سِماتُ القُرْآنِ مِنْ نَظَرِ القُرْآنِ النَّاطِقِ،
الإِمامِ الحَسَنِ العَسْكَرِيّ (عليه السلام) أنْمُوذَجاً
The Features of the Qur’an from the
Perspective of the “Speaking Qur’an”: Imam Al-Hasan Al-Askari (PBUH) as a Model
أ.م. د. علي
عبد الصاحب نيكوكار
جامعة
المصطفى العالمية
قم - إيران
Dr. Ali Abdul Sahib Nikokar
Al-Mustafa International
University
Qom -Iran
الملخص:
يتناول هذا البحث سمات القرآن الكريم من خلال رؤى الإمام
الحسن العسكري(عليه السلام) بوصفه (القرآن الناطق)، وذلك من خلال تحليل نماذج
مختارة من أحاديثه وكلماته الشريفة، التي تناول فيها وصف القرآن الكريم وتبيين
أبعاده المعرفية والتربوية التي تكشفها معاني كلماته، ينطلق البحث من أنَّ فهم
القرآن وتفسيره لا يكونان على الوجه الصحيح إلّا من خلال أهل بيت العصمة الذين
أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً، الذين لا ينفكون عن القرآن، ولا ينفكّ
القرآن عنهم. وقد كان الإمام الحسن(عليه السلام) أحد أئمة العترة الطاهرة، تجلّى
فيه القرآن عملياً قولاً وسلوكاً؛ إذ كان ناطقاً بمضامينه ومفسّراً لآياته.
تسعى هذه الدراسة إلى جمع وتحليل النصوص المأثورة عن
الإمام الحسن العسكرىّ(عليه السلام)، في وصفه للقرآن الكريم، واستظهار ما تضمنته
من دلالات فكرية وروحية، وبيان كيفية تجسيده(عليه السلام) لهذه السمات في سيرته
وسلوكه اليومي.
استعنّا في تدوين البحث على المنهج الوصفي التحليلي،
الذي يقوم على تتبّع النصوص المأثورة عن الإمام الحسن العسكري(عليه السلام)،
مسلطاً الضوء على ما ورد عنه من أحاديث وكلمات في وصف القرآن الكريم، ثم قمنا
بدراستها والتأمل فيها وقراءتها قراءة متأنية تحليلية بغية استخلاص المفاهيم
الكامنة في الألفاظ، ورصد ما تنطوي عليه من مضامين تربوية ومعرفية واجتماعية،
لتكوين رؤية شاملة عنْ سمات القرآن من نظره.
وقد توصل البحث إلى نتائج منها: إنَّ الإمام الحسن(عليه
السلام) قدّم رؤية متكاملة وشاملة لسمات القرآن الكريم، وإنَّه (عليه السلام)
دعا إلى تفعيل القرآن سلوكياً واجتماعياً، لا الاكتفاء بتلاوته اللفظية، كما
بيّن(عليه السلام) في كلماته أنَّ القرآن هو النور المبين، والدواء المبارك،
والشفاء النافع، وعصمة لمن تمسك به، والدستور الأخلاقي والاجتماعي الذي لا غنى عنه
في مسيرة الحياة، واستخدم(عليه السلام) أساليب تربوية مؤثرة في ترسيخ مكانة القرآن
الكريم.
الكلمات المفتاحية: الإمام
الحسن العسكري، القرآن الناطق، سمات القرآن، النور.
Abstract:
This study examines the distinctive features of the Noble Qur’an through the lens of Imam Al-Ḥasan Al-Askari (PBUH), who is described as the
“Speaking Qur’an”. The study analyzes selected models from his authentic sayings and sermons in which he elucidates the Qur’an’s cognitive, spiritual, and educational dimensions as revealed through
the meanings of its words. The study proceeds from the foundational belief that
correct understanding and interpretation of the Qur’an can only be attained through the Ahl Al-Bayt (PBUT) the Infallible Household, whom Allah purified
thoroughly and from whom He removed all impurity. They are inseparable from the
Qur’an, just as the
Qur’an is inseparable
from them. Imam Al-Ḥasan
(PBUH), as one of the Imams from the Pure Progeny (PBUT) , embodied the Qur’an in both word and deed: he spoke its contents
and interpreted its verses through his conduct and teachings.
This study aims to collect and analyze the narrations attributed to Imam Al-Ḥasan Al-Askari (PBUH) concerning his
description of the Qur’an, uncovering their intellectual and spiritual implications, and
demonstrating how he practically manifested these Qur’anic features in his daily life and personal
conduct. The study employs a descriptive-analytical methodology, based on
tracing the authentic texts transmitted from Imam Al-Ḥasan Al-Askari (PBUH). It highlights his
statements and sermons regarding the Qur’an, then subjects them to careful, reflective,
and analytical reading in order to extract the underlying concepts and identify
their educational, epistemological, and social dimensions, thereby forming a comprehensive vision of the Qur’an’s features as perceived by the Imam (PBUH). The study reached to several
conclusions, including: Imam Al-Ḥasan
(PBUH) presented an integrated and holistic vision of the Qur’an’s characteristics. He called for the Qur’an to be activated behaviorally and socially,
going beyond mere verbal recitation. In his words, he described the Qur’an as “the manifest light,” “the blessed remedy,” “the beneficial healing,” “a safeguard for whoever holds fast to it,” and “the indispensable ethical and social constitution for life’s journey.” The imam (PBUH) employed highly effective
educational methods to firmly establish the Qur’an’s exalted status in the hearts and lives of believers.
key words: Imam Al-Ḥasan Al-Askari (PBUH), the Speaking Qur’an, features of the Qur’an, light.
المقدمة
الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب، وجعله هدىً ورحمةً
للعالمين، والصلاة والسلام على سيد الأنبياء والمرسلين، حبيب قلوبنا أبي القاسم
مُحمَّد وآله الطيبين الطاهرين، الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً.
يُعدّ القرآن الكريم المصدر الإلهي الأصيل للهداية
والتشريع، والدستور السماوي الذي تضمن أصول العقيدة ومناهج الأخلاق، وأسس مبادئ
الاجتماع وأحكام الشريعة، وهو كتابٌ خالدٌ في أثره، معجزٌ في بيانه، متجددٌ في
عطائه، غير أنَّ فهمه الفعّال وتفسير مضامينه وتطبيق تعاليمه، يتطلب وجود مَنْ
يمتلك أدوات العصمة والعلم الكامل، أولئك الذين قرنهم رسول الله(صلى الله عليه
وآله) بالقرآن في حديث الثقلين، فجعلهم عدله في الهداية والبيان، وهم آل بيت
النبوة(عليهم السلام)، الذين مثّلوا مرآة صافية لمفاهيم الوحي، وكانوا ناطقين
بالقرآن بلسان العصمة، وروح الهداية.
ومن بين هؤلاء الهداة، يبرز الإمام الحسن العسكريّ (عليه
السلام) بمكانته المتميزة، فهو الإمام الحادي عشر من أئمة أهل البيت(عليهم
السلام)، وواحد من صفوة العترة الذين نشأوا في بيوت الوحي، وتربّوا في أحضان
الرسالة، وتغذوا من معين النبوة والإمامة علماً وسلوكاً، وقد جسّد (عليه السلام)
القيم القرآنية في حياته قولاً وعملاً، حتى أصبح (عليه السلام) أنموذجاً لما يُعرف
بـالقرآن الناطق، ومدرسة متكاملة في فهم القرآن وتفسيره. فقد ترك إرثاً غنياً من
الأحاديث والوصايا التي تحث على التمسك بالقرآن وتدبر آياته والعمل بتعاليمه، موضحاً
أثر ذلك في صلاح الفرد والمجتمع، ولم يكن (عليه السلام) مفسّراً للقرآن فحسب، بل
كان تطبيقاً حيّاً لأحكامه، وتجسيداً لأخلاقه، ونموذجاً عملياً يوجّه الأمة نحو
الاستقامة والصلاح.
ومن هذا المنطلق، تسعى هذه الدراسة إلى تسليط الضوء على
السمات التي وصف بها الإمام الحسن العسكريّ (عليه السلام)
القرآن الكريم، من خلال تحليل أقواله وأحاديثه التي تناولت خصائصه وفضائله، والكشف
عما تحمله من دلالات معرفية وروحية وبلاغية، كما تهدف إلى إبراز العلاقة الوثيقة
بين شخصية الإمام (عليه السلام)
وبين تلك السمات القرآنية، بما يعكس مكانته مرشداً حيّاً ومنار هداية للمسلمين،
ومثالاً قرآنياً في الفكر والسلوك.
وتأتي أهمية هذه الدراسة من كونها ترفد المكتبة العلمية
بمساهمة في بيان معالم القرآن الكريم في ضوء رؤى العترة الطاهرة، ولا سيّما الإمام
الحسن العسكريّ (عليه السلام)،
وتشجع على المزيد من البحث في فهم القرآن الكريم وفق منهج آل البيت (عليهم
السلام)، الذين شكّلوا على مرّ العصور منبعاً أصيلاً للعلوم والمعارف القرآنية.
وقد اعتمد البحث على منهج التتبع والتحليل النصي
باستقراء النصوص المأثورة عن الإمام العسكريّ(عليه السلام)، وتحليلها للكشف عن
أبرز السمات القرآنية التي عبّر عنها.
