسي والنجاشي والمرتضى، وغيرهم من العلماء، ولم يظهر عينٌ ولا أثر لهذا الموضوع إلا بعد ١٣٥ عاماً تقريباً من وفاة المفيد.

ومنها: قضيّة من هذا النوع تكون عادةً محلّ افتخار المحيطين بالشيخ وتلامذته والتابعين له من العلماء والمؤمنين.

ومنها: اللهم إلا إذا قيل بأنّ الشيخ أصرّ على عدم ذكر أيّ خبر عن الموضوع لأيّ أحد، أو ذكرها متشدّداً بعدم نقلها، ثم عاد الإمام المهدي ونشر الخبر عبر إرساله للشيخ الطبرسي من خلال وسيط مجهول لا يعلم من هو أساساً، بناء على أنّ الموصل أوصل الرسالة للطبرسي، وإلا فلو كان الموصل قد أوصلها للمفيد فالمفروض أنّ الرسالة قد وصلت للطبرسي عبر المفيد، وهذا يعني أنّ المفيد قد بثّ خبرها، فلماذا لم ينتشر خبر من هذا النوع؟!فهذه الرسالة في تقديري لا يمكن البناء عليها ولا الاعتماد، لاسيما مع وحدة مصدرها، وتأخّره، وعدم وجود سند أساساً يُطلعنا على كيفية وصولها، فلعلّ شخصاً مدّعياً أرسل الرسالة للشيخ الطبرسي أو للشيخ المفيد، ونقلها الطبرسي في كتابه؛ لاحتمال صدقها أو تصديقاً منه لها بوجدانه، وهذا كلّه لا يُثبت الرسالة بالنسبة إلينا كما هو واضح، فضلاً عن بعض الملاحظات المتنية الجزئيّة فيها. وما نرجّحه هو ما ذكره السيد الخوئي (قدس سره).

وما ينبغي التنبيه عليه يعد تعقيباً وتنبيهاً:

منها: قد حصل خلط أو اشتباه عند بعض الأستاذة؛ وهو في مقام بيان رأيه في التوقيعات والخلط الحاصل، بين شخصية الشيخ الطبرسي صاحب كتاب الاحتجاج، وبين الطبرسي أبي علي أمين الإسلام، صاحب تفسير مجمع البيان في تفسير القرآن؛ لأن ما ذكره هو سنة وفاة أمين الاسلام أبي علي الفضل الحسن صاحب سنة (٥٤٨ه‍)، وأن سنة وفاة الطبرسي أبي منصور أحمد بن علي بن أبي طالب؛ فقد أُختلف فيها، إِذ منهم من قال: (٥٣٠هـ)، ومنهم من قال سنة (٦٢٠هـ) ولكن الأرجح من الأقوال: هو الأول؛ فإنّ الثاني بعيد؛ كون وفاة بعض طلبة الشيخ الطبرسي ثبتت وفياتهم قبل ذلك، وهو ما يصلح أن يكون قرينةً، فهاك مثالاً؛ إن ابن شهر آشوب سنة وفاته (٥٨٨هـ)، وهو من تلامذته وهو يصرح بذلك ويروي عنه، وتوجد قرائن أخرى نتركها للاختصار.

ومنها: إن قلت: إنّ الكلام إذا كان عن قبول هذه التوقيعات أو ردّها مبنائي لدى الطرفين، فمن يقيم وزناً لمراسيل لأجل عمل الأصحاب أو فتواهم بها أو وجود القرائن المعتبرة على صدورها – كمن ذكرنا من الأعلام وغيرهم ممن يقول بمقالتهم ويرى صحة هذه القاعدة – كانت هذه التوقيعات مقبولة لديه؛ لعدم انحصار وثاقة الرواية عنده بوثاقة الراوي، بل يمكن إحراز الوثاقة من غير طريق السند، وأما من لا يقيم لذلك وزناً ولا يرى لها اعتباراً لانحصار الوثاقة عنده بوثاقة السند، فإنه لا يرى صحة هذه التوقيعات؛ لضعف سندها.

قلتُ: صحيح أنّ مبنى الوثاقة او الوثوق مهم وحتمي في الإثباتات التاريخية والفقهية، إلا أنه يمكن أن ندعي أن المقام أجنبي عن المبنائية في القول بالوثاقة أو الوثوق، وإنما المقام مقام الإثبات التاريخي ويمكن ان نستدل عليه بغير طرق الإثبات الفقهي، كما سنحاول في القول المختار.

 المبحث الثالث: معالجة الإرسال والقول المختار مع القرائن الدالة عليه:

قالوا في مقام الاستدلال إنّ النفي أخفُّ مؤونة من الإثبات، سواء كان الإثبات في الاستدلال على الإثبات التاريخي أَم الإثبات الفقهي في مقام الحجية في الاستنباط.

المطلب الأول: وجوه قبول الحديث المرسل:

توطئة: بعد أن ثبت أن مشكلة عدم قبول التوقيعات الصادرة بشأن الشيخ المفيد، هي الإرسال الموجود في نقل الشيخ الطبرسي؛ لذا صار لزاماً المرور على الحديث المرسل.

فهل الإرسال يُصَيّر الحديث ضعيفاً، فيتم رفضه وعدم قبوله؛ أم يمكن قبوله والعمل بمؤداه ؟

ففي مقام تثبيت قاعدة كبرى؛ هل بالإمكان قبول الأحاديث المرسلة؟ مع بيان كيفية التعامل معها، وإمكان الاعتماد عليها في عملية الاستنباط والفتوى، فضلاً عن إثبات بعض الروايات التي تنقل الأحداث والوقائع التاريخية. وفي معرض الإجابة نقول:

يمكن قبول الحديث المرسل بوجوه:

أولاً: إنّ السند جاء على نحو الطريق للوصول إلى صحة صدور المتن الروائي ولم يكن على نحو الموضوعية، وإنما الموضوعية هي لأجل المتن، فتركوا الموضوع وهو المتن، وصار التعامل مع الطريق والسند، وقد أضرَّ الطريق إلى المتن بالمتن نفسه، والحال أنّ السند جاء بخدمة المتن.

الثاني: وممّا يظهر من كلمات السيّد الخوئي(قدس سره) في العمل بالحديث المرسل، ومن أبرز مصاديقه عهد الإمام علي(عليه السلام) لمالك الأشتر، أنّ موقفه لا يخلو من وجوه : إمّا العدول عن مبناه في اعتبار الوثاقة، وإما إستثناءً في مقام الاستنباط ويقع ذلك العمل صغرويّاً على خلاف مبناه كبرويّاً؛ إذ احتجّ بالعهد فقهيّاً رغم إرساله، معلّلًا ذلك بقوله: (العهد وإن نُقل مرسلاً، إلا أنّ آثار الصدق منه لائحة، كما لا يخفى للناظر إليه[85].

الثالث: ونحن في محل الكلام عن الحديث المرسل، فإنّ الإرسال في سند الحديث لايمكن أن يكون علة تامة لضعفه، ولعل بعض العلماء والفقهاء قدّم المرسل على المسند في بعض الأحيان، وإلا ما فائدة حديث مسند يخالف الأصول والقواعد والعقائد الصادرة من القرآن الكريم والسنة الشريفة.

ولا شك أنّ الحديث المرسل يتقوى بغيره ويرتفع إلى درجة الحسن أو الصحيح أحياناً، لا سيما مع اشتهار عمل الفقهاء بمضمونه، سواءً على مبنى انجبار ضعف الإسناد بالشهرة الفتوائية فيكون حجة؛ لكشف عملهم بمؤداه عن قرينة قوية دالة على صدقه وصدوره عن المعصوم(عليه السلام)، أو باعتبار فيما لو جاء المرسل موافقاً للقرآن الكريم مطابقاً للقواعد والأصول، أو وافق مضمونه ومؤداه حديثاً صحيحاً أو حسناً أو موثوقاً[86].

أو إذا كان المرسِل راوياً ثبتاً، ثقةً، ضابطاً للحديث، كما هو الشأن في مراسيل المشايخ الثلاثة: ابن أبي عمير، وصفوان بن يحيى، والبزنطي، وكذلك مراسيل الشيخ الصدوق.

ولذلك قال الشيخ الطوسي في العدّة: «وإذا كان أحد الراويين مُسنداً والآخر مُرسِلاً نُظر في حال المُرسِل، فإن كان ممّن يُعلم أنّه لا يُرسل إلّا عن ثقة موثوق به، فلا ترجيح لخبر غيره على خبره؛ ولأجل ذلك سوّت الطائفة بين ما يرويه محمّد بن أبي عمير وصفوان بن يحيى وأحمد بن محمّد بن أبي نصر وغيرهم من الثقات الذين عُرفوا بأنّهم لا يروون ولا يُرسلون إلّا عمّن يوثق به، وبين ما أسنده غيرهم؛ ولذلك عملوا بمراسيلهم إذا انفردوا عن رواية غيرهم.

فأما إذا انفردت المراسيل، فيجوز العمل بها على الشرط الذي ذكرناه. ودليلنا على ذلك الأدلّة التي قدّمناها على جواز العمل بأخبار الآحاد، فإنّ الطائفة كما عملت بالمسانيد عملت بالمراسيل، فبما يُطعن في واحد منهما يطعن في الآخر، وما أجاز أحدهما أجاز الآخر، فلا فرق بينهما على حال»[87].

الرابع: ويمكن في مقام العمل بالحديث المرسل أن نقول: ينبغي أن نلاحظ قرينتين: الأولى: الحديث المُرسَل، فإن كان الحديث المرسل مما له من الأهمية بمكان بحيث يعطي نحواً عالياً من المفاهيم الإسلامية والعقائد الحقة، فيمكن أن نطمئن بصدور الحديث بملاحظة مؤداه ومضمونه وما يترتب عليه من لوازم دينية حقة.

والثانية: المرُسِل للحديث، فإن كان المُرسِل للحديث هو ممن يوثق بدينه ثبت ثقة، ممن لا يتصور معه الإتيان بالباطل والكذب والافتراء والبدع، فيمكن أن يطمأن لحديثه والأخذ منه، وقبول ما يرسله ويرويه.

 وعليه؛ فبملازمة هاتين القرينتين يمكن أن يتم قبول الحديث المُرسل ومؤداه، وأن يأخذ الحديث المُرسَل حكم الصحيح؛ فتجد أحياناً بعضهم مَنْ يُسمي المرسل صحيحاً بلا قيد أو شرط، فيمن لا يروي ولا يرسل إلا عن الثقات، بل وكثير منهم قدموه على الصحيح المسند، في المقارنة بين المتنين المتعارضيَن[88].

ومع حصول هذا الاطمئنان، يجدر التنبيه إلى أن العلماء والفقهاء في مقام الإفتاء لا يشترطون إحراز صدور الحديث على نحو القطع واليقين، بل يرى جمعٌ منهم كفاية الظن المعتبر بالصدور، إذا كان موجباً للوثوق والاطمئنان؛ ولذا يقول المحقق السيد البروجردي في بحثه في أسانيد الأخبار: إنّ الخبر لو لم يبلغ حدّ التواتر، إلا أنه قد تعدّد نقله مراراً بحيث أورث الوثوق لدى الفقيه بصدوره، كفى ذلك في العمل بذلك الحديث[89].

والنتيجة أنَّه يمكن الاستفادة من هذا الرأي كُبرويّاً وتطبيقُه صُغرويّاً، لنخرج بقاعدةٍ كليَّةٍ كبرى، وهي قبولُ الحديثِ المُرسَل؛ لتذليلِ كثيرٍ من الإشكالاتِ والعقباتِ التي يُورِدها بعضُهم على الرواياتِ المُرسَلة، وقبولِها وفقاً لمبنى الوثوق والاطمئنان، بشرطِ توافرِ تلك الوجوه التي ذكرناها.

ومع هاتين القرينتين، وتطبيق القاعدة الكبرى على صغرى التوقيعات المباركة الصادرة فهذه الشروط والوجوه والقرائن كلها موجودة في حق التوقيعات المباركة. وهذا من جهة الإسناد.

وأما من جهة المتن والمضمون فإن مؤداها ومضمونها العالي يعطيها من الأهمية ما يجعلها بقوة المقطوعة الصدور في نفس المعاصرين لصدورها، فضلاً عمن جاء بعدهم من كبار العلماء.

وما يجدر بنا ذكرُه، هو ملاحظة المُرسِل لهذه التوقيعات، سواء كان هو الشيخ المفيد(قدس سره)، فلا نطالبه بواسطة ولا نطالبه بدليل على قبوله للتوقيعات، ولا نقول إنّ قبول الشيخ المفيد لها هو من الأمور الحدسية والطرق الاجتهادية والقرائن الوجدانية التي هي حجة عليه لا علينا، فمع منزلة الشيخ المفيد وعلو كعبه في الفقه والعقائد والرجال ومنزلته الدينية والاجتماعية مما يعطي اطمئناناً كبيراً بالأخذ من الشيخ المفيد، وهو ممن لا يمكن أن نقول بحقّه الافتراء حاشاه، أو هو ممن تنطلي عليه الشبهات، أو قبوله بالافتراءات أو الخرافات.

