العدد الثاني عشر

دار العامة العباسي ودور الإمام الحسن العسكري(عليه السلام) بين الاحتواء والإقصاء - عرض وتحليل -
تحميل
الباحثين أ.د.هناء كاظم خليفة أ.د.هناء كاظم خليفة أ.د.رحيم مزهر جبر العتابي أ.د.رحيم مزهر جبر العتابي

دار العامة العباسي ودور الإمام الحسن العسكري(عليه السلام)

بين الاحتواء والإقصاء - عرض وتحليل -

 

The Abbasid Public House

and the Role of Imam Al-Hasan Al-Askari (PBUT) Between Containment and Exclusion: Presentation and Analysis

 

أ.د. هناء كاظم خليفة

الجامعة المستنصرية/كلية الاداب

Prof. Dr. Hanaa Kadhim Khalifa

Al-Mustansiriya University-

College of Arts

أ.د. رحيم مزهر جبر العتابي

جامعة بغداد /كلية اللغات

Prof. Dr. Raheem Mazhar Jabir Al-Atabi

University of Baghdad

College of Languages

 

الملخص:

الحمد لله ربّ العالمين، وأفضل الصلاة والسلام على خير البشر المصطفى محمد وآله وسلّم، وبعد.قال تعالى في محكم كتابه: (يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) سورة التوبة، الآية 32.

 يتفق الكثير ونحن منهم على، أنّ الدراسات حول الإمام الحسن بن علي العسكري(عليهما السلام) ليست بالكثيرة مقارنة بباقي الأئمة الأطهار، هذا من جانب، ومن جانب ثانٍ إن السلطة العباسية بطريقة وأخرى كانت تحاول ما استطاعت أن تفرض هيمنتها على الإمام(عليه السلام) بأسلوب خاص بين احتواء الإمام في مواقف معينة، وإقصاء دوره في مواقف أخرى.

هذا الأمر ليس مهماً بقدر ما كان للإمام الحسن العسكري(عليه السلام) من احتواء المواقف مع السلطة العباسية وإقصاء ما تقوم به من محاولات يائسة في تحجيم نشاطه، لكن يأبى الله الا أن يتم نوره؛ لأنّ الدور الرسالي القيادي للإمام كان قد فرض نفسه على أحداث عصره وسعيه في مواجهة تحديات الواقع الذي عاشه الإمام(عليه السلام) وشيعته وطموحه المستقبلي في ترسيخ التعامل المنطقي لمعالجة المعوقات التي تواجه المجتمع وتدريب أتباعه على المنهج المهدوي المستقبلي عن طريق خطوات رسمها بطريقة مدروسة بدقة متناهية.

الكلمات المفتاحية: الإمام الحسن العسكري(عليه السلام)، دار العامة، الاحتواء، الاقصاء.

 

Abstract:

Praise be to Allah, Lord of the worlds, and the best prayers and peace be upon the best of mankind, the chosen Mohammed and his family, and greetings. Allah Almighty said in His Book: “They (the disbelievers, the Jews and the Christians) want to extinguish Allah's Light (with which Muhammad SAW has been sent - Islamic Monotheism) with their mouths, but Allah will not allow except that His Light should be perfected even though the Kafirun (disbelievers) hate (it).”1 Many agree, including us, that studies about Imam Al-Hasan ibn Ali Al-Askari (PBUT) are not numerous compared to the rest of the pure Imams, on one hand, and on the other hand, that the Abbasid authority in one way or another was trying as much as possible to impose its hegemony on the Imam (PBUH) in a special way between containing the Imam in certain situations and excluding his role in other situations.

This matter is not as significant as the Imam Al-Ḥasan Al-Askari’s (PBUH)   ability to contain his confrontations with the Abbasid authority and neutralize its desperate attempts to restrict his activities. Yet, Allah willed otherwise, He would not allow anything to obstruct the manifestation of His light. Indeed, the Imam’s prophetic-leadership role had already asserted itself upon the events of his time, compelling him to confront the challenges faced by himself and his followers. Moreover, driven by a forward-looking vision, he diligently worked to instill a rational, methodical approach for addressing societal obstacles and systematically trained his adherents in the future-oriented Mahdawi methodology through meticulously planned and precisely calculated steps.

key words: Imam Al-Hasan Al-Askari (PBUH), public house, containment, exclusion.