المبحث الأول: الإمام العسكريّ (عليه
السلام) مصداقاً للقرآن الناطق
تتضافر الأدلة على أنَّ الإمام الحسن العسكري (عليه
السلام) هو تجلٍّ حيّ للقرآن الكري، ومصداق لما يُعرف بالقرآن الناطق، ونكتفي في
هذا المبحث بالاستدلال بحديث الثقلين الذي رواه النبي الأكرم (صلى الله عليه
وآله)،
لما له من دلالة واضحة على العلاقة التلازمية الوثيقة بين القرآن الكريم وأهل
البيت (عليهم السلام)، مضافًا إلى ما ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام) من نصوص
تؤكد أنّ الأئمة من ولده (عليهم السلام) هم الامتداد العملي للقرآن، وناطقون
ببيانه:
الدليل الأول: علي بن أبي طالب (عليه
السلام) القرآن الناطق
تواترت عن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)
نصوص متعدّدة يصف فيها نفسه بالقرآن الناطق، بما يكشف عن الدور الذي اضطلع به في
بيان معاني الكتاب العزيز، وتفسير مراده، وتجسيد قيمه في الواقع، ومن أبرز هذه
النصوص قوله (عليه السلام): «أنا القرآن الناطق»[1]،
وقال أيضاً: «هذا كتاب الله الصامت، وأنا المعبّر عنه، فخذوا بكتاب الله الناطق،
وذَرُوا الحُكم بكتاب الله الصامت؛ إذ لا معبّر عنه غيري»[2]،
كما ورد عنه: «ذَلِكَ الْقُرْآنُ فَاسْتَنْطِقُوه ولَنْ يَنْطِقَ لَكُمْ،
أُخْبِرُكُمْ عَنْه إِنَّ فِيه عِلْمَ مَا مَضَى وعِلْمَ مَا يَأْتِي إِلَى يَوْمِ
الْقِيَامَةِ»[3]،
وفي موضع آخر قال (عليه السلام): «هَذَا الْقُرْآنُ إِنَّمَا هُوَ خَطٍّ مَسْطُورٌ
بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ لَا يَنْطِقُ بِلِسَانٍ ولَا بُدَّ لَه مِنْ تَرْجُمَانٍ،
وإِنَّمَا يَنْطِقُ عَنْه الرِّجَالُ»[4].
تُظهر هذه النصوص أنّ الإمام
عليّاً (عليه السلام) قد حصر بأداة الحصر (إنما) حقيقة القرآن في كونه كتاباً
مكتوباً بين الدفتين، صامتاً في ظاهره، لا ينطق بلسان، بل يحتاج إلى مفسّر وترجمان
يكشف معانيه ويفسّر مراده، وقد أكّد (عليه السلام) أنّ هذا المفسّر لا يكون إلّا
من العارفين الراسخين في العلم، أي الأئمة من آل البيت (عليهم السلام)، الذين
ورثوا علم القرآن وتفسيره من النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله)، ومن ثمّ فإنّ
القرآن من دون هؤلاء المفسرين المعصومين يبقى صامتاً غير ناطق، ولا يُنتفع به
الانتفاع الكامل إلّا من خلالهم.
وبهذا يتضح أنّ الأئمة (عليهم السلام) هم الامتداد
العملي للقرآن، فهم (القرآن الناطق) الذي يبيّن الكتاب الصامت، وإذا كان أمير
المؤمنين عليّ (عليه السلام) قد وصف نفسه مراراً بهذا الوصف، فإنّ هذا اللقب يصحّ
إطلاقه كذلك على حفيده الإمام الحسن العسكريّ (عليه السلام)، بوصفه وارث علم جده،
ووصيّاً من أوصيائه، وخليفةً له في الأمة بعد آبائه الطاهرين (عليهم السلام)، فهو
القرآن الناطق في عصره، الذي جسّد الوحي وبيّن أحكامه، وأقام الحجة على الأمة.
الدليل الثاني: الإمام العسكريّ (عليه
السلام) تجسيد القرآن الناطق في ضوء حديث الثقلين
يُعدُّ حديث الثقلين من أعظم النصوص النبوية شأناً؛ إذ
قرن رسول الله (صلى الله عليه وآله)
بين القرآن الكريم وآل بيته (عليهم السلام)، وجعل التمسك بهما معاً سبيلاً للهداية
والنجاة من الضلال، فقد نصّ الحديث على أنَّهما - القرآن والعترة - لنْ يفترقا
أبداً حتى يردا على حوض النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) يوم القيامة، وهو تصريح
يكشف عن وحدة المسار وتكامل المنهج والوظيفة بينهما.
وانطلاقاً من هذا الحديث الشريف يتجلّى موقع الإمام
الحسن العسكريّ (عليه السلام) باعتباره أحد أعلام العترة الطاهرة، الذين لا ينفكون
عن القرآن ولا ينفكّ القرآن عنهم، فقد مثّلت شخصيته النورانية وسيرته العملية
ومواقفه العقائدية والسياسية تطبيقاً واقعياً للقرآن الكريم، وتجسيداً لمضامينه،
وشرحاً أميناً لمعانيه، ومن هنا يظهر بوضوح أنه كان القرآن الناطق في عصره، وأنَّ
الاستدلال بحديث الثقلين يمنحنا أفقاً عقائدياً وبلاغياً لفهم هذه الحقيقة.
وقد نقل العلامة الصفار (290هـ) بإسناده عن الإمام محمد
الباقر (عليه السلام) أنَّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال بمنى: «يَا
أَيُّهَا النَّاس، إِنِّي تَارك فِيكُمْ الثَّقلين، مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ
بِهِمَا لَنْ تَضلوا: كِتَاب الله وعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي، فَإنَّهُمَا لَنْ
يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»[5]، كما
رواه القاضي النعمان المغربي (363هـ) بإسناده عن أبي ذر الغفاري، مبيناً أنَّ
النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) أوصى به عند احتضاره[6].
إنَّ حديث الثقلين من أعظم الأحاديث النبوية وأشهرها
رواية وتواتراً بين الشيعة الإمامية وأهل السنة، وقد حظي بعناية كبيرة لما فيه من
بيان لمقام القرآن الكريم وأهل البيت (عليهم السلام)، حيث يؤكد على مرجعيتهم
(عليهم السلام) بعد النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله) فهم المفسرون الحقيقيون
للقرآن والمبيّنون له والناطقون به، وقد ورد بألفاظ متعددة متقاربة تؤدي معنى
واحداً، حيث يمكننا الاستدلال به على أنَّ الإمام الحسن العسكريّ (عليه السلام) هو
القرآن الناطق، كما كان جده أمير المؤمنين (عليه السلام) من جهات كثيرة، نقتصر على
أبرزها:
الجهة الأولى: قوله (صلى الله عليه وآله): «مَا إِنْ
تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا لَنْ تَضلوا»، الجملة الشرطية هنا تفيد الجزم والاستمرار؛
فالتمسك بهما (القرآن الكريم والعترة الطاهرة) معاً هو السبيل الدائم للهداية،
وترك أحدهما يؤدي إلى الضلال، فالاقتصار على القرآن دون العترة يفضي إلى تحريف
معانيه، والتمسك بالعترة دون القرآن يوقع في الانفصال عن الوحي، أما الجمع بينهما
فيضمن كمال الهداية ووضوح معالم الدين. وبما أنّ الإمام الحسن العسكريّ (عليه
السلام) هو الإمام الحادي عشر من الأئمة الاثني عشر الذين نصّ عليهم رسول الله (صلى
الله عليه وآله) وأمير المؤمنين (عليه السلام)، فهو من أفراد العترة الذين لا
ينفكون عن القرآن الكريم.
روي عن الإمام الصادق جعفر بن محمد عن أبيه محمد بن علي
عن أبيه علي بن الحسين عن أبيه الحسين بن علي (عليه السلام) قال: سُئل أمير
المؤمنين (عليه السلام) عن معنى قول رسول الله (صلى الله عليه وآله) إني مخلف فيكم
الثقلين كتاب الله وعترتي، مَنْ العترة؟ فقال: «أنا والحسن والحسين والأئمة التسعة
من ولد الحسين تاسعهم مهديهم وقائمهم، لا يفارقون كتاب الله ولا يفارقهم حتى يردوا
على رسول الله (صلى الله عليه وآله) حوضه»[7].
الجهة الثانية: قوله (صلى الله عليه وآله): «كِتَاب الله
وعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي»، حرف العطف (الواو): لا يفيد مجرد الجمع، بل يدل أيضاً
على الاقتران والتلازم، أي إنَّ القرآن والعترة متكاملان في الوظيفة، ولا يكتفي
بأحدهما دون الآخر، ولا شك أنّ الإمام العسكريّ(عليه السلام) مشمول بهذا النص،
بوصفه أحد الأئمة من العترة الطاهرة الذين قرنهم النبي الأكرم (صلى الله عليه
وآله) بالقرآن.
الجهة الثالثة: قوله (صلى الله عليه وآله): «فَإنَّهُمَا
لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، هذا النص يبرز دوام الارتباط
بين القرآن الكريم والعترة الطاهرة، حيث يؤكد باستخدام أداة النفي «لَنْ
يَفْتَرِقَا» على ملازمتهما المستمرة إلى يوم القيامة، وهو تصوير بلاغي يرسخ في
الذهن أنّ القرآن والعترة متحدان في المسار والغاية، فلا يُتصور فراق أحدهما عن
الآخر. ومن ثم فإنّ الإمام العسكريّ (عليه السلام) بصفته فرداً من العترة هو
امتداد حيّ للقرآن الكريم في مقام التفسير والتطبيق.