ومما يعطي قوة لهذه الوجوه كون الشيخ الطبرسي عالماً بالأنساب ومتخصصاً بالتأريخ كما ذكره الأعلام في ترجمته المباركة، قال السيّد الأمين في الأعيان: (كان فقيهاً محدّثاً متكلّماً نسابة)، وقال الشيخ محيي الدين المامقاني في التنقيح: (لا ينبغي التأمّل في وثاقة المترجم وجلالته، فهو ثقة جليل، وفقيه نبيل، ومورّخ أمين، صحيح الرواية)[90].

وسنعطي في المطلب الثاني دليلاً يثبت الواسطة أن هذه التوقيعات وصلت للشيخ المفيد، وقد حفظها عنه المقربون ممن يشهد لهم بالعلم والوثاقة والقرب من الشيخ المفيد، وهم ممن يجلس مجلسه في الإفتاء ويحلُّ محله في حين غيابه.

وإن كان المرسل هو الشيخ الطبرسي، فمثل الشيخ الطبرسي ممن يشهد له بالفضل، فقال الحر العاملي في أمل الآمل: (عالمٌ فاضلٌ فقيهٌ، مُحدث ثقة).[91]

قال السيد حسن الصدر في التكملة: (المُعَوَّل عليه عند أصحابنا)[92]، فإنه كان معولاً عليه خبيراً؛ فهل يُعقل أن يُعول أصحابنا العلماء على من لا يعرف؟! وإنما هو قد أرسل، وكما قال العلماء الثقة إذا أرسل قد كفاك، ومن أسند فقد أحالك؛ أي من أرسل وقطع سند الحديث فقد كفاك مؤونة طلب معرفة رجال السند، ولكن فيما لو أسند صار لزاماً على الفقيه أن يبحث في أحوال رجال السند.

ولا يقال بعدم إمكان صدور هذه التوقيعات، أو التشكيك بنسخة الكتاب، فإنّ الوقوع أدل دليل على الإمكان، فهي واقعة من خلال وصولها إلينا في كتب من علماء عاصروا الشيخ الطبرسي أو قريبين من عصره، وكتابه الاحتجاج وقبولهم لها والتسليم بها وهي مما تعد شهرة لا يلزمها شك بالقبول.

ويمكن أن يقال: إنّ الكلام في الإرسال ثابت.

قلنا: ولو تنزلنا وقلنا بذلك فهو من الإرسال الاصطلاحي، وهو بحكم المسند، وهذا لا ينافي صحة الصدور بالقرائن التي تقوم مقام السند، كون السند والإسناد طريقاً لصحة الصدور، فإذا قام مقامها طريقً آخر، فلا إشكال في صحتها فيما لو قامت القرائن على ثبوت صدور هذه التوقيعات من الإمام المهدي (عليه السلام)، وإسنادها إليه (عليه السلام)؛ وذلك من خلال عدة نقاط:

أولاً: في الرد على ما طرحه القائلون بالنفي: إنّ كلام السيد الخوئي (قدس سره) غاية ما يفيد هو إثبات الإرسال، وهذا لا يعني تبنيه لنفي صحة صدور التوقيعات.

ثانياً: إنّ قول النافين: إنّ الشيخ الطوسي والنجاشي لم يذكروا هذه التوقيعات في كتبهم هذا من باب عدم الوجدان، وهو لا يدل على عدم الوجود، وله نظائر في كتب الشيخ المفيد(قدس سره)، فقد ثبتت كتب للشيخ المفيد لم يذكرها الشيخ الطوسي والنجاشي، بل اختلفوا في بعض مضامين كتبه [93]، فضلاً عن التوقيعات.

ثالثاً: فيمكن أن نتقدم خطوة للأمام، وهو أنّ عدم علمنا بأنّ الشيخ المفيد لم يصرح بها لا ينافي عدم وجودها.

فمن الجدير بالأهمية؛ عُثر على مخطوطةٍ قديمةٍ تعودُ لسبعمائةِ سنةٍ تقريباً، وردَت فيها الرسالةُ الأولى معَ الإسنادِ المُتّصل، وردَ فيها: بسمِ اللهِ الرّحمنِ الرحيم، أخبرَنا الشيخُ أبو الغنائمِ عبدُ اللهِ بنُ محمّد، قالَ: أخبرني والدي أبو يعلى محمّدٌ بنُ الحسنِ الجعفريّ، قالَ: أخبرني الشيخُ المُفيد محمّدٌ بنُ محمّدٍ بنِ النعمان (رضي الله عنه)، قالَ: كنتُ جالساً على بابِ داري فأقبلَ عليَّ رجلٌ بعدَ العصر، وكانَ إلى جانبِ الكهوليّة، وعليهِ ثيابٌ فاختية، فسلّمَ عليّ، وسلّمَ إليّ كتاباً، وذلكَ في أيّامٍ بقينَ مِن صفر مِن سنةِ عشرٍ وأربعمائة، ذكرَ موصله أنّه يحملهُ مِن ناحيةٍ مُتّصلةٍ بالحجاز، عنوانه: الأخُ السديدُ، والمولى الرشيد، الشيخُ المُفيد، أبو عبدِ الله، محمّدٌ بنُ محمّدٍ بنِ النعمان ـ أدامَ اللهُ إعزازه... إلى آخرِ المُكاتبة الأولى[94].

إن ُ: الراوي عن الشيخِ المُفيد هوَ أبو يعلى الجعفريّ، مِن رؤساءِ الإماميّة، ومِن خاصّةِ الشيخِ المُفيد وبطانته.[95]

ويمكن أن يقال: وبهذا يظهرُ وجهُ النظرِ فيما يقولهُ البعض - مِن – أنّه لماذا لم يذكر التوقيعات تلامذة الشيخ المفيد وطلبته، والمقربون منه في الكتب التي وصلَت إلينا، فهذا من طلابه المقربين وصهره وممن يقوم مقامه في الإفتاء في أيام سفر الشيخ المفيد (طيَّب الله ثراه).

رابعاً: إنّ عمل المشهور وأخذ هذه التوقيعات أخذ المسلّمات، وقد ذكر ذلك الشيخ الحر العاملي في كتابه أمل الآمل مثبتاً تلك التوقيعات [96].

خامساً: يمكن أن يكون إثبات صدور هذه التوقيعات من خلال أصل وجود كبرى كلية، وهي التوقيعات الصادرة من الإمام المهدي(عليه السلام) في غيبته الصغرى كثيرة حتى عدّها السيد الخرسان أنها أكثر من التوقيعات الصادرة من
آبائه (عليهم السلام) [97].

والحال يمكن إثبات صغرى أنّ موقع الشيخ المفيد لا يقل أهمية عن باقي السفراء والوكلاء الذين تمت مكاتبتهم بالتوقيعات في أيام الغيبة الصغرى، مع الأخذ بنظر الاعتبار أن مرجعية الشيخ المفيد وأهمية موقعه في بداية الغيبة الكبرى وهو تثبيت عقائد الناس، كافية لأن تعطي انطباعاً عن مثل وجود هذه التوقيعات؛ للحاجة الماسة اليها في مثل تلك الحقبة الجديدة العهد للشيعة من فقدان شخص إمامهم وغيبته التامة [98].

سادساً: إنّ الجو العام لمضامين هذه التوقيعات هو التقية، وهذا واضح من خلال طلب الإمام المهدي (عليه السلام) بإخفاء الخط تارة، وأخرى بعدم الكتابة والإملاء على من يملي عليه الإمام، وهذا يستلزم التقية الواجبة في إخفاء هذه التوقيعات.

إن قلت: إن هذه التوقيعات صدرت في فترة البويهيين، وهم ممن يوقر العلماء ومنهم الشيخ المفيد (قدس سره)، فلا تقية.

قلتُ: إنّ التقية ليست بالضرورة أن تكون من الحكومات، فتارة: تقع من المحكومين، إما من باب المُداراة أو الخوف كما هو الحال في تلك الحقبة، فقد كانت حقبة عصيبة من وجود الطائفية المميتة التي أدت إلى أن ينفى الشيخ المفيد أكثر من مرة بسبب هذه الطائفية [99].

سابعاً: إنّ وثاقة الشيخ الطبرسي؛ وقوله (إني حذفت الأسانيد اعتماداً على صحة ما احتج به من أن يكون قد أخذت من الكتب المعتبرة وما أجمع عليه وما اشتهر، وما وافقه العقل[100]) فإنّ الكتاب لا يختلف في وصوله إلينا بطريق صحيح، وإن قلنا على نحو الإمكان صحة ما فيه، ما ينفعنا كبرى في تطبيقاتها صغرى مسلمة عدم الخلاف فيها من قبل العلماء في القرن السادس، وما بعده، بل عدّها بحر العلوم، والمحقق الكاظمي، والمحدث النوري، والحر العاملي، مما أجمع عليه العلماء.

وما يمكن أن يقال: لو لم يصل هؤلاء العلماء إلى صحة صدور هذه التوقيعات، لما أجمعوا على وجودها والاستدلال بنصوصها وفقراتها.

المطلب الثاني: القول المختار والقرائن الدالة عليه:

سنذكر بإذن الله تعالى القول الذي يمكن أن نختاره من بين القولين والقرائن الدالة عليه. ويقع الكلام من جهتين:

 الأولى: من جهة الشيخ المفيد (طاب ثراه)

والثانية: من جهة الشيخ الطبرسي(قدس سره).

والجدير بالذكر إنا لم نتكلم عن غيره من الكتب المعتبرة التي أوصلت لنا التوقيعات، اختصاراً للمقام، واكتفاءً بكونه أشهر المصادر وأقدمها، فإذا ثبت الرأي فيها ففي غيرها أثبت.

الجهة الأولى: من جهة الشيخ المفيد طيَّب (الله ثراه).

في بداية الكلام: إنّ الشيخ المفيد شخصية فذة قلّ نظيرها في مصافّ العلماء، وعالم كبير، برع ففاق أهل زمانه، بل ومن جاء بعدهم، فهو آية في العلم والنبوغ والفضائل طراً، فجمعت شخصية الشيخ المفيد الكثير من المزايا العلمية والعملية، فهو آية في العلم، وهو آية في العمل والعبادة والاجتهاد على حدّ سواء.

لقد صاغت هذه الخصائص من شخصية الشيخ المفيد جوهراً ثميناً، وشخصيةً رائعةً، لا تدانيها ولا تضاهيها شخصية أخرى، بل ينحني الجميع أمامها إجلالاً وتعظيماً؛ لما يجدونه من وقع عظيم وهيبة كبيرة لها في النفوس، حتى قيل: إنّ له على كل إمامٍ منة.[101]

وأول ما يطالعنا في آراء التعظيم والتمجيد والمدح والثناء لشخصية الشيخ المفيد طيَّب الله ثراه، هو ما ذكره العلماء من التوقيعات الشريفة الصادرة عن الإمام الحجة عجل الله تعالى فرجه وهي ثلاثة توقيعات.

ويكون الكلام عن القرائن التي تثبت صحة صدور التوقيعات، وما يمكن أن يكون سنداً متصلا ً للشيخ المفيد (قدس سره).

القرينة الأولى: ما هو الجواب عن سر اختفاء التوقيعات طيلة المئة عام من القرن الخامس الهجري إلى القرن السادس حتى وصلت إلى الشيخ الطبرسي أو الراوندي وغيرهم ممن جاء بعدهم حتى صارت مشهورةً ؟

الجواب: إن التوقيعات الصادرة بشأن الشيخ المفيد(قدس سره) لم تكن في الخفاء على نحو الضياع، ثم وجدت.

نعم، كانت في سريّة تامة لدواعٍ واضحة من خلال نص الإمام (عليه السلام) في الرسالة الأولى، حيث قال(عليه السلام): (فاحتفظ به، ولا تُظهر على خطّنا الذي سطرناهُ بما له ضمَّناه، أحدا).

 وذكر في الرسالة الثانية قوله(عليه السلام): (نسخةُ التوقيعِ باليدِ العُليا ـ صلواتُ اللهِ على صاحبها: هذا كتابنا إليكَ أيها- الوليُّ المُلهم لحقِّ العليّ، بإملائِنا وخطِّ ثقتِنا، فأخفِه عن كلّ أحدٍ، واطوِه، واجعَل له نسخة ً تطلعُ عليها مَن تسكنُ إلى أمانتِه مِن أوليائِنا، شملَهم اللهُ ببركتِنا إن شاءَ الله).

إذْ اقتضت هذه السرية كتمان التوقيعات، إذ إنّ أيّ نبأ عظيم يتطلب الكتمان والسريّة، ضرورة مانع من الإعلان في بدايته الزمنية فيتحتم الكتمان وعدم الإذاعة به؛ لوجود المانع وهو التقية، سواء كانت من الحُكام أو الفتن الطائفية والعدوانية، فأئمتنا (عليهم السلام) كثيراً ما يذمون من يُفشي سرّهم بإذاعته لمن لا يستحقه، فإذا كان هناك من يستحقه فلا مانع من إفشاء السر، وكلامنا هنا عن كتمان وإخفاء خبر التوقيعات، فهو نظير حرمة تسمية الإمام المهدي (عليه السلام) في الغيبة الصغرى وبدايات الغيبة الكبرى، حيث ورد في الحديث رواية جابر بن يزيد الجعفي، قال: سمعت أبا جعفر(عليه السلام) يقول: سأل عمرُ أميرَ المؤمنين(عليه السلام) عن المهدي، فقال: يا بن أبي طالب؛ أخبرني عن المهدي ما اسمه؟ قال: أمَّا اسمه فلا، إنّ حبيبي وخليلي عهد إليَّ أن لا أحدِّث باسمه حتى يبعثه الله (عزَّ وجلّ) وهو مما استودع اللهُ (عزَّ وجلَّ) رسولَه في علمه. وقد ذهب الشيخ المفيد إلى حرمة التسمية.[102]

وكانت الشيعة في غيبته الأولى تعبّر عنه وعن غيبته بالناحية المقدّسة، وكان ذلك رمزاً بين الشيعة يعرفونه به، وكانوا يقولون أيضاً على سبيل الرّمز والتقيّة: الغريمُ -يَعْنُونَه (عجّل الله فرجه) وصاحبُ الأمر، وعلَّق صاحب الوسائل بما حاصله: وظاهر كلامه أن ترك التسمية لا موضوعيَّة له، وإنما المدار على الخوف وعدمه.