 

المقدمة:

امتازت مدينة سامراء بأبنيتها الفخمة وانتشار الدور القصور للسلطة العباسية في المدينة، ومن تلك المباني (دار العامة) أو (قصر الجوسق الخاقاني)، أذ كانت دار حكومية واسعة، فيها يتم استقبال الوفود والضيوف والوزراء والقادة والرؤساء، وفيها أيضا يتم استقبال كافة طبقات المجتمع، ولأهمية الموضوع سنتناول في البحث  أبرز الأحداث التي دارت في دار العامة العباسي بين الإمام الحسن العسكري(عليه السلام) والسلطة العباسية، الإفادة من تلكم الممارسات التي تعامل بها الإمام الحسن العسكري(عليه السلام) في القيادة والإدارة، والتعرف على دار العامة العباسي وتوثيق ماهية هذه الدار، إلقاء الضوء على دور الإمام الحسن العسكري(عليه السلام) في توجيه أتباعه باستخدام طرق خاصة في التعامل مع مضايقات السلطة بالتلميح تارة وبالتصريح تارة أخرى.

اعتمدنا في كتابة البحث على منهج عرض الروايات التاريخية، ثم تحليل ما يحتاج إلى تحليل منها بعد القراءة المستفيضة لها، اقتضت خطة البحث أن يكون بمبحثين، درس المبحث الأول منه التعريف المفصل بدار العامة العباسية وما يدور فيها من أحداث وما يكون فيها من مهام، وتحديد موضعها جغرافيا ومحتوياتها وجاء بعنوان «الصورة النمطية لدار العامة بين الواقع السياسي والطموح العباسي».

في حين سلط المبحث الثاني الضوء على تواجد الإمام الحسن العسكري(عليه السلام) في هذا الدار وما كان يقوم به، وإحاطته بالحياة العامة والسعي إلى تقديم مواقف من شأنها بلورة فكر استراتيجي - تنموي في المجتمع بما تفرزه الأحداث من مواقف وما تحتاجه من معالجات، والذي جاء بعنوان: دور الإمام الحسن العسكري(عليه السلام) ودار العامة بين حتمية الواقع وتحديات السلطة العباسية. وينتهي البحث بخاتمة أودعنا فيها أبرز النتائج التي توصلنا اليها، مع قائمة بالمصادر والمراجع.

 

المبحث الأول: الصورة النمطية لدار العامة بين الواقع السياسي والطموح العباسي

 معروف ان «مناقب سيّدنا أبي محمّد الحسن العسكري (عليه السلام) دالّة على أنّه السري ابن السري، فلا يشكّ في إمامته أحد ولا يمتري، واعلم إن بيعت مكرمة فسواه بايعها وهو المشتري، واحد زمانه من غير مدافع، ونسيج وحده من غير منازع، وسيّد أهل عصره، وإمام أهل دهره، أقواله سديدة، وأفعاله حميدة، وإذا كان أفاضل زمانه قصيدة فهو في بيت القصيدة، وإن انتظموا عقداً كان مكانه الواسطة الفريدة، فارس العلوم الّذي لا تجارى، ومبين غوامضها فلا يحاول ولا يمارى كاشف الحقائق بنظره الصائب، مظهر الدقائق بفكره الثاقب، المحدّث في سرّه بالأُمور الخفيّات، الكريم الأصل والنفس والذات، تغمّده الله برحمته وأسكنه فسيح جنانه بمحمّد (صلى الله عليه وآله) آمين»[1].