الجهة الرابعة: العلاقة التكاملية بين القرآن الكريم
والعترة الطاهرة، أنَّ القرآن الكريم نصٌ إلهي معجز، صامت في ظاهره، يحتاج إلى
مبيّن ومفسر معصوم، والعترة الطاهرة هم الناطقون بالقرآن، الذين يفسرونه قولاً
وفعلاً بحكم عصمتهم وطهارتهم، فهم ليسوا مجرد رواة أو ناقلين، بل قادة للأمة،
والإمام الحسن العسكريّ (عليه السلام) كان إماماً منصوصاً عليه بعد أبيه الإمام
علي الهادي (عليه السلام)، وقد قاد الأمة في ظروف صعبة، فكان موافقاً للقرآن
الكريم في جميع تفاصيله، بل تجسيداً حيّاً له، ينطق به ويفسّره عملياً.
من خلال تحليل دلالات حديث الثقلين يتبين أنّ العترة
الطاهرة هم التجسيد الحي للقرآن الكريم، وأنَّ التمسك بالثقلين معاً هو شرط
الهداية، وهذا يعني أنّ الإمام الحسن العسكريّ (عليه السلام) لم يكن حافظاً للقرآن
وشارحاً لمعانيه فحسب، بل كان تجسيداً واقعياً له، وأميناً على وحيه، ووارثاً
لنوره، وأحد أعمدة الهداية الإلهية بعد النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) وآبائه
الطاهرين، ومن ثم يصدق وصفه بأنه (القرآن الناطق)، الذي جسّد الرسالة في قوله وفعله
ومواقفه، كما أراد الله تعالى ونصّ عليه النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) في
حديث الثقلين.
المبحث الثاني: صفات القرآن من منظور
الإمام العسكريّ (عليه السلام)
إنَّ القرآن الكريم لم يكن مجرد كتاب للتشريع أو للقراءة
والتلاوة في المحافل، بل هو مشروع إلهي متكامل يهدف إلى بناء الإنسان، وتزكية
النفس، وقيادة المجتمع نحو الهداية والعدل، فهو نبراس للعقول والقلوب، ومرشد
للسلوك الفردي والاجتماعي.
ومن هذا المنطلق تبرز أهمية التعرف على سمات القرآن
الكريم من خلال رؤى الإمام الحسن العسكريّ (عليه السلام) النورانية ومواقفه
العملية التي تشكل مرآةً صافيةً لفهم معاني القرآن وخصائصه، وقد قمنا بتتبّع أغلب
خطب الإمام العسكريّ (عليه السلام)
وكلماته المأثورة في المصادر الحديثيّة والتفسيريّة[8]،
للوقوف على النصوص التي تناول فيها القرآن الكريم وصفاً وتحليلاً، فاستخرجنا من
بينها جملةً من الأوصاف والنماذج الدالّة على رؤيته (عليه السلام) للقرآن، وهذه
الأوصاف لم تَرِد بوصفٍ نظريٍّ فحسب، بل تجسّدت في سلوكه الأخلاقي وممارساته
التربوية والاجتماعية والسياسية، ليقدّم بذلك أنموذجاً حيّاً للقرآن الناطق الذي
يجسّد القيم الإلهية في الواقع الإنساني.
ويشير التراث المروي عنه (عليه السلام) إلى عمق ارتباطه
بالقرآن فهماً وبياناً وسلوكاً، وهذا يعكس نظره الفريد في تبيين العمق البلاغي
للآيات، والبعد الفكري، والدقة في الوصف. وبناءً على ذلك، سوف نرتب أحاديثه
المتعلقة بالقرآن على شكل نماذج، لتسليط الضوء على أبرز سماته وخصائصه، وبيان ما
تنطوي عليه من دلالات معرفية وروحية وبلاغية.
النموذج الأوّل: القرآن مَأدُبَة الله
تعالى
يُعّد القرآن الكريم هو المصدر الأول للهداية في حياة
الإنسان، ومن خلاله تتجلّى رحمة الله تعالى وفضله على عباده، فهو لا يقتصر على
كونه كتاب تشريع فحسب، بل هو منهج حياة شامل يغذي العقل والروح والقلب، ويقدّم
للإنسان كل ما يحتاجه من هداية ومعرفة وحكمة.
وقد عبّر الإمام الحسن العسكريّ (عليه السلام) عن هذا
المعنى بوضوح، فقال: «إنَّ هذا القرآن مَأدُبَة الله تعالى، فتعلّموا من مأدُبة
الله عزّ وجلّ ما استطعتم، فإنّه النور المبين، والشفاء النافع، فتعلّموه فإنَّ الله
تعالى يشرّفكم بتعلّمه»[9].
تعرض الإمام العسكريّ (عليه السلام) في هذا الحديث إلى بعض أوصاف القرآن الكريم،
وسوف نرتبها كما يلي:
الأوّل: القرآن مَأدُبَة الله تعالى، وصف (عليه السلام)
القرآن بـ (المأدُبة)، وهو تعبير دقيق يدل على الكرم الإلهي وسخاء الله في تقديم
علومه وهدايته للعباد، يشرح ابن فارس المالكيّ (312 ـ 395هـ): «أنَّ الأدب، أصل
واحد يتفرع تتفرع منه معاني عدة، فالأدب أنْ تجمع الناس إلى طعامك، وهي المأدُبة
والمأدَبة، وجمعها المآدب، قال أبو عبيد: من قال: (مَأْدُبَة) فإنَّه أراد
الصَّنِيع يَصْنَعه الإنسان يَدْعُو إليه الناسَ، ومن قال: (مَأْدَبَة) فإنَّه
يذهب إلى الأدب يجعَله مَفْعَلَة من ذلك»[10].
وقد أوضح الشريف المرتضىّ (ت436هـ) قائلاً: «المَأْدُبَة
في كلام العرب هي الطعام يصنعه الرجل ويدعو إليه الناس فما يكتسبه الإنسان من خير
القرآن ونفعه إذا قرأه وحفظه بما يناله المدعو من طعام الداعي وانتفاعه به، يقال:
قد أدب الرجل يأدب فهو آدب إذا دعا الناس إلى طعامه وشرابه، ويقال للمأدُبة
المدعاة، وذكر خلف الأحمر أنَّه يقال فيه أيضاً مَأدَبَة بفتح الدال»[11].
كما وضح حبيب الله الخوئي (1324هـ)، معناها قائلاً:
«المأدَبة بفتح الدال مَفْعَلَة من الأدب، معناه أنّ الله تعالى أنزل القرآن أدباً
للخلق وتقويماً لهم وإنما دخلت الهاء في مأدُبة ومأدَبة والقرآن مذكر لمعنى
المبالغة كما قالوا هذا شراب مطيبة للنفس»[12].
يشير الإمام (عليه السلام) إلى أنّ القرآن مثل مأدُبة
إلهية، يقدم فيها الله تعالى علومه وهدايته لعباده، ويحثّهم على اقتفاء أثره
والنهل من معينها بحسب استطاعتهم. وكما أنّ المأدُبة فيها ألوان متعددة من الطعام،
فإنّ القرآن غنيّ بالعلوم والمعارف والأحكام التي تلبي حاجات الإنسان الروحية
والفكرية والاجتماعية.
يشبّه الإمام القرآن بالمأدُبة ليبرز كرم الله وعطائه،
فكل من حضر هذه المأدُبة ينال نصيبه بحسب قدرته واستعداده، فهو مَأدُبَة الله
تعالى لخلقه، تتضمن أطايب الكلام ومحاسن الأقوال، ومن أحسن من الله قولاً، والمآدب
تحوي ألواناً عديدة يختار المرء منها ما تشتهيه نفسه، وتلذّ به عينه، والقرآن بهذا
المعنى غذاء للروح وعلاج للنفس، ووسيلة لتثقيف العقل وتزكية الأخلاق، كما يشير
(عليه السلام) إلى أنّه مصدر شامل لكل حاجات الإنسان، سواءً كان حكيماً يبحث عن
الحكمة، أو عالماً عن العلم، أو مؤرّخاً عن التاريخ، أو مؤدّباً عن الآداب، أو
واعظاً عن الموعظة.
يشير (عليه السلام) في هذا الوصف والتشبيه إلى الكرم
الإلهي العظيم في تقديم هذا الكتاب العظيم الذي يزود الإنسان بكل ما يحتاجه من
هداية، وحكمة، ومعرفة.
كما أنَّ المأدُبة كثيرة الأطعمة ومتنوعة، كذلك القرآن
متعدد العلوم والمعارف والأحكام التي تلبي حاجات الإنسان الروحية والفكرية
والاجتماعية، وفي عرف الناس من المعيب أنْ نحمل طعامنا عند دعوتنا إلى مأدُبة، بل
لا بُدَّ أنْ نأتيها بيد خالية وبطن فارغة ونأخذ منها ما نشتهي، نأتيها بفكر فارغ
من أي عقيدة أو فكرة؛ كي نأخذ ونَحمِل علماً وفكراً منها ولا نُحمِّل أفكارنا
القاصرة عليها.