وما يدل عليه: رواية محمد بن عثمان العمري (قدس الله روحه) يقول: سمعت أبي يقول: سئل أبو محمد الحسن بن علي (عليهما السلام) وأنا عنده - إلى أن قال- : يا بن رسول الله؛ فمن الحجة والإمام بعدك؟ فقال: ابني محمد هو الإمام والحجة بعدي.

ولتقريب الفكرة: إن مع وجود الحرمة بتسمية الإمام باسم (محمد) فقد صرَّح الإمام (عليه السلام) باسمه المبارك، وذلك يكون عند الثقات الذين لا يُخاف منهم على انتفاء الغيبة، كون الملاك في ذلك هو المحافظة على الغيبة، ويفهم من ذلك عند ارتفاع الخوف فالتسمية ممكنة؛ أعني الحرمة عند الخوف، والجواز عند عدمه.[103]

وإن حرمة تسمية الإمام المهدي عليه باسمه في بداية الغيبة الصغرى كانت أشد، بل في بدايات الغيبة الكبرى كذلك فإن الشيخ المفيد(قدس سره) ممن يذهب إلى حرمة التسمية، فبعد مرور مدة زمنية كافية، معها ارتفع الخوف عن شخص الإمام(عليه السلام) وعن غيبته؛ لذا تجد علماءَنا أطلقوا التسمية باسمه الشريف دون تحرّج ولا احتياط ولا تقية.

وما تجدر الإشارة إليه؛ وهو ما نحن بصدد إثباته، من كون التوقيعات في بدايتها كانت في سرية تامة، ولكنها موجودة عند من يؤمن معه من الثقات المقربين، وبعد رفع مانع الخوف على انتفاء الغيبة والمحافظة عليها، فيمكن إشاعتها ونشرها، خصوصاً بعد تلك المدة الزمنية، وهي القرن والنصف بين الشيخ المفيد والشيخ الطبرسي؛ التي هي أكثر من مئة وستين عاماً، فهي مدة كافية لارتفاع التقية والخوف.

القرينة الثانية: إنّ عدم ذكر التوقيعات من قبل أبرز طلبة الشيخ المفيد هذا لايدل على عدم وجودها، كون الشيخ النجاشي والطوسي لم يذكروا بعض كتب الشيخ المفيد الأخرى، ولعل أحدهم ذكر كتاباً في ترجمته للشيخ المفيد، والآخر لم يذكر ذلك الكتاب، والحال أن عدم ذكرهما للمراسلات في كتب الشيخ المفيد أو ما رووها لعل ذلك لوجود عنصر التقية، ولأجل المحافظة على سرّ الإمام (عليه السلام).

القرينة الثالثة: ويمكن أن نتقدم خطوة للأمام، وهو أنّ عدم علمنا بأنّ طلبة الشيخ المفيد لم يذكروا التوقيعات، ذلك لا يدل على عدم ذكرها من قبلهم أو وجودها في كتبهم؛ إذْ لعل المشكلة فينا نحن لم نتوصل لتلك التوقيعات.
وإن قلتَ: لو كانت موجودة لبانت؛ لأهميتها!.

قلتُ: نعم ذكروا أنّ الفتنة الطائفية لم ينج منها أحد من طلبته، فعامل حرق مكتبات طلبة الشيخ المفيد قد ضيَّع الكثير من التراث العلمائي بما يخص كتبهم وآراءهم أو التراث الروائي المنقول عنهم، ولعل منها هذه التوقيعات.
فقد ذكروا في تاريخ فتنة بغداد التي على إثرها انتقل الشيخ الطوسي إلى النجف فقال:
(ابن حجر العسقلاني، موضحاً السبب الذي دعا إلى هذا الهجوم المعاكس على شيخ الطائفة بعد أن كان معززاً مكرماً، بحيث يبلغ الأمر به أن تحرق كتبه، وتنهب داره، ويحدث ما حدث، إلى أن قال: قال ابن النجار؛ أُحرقت كتب الطوسي عدة نوب بمحضر من الناس في رحبة جامع النصر، واستتر هو خوفاً على نفسه؛ بسبب ما يظهر من انتقاص السلف)[104].

وإلا أنّ ما وصلنا من كتب الشيخ الطوسي على عدد الأصابع مع ما عنده من التراث العلمي الكبير. وبالتالي عدم وجدان التوقيعات في كتبهم لا يدل على عدم وجودها مطلقاً.

القرينة الرابعة: الواسطة التي نقلت التوقيع إلى الشيخ، والظاهر كونها مجهولة عنده، وهو واضح من صريح عبارة الشيخ المفيد في نص الرسالة الأولى: (ذكرَ موصلهُ أنّه يحملهُ مِن ناحيةٍ مُتّصلةٍ بالحجاز، نُسختُه:...).

١. والعبارة مجملة من جهة معروفية الواسطة، نعم إنّ الشيخ المفيد لم يصرح بها، ولم يكشف عنها، بحيث لوتأملنا، عبارته (قدس سره): (ذكر موصله أنه يحمله من ناحية متصلة من الحجاز)، يفهم منها الكناية، وأنّ
الشيخ(قدس سره) لم يكشف عن الاسم الصريح للناحية المقدسة، كذلك لم يكشف عن الواسطة بينه وبين الإمام المهدي(عليه السلام)؛ للمانع نفسه، والملاك واحد في الطرفين[105].

٢. تواتر خط الإمام (عليه السلام)؛ فلو تنزلنا وقلنا: إن الواسطة مجهولة، هذا لا يضر بالاتصال؛ كون النص معلوماً بقرينة معرفة الخط، فإن خط الإمام المهدي (عليه السلام) ثابت إلى زمن الغيبة الكبرى، كما أثبتنا في المبحث الأول في تاريخية التوقيعات، فلا نحتاج إلى معرفة مَنْ الناقل، إذْ إن الشيخ يعرف يقيناً خط الإمام المهدي(عليه السلام). وقد أثبتنا أنّ تواتر خط المعصوم(عليه السلام) معروف ومشهور حتى صرح الشيخ الصدوق الابن بأن وجد خط الإمام العسكري (عليه السلام) عنده في صحيفة، حيث وفاة الإمام العسكري(عليه السلام)
سنة ٢٦٠هـ ووفاة الشيخ الصدوق هي ٣٨١هـ، ويكون الفاصل الزمني بين الاثنين أكثر من مئة وعشرين عاماً، وقد تواترت تلك الخطوط والكتب حتى أصبحت سيرة متشرعة عند العلماء.

وذكرنا فيما سبق في كتاب درست بن أبي منصور المتوفى (١٨٣هـ) هذا الكتاب وصل إلى العلامة المجلسي المتوفّى (١١١١هـ)، وهو نسخة قديمة مصححة بخط منصور بن الحسن الآبي المتوفى سنة (٤٢٢هـ)، فبين العلامة المجلسي والشيخ الآبي أكثر من ست مئة وتسعين عام.

 وذكرنا بين ابن إدريس وجدّه لأمه الشيخ الطوسي أكثر من مئة عام ووصله خط الشيخ الطوسي(رحمه الله)، وهو يصرح بذلك.

والحال إن مثل الشيخ المفيد فقيهاً، عارفاً، ومرجعاً للأُمَّةِ قريب العهد من الغيبة الصغرى وإن قيل: إنه ولد بعد الغيبة الصغرى بسبع سنين او تسع، فإنه لا يخفى عنه خط المعصوم (عليه السلام) ومحتواه ومضمونه ومعناه وتوقيعه، فالمدة ليست بعيدة نسبياً، فيما لو قايسناها بعدد السنين التي ذكرناها بين أصحاب الكتب ووصول الكتب بخطهم لمن جاء بعدهم من الرجال.

قد يخطر في الذهن: أنّ بعض التوقيعات هي ليست بخط الإمام المهدي (روحي فداه)، كما في العبارة (... بإملائِنا وخط ِّ ثقتِنا) في الرسالة الثانية.

وهذا ليس بعزيز، إذْ إنَّ بعضها بخطه وبعضها الآخر بإملاء غيره، والمهم فيها هو أن التوقيع الذي في ذيل الكتاب (نسخةُ التوقيعِ باليدِ العُليا) في الرسالة الثانية، أما بالنسبة إلى الرسالة الأولى فهو (عليه السلام)
يصرّح بأنّ (هذا كتابنا إليك أيها الأخ الوليّ، والمخلص في ودّنا الصفيّ، والناصر لنا الوفيّ، حرسك الله بعينه التي لا تنام، فاحتفظ به - ولا تظهر على خطّنا الذي سطّرناه بما له ضمنّاه أحداً، وأدِّ ما فيه إلى من تسكن إليه -، وأوص جماعتهم بالعمل عليه إن شاء الله، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين)[106].

القرينة الخامسة: إنّ التوقيعات وصلت إلى الشيخ المفيد (طيَّب الله ثراه)، وقد كتب تلك التوقيعات، فكيف وصلت من القرن الخامس إلى القرن السادس. بقي أمرٌ، من هو الواسطة بين الشيخ المفيد المتوفى (٤١٣هـ) والشيخ الطبرسي المتوفى (٦٢٠هـ) على أكثر تواريخ وفاته، وغيره من المصادر مثل قطب الدين الراوندي المتوفى(٥٧٣ه‍) وهو معاصر الطبرسي، وإنّ الفترة التي هي أكثر من مئة وخمسين عام تقريباً !!!.

والجواب: ذكرنا في القرينة الأولى أنّ الشيخ المفيد؛ قد وصله خطّ الإمام المهدي(عليه السلام)،
ولا يُبعد أن يكون قد وصل خط الشيخ المفيد إلى الشيخ الطبرسي أيضاً، أو إلى قطب الدين الراوندي (ت٥٧٣هـ) كون الإمام (عليه السلام) في الرسالة الثانية يقول: (واجعل له نسخة يطَّلع عليها من تسكن إلى أمانته من أوليائنا شملهم الله ببركتنا ودعائنا إن شاء الله) بنفس ملاك تواتر الخطوط والكتب سيرة معروفة عند العلماء والفقهاء، وبحسب ما مرَّ ذكره فراجع في المبحث الأول.

فالطرق بين الشيخ الطبرسي أو الراوندي والشيخ المفيد هما واسطتان:

 طريق الشيخ الطبرسي للشيخ المفيد: وهو إن الشيخ الطبرسي يروي عن الشيخ المفيد بواسطتين:

الواسطة الأولى: بواسطة أبي جعفر مهدي بن أبي حرب الحسيني المرعشي. والثانية: بواسطة الفقيه الشيخ الدُوريستي، وهو من تلامذة الشيخ المفيد وممن روى عنه (قدس سره).

 وقطب الدين الراوندي يروي عن الشيخ المفيد بطريقين: الأول: طريق الشيخ الراوندي إلى الشيخ المفيد بواسطتين؛ الأولى: بواسطة أبي القاسم بن كميح، عن الشيخ جعفر الدوريستي عن الشيخ المفيد، وقلنا: هو من تلامذة الشيخ المفيد وممن روى عنه (قدس سره).

الطريق الثاني: أبو البركات محمد بن إسماعيل الحسيني المشهدي، (المتوفى٥٤١هـ)، وهو المعروف بالإمام السيد ناصح الدين أبي البركات يروي عن الشيخ المفيد بواسطة الفقيه الشيخ جعفر الدوريستي.

إن قلتَ: ما الفائدة من ذكر الطريق؟ والفائدة من ذكر الطريق؛ هو إثبات السند إلى صاحب الكتاب، وكون هذا الطريق هو من يروي روايات ذلك الكتاب، فقد صرحوا بذلك، حيث ذكروا (وأما رئيس المحدثين أبو جعفر محمد بن بابويه القمي-عطّر الله مرقده- فدأبه في كتاب من لا يحضره الفقيه ترك أكثر السند، والاقتصار في الأغلب على ذكر الراوي الذي أخذ عن المعصوم (عليه السلام) فقط، ثمّ إنّه ذكر في آخر الكتاب طريقه المتصل بذلك الراوي، ولم يُخلَّ بذلك إلا نادراً...)[107].

(وأما شيخ الطائفة أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي... في كتاب التهذيب والاستبصار... قد يقتصر على البعض، فيذكر أواخر السند ويترك أوائله... فقد ابتدأ فيه بذكر صاحب الأصل الذي أخذ الحديث من أصله، أو مؤلف الكتاب الذي نقل الحديث من كتابه، وذكر في آخر الكتابين بعض طرقه إلى أصحاب تلك الأصول ومؤلفي تلك الكتب، وأحال البواقي على ما أورده في فهرسـت كتب الشيعة)[108].