فقد عاصر الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) ثلاثة من الحكام العباسيين وهم على التوالي: المعتز بالله «251-255هـ» والمهتدي بالله «255-256هـ». والمعتمد على الله «256-279هـ» وكانت حياته في عهدهم تتصف بالشدة والضيق والخوف، ومع كل ذلك فقد أخذ عنه من العلوم الشيء الكثير[2]. والجدير بالذكر انه سلام الله عليه «لاقى التضييق والعنت والإرهاب والملاحقة والسجن من قبلهم، وكان آخر الذين عاصرهم الامام هو المعتمد، وكان خليعاً ميالاً إلى اللهو واللذات، منصرفاً إلى العزف والغناء واقتراف المحرمات، مما أوجب كراهية الناس له، وقد زاد من غيظ المعتمد إجماع الأمة على تعظيم الإمام العسكري (عليه السلام) وتبجيله وتقديمه بالفضل على جميع العلويين والعباسيين، في الوقت الذي كان المعتمد العباسي مكروهاً لدى الأمة، فأجمع رأيه على الفتك بالإمام(عليه السلام) واغتياله، فدس له سما قاتلا»[3].

وعليه لا بد من القول أن دار العامة ووظيفتها كانت تشكل نقطة ارتكاز للسلطة العباسية وادارتها؛ إذ شكلت جزءاً من الواقع الملموس للحكم العباسي في مدينة سامراء كما سيتضح في الصفحات القادمة من البحث.وبايجاز يمكننا القول: إنّ دار العامة حملت وجوهاً كثيرة تراوحت بين كونها مقراً لتواجد الحاكم العباسي، وبين كونها مظهراً من مظاهر السيادة السياسية والادارية وغيرها للدولة.

الأسماء التي أطلقت على دار العامة:

أطلقت العديد من التسميات على هذه الدار وان كان أعمها وأكثرها شيوعاً في الروايات التاريخية هو دار العامة، الا أنّ من بين التسميات التي وجدناها هو:

دار الخلافة بسر من رأى[4]، ودار العامة بسر من رأى[5]، ودار السلطان[6].

من خلال ما تقدم نجد المهم الإشارة إلى مايلي:

1- إنّ الدار قد تسمت بأسماء غير ثابتة ومختلفة لكن ذاتها هو نفسه. ولعل الظروف التي أحاطت بالخلافة العباسية هي من فرض هذا التعدد في إطلاق تلك التسميات.

2- لعل إطلاق تسمية دار السلطان ودار الخلافة هي التسمية الأصلح والأنسب لهذه المؤسسة ان صح التعبير ؛لان كل تشكيلاتها وما يجري فيها من احداث يناسب هذه التسمية، لكن قد تكون هناك أوضاع أجتماعية وحتى اقتصادية دفعت بالسلطة أن تستخدم تسمية دار العامة وكأن لسان حالها يوضح أن الخلافة ممثلة للرعية وأن مقر حكمها، ما هو الا للعامة وأنهم أساس حكمها أو على الأقل ان ذلك كان محاولة منها للإشارة إلى قربها من العامة وأن أبواب مؤسساتها مفتوحة على مصراعيها أمام العامة جميعهم.

الطابع الرسمي لدار العامة العباسية:

إنّ رصد الكيفية التي كانت تجري فيها المراسيم في هذه الدار يضفي عليها الشيء الكثير من الطابع الرسمي، ولعل من بين تلكم المظاهر هو:

أولاً: حضور الحاكم في زي الخلافة الرسمي:

عندما حكم المستعين بالله أحمد بن المعتصم «248-251هـ» هـ كان يدخل دار العامة في زي الخلافة وبمراسيم خاصة تمثلت باستقباله من قبل أصحابه وهم مصفوفون بصفين برفقة الوجهاء[7] والمقصود بزي الخلافة هنا إنّ عليه سواداً وفوق السواد بردة الرسول(صلى الله عليه وآله) وبيده القضيب.[8]

يبدو أنّ حكام بني العباس وغيرهم ممن سبقهم وانتهج منهجهم لم يدركوا أن مثل هذه السلوكيات لم تجد نفعا في ترسيخ مكانتهم، وأنّ ما كان يصلح بالأمس قد لا يصلح اليوم مطلقا.