ويؤكد الإمام (عليه السلام): «فتعلّموا من مأدُبة الله
عزّ وجلّ ما استطعتم» وهذا يعني أنَّ الإنسان مطالب بالتعلم والاجتهاد، لأنَّ
المأدُبة عظيمة فلا يمكن تناول كُلّ شيء دفعة واحدة، بل يجب الأخذ بقدر المستطاع،
فالتعلم من القرآن رفعة وكرامة، لأنّه بحرٌ لا ساحل له، فتعلّموه فإنّ الله
يشرّفكم بتعلّمه: أي أنّ منْ يتعلّم القرآن ويعمل به يرفعه الله مكانةً وشرفاً في
الدنيا بين الناس، وفي الآخرة عنده سبحانه وتعالى.
يشبه الإمام (عليه السلام) جميل ورائع وتعبيره دقيق، حيث
وصف القرآن الكريم بأنه وليمة أو مأدُبة أعدها الله سبحانه وتعالى لعباده، فيها
خير كثير وفوائد عظيمة، وكُلّ من حضر هذه المأدُبة يستفيد منها قدر استطاعته، وهي
تدل على الكرم الإلهي والسخاء في العطاء، والله تعالى يدعو للجلوس على (مائدة
القرآن) باستمرار، أي التعلّم منه والنهل من معارفه، فالقرآن هو غذاء الروح وعلاج
للنفس.
بهذا، يكون الإمام الحسن العسكريّ(عليه السلام) قد جسّد
في وصفه للقرآن الكريم الجمع بين البعد الروحي، والتربوي، والمعرفي، والعملي، مما
يجعل القرآن مشروع حياة متكامل للإنسان، ومصدراً متجدداً لهدايته وعلمه.
الثاني: القرآن نورٌ مبينٌ، وصف (عليه السلام) القرآن
بأنه النور المبين، فالقرآن يُوصف بالنور؛ لأنه ينير ويهدي القلوب والعقول، ويكشف
الطريق للإنسان في حياته الدنيوية، والنور هنا دلالة على الهداية والوضوح؛ إذ يزيل
ظلمات الجهل والضلال التي قد تعتري فكر الإنسان أو توجهه، ويوجهه نحو الحق والخير،
أما صفة «مُبين»: فتشير إلى أنَّ نور القرآن واضح وجلي، لا لبس فيه وغموض، ويكشف
حقائق الدين، ويزيل الشكوك، فكل من اقترب منه بصدق وجده هادياً بيّناً، وضابطاً
لسلوكياته وقراراته في الدين والدنيا، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ
جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا)[13]،
وصف الإمام (عليه السلام) القرآن الكريم بأنه (نورٌ مبينٌ) يعكس عمق رؤيته الفكرية
والروحية للنص الإلهي، فالقرآن في هذا الوصف ليس مجرد كتاب يتكون من حروف وكلمات،
بل هو إشعاع هداية يُنير العقول ويكشف الحقائق الغيبية والكونية للإنسان، مفرّجاً
ظلمات الجهل والضلال، والنور في اللغة العربية يدل على الإشراق والبيان، وكونه
(مبيناً) يؤكد وضوح المعاني وقابليتها للإدراك المباشر من دون لبس أو غموض، مما
يجعل القرآن مرشداً معرفياً وروحياً في آن واحد، وأيضاً يظهر (عليه السلام) أنَّ
هذا النور طريق لمعرفة الله تعالى وصفاته، وبيان الصراط المستقيم الذي يُميّز الحق
عن الباطل، كما يؤكد عليه قوله تعالى: (قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللهِ نُورٌ
وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ
السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ
وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)[14]،
الآية تؤكد أنّ القرآن نورٌ يُنير للإنسان طريق الهداية ويكشف له ما يغيب عن
إدراكه من الحقائق الكونية والدينية، الإمام (عليه السلام) يصف القرآن (نورٌ
مبينٌ)؛ لأنه يوجّه الإنسان في حياته العملية، ويحدد المعايير الأخلاقية والسلوكية
التي تحقق الاستقامة، حيث يشير (عليه السلام) إلى أنَّ من استضاء بهذا النور هُدِي
في فكره وتصرفاته، ومن اعتقد به في أموره حصِن من الانحراف، ومن خلال هذه الرؤية،
يصبح القرآن ليس فقط مصدر معرفة، بل أيضاً مرشد حياة شامل، يُظهر كيف يمكن للإنسان
أن يحقق الكمال الإنساني والروحي بإتباع ما جاء فيه من هداية واضحة ونور مشع يهدي
إلى الصراط المستقيم.
الثالث: القرآن شفاء نافع، وصف الإمام العسكريّ (عليه
السلام) القرآن الكريم بأنه (شفاءٌ نافعٌ) يعكس عمق فهمه لدور القرآن في علاج
النفس البشرية وتصحيح مسارات الفكر والسلوك، فالقرآن ليس مجرد نص تشريعي أو معرفي،
بل هو دواء روحي ومعرفي متكامل يداوي أمراض القلوب ويزيل ظلمات الجهل والهوى،
ويعيد للفكر توازنه ووضوحه، قال تعالى: (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ
شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ)[15]،
فالقرآن يداوي أمراض النفس والروح، كالهموم، والقلق، والضلال، والشك، والنفاق،
والغلّ، والحقد، والجهل، والانحراف الفكري والأخلاقي، والشفاء هنا ليس جسدياً
فحسب، بل نفسي وروحي؛ إذ تعاليم القرآن تعيد السلام والطمأنينة للإنسان، وتساعده
على استقامة سلوكه وفكره.
وصف (عليه السلام) القرآن بـ (النافع) يشير إلى أنّ أثره
حقيقي ودائم، بخلاف العلاجات المادية التي قد تنفع أو لا تنفع، فالمؤمن الذي يتخذ
القرآن منهجاً لحياته ينال السلامة الروحية والهدى، ويشير (عليه السلام) في هذا
المعنى إلى أنّ القرآن مَأدُبة الله تعالى، فهي مائدة عامرة بأنواع الهداية
والرحمة والمعارف، ويحثّ الإنسان على أنْ يأخذ منها ما استطاع بحسب قدرته
واستيعابه، فهي مصدر للنور الذي يبدّد ظلمات الجهل والضلال، ودواء شافٍ لمعالجة
أمراض القلوب والنفوس.
وقد حثّ (عليه السلام) على أنْ يأخذ الإنسان من هذه
المأدبة ما استطاع؛ لأنّها مصدر للنور الذي يبدّد ظلمات الجهل والضلال، ودواء شافٍ
يعالج أمراض النفوس والقلوب، ثم يؤكد أنّ من يتعلم القرآن ويعمل به يرفعه الله
تعالى ويشرّفه؛ لأنّ شرف المؤمن الحقيقي هو بقدر ما يحمله من كتاب الله في عقله
وسلوكه.
ويختم الإمام (عليه السلام) قوله: «فتعلّموه فإنّ الله تعالى
يشرّفكم بتعلّمه»، والفاء في «فتعلّموه» فاء سببية، تربط بين الأمر بتعلّم القرآن
والنتيجة المترتبة عليه، وهي نيل شرف الله تعالى ورفع الدرجات في الدنيا والآخرة،
فالارتباط بالقرآن علماً وعملاً هو الطريق الحقيقي للكرامة والرفعة.
النموذج الثاني: القرآن شفاء نافع ودواء
مبارك
قال الإمام الحسن العسكريّ (عليه السلام): «عليكم
بالقرآن فإنه الشفاء النافع، والدواء المبارك، وعصمة لمن تمسك به، ونجاة لمن تبعه،
لا يعوج فيقوم، ولا يَزِيغُ[16]
فيَشْعَب، ولا تَنْقَضِي عَجَائِبُه، ولا يَخْلَقُ[17] على
كَثْرَةِ الرَّدِّ، واتلوه فإنَّ الله يأجركم على تلاوته بكل حرف عشر حسنات»[18].
أمر الإمام العسكريّ (عليه السلام) بالتمسك بالقرآن
الكريم والالتزام بتلاوته والعمل بتعاليمه، داعياً المسلمين إلى اعتباره منهج حياة
شامل، وليس مجرد كتاب للتلاوة، وقد أشار في هذا الحديث إلى عدة أوصاف للقرآن،
نرتبها فيما يلي:
الأول: القرآن شفاء نافع، وصف (عليه السلام) القرآن
بأنَّه شفاء نافع؛ إذ يعالج أمراض القلوب والنفوس، وصفة (النافع) تشير إلى فعالية
القرآن وتأثيره الإيجابي المستمر لمن تدبره وعمل به، فهو يشفي القلوب ويزيد
الإنسان قوةً وإيماناً وهدى ورحمة، قال تعالى: (جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ
رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ)[19]،
ونلاحظ أنَّ هذا الوصف تعرض له الإمام (عليه السلام) سابقاً[20]
وكرره هنا (شفاءٌ نافعٌ) لما له من أثر تربوي ومن باب التذكرة؛ إذ يريد أنْ يثبت
فكرة الشفاء في ذهن السامع أو القارئ ويحوّلها إلى قاعدة سلوكية وعقائدية، بحيث
يصبح القرآن دائماً المرجع الأول للعلاج الروحي والفكري، وأيضاً يُرسخ في ذهن
المؤمن أنّ التمسك بالقرآن هو سبيل النجاة والفلاح، فالشفاء من الضلال والفتن
مرتبط بالقرآن، وتكرار الوصف يعزز هذه الحقيقة ويجعلها سمة بارزة في فكر الإمام
العسكريّ (عليه السلام).