بتقريب: أنّ ذكر الطريق لمؤلف الكتب يكفي في نقل رواياته، وقد عمل السيد البروجردي على تجريد الأسانيد من نصوصها، والتعويل على الإسناد، هو المقابلة بين الطرق الموجودة في الكتب الروائية، فقد اكتفى بذكر الأسانيد مع غضّ النظر عن متون الروايات، ومن ثمراته هو ضبط الطبقات، وتمييز الروايات المأخوذة من الكتب، عن المأخوذة سماعاً، وكذلك يتمّ به اكتشاف طرق مثل الشيخ والصدوق في كتبه الأخرى على أصحاب الكتب، فبذلك تصحّح الكثير من طرق الشيخ الطوسي للكتب[109].

وعليه؛ فإن طريقي الشيخين الطبرسي والراوندي صحيحان متصلان بالشيخ المفيد(قدس سره)، وهو شيخهم بالإجازة، وبالتالي السند متصل والواسطة معروفة بالوثاقة[110].

وإن لم ينقل لنا الشيخ الطبرسي سند التوقيعات في كتابه الاحتجاج، فذكر طريقه المتصل للشيخ المفيد(قدس سره) كافٍ
في الاتصال المباشر بين الشيخ المفيد والشيخ الطبرسي بالواسطتين المعروفتين التي ذكرناها، وهما ممن يروي عنه سماعاً مشافهةً كانت أو كتابةً، مثل التوقيعات، فهذا يكفي في بيان الاتصال بسلسلة السند وصحتها، وكونهما ينقلان عنه الروايات من التوقيعات وغيرها.

إذن، الاتصال بينهم حاصل بهذه السلسلة السندية المباركة، فلا يصح قول البعض: (ولم يظهر عينٌ ولا أثر لهذا الموضوع إلا بعد ١٣٥ عاماً تقريباً من وفاة المفيد بين الشيخ المفيد والشيخ الطبرسي. اللهم إلا إذا قيل إنّ الشيخ أصرّ على عدم ذكر أيّ خبر عن الموضوع لأيّ أحد، أو ذكرها متشدّداً بعدم نقلها، ثم عاد الإمام المهدي ونشر الخبر عبر إرساله للشيخ الطبرسي من خلال وسيط مجهول لا يعلم من هو أساساً).

وجوابهُ: هذا غير صحيح بناءً على قاعدة، ذكر الطرق والأسانيد، واتصالها المتواتر يكشف عن النتيجة التي إن لم نقل قطعية، فإنها تفيد الوثوق والاطمئنان، إنّ التوقيعات الصادرة من الإمام المهدي(عليه السلام)
الواصلة إلى الشيخ المفيد هي واصلة بسلسلة السند المتصل بين تلامذة الشيخ المفيد المتصلة بالشيخ الطبرسي، وتواترها واضح، فإنّ تلامذة الشيخ الطبرسي ومنهم ابن شهرآشوب قد ذكرها في كتابه معالم العلماء في ترجمة الشيخ المفيد، وكذلك تلامذة الشيخ ابن شهر آشوب ذكروا ذلك، فإنّ الحافظ ابن البطريق، الذي مرّ ذكره فهو من المصادر التي ذكرت التوقيعات، فهو متصل بذلك الإسناد المبارك.

الجهة الثانية: أما من جهة المؤلِّف (الكاتب) والمؤلَّف (الكتاب).

أولاً: المؤلِّف هو أحمد بن عليّ بن أبي طالب المعروف بالطبرسي، وعلى كلّ تقدير لم تعلم سنة ولادته ولا سنة وفاته، فهو من علماء القرن الخامس، أدرك أوائل القرن السادس، ولعلّه توفّي حوالي (٥٣٠هـ) أو أزيد بقليل.[111]

هو مما لا يخفى شخصه، ولايُنسى وصفه، ولا يُنكر فضله، عالم من العلماء الذين تركوا آثاراً خُطّت بماء الذهب، وخلدها العلماء الآخرون من بعده، كان فقيهاً محدثاً متكلماً نسابة، قال عنه الفقيه الشيخ يوسف البحراني: الفاضل العالم المعروف بالشيخ أبي منصور الطبرسي صاحب الاحتجاج وغيره، كان من أجلّاء العلماء ومشاهيرالفضلاء.

ثم قال الشيخ الحرّ العاملي في أمل الآمل:

(هو عالم فقيه، فاضل محدّث ثقة، له كتاب الاحتجاج على أهل اللجاج كثير الفوائد)، ثمّ ذكر روايته عن الشيخ الصدوق بالطريق الذي ذكره هو في أوّل كتاب الاحتجاج، وقد عرفت نصّه[112].

وقال أيضاً في خاتمة كتاب الوسائل عند ذكر الكتب المعتمدة: كتاب الاحتجاج تأليف الشيخ الجليل أحمد بن عليّ بن أبي طالب الطبرسي.[113]

قال العلاّمة المجلسي: (كتاب الاحتجاج وإن كان أكثر أخباره مراسيل، لكنّه من الكتب المعروفة المتداولة، وقد أثنى السيد ابن طاووس على الكتاب وعلى مؤلّفه، وقد أخذ عنه أكثر المتأخّرين).

قال الفقيه الشيخ يوسف البحراني: (الفاضل العالم المعروف بالشيخ أبي منصور الطبرسي صاحب الاحتجاج وغيره، كان من أجلّاء العلماء ومشاهير الفضلاء)[114].

وقال الخوانساري (ت 1313 هـ): فهذا الرجل من أجلّاء أصحابنا المتقدّمين، ومن جملة من يروي عنه تلميذه المتقدّم إلى ذكره الإشارة رحمة الله تعالى عليه. وقد ذكر اسمه الشريف في كتابه «معالم العلماء» أيضا، فقال: شيخي أحمد بن أبي طالب الطبرسيّ، له: «الكافي» في الفقه، حسن. و«الاحتجاج» و«مفاخر الطالبيّة» و«تاريخ الأئمّة». وفضائل الزّهراء انتهى. والظاهر أنّه نسبه إلى جدّه[115].

ثمّ إنّ كتاب «الاحتجاج» كتاب معتبر معروف بين الطائفة مشتمل على كلّ ما اطّلع عليه من احتجاجات النّبي والأئمة عليهم السّلام، بل كثير من أصحابهم الأمجاد مع جملة من الأشقياء والمخالفين، وفي خواتيمه أيضاً توقيعات كثيرة خرجت من النّاحية المقدّسة إلى بعض أكابر الشيعة.

ثانياً: كتاب الاحتجاج ومسانيد رواياته:

وهل يمكن أن نقول إنّ هناك معالجة الإرسال وتحول أحاديث كتاب الاحتجاج من الإرسال إلى الإسناد، وهذا لا يعني صحة كل ما في الكتاب، وانما هو خطوة إلى الأمام والارتقاء بالأحاديث من الإرسال إلى الإسناد.

ويمكن أنْ تقع الإجابة عن الكتاب بنقاط:

١.آراء العلماء في الكتاب: ذكر أكثر من عاصر الشيخ الطبرسي كتاب الاحتجاج، وأثنوا عليه ثناءً بليغاً.
وقال الحر العاملي في خاتمة كتاب الوسائل عند ذكر الكتب المعتمدة: كتاب الاحتجاج تأليف الشيخ الجليل أحمد بن عليّ بن أبي طالب[116].

٢. موضوع الكتاب: وموضوع الكتاب الذي دارت عليه المحاور؛ إنّ كتاب الاحتجاج ضمَّ بين دفّتيه، احتجاجات النبيّ(صلى الله عليه وآله) والأئمّة(عليهم السلام) في شتّى المجالات، وأناروا لطلبة الحقّ والحقيقة طريقَ الهدى، كما قطعوا الطريق على أهل اللجاج، وبذلك انتشرت علومهم وفضائلهم، وليس لهذا الكتاب مثيل في مؤلفات أصحابنا، حيث جمع في كتاب واحد ما وصل إليه من مناظراتهم.

٣. المؤاخذات على الكتاب؛ لا بأس بالتنويه عليها، وهي أكثر ما أورده في الكتاب من المناظرات مراسيل لا مسانيد.!

ومن الذين ذهبوا إلى هذا القول العلاّمة المجلسي: كتاب الاحتجاج وإن كان أكثر أخباره مراسيل، لكنّه من الكتب المعروفة المتداولة، وقد أثنى السيد ابن طاووس على الكتاب وعلى مؤلّفه، وقد أخذ عنه أكثرالمتأخّرين[117].

٤. معالجة الإرسال في الكتاب: ذكرنا سابقاً أنّ الحديثَ المرسل ليسَ فاقداً للاعتبارِ مطلقاً، بل له درجةٌ منَ الاعتبارِ يتناسبُ معَ ما ذكرناه من أنّ الملاحظ في الحديث المرسل مضمونه ومؤداه ومن المُرسِل للحديث، فيمكنُ أن يعالج هذا الإرسال وأن يتقوّى الحديث وينتقل إلى درجة الاعتبار والحجيّة، بالشواهدِ والمُتابعاتِ والقرائنِ حتّى يحصلَ الوثوقُ والاطمئنان بصدورِه فيرقى لمرتبة الحُجّيّةِ.
وحينئذٍ، ينبغي البحثُ عن وجودِ المُعاضداتِ والمؤيّداتِ، ولنذكر عدّةَ قرائنَ ومؤيّدات.

في مقام الجواب يوجد إجابتان:

الجواب الأول : وهو جواب المؤلف، حيث يجيب عن هذا الاِشكال بقوله: (ولا نأتي في أكثر ما نورده من الأخبار بإسناده، إمّا لوجود الإجماع عليه، أو موافقته لما دلّت العقول إليه، أو لاشتهاره في السير والكتب بين المؤالف والمخالف، إلاّ ما أوردته عن أبي محمّد الحسن العسكري(عليه السلام)،
فإنّه ليس في الاشتهار على حدّ ما سواه، وإن كان مشتملاً على مثل الذي قدّمناه
. فلأجل ذلك ذكرتُ إسناده في أوّل جزء من ذلك دون غيره؛ لأنّ جميع ما رويت عنه إنّما رويته بإسناد واحد من جملة الاَخبار التي ذكرها(عليه السلام) في تفسيره، وأنما كل ما ذكرهُ هو يعتقد بصحة إسناده للمعصوم (عليه السلام)، ولكن ذكر ذلك من باب إفحام الخصم القائل بعدم صحة ما في المتن وكونه مرسلاً فأجاب بذكر السند)[118].

الجواب الثاني: إنّ السند الذي روى به احتجاجات الاِمام العسكري ذكره في أوّل الكتاب على النحو التالي:

حدّثني السيد العالم العابد أبو جعفر مهدي بن أبي حرب الحسيني المرعشي (رضي الله عنه) قال: حدّثني الشيخ الصدوق أبو عبد الله جعفر بن محمّد بن أحمد الدُوريستي، قال: حدّثني أبي محمّد بن أحمد، قال: حدّثني الشيخ السعيد أبو جعفر محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه القمّي رحمه الله قال: حدّثني أبو الحسن محمّد بن القاسم المفسّرالاسترابادي، قال: حدّثني أبو يعقوب يوسف بن محمّد بن زياد وأبو الحسن علي بن محمد بن سيّار، وكانا من الشيعة الإمامية، قالا: حدّثنا أبو محمّد الحسن بن علي العسكري...
والنتيجة: إنّ هذا الإسناد يحول روايات الكتاب من الإرسال إلى الإسناد، فتكون روايات كتاب الاحتجاج مسندة لا مرسلة، وممكن أن تكون مسندة كذلك بالسند الذي قام به بعض المحقّقين، فقد عولجت هذه النقيصة في هذه الطبعة الأخيرة المحقّقة[119] على القدر المستطاع، حيث قام المحقّقان لهذا الكتاب بإرجاع مراسيلها إلى المسانيد، وذلك بالغور في كتب مشايخنا الإمامية، كالكافي للشيخ الكليني، وكتب الصدوق المختلفة، وغيرهما، وبذلك أصبحت جلّ أحاديثه مسندة، خارجة عن الاِرسال).[120]

ويمكن أن يقال: في مقام قبول الرواية عند الطبرسي، هو إن الملاك في قبولها بلحاظ القطع واليقين أو الظن التعبدي الشرعي؛ لانَّ موضوعات الحجية تنقسم الى(المسائل العقائدية) و(المسائل الفرعية الفقهية)، ففي إقامة الحجية تختلف (مسائل الأصول العقائدية) عن المسائل الفرعية الفقهية)، (فالمطلوب في الفقهية هو العمل وإن لم يكن هناك يقين بالصحّة يمكن الحكم بالصحة مع الظن التعبدي الشرعي؛ وهذا بخلاف الحال في الأولى (العقائدية)، فإنّ المطلوب فيها هو الاعتقاد والإذعان والقطع بها، وهو رهن قوّة البرهان ورصانة الحجّة.
فلو توفّرت فيه لنال الإنسان ضالّته المنشودة، من غير فرق بين كونه مسنداً أو مرسلاً، فإنّ الصحة رهن حصول القطع واليقين، بغض النظر عن السند؛ فلأجل ذلك ترك المؤلف الإسناد ورواها بالشكل المرسل، اعتماداً على مضمون الحجّة وقوّتها[121]؛ لأن قوة المضمون قال بها أغلب العلماء والفقهاء المعاصرين كما في قولهم: (ودليلها فيها)
ومن الفقهاء العاملين بقوة المضمون السيد الخوئي (قدس سره) عملياً، بالرغم من أنّ مبناه كما ذكرنا هو الوثاقة نظرياً، ففي مواضع متعددة من تقريرات درسه الشريف؛ قد ذكر في مبحث التنجيم في رواية ذكرها الحر العاملي في الوسائل؛ قال ضعيفة بعبد الله بن عوف وعمر بن سعد ومحمد بن علي القرشي وغيرهم (ولكن آثار الصدق منها ظاهرةٌ)[122].