ثانياً: البيعة للخليفة:

إنّ إلزام السلطة العباسية فرض الطابع الرسمي على دار العامة استلزم أن يجري في هذه الدار تلكم الفعاليات الرسمية، ومنها إعلان وأخذ البيعة للحاكم العباسي، فعلى سبيل المثال إنّ البيعة للمتوكل تمت في سنة 232هـ وكاتب البيعة له من قبل صاحب ديوان الرسائل محمد بن عبد الملك الزيات[9]، كما بويع المستعين خليفة من قبل من كان حاضراً في دارالعامة من أصحاب المراتب[10]. وفي سنة 251هـ توجه المعتز إلى دار العامة بعد أن أطلق سراحه وأخيه المؤيد من معتقله المعروف بلؤلؤة الجوسق في سامراء، وتمت مبايعته وخلع على أخيه المؤيد كما عقد له عقدين الأول أسود والثاني أبيض، رمز الأسود لولاية العهد بعده، أما الأبيض فرمز لولاية الحرمين وتقلدهما، كما كتبت الكتب بمدينة سامراء إلى جميع المدن بأنّ المعتز بالله هو الحاكم العباسي الجديد[11]

وإنّ المعتمد قد جلس في دار العامة وفيها عين ولده جعفراً وليا للعهد ولقبه بعلي المفوض إلى الله وجعله وليا على بلاد المغرب وجعل معه موسى بن بغا الذي عينه على افريقية والشام ومصر والموصل والجزيرة وطريق خراسان وأرمينية وحلوان ومهرجانقذق[12]. وكذلك أخذت البيعة للمكتفي في دار العامة؛ إذ اجتمع فيها كل من مؤنس الخادم ومؤنس الخازن ووصيف موشكير والفضل بن راشد ورشيق[13].

ثالثاً: إسقاط المراتب:

من بين الفعاليات الرسمية التي كانت تجري في دار العامة هو اسقاط المراتب، ففي سنة 250هـ أسقطت مرتبة من أصحاب المراتب في دار العامة من الأمويين أمثال ابن أبي الشوارب، والعثمانيين[14].

رابعاً: إصدار قرار اللعن والأمن

من المعروف أنّ رجالات السلطة العباسية قد أسسوا لأنفسهم أنماطاً من السلوكيات والأفعال وحتى التصرفات الخاصة بهم بمحاولة منهم للتحكم ما أمكنهم بزمام الأمور وفقاً لنظرتهم، على سبيل المثال في سنة 269هـ أمر المعتمد بلعن ابن طولون في دار العامة بعد ان أحضر الناس إلى هذه الدار[15]، بعد أن اتخذ ابن طولون عدداً من الاجراءات ضد الموفق أخ المعتمد العباسي، ومنها قطعه ذكر الموفق في الخطبة وإسقاطه لاسم الموفق عن الطرازات، وبعد ان تمكن الموفق من ابن طولون وأذله وأخذ ما تحت يده من أعمال أرسل إلى أخيه بكتاب يطلب فيه أن يأمن ابن طولون في دار العامة، ووافق المعتمد وأجابه إلى ذلك وهو مجبر[16].

خامساً: تعيين العمال

كان الكثير من قرارات التعيين وتنصيب العمال تصدر من هذه الدار وعلى سبيل المثال ان المقتدر بعد جلوسه في دار العامة عقد إلى يوسف بن أبي الساج محمد بن خلف النيرمانى على اعمال الصلاة والمعاون والخراج والضياع بالري وقزوين وأبهر وزنجان واذربيجان[17].

سعة دار العامة:

كانت دار العامة من السعة ان يقام على سبيل المثال من مجلس الوزيرالى بابها سماطين كما هو الحال عند دخول الموفق اخو المعتمد العباسي وصاحب جيشه على عبيد الله بن يحيى بن خاقان إذ اقاموا بين المجلس وباب الدار سماطين إلى أن يدخل ويخرج الموفق[18] «والسماط ما هو الا الجماعة من الناس والنخل والمراد به في الحديث الجماعة الذين كانوا جلوسا عن جانبيه»[19].