الثاني: القرآن دواء مبارك، كما وصفه (عليه السلام)
بأنَّه «دواء مبارك»، أي علاج يحمل البركة والخير، ويزيد نفعه مع مرور الزمن،
فالقرآن يداوي النفوس ويقوي الإنسان روحياً وجسدياً، ويحقق الطمأنينة واليقين
للمؤمن، هذه الصفة تبرز أنَّ القرآن ليس شفاءً فحسب، بل هو دواءً كاملاً مباركاً،
ينفع من يلتزم بتلاوته والتدبر فيه والعمل بأحكامه، قال تعالى: (كِتَابٌ
أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ
أُولُو الْأَلْبَابِ)[21].
الإمام (عليه السلام) جعل للقرآن الكريم صفتين «الشفاء
النافع» و «الدواء المبارك»، الأول يركز على معالجة وإزالة أمراض القلوب والعقول
والنفوس، أما صفة «الدواء المبارك»، يركز (عليه السلام) على أنَّه وسيلة مستمرة
يُنتِج الشفاء، وله أثر إيجابي دائم لا يزول مع الزمن، تزداد بركته مع تلاوته
والالتزام والعمل به، حيث يمنع المرض قبل حدوثه.
الثالث: القرآن عِصمةٌ لِمَن تَمَسَّكَ به، يشير (عليه
السلام) إلى أنَّ التمسك بالقرآن الكريم يمنح الإنسان حماية من الوقوع في المعاصي
والانحراف عن الطريق المستقيم، فالقرآن حصنٌ للمؤمن يحفظه من الفتن والهوى، ويجعله
صامداً أمام الانحرافات الفكرية والأخلاقية، قال تعالى: (وَاعْتَصِمُوا
بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا)[22]،
وقد فسّر بعض العلماء[23]
قوله تعالى: (حَبْلِ اللهِ) بالقرآن، وهذا الوصف للقرآن يبرز دوره الوقائي
والتوجيهي في حياة الإنسان، فالعصمة في اللغة تعني الوقاية والحماية من الأخطار،
وفي الفكر الإسلامي تشير إلى الحصانة من الضلال والفتن والذنوب، ومن خلال هذا
الوصف، يرى الإمام العسكريّ (عليه السلام) أنَّ القرآن ليس كتاباً للقراءة
والتلاوة فحسب، بل هو مرجع عملي يمنح المؤمن القدرة على مواجهة الانحرافات الفكرية
والأخلاقية، ويحول دون الوقوع في الظلمات المعنوية، وتؤكد الآية الكريمة ذلك قال
تعالى: (فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى)[24]،
فالالتزام بالهداية الإلهية، أي بالقرآن الكريم، يُولّد الحصانة والنجاة.
الرابع: القرآن نجاة لمن تبعه، وصف الإمام (عليه السلام)
القرآن بأنه نجاة لمن اتّبعه وعمل بتعاليمه، فالقرآن يضمن النجاح والفلاح في
الدنيا، والنجاة من عذاب الآخرة، ويوجه السلوك نحو الحق، وإتباعه يوصل الإنسان إلى
برّ الأمان في الدنيا والآخرة، قال تعالى: (وَأَنَّ هٰذَا صِرَاطِي
مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ)[25]،
وقال تعالى: (فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى)[26].
يظهر من هذا الحديث الشريف أنَّ الإمام الحسن العسكريّ
(عليه السلام) عرض القرآن الكريم كمنهج حياة متكامل، شفاءً ودواءً مباركاً، عصمةً
للمؤمنين ونجاة لهم، مؤكداً على أنَّ التلاوة والتدبر والعمل بالقرآن من صميم
التزكية الروحية والفكرية والعملية للإنسان.
وهذا الوصف يعكس البعد العملي والتوجيهي للنص القرآني في
حياة الإنسان؛ إذ يجعل منه منهجاً شاملاً للهداية والصلاح، فالنجاة هنا ليست مجرد
حماية من الأخطار المادية، بل النجاة الروحية والفكرية والأخلاقية التي تحفظ
الإنسان من الانحراف عن الصراط المستقيم وتوفّر له أسس الحياة الطيبة في الدنيا
والآخرة، ويظهر هذا المعنى في قوله تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ
أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً)[27]،
فالالتزام بالقرآن يقود الإنسان إلى حياة طيبة متوازنة ونجاة من الضلال والهلاك.
الخامس: القرآن لا يعوج فيقوم، عبر الإمام (عليه السلام)
عن أنَّ القرآن الكريم ثابت ومستقيم دائماً، فهو لا يحتوي على أي ميل أو اختلال في
اللفظ أو المعنى، ولا يزيغ عن الحق، العِوَجُ[28]:
الميل والانحراف عن الطريق المستقيم أو الاضطراب في المعنى، (وَلَمْ يَجْعَلْ
لَه عِوَجاً)[29]،
شيئاً من العوج قطَّ، سواء في اختلال اللفظ أو تناقض في المعنى، أو انحراف من
الدعوة إلى جانب الحقّ[30]،
فهو ثابت ومستقيم دائماً في كُلّ زمان ومكان، وواضح أنه لا يضل ولا يلتوي، وهذا
تعبير مجازي يعطي صورة حية عن استقامة القرآن وكماله، ودلّ على صدق استقامة القرآن
وعصمته من التحريف، «لا يعوج فيقوم»، لا عِوَجَ في مبانيه ولا معانيه؛ كاملٌ في
هدايته فلا يحتاج إلى مقوم خارجي، لا يوجد فيه انحراف كي يحتاج إلى إصلاح، فهو
منبع الهداية والحق، كل آية فيه صحيحة من الناحية اللغوية والمعنوية والتشريعية،
القرآن لا يحتوي على أي ميل أو خطأ في المعاني أو في التشريع، فهو كتاب مستقيم لا
عوج فيه، مستقيم وكامل في معانيه وتشريعاته، فلا يحتاج إلى تعديل أو تصحيح، قال
تعالى: (الْحَمْدُ لِلهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ
يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا * قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا)[31]،
فهو المقياس والميزان الذي يُقوِّم غيره، لذا يُصلح ويُعدل الفِكَرَ والسلوك،
ويكشف اعوجاج المذاهب والأهواء، وهو ميزان نقدٍ دائم عند عرض فكرة أو مسألة عليه،
إنْ خالفتْه فهي المعوجّة لا هو.
فهو ليس مثل بقية الكتب أو الفكر البشري تحتوي على أخطاء
أو اعوجاج، القرآن كتاب (مستقيم)، لا يمكن أنْ يُخلَق له عوج، لذا يكون مصدراً
نهائياً لتقويم الفكر والسلوك.
السادس: القرآن لا يَزِيغُ فيَشْعَب[32]،
يشير (عليه السلام) إلى أنَّ القرآن لا يميل عن الحق ولا يفرّق الناس، بل يوحدهم
ويجمعهم على الأصول وكلمة التوحيد، الزيغ ناشئ عن قلوب الناس، وليس عن القرآن، قال
تعالى: (فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا
تَشَابَهَ مِنْهُ)[33]،
يوضح أنَّ الذين يزيغون هم الذين في قلوبهم ميلٌ وانحراف، التفرّقة تنشأ عندما
تترك الآيات المُحكمة ويُتَّبع الهوى، يصف(عليه السلام) القرآن ثابت وواضح، يرشد
الجميع بسلاسة واتساق، ويجمع الكلمة على الحق، وصفه (عليه السلام) أنَّ القرآن (لا
يعوج ولا يَزِيغ) يرشدنا إلى أهميته واستقامته.
السابع: القرآن لا تَنْقَضِي عَجَائِبُه، وصف (عليه
السلام) القرآن بأنه مليء بالعجائب والمعارف التي لا تنتهي، كلما تأمل الإنسان
القرآن وآياته، وجد فيها عجائب جديدة ومستمرة ومعارف متنوعة لا تنتهي، فهو مليء
بالمعارف والحقائق التي يكتشفها الإنسان بالتأمل والتدبر المستمر، ووصفه(عليه
السلام)
يتضمن تشجيع الناس على التأمل المستمر والتعلم والتدبر في آياته، لأنه يكشف عن
أسرار ومعارف جديدة، كلما تدبّروا ظهر لهم من الأسرار ما لا ينتهي، القرآن كنز لا
ينفد، كل قراءة جديدة تضيف فهماً وعلماً وعمقاً، القرآن كالبحر الواسع العميق كلما
غاص الإنسان أكثر في تدبّره، اكتشف أسراراً جديدة وعجائب كثيرة تظهر له، لا تنفد
في جوانب متعددة أحكامه شاملة لجميع العصور، وآياته تظهر إشارات دقيقة عن الكون
والحياة والطبيعة تتوافق مع الحقائق العلمية المكتشفة لاحقاً، قال تعالى: (كِتَابٌ
أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ
أُولُو الْأَلْبَابِ)[34]،
إشارة إلى أنَّ القرآن مباركٌ وأنزل للتدبر في آياته، مع تكرار تلاوته والتدبّر
فيه، يكتشف عجائب الله تعالى وغرائب حكمه، كُل قراءة يمكن أنْ تظهر معنى جديداً
وفهماً واسعاً وعلماً طرياً لم يخطر على البال، وهذا الوصف تعرض له النبي الأكرم
(صلى الله عليه وآله) وآل بيته (عليهم السلام) وهذا يدل على أنه (عليه السلام)
امتداداً للمنهج النبوي وآل بيته (عليهم السلام)، الذين بيّنوا للناس أنّ القرآن
كتاب حيّ ومتجدد، تتكشف عجائبه كلما تعمق الإنسان في قراءته وتدبره، ويبرز الوحدة
المعرفية والروحية بين النصّ القرآني ومنهج العترة الطاهرة، وبهذا يصبح القول
بأنَّ (عجائب القرآن لا تنقضي) تجسيداً واقعياً لمنهج آل البيت (عليهم السلام) في
تفسير القرآن.