وفي مبحث جواز ارتزاق القاضي من بيت المال استدل على ذلك بوجوه، منها فقرة واردة في عهد الإمام علي (عليه السلام) لمالك الأشتر ثم قال: (والعهد وإن نقل مرسلاً، إلا أن آثار الصدق لائحة كما لا يخفى للناظر إليه[123]).

وإن قلنا: إنّ وصولَ الحديثِ لمرتبةِ الحُجّيّةِ شرطٌ لإثباتِ الحُكمِ الشرعيّ الإلزاميّ في المسائل الفقهية عند المشهور.

وأمّا في الأحكامِ غيرِ الإلزاميّةِ والتاريخِ والقصصِ والفضائلِ والأدعيةِ والزيارات ِ وغيرِها، فإنه لا يعتمد دائماً فيها على ملاك حُجيّة الحديثِ صدوراً وتؤخذ من وثاقة الراوي، وإنّما الركنُ الأساسُ فيها سلامة وقوة المضمون.

فالقول المختار: هو صحة صدور التوقيعات المباركة الصادرة بشأن الشيخ المفيد (قدس). سواء على مبنى الوثاقة او الوثوق والاطمئنان.

فكلا المبنيين، يثبت صدور تلك التوقيعات لما فيها من قوة المضمون والمعنى وما فيها من الإخبار عن المغيبات التي لا يمكن صدورها الا عن من أذن له الرحمن وقال صوابا.

وقد قالوا: (إن الفقيه يعرف صحّة المضمون من خلال متن الرواية، وهذا الرأي هو الصحيح والمتفق عليه في علم الحديث والدراية وعند مشهور القدماء، بل هو المنهج الروائي عند المتقدمين والمتأخرين وبعض من تلاهم)[124].

وعلى مبنى الوثوق، القائل الوثوق والاطمئنان بصدور الرواية عن
المعصوم(عليه السلام) عن طريق القرائن التي تدل على صحتها، توجب الركون إليها والأخذ بها، كموافقة هذه الروايات للقرآن الكريم والسنة القطعية والعقل، ومسلّمات التأريخ، وهذا مسلك القدماء وكثير من علمائنا المعاصرين.

وقد تحصل أنّ مجموع ما ذكر من قرائن توجب الاطمئنان على صدور الروايات، بل والأكثر من ذلك أن شهرة التوقيعات أعطت معروفية كاشفة عن الإجماع، الذي ذكره بن البطريق قائلاً: (ما ترويهِ كافّة الشيعةِ وتتلقّاهُ بالقبول من أنّ صاحب الأمر صلواتُ اللهِ وسلامُه عليه وعلى آبائه كتبَ إليه ثلاثةَ كتب، في كل سنة كتاب).

وقالَ الميرزا النوريّ[125] بعد نقل كلامي الطبرسي وابن بطريق: (فظاهرُ نصِّ هذينِ الشيخينِ المُعظّمين أنّ هذين الكتابين كانا مشهورين ومقبولين عندَ الأصحابِ، ولم يتأمّلوا في روايتهما، ولو لم يكُن أنّهم وجدوا علامةَ الصدقِ وشاهدَ القطعِ في المُبلّغِ والموصلِ للتوقيعات، وغيرها من القرائن، بين علماء الطبقة القريبة من الغيبة الصغرى وفي بداية الغيبة الكبرى.

وإن قلنا: بمجهولية الموصل للتوقيعات على فرض جهالته، فإنها لا تضرّ كون مثل الشيخ المفيد فقيهاً محدثاً متكلماً قد وقفَ أيضاً على آيةٍ وعلامةٍ وقرينة قطعية على أنّهما منهُ(عليه السلام)، كأمثال ما ذكرناها من معروفية خط الإمام(عليه السلام)، وتواتره واشتهاره، وإلا فكيفَ يمكنُ للأصحاب أن يتلقوهما ويقبلوهما من دونِ شواهد وآيات، وينسبوهما جازمينِ
إليه (عليه السلام)؟

وإن كان القول: بأنّ روايات كتاب الاحتجاج بحكم الإرسال[126].

قلنا: إنّ هذا الحكم بالإرسال لايضر بروايات الكتاب ومنها التوقيعات، كون التوقيعات مشهورة شهرة عظيمة تكاد أن تصل إلى حد القطع بصدوره عن الإمام المهدي (عليه السلام).

وإن هذه الشهرة والمعروفية بصدور الروايات وأخذها أخذ المسلمات يُكسبها المفروغية عن النظر في أسانيدها؛ لأنّ النظرَ في الأمور المفروغ منها يكون تحصيل حاصل، وهو مما لا يقبله العقلاء.

وكذلك إنّ هذه الشهرة والمعروفية للتوقيعات تثبت وجود مرتكز متشرعي، وهو لا يمكن نشوؤه عبثاً بلا علة - لاستحالة صدور المعلول بلا علة – وإن العلة له هو وصوله يداً بيد عن
المعصوم(عليه السلام)[127].

وبعد معالجة الإرسال والوقوف على كبرى كلية في المباحث السابقة[128]، نحن نحكم بالإسناد وإن التوقيعات مسندة وبسند صحيح، فراجع المعالجة السندية في الأبحاث السابقة والطبعة الأخيرة للكتاب[129].

ونتيجة البحث: إنّ الكتاب من الكتب المهمة التي قال العلماء بصحة رواياتها؛ لشهادة مؤلفه في مقدمة الكتاب، والقرائن الدالة على اعتبار رواياته.

وإذْ لا إشكال في المؤلّف، وهو أبو منصور أحمد بن علي بن أبي طالب الطبرسي، فإنّه من الأجلاء الثقات[130].

كما لا إشكال في ثبوت الكتاب ونسبته إلى مؤلّفه، فإن لصاحب الوسائل طريقاً معتبراً إليه[131].

وما يمكن أن نستفيده من شهادة المؤلف وحاصل ما أفاده، أن روايات الكتاب صحيحة بهذا الاعتبار؛ لأنها لا تخلو إما أن تكون مطابقة للإجماع، أو موافقة للعقل، أو موافقة للشهرة بين المؤالف والمخالف، ولذلك حذف الشيخ الطبرسي أسانيد الروايات؛ لعدم الحاجة إلى ذكرها، إلا ما أورده من تفسير الإمام الحسن العسكري(عليه السلام).

ومن هذه الروايات التي نقول بصحتها، وبحسب القرائن التي ذكرناها في طيات البحث في المطالب المتقدمة، هي التوقيعات الصادرة بشأن الشيخ المفيد (قدس سره). وهذا هو القول المختار في المسألة.

الخاتمة والنتائج:

إنّ لكل بحث خاتمة ونتائج، وتلخص مما تقدم أنّ النتائج التي ظهرت من خلال البحث التي خرج بها الباحث هي:

الأولى: من النتائج هي إنّ التوقيع في المصطلح الروائي الصادر عن المعصوم (عليه السلام):
يُطلق في لسان رواياتنا، طِبقاً للعرف السائد آنئذٍ؛ بنحوها بمعناه العام.

وأما بمعناه الخاص فالتوقيع هو: جوابٌ مكتوبٌ يُجيب به المعصوم (عليه السلام) على سؤال أو أسئلة ترد عليه، وربَّما يصدر ابتداءً من دون أن يسبق السؤال، أي عدم احتياج التوقيع إلى سؤال؛ لأنَّ التوقيعات الصادرة عنهم (عليهم السلام) لم تكن مقتصرة على جواب الأسئلة، وإن كان الأغلب هو ذلك، بل كانت المكاتبات والتوقيعات على نحو بيانات.

الثانية: وتنقسم المكاتبات والتوقيعات بحسب ورودها على صور:

الصورة الأولى: أن يكون راوي المكاتبة هو صاحبها الذي ورد جواب المعصوم (عليه السلام) إليه.

الصورة الثانية: أن يكون راوي المكاتبة غير صاحبها الذي ورد إليه الجواب.

الثالثة من نتائج البحث: حجية المكاتبات والتوقيعات. يمكن القول: بأنه قد ثبت أنّ الحجية للمكاتبات والتوقيعات الصادرة من المعصوم بخطه(عليه السلام) الثابت بالاشتهار والتواتر، المفيد للوثوق والاطمئنان، والواصلة إلى علمائنا الأعلام القريبين من زمن النص، ويجري ذلك إلى من جاء من بعدهم ممن لم يعاصر المعصوم لكن وصله خط المعصوم (عليه السلام) بنفس هذه الشهرة والتواتر.

وما يدل عليه بالسيرة المتشرعية الممتدة من زمن الأئمة المعصومين(عليهم السلام) إلى فترة علمائنا المتقدمين الذين يمكن القول بوصول خط الإمام المعصوم إليهم أو معرفتهم لخط المعصوم(عليه السلام) وتميزه عن غيره.

الرابعة: من النتائج ذكر الباحث في المطلب الثالث: حقيقة المكاتبات والتوقيعات تاريخياً وبيان مراحلها:

المرحلة الأولى: إذا لاحظنا المكاتبات والتوقيعات بما هي أحداث ووقائع تاريخيّة يمكن أن تكون بداياتها في زمن النبي
محمد(صلى الله عليه وآله)، والشاهد على ذلك صلح الحديبية في السنة السادسة للهجرة.

المرحلة الثانية: واذا لاحظناها في مقام السُنة الحاكية عن الشّريعة، والتي تُأخذ منها الأحكام الشرعية وبما وصل إلينا بأسانيد ومتون ويمكن أن نحاكمها لقواعد التصحيح والاعتبار، تكون هي المرحلة الأولى.

إذْ إنّ أول شيوع الحديث المكاتب كبديل عن المشافهة بالسؤال في عهد الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) لمالك الاشتر، أو جواباته المكتوبة لأسئلة معاوية.

المرحلة الثالثة: وهي مرحلة احتجاب الأئمة القسري من قبل السلطات الحاكمة وعزلهم(عليهم السلام) عن شيعتهم كما بدأ واشتد ذلك في عصر زمان الإمام الكاظم(عليه السلام)؛
ومن الشواهد على ذلك مسائل علي بن جعفر لأخيه الإمام موسى بن جعفر(عليه السلام).

المرحلة الرابعة: هي مرحلة التوظيف الإيجابي للاحتجاب القسري والتخطيط الاستراتيجي للغيبة.

وقد بدأت في عصر زمان الإمامين الهادي وابنه العسكري(عليهما السلام)، وأصبح الاحتجاب جزءاً من التخطيط لغيبة الإمام المهدي (عليه السلام).

وأصبحت الحاجة إلى المكاتبات والتوقيعات ضرورية في زمان الإمامين الهاديين العسكريين؛ لإبعاد الدولة لهما عن قواعدهما الإيمانية، ولاعتقالهم في محلِّ سكناهم، في السجن الصغير أو الكبير، ولتفرّق شيعتهم في البلدان البعيدة عن حاضرة الإمام ومحلِّ إقامته، وقد ظهر بهذا وجود مسائل الرجال ومكاتباتهم للإمام الهادي(عليه السلام)، وللإمام العسكري(عليه السلام) خاصة، حتى صارت تُذكر بعنوان مسائل أبي محمد وتوقيعاته؛ والجميع مشمول بعنوان الحديث المكاتب، كون الأسئلة والأجوبة تحريرية.

الرابعة: من النتائج هي الثمرات التي توخاها الإمام العسكري (عليه السلام) من التوقيعات؟

الجواب: لقد جمع الإمام العسكري(عليه السلام) بين أمرين في هذه التوقيعات:

 ١. العمل على عدم حصول خلل في حاجات شيعته الفكرية والروحية والمادية.

٢. والأهم هو تعويد الشيعة على ثقافة الغيبة.

الخامسة: في تاريخية التوقيعات هي مرحلة الاحتجاب التام والاعتماد الذاتي على ركنين أساسين:

الأول: السفراء والوكلاء، وهو ما ذكرناه من اعتماد الإمام العسكري، وكان سمة بارزة بحركته المباركة.

الثاني: هو المكاتبات والتوقيعات بما هي الواسطة المهمة والأصل في تواصل الإمام (عليه السلام) مع شيعته ومواليه.

السادس من النتائج: في المبحث الثاني ذكر الباحث: طرق التوقيعات الصادرة بشأن الشيخ المفيد وأقوال العلماء فيها:

الطريق الأول: فمن تلك المصادر التي نقلت التوقيعات كتابُ الاحتجاجِ، قد نقلَ الشيخُ الطبرسيّ رسالتينِ منَ الناحيةِ المُقدّسةِ(عجل الله تعالى فرجه الشريف) إلى الشيخِ المُفيد (رضوانُ اللهِ عليه)، إذْ هو أشهر المصادر التي ذكرت التوقيعات ونقل علماؤنا عنها.