محتويات دار العامة: إنّ محتويات هذه الدار توضح وبشكل جلي السعة التي عرفت بها، ومن هذه المحتويات:

1- الخزانة أو بيت المال:

 وتقع في جوف القصر الموجود فيها[20]. ولاهميتها وما تحتويه من موارد مالية نقدية وعينية فقد تعرضت للسرقة في إحدى المرات وتحديداً في سنة 231هـ، إذ هجم اللصوص على بيت المال الذي في دار العامة واستولوا على مبلغ اثنين واربعين الف درهم ومقدار من الدنانير، الا انه تمت متابعتهم واسترجع ما سرق[21]. كما تضمنت السلاح والدروع والسيوف الثغرية وتراس الخيزران[22] والجواشن وغيرها[23].

2- الحبس:

يبدو أنّ هناك مكاناً للحبس في الدار، ولعله من نوع الحبس الخاص[24].

3- الفرش:

كثرت الفرش الثمينة المطرزة في دار العامة مزينة بقصائد شعرية، منها على سبيل المثال: قصيدة لربيعة الرقي «مكتوبة في دور بساط من بسط السلطان قديم، وكان مبسوطاً في دار العامة بسر من رأى»[25].

مكونات دار العامة: المكونات الرئيسة لهذه الدار كثيرة ومتنوعة، ومن بينها:

1- الأبواب

كان باب الدار يعرف باسم باب العامة[26]. وعلى مايبدو أنّ الباب الخارجي للدار كان من الحديد، وكان يغلق عند مداهمة الأخطار[27].

2- السطوح:

للدار سطوح تؤدي إليها سلالم[28].

3- الأروقة:

عرفت دار العامة بكثرة الأروقة الكثيرة، والممرات الطويلة[29].

3- الصحون:

تحتوي دار العامة على صحن البستان الذي يؤدى اليه عن طريق ممرات طويلة [30]. وعلى ما يبدو أنّ هذا الصحن كان كبير بحيث يتسع لترويض الجامح من الحيوانات التي كانوا ياتون بها إلى الحكام العباسيين، كما حدث في عهد المستعين- كما سأتي ذكره لاحقا[31].

4- المجلس

يمتاز هذا المجلس بالبهاء والفرش الباهظة، وفي العموم كانت تجري فيه من المناظر العجيبة والجليلة[32].

الشخصيات الثابتة الحضور في دار العامة:

 من المؤكد أنْ يكون الحاكم وولي العهد من أول الشخصيات التي يكون مقر تواجدها في دار العامة[33]. كذلك لا يمكن اغفال الوجهاء من أصحاب الحاكم، وبالتأكيد كان هناك الأتراك وفيهم بغا الصغير[34]، كما كان الوزراء وحجابهم ممن لهم تواجد ثابت في هذه الدار[35] وأصحاب المراتب من العباسيين والطالبيون وغيرهم[36]. وقد جاء الناس على طبقاتهم[37]؛ إذ كان ياتي العامة من الناس إلى هذه الدار حتى إنّ الحاكم العباسي المستعين كان قد نصب له في الدار كرسي وأدخل اليه أعداد من العامة[38] لأنّ الدار كان يدخلها جميع الناس[39].

الجلوس للنظر في دار العامة:

 من المهام التي كانت تجري في دار العامة كمقر رسمي لادارة السلطة العباسية هو الجلوس للنظر في أمور العامة، فقد جلس المهتدي بالله في أمور المتظلمين في هذه الدار وقضايا العامة تطرح عليه من بدايتها حتى نهايتها، ثم يصدر أوامره بالتوقيع فيها ويكتب الكتاب عليها ثم يصدر الأمر رسمياً ويختم من قبله ويسلم إلى المتظلم وهو بين يديه[40]. وكذلك كان المستعين قد نصب له في الدار كرسي وادخل اليه اعداد من عامة الناس[41]. كما ان المعتز جلس في دار العامة سنة 255هـ للنظر في المظالم، وكان يعزل ويولي ويمضي الأمور، حتى إنه عين موسى بن بغا على ديوان الجيش[42].