الثامن: القرآن لا يَخْلَقُ ولا يبلى، أوضح (عليه
السلام) أنَّ القرآن الكريم لا يضعف بكثرة التلاوة أو بالزمن، ولا يمل بالتكرار
وإعادة تلاوته مرات عديدة، لا يقل شأنه ولا تقل قيمته؛ بل يزداد نضارةً وحلاوةً،
فهو دائم العطاء لا ينضب، وقارئه لا يملّ من تلاوته، وطبيعة البشر والقارئ يملّ
بتكرار قراءة النصوص أو يتعب ذهنه، أو يفقد القارئ المنفعة عند تكرارها، أما
القرآن كل تكرار لتلاوته يزيد من فهمه وتدبره ويكتشف الإنسان فيه عجائب جديدة؛
وهذا ببركته وإعجازه، حيث يسره الله تعالى، قال تعالى: (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا
الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ)[35].
وكلامه (عليه السلام) يستبطن الحثّ على تلاوة القرآن
وتكراره دون خوف من الملل أو فقدان الأجر، فهو وسيلة للأجر والثواب الكبير، حيث
يأمر (عليه السلام) بتلاوته قائلاً: «واتلوه فإنَّ الله يأجركم على تلاوته بكل حرف
عشر حسنات»[36]،
حيث ربط تلاوته بالثواب الجزيل، بل تلاوة كل حرف واحد مهما تكرر تلاوته، يأجر عشر
حسنات، وهذا تحفيز للمؤمن على التمسك بالقرآن وتلاوته، القرآن مصدر مستمر للبركة
والهداية، لا يمل منه القارئ ولا ينقص ثوابه وأجره.
ووصف الإمام العسكريّ(عليه السلام) القرآنَ الكريم
بقوله: «القرآن لا يَخْلَقُ ولا يُبلى»، هو توصيفٌ بليغٌ يعكس نظرةً عميقةً إلى
حقيقة هذا الكتاب الإلهي؛ إذ لا يقتصر على بيان دوام نصّه وثباته، بل يتجاوز ذلك
إشارة إلى خلوده المعنوي وتجدد عطائه عبر الأزمان، ويتناغم هذا الوصف مع ما ورد عن
النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله) وآل بيته (عليهم السلام) من تأكيدٍ على أزليّة
القرآن ودوام نفعه، بوصفه كلامَ الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من
خلفه، فهو مصدر الهداية المستمر للأجيال كافّة.
ويُعدّ هذا المعنى أحد مظاهر الإعجاز القرآنيّ الذي لا
يقتصر على البنية اللفظية، بل يمتدّ إلى قابليته الدائمة للتجدد والإشعاع الفكري
والروحي، بحيث يبقى مؤثّراً في العقول والقلوب مهما تغيّرت الظروف وتباينت البيئات
الثقافية.
وقد تناول عبد القاهر الجرجانيّ (400 ـ 471هـ) هذا البعد
الإعجازيّ في مؤلفه دلائل الإعجاز، ضمن حديثه عن اللفظ والنظم، في تحرير القول في
الإعجاز والفصاحة والبلاغة[37]،
مؤكّداً أنّ القرآن «لا تفنى عجائبه، ولا يَخْلَق على كثرة الرد»، أي أنّ القرآن
لا يفقد فصاحته ولا تنقص بلاغته مع مرور الزمن، بل يظلّ متجدّداً في إعجازه،
مؤثّراً في القلوب والعقول مهما تغيّرت الظروف وتطاولت الأزمان، وإعجازه البلاغيّ
لا يزول بكثرة التكرار، بل يزداد نضارة وتأثيراً كلّما تكرر النظر فيه.
ومن هنا يتّضح أنّ الإمام العسكريّ (عليه السلام) في
وصفه هذا، إنما يشير إلى سمةٍ إعجازيّةٍ خالدةٍ في القرآن الكريم، تتمثل في دوام
حيويّته وقدرته على مواكبة الزمن واستنهاض الوعي الإنسانيّ جيلاً بعد جيل.
الإمام (عليه السلام) في هذا الحديث الشريف يدعونا دعوة
صريحة بالالتزام بالقرآن الكريم واعتباره منهج حياة، وليس مجرد كتاب للقراءة أو
للتلاوة، وقد وصفه (عليه السلام) وصفاً متكاملاً بأنه مأدُبة ومرشد روحي وأخلاقي
للمؤمن، وشفاء للقلوب ودواء للنفس، وعصمة تحفظ الإنسان من الضلال، ومرشداً وهادياً
إلى طريق الاستقامة والنجاة، وبتكرار تلاوته تكشف لنا عجائبه التي لا تنقضي،
ويكافئنا الله تعالى على تلاوته أجراً عظيماً.
وقد نفى (عليه السلام) صفات عن القرآن حيث قال: «لا يعوج
فيقوم، ولا يَزِيغُ فيَشْعَب، ولا تَنْقَضِي عَجَائِبُه، ولا يَخْلَقُ على
كَثْرَةِ الرَّدِّ»، هذا النفي المطلق يؤكد على استقامة القرآن الكريم وثباته،
فلنحرص على التمسك به، والاهتداء بهديه، والتدبر في آياته، ونجعله منهجاً في
حياتنا؛ لننال رضاه الله تعالى وفضله في الدنيا والآخرة.
النموذج الثالث: القرآن شفاء من العمى
وبيان من الضلالة
القرآن الكريم هو النور الذي يهدي الإنسان ويكشف له طريق
الحق، وبه تتمثل الهداية الروحية والفكرية للبشر، جاء في حديث الإمام الحسن
العسكريّ (عليه السلام) أنه قال: «كُتب الله أنزلها شفاء من العمى، وبياناً من
الضلالة، يهدي العاملين بها إلى صراط مستقيم، كتاب الله إذا لم تعملوا به كان
وبالاً عليكم، وحجّة[38]
الله إذا لم تنقادوا لها كنتم للّه عاصين، ولسخطه متعرّضين»[39].
لقد تعرض الإمام العسكريّ (عليه السلام) في هذا الحديث
قائلاً: «كُتب الله تعالى التي أنزلها للخلق»، وأشار (عليه السلام) إلى أنَّ كُتب
الله تعالى وحيها أنزلها للخلق، ومنها القرآن الكريم، ثم وصفه (عليه السلام)
بأوصاف، وسوف نرتبها كما يلي:
الأول: القرآن شفاء من العمى، وصف(عليه السلام) بأنَّ
القرآن شفاء من العمى، والمقصود بالعمى هنا ليس عمى البصر، بل عمى القلوب
والبصيرة، أي الجهل والضلال وطمس نور الهداية، فالإنسان قد تكون له عينان يبصر
بهما في الدنيا، لكن قلبه مظلم لا يرى الحق من الباطل ولا يعرف سبيل النجاة.
القرآن الكريم عندما يُتلى ويُعمل به، يفتح بصيرة
الإنسان ويكشف له طريق الحق، ويطهّر القلب من أمراض الشك والجهل والهوى، ويبدّد
ظلام الضلالة كما يبدّد النورُ الظلام؛ لذلك نجد أنَّ القرآن نفسه يؤكد هذه الصفة،
قال تعالى: (قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ
فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا)[40]،
وقال تعالى: (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ
لِّلْمُؤْمِنِينَ)[41]،
إذن القرآن شفاء من عمى القلوب؛ لأنه يعالج أصل الداء وهو الجهل والضلال، العمى
هنا يرمز إلى الجهل الروحي والفكري، والابتعاد عن الحق، والقرآن يفتح للإنسان
بصائر القلب والعقل، فيحوّل القلب المظلم إلى قلبٍ مضيء بالإيمان والمعرفة، فيصبح
الإنسان قادراً على التمييز بين الحق والباطل.
الإمام العسكريّ (عليه السلام) كان يصف القرآن
بالشفاء، وقد كرر هذا الوصف في خطبه وهذا
يعزز وعي السامع أو القارئ بأهمية القرآن في حياته اليومية، ويحوّله من مجرد نص
مقروء إلى منهج حياة فعال يضفي على الإنسان رؤية واضحة ويقظة روحية مستمرة، وهنا
خصّ القرآن بالشفاء من العمى، حيث أكد على دوره في إزالة ظلمات الجهل والهوى
الفكري والروحي، وأنه مرشد يضيء العقول ويكشف الحقائق، ويمنح المؤمن القدرة على
التمييز بين الحق والباطل، ويبرز أهمية التمسك بالقرآن عملياً؛ إذ بالإتباع والتدبر
يتحقق الشفاء الحقيقي لكل أشكال (العمى) الأخلاقي والفكري، فهو يخرج الإنسان من
ظلمات الجهل والهوى إلى نور المعرفة والفهم الصحيح.