الطريق الثاني: ومن المصادر التي نقلت التوقيعات إلينا كتابِ الخرائجِ والجرائح؛ نقلَ الشيخ قطبُ الدينِ الراونديّ المتوفّى٥٧٣هـ؛ مقطعاً من الرسالة الأولى، ومِن الرسالةِ الثانية مقطعاً آخر، فقد ادرج إحداهُما في الأخرى.

الطريق الثالث: يمكن أن يكون مصدراً وطريقاً لذكر التوقيعات، وإن كان ليس طريقاً مباشراً وإنما تلويح لها عن أصل وجودها، حيث أشار ابنُ شهرِآشوب المازندراني المتوفّى (٥٨٨هـ)؛ في كتابه معالمِ العلماء.[132] ِ

الطريق الرابع: وهو يمكن أن يكون طريقاً، لكنه طريق بالواسطة حيث نقلَ الشيخُ يوسف البحرانيّ في كتابه لؤلؤة البحرين قائلاً: (وذكرَ الشيخُ يحيى بنُ بطريق الحليّ في رسالةِ نهج العلومِ إلى نفي المعدوم) قال: ما ترويهِ كافّة الشيعةِ وتتلقّاهُ بالقبولِ، من أنّ صاحبَ الأمرِ صلواتُ اللهِ وسلامُه عليه وعلى آبائه (لقبه بالشيخ المفيد).

يوجد فرق بين تلقيب الإمام المهدي (عليه السلام) له بلقب المفيد، وبين من سماه بالمفيد، فإن النتيجة واحدة، ولكن من الذي وضع التسمية بالمفيد، ومن الذي استعمل التسمية.

السابعة: من النتائج: ذكر الباحث في المطلب الثاني: الأقوال في المسألة بين الإثبات والنفي والقرائن المؤيدة لها:

ويقع الكلام في هذه التوقيعات على قولين:

القول الأول: وهو القول بالإثبات، وهو المشهور، بل عليه الإجماع، ولا خلاف للعلماء على هذا القول؛ وهو ثبوت صدور هذه التوقيعات من الإمام المهدي(عليه السلام) وهو ما ذهب إليه جملة من العلماء إضافة للطبرسي والراوندي وابن شهر آشوب وابن البطريق – قد تلقوا هذه التوقيعات بالقبول؛ بل نسب ابن البطريق روايتها وقبولها إلى كافة الشيعة.

والقول الثاني: وهو القول بالنفي أي عدم ثبوت صحة هذه الرسائل؛ لوجود مشكلة الإرسال وهي ثابتة، ولا يمكن حل الإرسال لوجود الجهالة في الواسطة بين الشيخ الطبرسي والشيخ المفيد. وذهب إلى هذا القول السيد الخوئي(قدس سره)
وآخرون.

الثامنة: من النتائج قد ذكر الباحث في المبحث الثالث: معالجة الإرسال والقول المختار مع القرائن الدالة عليه، ففي المطلب الأول: معالجة الإرسال، ونحن في محل الكلام عن الحديث المرسل، فإنّ الإرسال في سند الحديث لا يمكن أن يكون علة تامة لضعفه، ولعل بعض العلماء والفقهاء قدم المرسل على المسند في بعض الأحيان، وإلا ما فائدة حديث مسند يخالف الأصول والقواعد والعقائد، الصادرة من القرآن الكريم والسنة الشريفة؛ ولا شك أن الحديث المرسل يتقوى بغيره ويرتفع إلى درجة الحسن أو الصحيح أحياناً.

النتيجة القول في الحديث المرسل: وإن كان المُرسِل للحديث هو ممن يوثق بدينه ثبتاً ثقة، ممن لا يتصور معه الاتيان بالباطل، والكذب والافتراء والبدع، فيمكن أن يطمأن لحديثه والأخذ منه، وقبول ما يرسله ويرويه، وإن كان المرسل هو الشيخ الطبرسي فمثل الشيخ الطبرسي ممن يشهد له بالفضل، فقال الحر العاملي في أمل الآمل (عالمٌ فاضلٌ فقيهٌ، مُحدث ثقة).

التاسعة: من النتائج هو إثبات صدور هذه التوقيعات من خلال أصل وجود كبرى كلية قبول الحديث المرسل مع القرائن المذكورة؛ وإن التوقيعات الصادرة من الإمام المهدي(عليه السلام) في غيبته الصغرى كثيرة حتى عدّ السيد الخرسان أنها أكثر من التوقيعات الصادرة من آبائه (عليهم السلام).

والحال يمكن إثبات صغرى أنّ موقع الشيخ المفيد لا يقل أهمية عن باقي السفراء والوكلاء الذين تمت مكاتبتهم بالتوقيعات، مع الأخذ بنظر الاعتبار أن مرجعية الشيخ المفيد وأهمية تثبيت عقائد الناس في بداية الغيبة الكبرى، كافية لأن تعطي انطباعاً عن مثل وجود هذه التوقيعات؛ للحاجة الماسة إليها في مثل تلك الفترة الجديدة العهد للشيعة من فقدان شخص إمامهم وغيبته التامة.

العاشرة من النتائج: ذكر الباحث: وإن كان القول بأن روايات كتاب الاحتجاج بحكم الإرسال. فإن هذا الحكم بالإرسال لايضر بروايات الكتاب ومنها التوقيعات، كون التوقيعات مشهورة شهرة عظيمة تكاد أن تصل إلى حدّ القطع بصدورها عن الإمام المهدي(عليه السلام).

وإنّ هذه الشهرة والمعروفية بصدور الروايات وأخذها أخذ المسلمات يُكسبها المفروغية عن النظر في أسانيدها؛ لأن النظرَ في الأمور المفروغ منها يكون تحصيل حاصل، وهو مما لا يقبله العقلاء.

الحادي عشر من النتائج: هي إن البحث في الحقائق المفروغ من صحتها واشتهارها وموافقتها للقرآن الكريم والسنة القطعية والعقل يستدعي الشك فيها، وقد نهى الإمام المهدي (عليه السلام) عن الشك، واستدل بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ المائدة ١٠١ .

ويستلزم منه السؤال غير المرغوب فيه كما جاء في قوله (عليه السلام) في بعض توقيعاته، كالتوقيع الذي خرج فيمن ارتاب فيه صلوات الله عليه (لو لا أن أمر الله لا يغلب، وسرّه لا يظهر ولا يعلن، لظهر لكم من حقنا ما تبهر منه عقولكم ويزيل شكوككم، لكنه ما شاء الله كان ولكل أجل كتاب، فاتقوا الله وسلّموا لنا وردوا الأمر إلينا، فعلينا الإصدار كما كان منا الإيراد، ولا تحاولوا كشف ما غطي عنكم، ولا تميلوا عن اليمين وتعدلوا إلى اليسار…).

الثاني عشر من النتائج: القول المختار والقرائن الدالة عليه وإثبات صحة صدور التوقيعات والدليل عليها.

وكذلك إن هذه الشهرة والمعروفية للتوقيعات تثبت مرتكزاً متشرعياً، وهو لايمكن نشوؤه عبثاً بلا علة - لاستحالة صدور المعلول بلا علة – وإن العلة له هو وصوله يداً بيد عن المعصوم (عليه السلام)..

 

وآخر ما أقول: هو ما وجد على قبره مكتوباً:

لا صوَّت الناعي بفقده إنهُ                   يوم على آل الرسول عظيم

فإن كنت قد غيبت في جدث الثرى         فالعدل والتوحيد فيك مقيم.

السلام على الشيخ المفيد والعالم السديد البحر الزاخر والعلم الفاخر والعلم الواضح في خدمة الدين والعقيدة.

ختامه مسك قرآني ﴿فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ الله وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِين﴾ البقرة الآية ٦٠.

آخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وبه نستعين لنصرة إمامنا وشفيع ذنوبنا، وصلى الله على محمد وآل محمد صلاة شارحة لمنقولهم في مسطورهم.

قائمة المصادر والمراجع:

القرآن الكريم:

1)      ابن الأثير، أبو الحسن عز الدين علي، الكامل في التاريخ، دار صادر للمطبوعات، لبنان، بيروت، 2015، ج2.

2)      ابن النديم، الفهرست، دار المعرفة، بيروت، لبنان، 2009.

3)      ابن شهرآشوب، رشيد الدين أبو جعفر محمد بن علي، معالم العلماء، تحقيق مؤسسة ال البيت لأحياء التراث، مطبعة ستارة قم، قم، 1431هـ.

4)      ابن فارس، أحمد بن فارس، معجم مقاييس اللغة، تحقيق: عبد السلام محمد هارون، دارالفكر، بيروت، لبنان، 1399هـ، 1979م.

5)      ابن هشام، عبد الملك، السيرة النبوية، تحقيق: مصطفى السقا وإبراهيم الأبياري، عبد الحفيظ الشلبي، مطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده، مصر، 1375 هـ، 1955م.

6)      الأمين، محسن، أعيان الشيعة، تحقيق حسن الأمين، دار التعارف، لبنان، 1983، ج١.

7)      الايرواني، محمد باقر، دروس تمهيدية في الفقه الاستدلالي، مؤسسة الفقه للطباعة والنشر، ١٤٢٥ه‍، ج1.

8)      بحر العلوم، محمد مهدي، الفوائد الرجالية، منشورات مكتبة الصادق، طهران، ايران، ج٣.

9)      البحراني، المحدث يوسف بن أحمد بن إبراهيم، لؤلؤةِ البحرين، تحقيق وتعليق السيد محمد صادق بحر العلوم، ٢٠٠٨م، ١٤٢٩هـ.

10)  البحراني، يوسف، كشكول البحراني، مؤسسة الوفاء، لبنان، بيروت، 1985، ج١.

11)  البروجردي، السيد حسين الطباطبائي، جامع أحاديث الشيعة، المطبعة العلمية، لبنان، 1422هـ، ج ١.

12)  البهائي، محمد بن الحسين العاملي، مشرق الشمسين واكسير السعادتين الملقب بمجمع النورين ومطلع النيرين، تحقيق مهدي الرجائي، مؤسسة الطبع والنشر التابعة للأستانة الرضوية المقدسة، مشهد المقدسة، 1387هـ.

13)  التبريزي، الميرزا محمد علي التوحيدي، مصباح الفقاهة مصباح الفقاهة من تقرير بحث الاستاذ الأكبر آية الله العظمى السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي، مؤسسة انصاريان للطباعة و النشر، قم، 1417هـ، ج 1.

14)  التستري، أسد الله الدزفولي، مقابس الأنوار، تحقيق مؤسسة ال البيت لأحياء التراث، مطبعة الوفاء، إيران، 1444هـ، ج١.

15)  الحر العاملي، محمد بن الحسن، أمل الآمل، تحقيق السيد احمد الحسيني، مطبعة الاداب، النجف الاشرف، 1385هـ.

16)  الحر العاملي، محمد بن الحسن، وسائل الشيعة الى تحصيل مسائل الشريعة، مؤسسة الاعلمي للمطبوعات، بيروت، 2017.

17)  الحسون، فارس، المجازر والتعصبات الطائفية في عهد الشيخ المفيد، طبع هذا الكتاب بمناسبة مرور أربعين يوم على وفاة المؤلف، طبع 1426هـ.

18)  الحلّي، ابن إدريس محمد بن منصور، كتاب السرائر، مؤسسة النشر الإسلامي، أيران، قم، ج٣.

19)  الحِميَري، محمد بن عبد المنعم، الروض المُعطار في خبر الأقطار، تحقيق د. إحسان عباس، دار السراج، ١٩٨٠ م.

20)  الخُراساني، جمعه ابو عثمان سعيد بن منصور، سنن سعيد بن منصور، تحقيق الدكتور سعد بن عبد الله بن عبد العزيز، دار الصميعي، 1414هـ، ج1.

21)  الخرسان، محمد صادق، محاضرات في علم الحديث المقارن، تحقيق محمد علي الشيخ محراب الرحيمي، دار الندوة للطباعة، النجف الاشرف،

22)  الخوانساري، روضات الجنّآت في أحوال العلماء والسادات، تحقيق وشرح السيد محمد علي روضاتي، مطبعة حبل المتين، أصفهان، 1341هـ، ج١.

23)  الداوريّ، مسلم، إصول علم الرجال، تحقيق محمد علي صالح المعلم، إيران، قم، 1995، ج١.

24)  الدخيل حمد بن ناصر، التوقيعات في العصر الإسلامي، جامعة محمد بن سعود الإسلامية، كلية اللغة العربية، الرياض.

25)  الذهبي، سير اعلام النبلاء، رتبه حسان بن عبد المنان، طبع بيت الأفكار الدولية، لبنان، 2004، ج18.

26)  الراوندي، قطب الدين، الخرائج والجرائح، دار الاعلمي للمطبوعات، بيروت، لبنان، 1991، ج٢.

27)  الرشتي، المولى رفيع بن علي الجيلاني، رسالة في علم الدراية، تحقيق حسين حسني، ب.د. ج٢.

28)  السبحاني، جعفر، كليات علم الرجال، مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)، ١٤١٤ ه‍.

29)  السبحاني، جعفر، مقدمة كتاب الاحتجاج، تحقيق البهادُري ومحمد هادي بِه، دار الاسوة التابعة لوزارة الأوقاف والشؤون الخيرية، قم، ١٤٣١ه‍، ج1.

30)  السيد البطليوسي، ابو محمد عبد الله بن محمد، الاقتضاب في شرح أدب الكتاب، تحقيق: مصطفى السقا، حامد عبد المجيد، ج1.