المبحث الثاني: دور الإمام الحسن العسكري(عليه السلام) ودار العامة بين حتمية الواقع وتحديات السلطة العباسية

الحبس صورة ثانية عن مثول الإمام العسكري(عليه السلام) في دار العامة:

 بداية لا بد من الإشارة إلى أن الإمام العسكري سلام الله عليه قد عانى من ظلمات سجن العباسيين ليس لمرة واحدة، وانما تكرر ذلك مراراً وتكراراً، واضحت مسألة سجنه سنة يقتدي بها حكام بني العباس يتوارثونها حاكماً بعد آخر.

والمعروف أنّ أكثر من حبس في السجون من ابناء نبي الله(صلى الله عليه وآله) وتم قتله بالغيلة انما فعل بهم ذلك على الظنة والتهمة دون اليقين والحقيقة[43]، و«لقد درج حكام بنى العباس على استدعاء أئمة أهل البيت(عليهم السلام)
من المدينة المنورة، عاصمة العلم والشريعة، إلى بغداد وسامراء وخراسان، عواصم السلطات الحاكمة، ليكونوا تحت الرقابة والمتابعة الجاسوسية، ولتطويق نشاطهم الفكري والسياسي والاجتماعي، ولعزلهم عن قواعدهم الشعبية وأنصارهم والمتعاطفين معهم، فضلاً عن زجهم في غياهب السجون الرهيبة، والحط من عظمتهم وعلو شأنهم، فقد ذكر المؤرخون جملة من معاناة عميد أهل البيت الإمام الحسن العسكري(عليه السلام) من حكام بني العباس وعيونهم»[44]، فقد قام المتوكل (232 - 247هـ) بحبس الإمام(عليه السلام) بدون سبب يذكر، ومن غير شك ان سبب ذلك يعود إلى العداوة والبغضاء والحسد، وبالتاكيد كان للوشاية دورها في ذلك[45]. وقد حبس الإمام الحسن العسكري(عليه السلام) في سجن المهتدي بن الواثق (255- 256هـ)[46]، وكذلك سجنه المعتمد (256-279هـ)لفترة من الزمن[47].

 

 

استراتيجيات السلطة العباسية المعتمدة لتحديد ايام تواجد الإمام العسكري(عليه السلام) في دار العامة:

لنتفق بداية أنّ مسألة تواجد الإمام الحسن العسكري سلام الله عليه في دار العامة كانت أشبه مايكون بطريقة أو وجه آخر للسجن، والغاية منها انما هو لإثبات تواجده في سرّ من رأى بشكل دوري ومبالغ فيه كأحد الاحترازات الأمنية العباسية المقيتة، وعليه أضحى وجوده في المدينة إقامة جبرية داخل اقامة جبرية.

ولم يكن ذهاب الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) إلى دار العامة بطيب خاطره، وانما على ما يبدو مرغماً حتى إنّ دابته كانت تجهز وتقدم اليه ليركب إلى دار الحاكم، وهو متغير اللون من شدة الغضب[48].

وعلى أية حال، فقد كانت هناك أيام معينة وثابتة لذهاب الإمام الحسن العسكري سلام الله عليه إلى دار العامة سواء كان ذلك لسبب أو بدونه، والجدير بالذكر أنّ العامة كانت على علم بهذه الأيام وينتظرون ذهابه وإيابه من هذه الدار، فعلى سبيل المثال إنّ أحمد بن ميمون الخراساني[49] جاء من خراسان قاصداً مدينة سامراء لملاقاة الإمام(عليه السلام) وعندما سأل المجاورين له أجيب «هذا يوم ركوبه إلى دار المعتز، فقلت: أقف له»[50] حتى إنّ إدريس بن زياد الكفرتوثي[51] الذي جاء من نصيبين إلى سامراء كان يريد الإمام(عليه السلام)
و ذكر انه سمع الناس يتحدثون ببابه بأنه يركب إلى دار السلطان[52] وكانت الأيام التي يجب تواجد الإمام الحسن(عليه السلام) في هذه الدار كل يوم اثنين وخميس[53]، وكان صنف من الناس يأتي إلى الإمام(عليه السلام) وهو معتاد على زيارته مثل أبو الحسن الموسوي الخيبري[54] فقد زاره في أحد الأيام ووجده تهيأ ليركب إلى دار السلطان وقد قدمت اليه دابته[55]، وهناك من كان يصحبه عند عودته(عليه السلام) إلى منزله من دار العامة وليس عند الذهاب إليها، ومنهم على سبيل المثال علي بن زيد بن علي بن الحسين بن زيد بن علي[56] وهو سلام الله عليه بين كل هذا وذاك يدبر امورهم ويساعدهم على تحمل معيشتهم[57]. وقد «روي عن علي بن جعفر الحلبي قال: اجتمعنا بالعسكر، وترصدنا لأبي محمد (عليه السلام) يوم ركوبه، فخرج توقيعه: «ألا لا يسلِّمن علي أحد، ولا يشير إلي بيده، ولا يومئ أحدكم، فإنكم لا تأمنون على أنفسكم».[58]