الثاني: القرآن بيان من الضلالة، الضلالة هي الانحراف عن
طريق الحق والخروج عن الصراط المستقيم، والوقوع في متاهات الباطل والشك، فالإنسان
إذا تُرك لعقله وحده قد يتيه بين الأفكار والأهواء، لذا وصف الإمام (عليه السلام)
أنَّ القرآن بياناً من الضلالة فهو مبيّناً للحقائق، وكاشفاً عن الحلال والحرام،
وموضحاً سبيل النجاة، إنَّه يزيل الغموض والاضطراب، ويبيّن للناس معالم الطريق
المستقيم، فلا يتركون في حيرة، قال تعالى: (هَٰذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى
وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ)[42]،
وقال تعالى: (قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ، يَهْدِي
بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ)[43].
إذن، القرآن بيان من الضلالة؛ لأنه يوضح الطريق المستقيم
عندما يختلط الحق بالباطل، ويكشف طرق الضلال والأفكار المغلوطة، فيكون كالمصباح
الذي يضيء للسائر في الظلام، يشير (عليه السلام) إلى أنَّ القرآن يوضح الطريق
الصحيح ويكشف الأخطاء والانحرافات، فلا يضل من اهتدى به، وبفضل هذا البيان، يصبح
الإنسان أكثر وعياً واستقامة، مما يقلل الفساد والانحراف، ويتحقق التوازن في
المجتمع الإسلامي.
ونلاحظ أنَّ الإمام العسكريّ(عليه السلام) كرر وصف
القرآن بأنه «بيانٌ من الضلالة»؛ لأنه يريد أنْ يؤكد على قدرة القرآن في تمييز
الحق عن الباطل وإزالة الغموض الفكري والروحي، فهو يرشد الإنسان إلى الصراط
المستقيم ويحصنه من الانحراف، ويجعل له رؤية واضحة تجاه الخير والشر، وهذا التكرار
يعمّق الوعي في ذهن السامع، ويبرز أهمية الالتزام به كمرشد حي في كُلّ شؤون
الحياة.
الثالث: القرآن يهدي إلى صراط مستقيم، الصراط المستقيم،
هو الطريق الواضح الذي يوصل إلى رضا الله تعالى، وهو الطريق الذي لا اعوجاج ولا
انحراف فيه، القرآن يهدي العاملين به، أي الذين يقرؤون آياته، ويفهمون معانيه،
ويطبّقون أوامره ونواهيه، فإذا عمل الإنسان بما جاء في القرآن، صار القرآن بمثابة
(خريطة طريق) توصله إلى الصراط المستقيم، قال تعالى: (إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ
يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ)[44]، أي
يوضح الهداية، يقول العلامة جواد مُغنية (1321 ـ 1400ه): «معنى يهدي يرشد ويوجب
إلى أقوم السبل وأعدلها وأنفعها، وهي بتعميمها تشمل الأصلح في كُل شيء، وفي كُلّ
زمان ومكان، ولكل إنسان من غير استثناء»[45]،
وقال تعالى: (فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى)[46]،
هذه الآية دعوى صريحة وواضحة يسجلها القرآن للعمل به، حيث يقوده إلى الاستقامة في
الحياة الدنيا، بمعنى الالتزام بالقيم والأخلاق الإلهية والابتعاد عن الانحراف؛
لأنه يرسم المنهج الصحيح للحياة، ومن يسلك هذا المنهج يصل إلى برّ الأمان، بينما
من يتركه يتيه في الطرق المتفرعة.
الرابع: القرآن حجّة الله على عباده، الحُجّة في اللغة:
البرهان والدليل القاطع الذي لا يُردّ، وصف (عليه السلام) أنَّ القرآن الكريم هو
برهان بيّن ودليل قاطع على العباد، أي أنَّ الله جعله برهاناً للناس، فلن يعد لأحد
عذر في ترك الهداية أو الوقوع في الضلال، فهو كلام الله المبين، فيه أوامر ونواهٍ
وشرائع، فإذا بلغه الإنسان ثم أعرض عنه، قامت عليه الحجّة، وهو شاهد على الطائع
والعاصي، من عمل به كان شاهداً له يوم القيامة، ومن أعرض عنه كان شاهداً عليه يوم
القيامة، فلا يستطيع أحد أنْ يقول: ما عرفتُ الحق، أو لم يصلني الدليل والبرهان،
فالقرآن بيّن طريق الله تعالى وكان دليلاً على كل مكلّف، القرآن يعتبر حجة الله
على عباده، وعصيان أو تجاهل هذه الحجة يعني المعصية والاستحقاق لغضب الله تعالى.
لقد وصف الإمام الحسن العسكريّ(عليه السلام) القرآن
الكريم بأنه ليس مجرد كتاب للقراءة، بل شفاء ودواء للروح والعقل، وبيان للحق،
وطريق للهداية والاستقامة، وهو حجة الله على الخلق، والالتزام بتعاليمه والعمل به
يحمي الإنسان من الضلال، ويقوده إلى الهداية، ويجنب عقاب الله وسخطه، وهذه الصفات
التي تعرض لها (عليه السلام) تؤكد أهمية القرآن وأنه منهج حياة متكامل يصلح للروح
والفكر والسلوك للفرد والمجتمع، حيث جمع بين الفهم والعمل والهداية المستمرة،
وهناك تحفيز على الطاعة والالتزام بالقيم، وتجنب الانحراف، وإنَّ ترك العمل
بالقرآن ورفض طاعته يعرض الإنسان للضلال والوبال وغضب الله تعالى وعقابه، وعدم
الالتزام والانقياد له يترتب عليه عواقب وخيمة.
النموذج الرابع: القرآن شاهد وشافع يوم
القيامة
قال الإمام الحسن العسكريّ(عليه السلام): «إنّ القرآن
يأتي يومَ القيامة بالرّجل الشّاحبِ[47]يقولُ
لربّه: يا ربّ، هذا أظمأتُ نهارَه، وأسهرتُ ليلَه، وقوّيت في رحمتك طمعه، وفسحتُ
في رحمتك أمله، فكن عند ظنّي فيك وظنّه. يقول الله تعالى: أُعطوه المُلكَ بيمينه
والخُلد بِشماله، واقرِنوه بأزواجه من الحور العين، واكسُوا والديه حلّة لا تقوم
لها الدّنيا بما فيها، فينظر إليهما الخلائق فيعظّمونهما، وينظران إلى أنفسهما
فيعجبان منهما، فيقولان: يا ربّنا، أنّى لنا هذه ولَم تَبلُغْها أعمالُنا؟! فيقول
الله عزّ وجلّ: ومع هذا تاج الكرامة، لم يَر مثلَه الرّاؤون ولم يسمع بمثله
السّامعون، ولا يتفكَّر في مثله المتفكّرون، فيقال: هذا بتعليمكما ولدكما القرآن،
وبتبصيركما إيّاه بدين الإسلام، وبرضايتكما إيّاه على حُبّ محمّد رسول الله وعليّ
وليّ الله (صلوات الله عليهما)، وتفقيهكما إيّاه بفقههما»[48].
القرآن الكريم هو نور وهداية للإنسان، يرفع بصيرته،
ويكشف له الطريق المستقيم، ويشهد ويشفع له يوم القيامة، وقد وصف الإمام الحسن
العسكريّ (عليه السلام) في هذا الحديث القرآن الكريم بأنه يكون شاهداً وشافعاً
لصاحبه يوم القيامة، مما يعطي المعنى قوة وتأثيراً نفسياً على المخاطب وكأن المشهد
حياً حاضراً أمامه، ويكون سبباً في نيله الثواب العظيم وإعطائه المُلك بيمينه
والخُلد بشماله، يبين الإمام(عليه السلام) في هذا الحديث دور القرآن الكريم في
تربية الإنسان وتنمية روحه وعقله، ويحفّزه على الاجتهاد في تلاوته وحفظه والعمل
بتعاليمه، ويعزز فيه الطمأنينة وحسن الظن بالله والاعتماد عليه، فهو يشهد ويشفع
لصاحبه يوم القيامة، كما يوضح فضل القرآن على الوالدين وأثر تربية العائلة، من
خلال تكريمهما ورفع مكانتهما نتيجة تربيتهم للأبناء على حب القرآن والعمل به، وهذا
الحديث يحفز الفرد على الالتزام بالقرآن، ويبرز أهميته في حياة المجتمع المسلم،
والإمام العسكري (عليه السلام) في تفسيره يعلق على قوله تعالى: (هُدًى
وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ)[49]،
يقول: (هُدىً)، يعني هذا القرآن هدىً، (وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ)،
يعني بشارة لهم في الآخرة، وذلك أنَّ القرآن يأتي يوم القيامة بالرجل الشاحب إلى
آخر الحديث[50].
لقد تعرض الإمام (عليه السلام) في كلامه إلى أوصاف
للقرآن الكريم، منها:
الأول: القرآن الكريم شاهد يوم القيامة، القرآن يشهد
لصاحبه.
الثاني: القرآن شفيع يوم القيامة، القرآن يشفع لصاحبه،
يقدمه أمام الله شفيعاً له بسبب اجتهاده في حفظه وتلاوته.