31)  السيد الخوئي، أبي القاسم، معجم رجال الحديث، طبع في مكتبة الامام الخوئي، النجف الاشرف.

32)  شوقي، ضيف، تاريخ الأدب العربي العصر العباسي الأول، دار المعارف، مصر، 2004م.

33)  الشيخ الجواهري، الشيخ محمد حسن النجفي (ت1266هـ)، جواهر الكلام، الناشر: دار الكتب الإسلامية، طهران، تحقيق وتعليق: الشيخ عباس قوجاني، الطبعة الثانية، 1365ش.

34)  الشيخ الصدوق، أبو جعفر محمد بن علي ابن بابويه القمي، عيون اخبار الرضا، دار المرتضى للطباعة، بيروت، 2015، ج٢.

35)  الشيخ الصدوق، ابو جعفر محمد بن علي بن بابويه القمي، كمال الدين واتمام النعمة، مؤسسة الاعلمي للمطبوعات، بيروت، 2017.

36)  الشيخ الصدوق، أبو جعفر محمد بن علي بن بابويه القميّ، مَنْ لآ يحضره الفقيه، منشورات جماعة المدرسين في الحوزة العلمية في قم، قم، 1404هـ، ج٤.

37)  الشيخ الطوسي، أبو جعفر محمد بن الحسن، كتاب الغيبة، تحقيق علي أكبر الغفاري، بهراد الجعفري، دار الكتب الإسلامية، قم، ١٤٢٣ه‍.

38)  الشيخ الكليني، محمد بن يعقوب بن إسحاق، الكافي، منشورات الفجر، بيروت، لبنان، 2007.

39)  الشيخ المظفر، محمد رضا، عقائد الأمامية الحاجة إلى الإمامة، قدم له الدكتور حامد حنفي داوود، طبع على نفقة مرتضى السيد محمد الرضوي.

40)  الصدر، السيد حسن، تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام، منشورات ذوي القربى، مطبعة سليمانزادة، ايران، قم، 1391هـ .

41)  الصدر، السيد حسن، نهاية الدراية، تحقيق ماجد الغرباوي، مطبعة أعتماد، إيران، قم.

42)  الطبرسي، احمد بن علي ابن ابي طالب، الاحتجاج، تحقيق البهادُري ومحمد هادي بِه، إشراف الشيخ جعفر السبحاني، دار الاسوة للطباعة، إيران، قم، ج2.

43)  الطبري، ابو جعفر، محمد بن جرير، تاريخ الرسل والملوك، دار صادر، بيروت، 2011، ج٧.

44)  الطهراني، آغا بُزرك، مصفى المقال في مصنفي علم الرجال، اعتنى بتصحيحه ونشره ابن المؤلف احمد نزوي، جايخانة دولتي إيران، 1959م.

45)  الطوسي، ابو جعفر محمد بن الحسن، الرسائل العشر، دار النشر الاسلامي التابع لجماعة المدرسين قم المقدسة، قم.

46)  الطوسي، ابو جعفر محمد بن الحسن، العدة في أصول الفقه، تحقيق محمد رضا الانصاري القمي، مطبعة ستارة قم، قم، 1417هـ، ج١.

47)  العبودي عباس، شرح أحكام قانون الإثبات المدني، دار الثقافة للنشر والطباعة، بغداد، 2020.

48)  العسقلاني، ابن حجر، لسان الميزان، أعتنى به عبد الفتاح أبو غدة، دار البشائر للطباعة، بيروت، 2002.

49)  الغريفي الموسوي، محي الدين، قواعد الحديث، المؤسسة الإسلامية للبحوث والمعلومات، قم المقدسة، ١٤٢٩هـ، ٢٠٠٨م، ج2.

50)  الفراهيدي، أبوعبد الرحمن الخليل بن أحمد (ت ١٧٠هـ)، كتاب العين، المحقق: د مهدي المخزومي، د إبراهيم السامرائي، دار ومكتبة الهلال، بيروت، ج2.

51)  القمي، عباس، مفاتيح الجنان، دار الأضواء، لبنان، بيروت، 2014.

52)  القمي، عباس، منتهى الآمال في تواريخ النبي والال، ترجمة نادر التقي، مؤسسة دار المجتبى للطباعة والنشر، قم، 2015، ج٢.

53)  الكاظمي، محسن ابن السيّد حسن الحسيني، عدة الرجال، تحقيق مؤسسة الهداية لأحياء التراث، مطبعة أسماعيليان، إيران، تهران.

54)  الكلباسي، ابو المعالي محمد بن محمد بن إبراهيم، الرسائل الرجالية، تحقيق محمد حسين الدرايتي، مؤسسة دار الحديث العلمية الثقافية، بيروت، ١٤٢٨ه‍، ج2، ج٤.

55)  المازندراني، ابن شهرآشوب، مناقب آل أبي طالب، منشورات المطبعة الحيدرية، النجف الاشرف، 1986، ج3.

56)  المامقاني، الشيخ عبد الله، تنقيح المقال في علم الرجال، تحقيق واستدراك الشيخ محي الدينَ الْماَمقاني، مؤسسة ال البيت لأحياء التراث، قم، ج6.

57)  المامقاني، الشيخ عبد الله، مقباس الهداية في علم الدراية، تحقيق محمد رضا المامقاني، مطبعة نكارش، قم، 1385هـ، ج١.

58)  المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، تحقيق محمد باقر محمودي، منشورات مطبعة وزارة الارشاد الإسلامي، إيران، 1360هـ، ج1.

59)  المسعودي، أبو الحسن علي بن الحسين بن علي، مروج الذهب ومعادن الجوهر، دار القلم، بيوت، 1960، ج٤.

60)  المسعودي، إثبات الوصية، تحقيق عباس الكشميري، مراجعة محمد كاظم المعموري، مؤسسة تراث الشيعة، قم.

61)  المفيد، الشيخ محمد بن النعمان التلعُكبري، الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد، دار المفيد، مؤسسة آل البيت(عليهم السلام)، قم، ج2.

62)  المير داماد، الرواشح السماوية، تحقيق نعمة الله الخليلي، دار الحديث للطباعة، بيروت،

63)  الميرزا الطبرسي، العلامة حسين، النجمِ الثاقب في أحوال الامام الغائب، تعريب ياسين الموسوي، منشورات الرضا للطباعة والنشر والتوزيع، لبنان، 2014.

64)  الميرزا الطبرسي، العلامة حسين، خاتمة مستدرك الوسائل، تحقيق مؤسسة آل البيت(عليهم السلام) لأحياء التراث، بيروت، 2008، ج١.

 