الثالث: القرآن سبب للاجتهاد والتعب في الدنيا، والحديث
وصف الإنسان يوم القيامة بالشاحب؛ نتيجة اجتهاده في تلاوة القرآن وحفظه.
الرابع: القرآن مكرم وصاحب الجزاء العظيم، لأنَّ الجهد
الذي بذله في هذه الحياة مرتبط مباشرة بالجزاء الأخروي.
الخامس: القرآن يرفع مكانة الوالدين، حيث يكون سبباً في
تكريمهم ورفع منزلتهم، مكافأة الوالدين مرتبطة بتربية أبناء صالحين حافظين للقرآن.
ويبيّن الإمام العسكريّ (عليه السلام) في هذا الحديث
عظمة القرآن الكريم وأثره البالغ في حياة الإنسان، فهو شاهد وشفيع لصاحبه يوم
القيامة، ومحفز على الاجتهاد، وسبب للجزاء العظيم، ومكرم للوالدين، مما يجعله منهج
حياة متكاملاً للفرد والمجتمع، ومجازاة للملك، والخلود، ومرافقة الحور العين في
الجنة، ورفع مكانة والديه، مما يعكس القيمة الروحية والتربوية والاجتماعية التي
يحملها القرآن لكل فرد، وكلامه(عليه السلام) دعوة صريحة للمسلمين بالتمسّك بالقرآن
والعمل بتعاليمه، ليكونوا قدوة صالحة في حياتهم، وسبباً للارتقاء الروحي والاجتماعي،
وتحصيل رضا الله تعالى في الدنيا والآخرة.
نتائج البحث
توصلنا من خلال البحث إلى أنَّ الإمام الحسن العسكريّ
(عليه السلام) قدّم رؤية متكاملة للقرآن الكريم، ليس بوصفه مجرد نصوص للتلاوة أو
للحفظ، بل كرسالة ربانية شاملة، ومنهج هداية روحية وأخلاقية واجتماعية، تستهدف
إصلاح الإنسان والمجتمع على السواء.
وقد بيّن (عليه السلام) في كلماته وتعاليمه أنَّ القرآن
الكريم يجب أنْ يُقرأ بتدبر، ويُفهم بعمق، ويُطبق في الواقع العملي، فهو ليس
للزينة والتباهي أو للتقديس الظاهري، بل هو مصدر حياة، كما أنَّه محرّك فعّال
لبناء الإنسان والمجتمع، وقد جسّد الإمام العسكريّ (عليه السلام) هذا المفهوم في
سلوكه، فكان أنموذجاً حياً للقرآن الناطق، يعكس مفاهيمه وقيمه من خلال أفعاله
وأقواله، ويُترجم مضامينه إلى مواقف عملية تُلهم الأمة وتسهم في توجيهها نحو
الصلاح.
ومن خلال تحليل النماذج التي استعرضناها، تبيّن لنا أنَّ
سمات القرآن الكريم في كلمات الإمام (عليه السلام) تتجلى في كونه: مأدبة الله
تعالى، ونوراً مبيناً، وشفاء نافع من العمى، ودواء مبارك، وبيان من الضلالة،
وعِصمة لِمَن تَمَسَّكَ به، ونجاة لمن تبعه، وحجّة الله على عباده، يهدي إلى
الصراط المستقيم، وهذه الصفات لا تُفهم مجرّدة عن الواقع، بل هي دعوة عملية لتجسيد
هذه المعاني القرآنية في حياة المسلم اليومية، وإلى التمسك العملي بالقرآن، وأكد
(عليه السلام) كذلك أنَّ القرآن الكريم لا تَنْقَضِي عَجَائِبُه، ولا يميل عن الحق
ليفرّق الناس إلى شعب وأحزاب، بل يوحدهم ويجمعهم على كلمة التوحيد.
وفي الختام، أوصي الباحثين الكرام، بضرورة إعادة قراءة
تراث الأئمة (عليهم السلام) بعيون علمية جديدة، تتيح الكشف عن الكنوز الفكرية
والتربوية التي زُخرت بها كلماتهم، مع توسيع الدراسات القرآنية في ضوئها؛ لأنها
تمثل فهماً واقعياً خالصاً للقرآن الكريم، وبالأخص ما تمثله كلمات الإمام الحسن
العسكريّ (عليه السلام) من بُعد روحي وقرآني عميق، وإدراج خطبه وكلماته (عليه
السلام) ضمن المناهج التربوية والفكرية؛ لما تحويه من قيم أخلاقية وروحية تتماشى
مع متطلبات العصر، وما توفيقي إلّا بالله، عليه توكلتُ وإليه أنيبُ.
قائمة المصادر والمراجع:
القرآن الكريم
1)
نهج البلاغة، خطب الإمام
علي (عليه السلام)، تحقيق صبحي الصالح، بيروت،1387هـ.
2)
ابن أبي الزَمَنِين،
محمد بن عبد الله، تفسير ابن زَمَنِين، تحقيق أبو عبد الله حسين بن عكاشة، محمد بن
مصطفى الكنز، الفاروق الحديثة، مصر 2002م.
3)
ابن الأثير، المبارك بن
محمد، النهاية في غريب الحديث والأثر، الناشر مؤسسة إسماعيليان، قُم المُقدَّسة،
1364ش.
4)
ابن البطريق، يحيى بن
الحسن، عمدة عيون صحاح الأخبار في مناقب إمام الأبرار، الناشر مؤسسة النشر
الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين، قُم المُقدَّسة ،1407 هـ.
5)
ابن فارس، أحمد بن فارس،
معجم مقاييس اللغة، تحقيق عبد السلام محمد هارون، الناشر مكتبة الإعلام الإسلامي،
قم المقدسة، 1404هـ.
6)
ابن منظور، محمد بن
مكرم، لسان العرب، الناشر نشر أدب الحوزة، قُم المُقدَّسة، 1405هـ.
7)
تفسير الإمام
العسكري(عليه السلام)، المنسوب إلى الإمام العسكري(عليه السلام)، تحقيق مدرسة
الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، ط1، الناشر مدرسة الإمام المهدي(عجل
الله تعالى فرجه الشريف)، قُم المُقدَّسة، 1409 هـ.
8)
الجرجاني، عبد القاهر بن
عبد الرحمن، دلائل الإعجاز في علم المعاني، تحقيق محمود محمد شاكر أبو فهر،الناشر
مطبعة المدنيل، القاهرة، 1992م.
9)
الخوئي، ميرزا حبيب
الله، منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة، تصحيح السيد إبراهيم الميانجيّ، الناشر
مؤسسة الإمام المهدي(عجل الله تعالى فرجه الشريف) الثقافية، طهران،1360 ش.
10) الزَّبيديّ، محمّد مرتضى بن محمّد، تاج العروس من جواهر
القاموس، الناشر دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، 1994م.
11) الشريف المرتضى، علي بن الحسين، الأمالي، تحقيق السيد
محمد بدر الدين النعسانيّ الحلبيّ، منشورات مكتبة آية الله العظمى المرعشيّ
النجفيّ، قم، 1907م.
12) الصدوق، محمد بن علي، عيون أخبار الرضا(عليه السلام)،
تحقيق الشيخ حسين الأعلميّ، الناشر: مؤسسة الأعلميّ، بيروت، 1984م.
13) الصفار، محمَّد بن الحسن، بصائر الدرجات، الناشر منشورات
الأعلميّ، بيروت 1404هـ.
14) الطبرسيّ، الفضل بن الحسن، تفسير مجمع البيان، بيروت،
ط1، مؤسسة الأعلميّ للمطبوعات، بيروت، 1995م.
15) الطوسي، محمد بن الحسن، التبيان في تفسير القرآن، تحقيق
أحمد حبيب قصير العامليّ، الناشر مكتب الإعلام الإسلامي، 1409هـ.
16) القاضي، النعمان المغربي، دعائم الإسلام، القاهرة، تحقيق
آصف بن علي أصغر فيضي، الناشر دار المعارف، 1963م.
17) القُنْدوزيّ الحنفي، سليمان بن إبراهيم، ينابيع المودة
لذوي القربى، تحقيق سيد علي جمال أشرف الحسيني، الناشر: دار الأسوة، طهران،
1416هـ.
18) الكاشانيّ، فتح الله بن شكر الله، زبدة التفاسير، تحقيق
مؤسسة المعارف، مؤسسة المعارف الإسلامية، قم، 1423هـ.
19) الكُلينيّ، محمد بن يعقوب، الأصول من الكافي، تحقيق علي
أكبر الغفاري، دار الكتب الإسلامية، طهران، 1363هـ ش.
20) المجلسيّ، محمد باقر بن محمد تقي، بحار الأنوار، مؤسسة
الطور للنشر، طهران، 1411هـ.
21) مُغْنيَّة، محمد جواد بن محمود، التفسير الكاشف، الناشر
دار العلم للملايين، بيروت، 1981م.
22) موسوعة الإمام العسكري(عليه السلام)، مؤسسة ولي
العصر(عجل الله تعالى فرجه الشريف) للدراسات الإسلامية، الناشر مؤسسة ولي
العصر(عليه السلام) للدراسات الإسلامية، قم المقدسة، 1426هـ.
23)
نهج البلاغة، خطب الإمام
علي(عليه السلام)، تحقيق صبحي الصالح، بيروت،1387هـ.