[1] الدخيل، حمد بن ناصر، التوقيعات في العصر الإسلامي.
[2] شوقي، ضيف، تاريخ الأدب العربي العصر العباسي الأول، ص489.
[3] ابن فارس، أحمد بن فارس، معجم مقاييس اللغة، ج6، ص134.
[4] السيد البطليوسي، أبو محمد عبد الله بن محمد، الاقتضاب في شرح أدب الكتاب، ج١، ص١٩٦.
[5] السيد البطليوسي، أبو محمد عبد الله بن محمد، الاقتضاب في شرح أدب الكتاب، ج١، ص١٩٦.
[6] الفراهيدي، أبوعبد الرحمن الخليل بن أحمد، كتاب العين، ج٢، ص١٧٧.
[7] الخرسان، محمد صادق، محاضرات في علم الحديث المقارن، ص٤٠٧.
[8] الصدر، السيد حسن، نهاية الدراية، ص١٧٠، وينظر: المير داماد، الرواشح السماوية، ص٢٤٢.
[9] الرشتي، المولى رفيع الجيلاني، رسالة في علم الدراية، ج٢، ص٢٩٢.
[10] ينظر: العبودي، عباس، شرح أحكام قانون الإثبات المدني، ص138.
[11] الحر العاملي، الوسائل، ج ١٠، ص٢٢٦، أبواب من يصح منه الصوم، ب ٢٤، ح ١.
[12] الحر العاملي، الوسائل، ج ١٠، ص115. أبواب ما يمسك عنه الصائم، ٤٤، ح٣.
[13] الحر العاملي، الوسائل، ج9، ص541، أبواب الأنفال، ب 3، ح ٥.
[14] الجواهري، الشيخ محمد حسن، جواهر الكلام، ج40، ص305.
[15] الحر العاملي، الوسائل، ج23،139، أبواب المكاتبة، ب٢، ح1.
[16] الحر العاملي، الوسائل، ج22، ص130، أبواب أقسام الطلاق، ب، ج 1.
[17] الحر العاملي، الوسائل، ج23، ص139، أبواب المكاتبة، ب٢، ح1.
[18] الحر العاملي، الوسائل، ج9، ص541، أبواب الأنفال، ب 3، ح.
[19] الحر العاملي، الوسائل، ج8، ص٥٢٥، أبواب صلاة المسافر، ب ٢٥، ح ٤.
[20] الحر العاملي، الوسائل، ج17، ص197، أبواب ما يكتسب به ب٤٦، ح١٤.
[21] الشيخ الصدوق، أبو جعفر محمد بن علي بن بابويه القمي، كمال الدين وإتمام النعمة، باب ٤٥، ح٣.
[22] الحر العاملي، الوسائل، ج10، ص٥٨، أبواب ما يمسك عنه الصائم، ب١٣، ح٥.
[23] ينظر: الداوريّ، مسلم، أصول علم الرجال، ج١، ص٤٦٧، قال: من طرق نقل الرواية هي ١.النسخة: وهي الروايات المستنسخة عن خط الإمام (عليه السلام) أو المنقولة عن خطه مثال في ترجمة سفيان بن عيينة: (له نسخه عن خط جعفر بن محمد) الرسالة: وهي ما يكتبه الإمام (عليه السلام) إلى شخص أو أشخاص كرسالة الحقوق للإمام زين العابدين ورسالة أبي جعفر إلى سعد بن طريف الحنظلي، ورسالة الإمام الصادق (عليه السلام) عبد الله بن النجاشي، وغيرها من طرق نقل الرواية مكتوبة كانت أو لا.
[24] الداوريّ، مسلم، أصول علم الرجال، ج١، ص٤٦٧.
[25] ابن النديم، الفهرست، ص٢٤٦.
[26] الشيخ الصدوق، أبو جعفر محمد بن علي بن بابويه القميّ، مَنْ لآ يحضره الفقيه، ج٤، ص٢٠٣.
[27] الحر العاملي، الوسائل، ج ١٩، ص٣٧٦.
[28] الشيخ الصدوق، أبو جعفر محمد بن علي بن بابويه القميّ، مَنْ لآ يحضره الفقيه، ج٤، ص٢٠٣.
[29] الشيخ الكليني، محمد بن يعقوب بن إسحاق، الكافي، ج٧، ص٤٧، ب٣٥ (من أوصى إلى اثنين فينفرد كل واحد منهما ببعض التركة، ح١) وينظر: الحر العاملي، الوسائل، ج٢، ص٥٢٦، أبواب غسل مس الميت، ب٥، ح٢.
[30] كتاب دُرُسْت بن أبي منصور الواسطيّ، ومعنى درست أي صحيح، واسم أبي منصور: قال النجاشي درست بن أبي منصور محمد الواسطي (كان حياً بعد 183 هـ)، وروى عن أبي عبد الله وأبي الحسن (عليهما السلام)، له كتاب يرويه جماعة منهم سعد بن محمد الطاطري. وقال الشيخ الطوسي في ترجمته: إن رواياته في كتبه عن الرجال الموثوق بهم وبرواياتهم، وهذا شهادة من الشيخ بوثاقة مشايخ علي بن الحسن الطاطري ضمناً. قال السيد الخوئي: الظاهر وثاقة الرجل؛ لرواية علي بن الحسن الطاطري عنه في كتابه.
[31] الميرزا الطبرسي، العلامة حسين، خاتمة مستدرك الوسائل، ج١، ص٣٨.
[32] المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ج1، ص299.
[33] منصور بن الحسين الآبي توفي سنة ٤٢٢ه‍، فاضل عالم فقيه شاعر نحوي لغوي جامع لأنواع الفضل. قرأ على الشيخ الطوسي وذكره منتجب الدين، وصاحب أمل الآمل، ينظر: الأمين، محسن، أعيان الشيعة، ج١، ص١٣٨.
[34] الميرزا الطبرسي، العلامة حسين، خاتمة مستدرك الوسائل، ج١، ص٣٨.
[35] الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج ٣٠، ص٢١٢، الفائدة السادسة (في صحة الكتب المعتمدة في تأليف هذا الكتاب، وتواترها، وصحة نسبتها، وثبوت أحاديثها عن الأئمة(عليهم السلام)).
[36] الحلّي، ابن إدريس محمد بن منصور، كتاب السرائر، ج٣، ص٥٨٩. وإن ابن إدريس من أحفاد الشيخ الطوسي جده لأمه، بواسطة واحدة توفي في ١٨شوال ٥٩٨ هـ، في الحلة.
[37] السبحاني، جعفر، كليات علم الرجال، ص٥٠١.
[38] القمي، عباس، مفاتيح الجنان، ص٤٧، الفصل الأول، في التعقيبات العامة.
[39] المامقاني، الشيخ عبد الله، مقباس الهداية، ج١، ص٢١٧ بالتسلسل ٢٦ الحديث المكاتب.
[40] المامقاني، الشيخ عبد الله، مقباس الهداية، ج١، ص٢١٧ بالتسلسل ٢٦ الحديث المكاتب.
[41] الغريفي الموسوي، محي الدين، قواعد الحديث، ج٢، ص٢٣٧.
[42] ابن الأثير، الكامل في التاريخ، ج 2، ص85.
[43] ابن هشام، عبد الملك، السيرة النبوية، ص106.
[44] الخُراساني، جمعه أبو عثمان سعيد بن منصور، سنن سعيد بن منصور، ج1، ص63، رقم ١٢٥
[45] ينظر: الخرسان، محمد صادق، محاضرات في علم الحديث المقارن، ص٤٠٩.
[46] ينظر: الحِميَري، محمد بن عبد المنعم، الروض المُعطار في خبر الأقطار، ص٥٧٥.
[47] الطبري، أبو جعفر، محمد بن جرير، تاريخ الرسل والملوك، ج٧، ص١٣٢.
[48] الشيخ الصدوق، أبو جعفر محمد بن علي ابن بابويه القمي، عيون أخبار الرضا، ج٢، ص١٩٤.
[49] الأمين، محسن، أعيان الشيعة، ج٢، ص٥٦٦ - ٥٦٨.
[50] المسعودي، علي بن الحسين بن علي، مروج الذهب، ج٤، ص٨٤.
[51] الخرسان، محمد صادق، محاضرات في علم الحديث المقارن، ص٤١٦.
[52] القمي، عباس، منتهى الآمال، ج٢، ص٥٦٥، المسعودي، إثبات الوصية، ص٢٦٢.
[53] الشيخ الكليني، محمد بن يعقوب بن إسحاق، الكافي، ج٣، ص٢٥١.
[54] المازندراني، ابن شهرآشوب، مناقب آل أبي طالب، ج3، ص٥٣٧.
[55] الطوسي، أبو جعفر محمد بن الحسن، كتاب الغيبة، ص٢١٦.
[56] الطوسي، أبو جعفر محمد بن الحسن، كتاب الغيبة، ص٢١٦.
[57] الطوسي، أبو جعفر محمد بن الحسن، كتاب الغيبة، ص٢43.
[58] الطوسي، أبو جعفر محمد بن الحسن، كتاب الغيبة، ص٢43.
[59] يُنظر: الكلباسي، أبو المعالي محمد بن محمد بن إبراهيم، الرسائل الرجالية، ص178.
[60] الطوسي، أبو جعفر محمد بن الحسن، كتاب الغيبة، ص٢٢٦.
[61] الطبرسي، أحمد بن علي ابن أبي طالب، الاحتجاج، ج٢، ص٥٩٦ رقم ٣٥٩.
[62] المامقاني، الشيخ عبد الله، تنقيح المقال في علم الرجال، ج٦، ص٣٣٦، وينظر: البحراني، السيد هاشم، كشكول البحراني، ج١، ص٣٠١.
[63] الراوندي، قطب الدين، الخرائج والجرائح، ج٢، ص٩٠٢.
[64] الراوندي، قطب الدين، الخرائج والجرائح، ج٢، ص٩٠٢، باب في معجزات محمد وأوصيائه عليه وعليهم أفضل الصلاة والسلام من جهة الأخلاق.
[65] الراوندي، قطب الدين، الخرائج والجرائح، ج٢، ص797.
[66] الراوندي، قطب الدين، الخرائج والجرائح، ج٢، ص797.
[67] ذكر الشيخ منتجب الدين في فهرسته (انه شاهد الطبرسي وقرأ عليه، فعليه الطبرسي والرواندي من تلاميذ أبي البركات، ومنتجب الدين من تلامذة الطبرسي) نقلاً عن المجلسي، بحار الأنوار، ج ١٠٥، ص٢٦١.
[68] ابن شهرآشوب، رشيد الدين أبو جعفر محمد بن علي، معالم العلماء، ص١٦.
[69] ابن شهر آشوب، رشيد الدين أبو جعفر محمد بن علي، معالم العلماء، ص١٤٨.
[70] البحراني، المحدث يوسف بن أحمد بن إبراهيم، لؤلؤةِ البحرين، ص٣٥٠.
[71] الخزرجي، صفاء، مجلة فقه أهل البيت العدد٣٢ ص٢٨٠.
[72] الصدر، السيد حسن، تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام، ص١٣٠، الطهراني، آقا بُزرك، مصفى المقال، ص٥٠٢.
[73] ابن شهرآشوب، رشيد الدين أبو جعفر محمد بن علي، معالم العلماء، ص٥٥.
[74] المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ج٥٣، ص١٧٤-١٧٨.
[75] الطبرسي، أحمد بن علي ابن أبي طالب، الاحتجاج، ج1، ص4.
[76] البحراني، يوسف، لؤلؤة البحرين، ص٣٥٦.
[77] بحر العلوم، محمد مهدي، الفوائد الرجالية، ج٣، ص٣١١.
[78] الكاظمي، محسن ابن السيّد حسن الحسيني، عدة الرجال، ص٥.
[79] الميرزا الطبرسي، العلامة حسين، خاتمة مستدرك الوسائل، ج٣، ص٣١١.
[80] الطبرسي، الاحتجاج، مقدمة الكتاب.
[81] الميرزا الطبرسي، العلامة حسين، مستدرك الوسائل، ج٣، ص٥١٧.
[82] التستري، أسد الله، مقابس الأنوار، ج١، ص٥.
[83] السيد الخوئي، أبي القاسم، معجم رجال الحديث، ج١٧، ص٢٠٩.
[84] الداوري، مسلم، أصول علم الرجال، ج١، ص125.
[85] السيد الخوئي، مصباح الفقاهة، ج1، ص422.
[86] الحديث المرسل بين الرد والقبول، العميدي، السيد ثامر هاشم، مجلة تراثنا، مؤسسة آل البيت، ج ٥٠، ص١٠٧.
[87] الطوسي، أبو جعفر محمد بن الحسن، العدة، ج١، ص١٥٤.
[88] شرح البداية، 42 - 43.
[89] البروجردي، السيد حسين، جامع أحاديث الشيعة، ج ١، ص٢٢٠.
[90] المامقاني، الشيخ عبد الله، تنقيح المقال في علم الرجال، ج٦، ص٣٣٣، رقم ١١٦١.
[91] السيد الخوئي، أبو القاسم، معجم رجال الحديث، ج٢، ص١٦٤، تحت رقم ٦٨١.
[92] الخوانساري، روضات الجنّات، ج١، ص٦٤، رقم١٤ .
[93] الخزرجي، صفاء، مجلة فقه أهل البيت العدد٣١ ص٢٨٠ .
[94] وهيَ النسخةُ الخطيّةُ التي أفادنا بها العلامة الشيخ محمد الكرباسي: رئيس مركز النجف الأشرف للتأليف والتوثيق والنشر، والنسخة محفوظة في مكتبةِ مجلسِ الشورى الإسلاميّ بطهران، تحتَ الرقم. (10481).
[95] قالَ الشيخُ النجاشيّ في (الفهرست، ص404): «محمّدٌ بنُ الحسنِ بنِ حمزة الجعفريّ، أبو يعلى، خليفةُ الشيخِ أبي عبدِ الله بنِ النعمان، والجالسُ مجلسه، مُتكلّمٌ، فقيهٌ، قيّمٌ بالأمرينِ جميعاً، وزوّجَه المفيدُ ببنتِه، وخصَّه بكتبِه، وأخذَ أيضاً عن الشريفِ المُرتضى، له كتبٌ، منها: جوابُ المسألةِ الواردة مِن صيدا، جوابُ مسألةِ أهلِ الموصل، المسألةُ في مولدِ صاحبِ الزمان (عليه السلام).... ماتَ (رحمه الله) يومَ السبت، سادسَ شهرِ رمضان، سنةَ ثلاثٍ وستّينَ وأربعمائة، ودُفنَ في داره». وقالَ الحافظ الذهبي في (سيرِ أعلامِ النبلاء، ج18، ص141): «عالمُ الإماميّة.. مِن دُعاة الشيعةِ، لازمَ الشيخَ المفيد، وبرعَ في فقهِهم وأصولِهم وعلمِ الكلام، وصنّفَ التصانيف، وكانَ بصيراً بالقراءات، ينظر: الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج18، ص141.
[96] الحر العاملي، أبو جعفر محمد بن الحسن، أمل الآمل، ج1، ص65.
[97] الخرسان، محاضرات في علم الحديث المقارن، ص٢٠٢.
[98] الشيخ المظفر، محمد رضا، عقائد الإمامية الحاجة إلى الإمامة، ص١٧٥.
[99] الحسون، فارس، الأزمات الطائفية في زمن الشيخ المفيد، ص٢٣٠.
[100] الطبرسي، أحمد بن علي بن أبي طالب، الاحتجاج، ص٥٨٦.
[101] العسقلاني، ابن حجر، لسان الميزان، ج٥، ص٤١٦.
[102] المفيد، الشيخ محمد بن النعمان التلعُكبري، الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد، ج٢، ص٣٢٠.
[103] بل صريح الحرِّ في عدَّة مواضع من وسائله: أحدها: قوله في عنوان الباب: (باب تحريم تسميةِ المهدي (عجّل الله فرجه)، وسائرِ الأئمة (عليهم السلام) وذكرِهِم وقتَ التقيَّة، وجواز ذلك مع عدم الخوف) الحر العاملي، الوسائل، ج16، ص139، الباب ٣٣، وفيه ٢٣ حديثاً.
[104] العسقلاني، ابن حجر، لسان الميزان، ج ٥، ص١٣٥ وينظر: الطوسي، أبو جعفر محمد بن الحسن، الرسائل العشر، ص١٧.
[105] جواب لإشكال السيد الخوئي(قدس سره)، ينظر: السيد الخوئي، أبو القاسم، معجم رجال الحديث، ج ١٨، ص٢٢٠.
[106] الرسالة الأولى، كتاب الاحتجاج للطبرسي في المصدر السابق.
[107] الكلباسي، أبو المعالي محمد بن محمد بن إبراهيم، الرسائل الرجالية، ج٤، ص١٣٢.
[108] البهائي، محمد بن الحسين العاملي، مشرق الشمسين وإكسير السعادتين الملقب بمجمع النورين ومطلع النيرين، ص٩٨، نقلاً عن الرسائل الرجالية، ج٤، ص١٣٣.
[109] التبريزي، محمّد صالح، بحوث في مباني علم الرجال، ص١٨٧.
[110] طريق الشيخ الطبرسي إلى الشيخ المفيد(قدس سره) وهو السيد مهدي بن الحسن بن أبي الحرب المرعشي، عده المحقق الوحيد ينظر: البهبهاني، الفوائد الرجالية، ج٣، ص٢٥١ قال: من أجلاء الطائفة ومن مشايخ الإجازة، وقد وصف بالعالم العابد العادل الموثق، يروي عن الشيخ المفيد(قدس سره)،
بواسطة الشيخ جعفر الدوريستي. ينظر: المامقاني، رجال المامقاني، ج6،ص436، وينظر: كشكول البحراني، ج1، ص301.
وقال الشيخ الحر في تكملة أمل الآمل: جعفر بن محمد بن أحمد بن العباس الدوريستي، ثقة، عين، عظيم الشأن، معاصر للشيخ الطوسي، وقد ذكره في رجاله ووثّقه، له كتب... وهو يروي عن الشيخ المفيد(رحمه الله)، وقد ذكره ابن شهر آشوب، منتجب الدين فقال: ثقة، عين، عدل، قرأ على شيخنا لمفيد (رحمه الله) وعلى المرتضى.
[111] السبحاني، جعفر، مقدمة كتاب الاحتجاج، ج١، ص٢٩.
[112] الحر العاملي، أمل الآمل، ج، ص١٧.
[113] الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج٢٠، ص٤١.
[114] البحراني، السيد هاشم، كشكول البحراني، ص300ـ 301.
[115] ابن شهر آشوب، معالم العلماء، (باب الاَلف):
[116] الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج20، ص41.
[117] المجلسي، بحار الأنوار، ج١، ص٢٨1.
[118] الطبرسي، في مقدمته لكتاب الاحتجاج.
[119] الطبرسي، الاحتجاج، ص19.
[120] الطبرسي، الاحتجاج، ص19.
[121] الطبرسي، الاحتجاج، ص19.
[122] السيد الخوئي، مصباح الفقاهة، ج1، ص٢٢٣. تقرير بحثه الشريف.
[123] السيد الخوئي، مصباح الفقاهة، ج١، ص٣٤٤.
[124] الشاهرودي، علي نمازي، مستدركات علم الرجال، ج١، ص٣٢.
[125] الميرزا الطبرسي، العلامة حسين، النجمِ الثاقب، ج2، ص242.
[126] الداوري، أصول علم الرجال، ج١، ص٣٧٢.
[127] الإيرواني، محمد باقر، دروس تمهيدية في الفقه الاستدلالي، ج١، ص٥٧.
[128] المبحث الثالث: معالجة الإرسال في المطلب الأول، ينظر: وجوه قبول الحديث المرسل، ص٤١-٤٧.
[129] الطبرسي، الاحتجاج، ج1، ص29.
[130] الحر العاملي، أمل الآمل.
[131] الداوري، أصول علم الرجال، ج١، ص٣٧٠
[132] ابن شهرآشوب، معالم العلماء، ص113.