لابد من الإشارة إلى ما يأتي:

1- أن مسالة التضييق من قبل السلطة العباسية على الإمام الحسن(عليه السلام): «كانت بسيطة للغاية عند السلطة العباسية في الوقت التي عظمت شدتها وكبر مقتها عند الإمام العسكري(عليه السلام)، وكانوا يرون أنّ حضور الإمام إلى دار العامة طريقة صحيحة من وجهة نظرهم لإثبات وجوده في مدينة سامراء.

2- المدهش والمحير بالنسبة للسلطة العباسية هو التزام الإمام التام بالحضور إلى دار العامة وإن لم يكن برغبته ورغم أحاسيس الثقل التي كان يشعر بها سلام الله عليه وهو يهيء نفسه للذهاب؛ إذ كانت من أضيق اللحظات التي يمر بها، وفي كثير من الأحيان كان بين المتكتم لمشاعر السأم للمثول في هذه الدار، وبين المظهر لحنقه، فكان سلام الله عليه بين هذا وذاك لابد له من الحضور في دار العامة.

3- اختارت السلطة أياماً من الاسبوع حددتها لمثول الإمام(عليه السلام) إلى دار العامة وهي الاثنين والخميس أي منتصف وآخر الاسبوع، ولعل في هذا الاختيار قصداً ولم يكن اعتباطا، فالسلطة العباسية لم تكتف بيوم واحد، بل لم تكتف بجعل الأيام متتالية في بداية الاسبوع أو نهايته، ولعل ذلك كان بتخطيط مسبق لتحديد وتحجيم تحركات الإمام وتفويت أية فرصة تمكنه من الخروج من المدينة والرجوع اليها. فخطة السلطة هو إبقاء الإمام نصب أعينها ومنعه من التحرك خارج المدينة.

4- كانت أيام ذهاب الإمام سلام الله عليه إلى دار العامة الثابتة معلنة للجميع، أو لعل مواظبة الإمام والتزامه في الذهاب خلال هذين اليومين كرست ظهوره في هذه الدار، فأضحى الموعد معروفاً عند الناس، وبما انه سلام الله عليه قد حدد من حركته وظهوره للعامة من الناس، فإنّ ذهابه وإيابه من وإلى دار العامة أصبح ملمحاً واضحاً لهم يترقبونه ويترصدونه للقاء به سلام الله عليه.

5- جاءت الرياح بما لاتشتهي السفن بالنسبة للسلطة العباسية، وبطريقة هي من صنع يدها ومن ترتيب خطتها.ففي الوقت الذي كانت تسعى إلى أن تحد من اتصال الإمام باتباعه وشيعته وعامة الناس من خلال إقامته الجبرية ومثوله يومي الاثنين والخميس في دار العامة للحد من أية اتصالات الا أنّ آمالها خابت وخطتها فشلت تماماً ولم تأت أكلها لسبب بسيط جداً يكمن في أن الناس أخذت تترصد ذهاب الإمام إلى دار العامة والإياب منه وعليه، فالتواصل الفعال معه سلام الله عليه لم يكن بالصوت العالي ولا لطول الفترة الزمنية للقاء؛ إذ حقق الإمام التواصل الحيوي مع العامة بأقل وقت للقاء وبأقصر المسافات.وعليه فقد أرادت السلطة شيئاً وكانت النتيجة شيئاً آخر دحض ما أرادته.

6-علم الإمام الحسن (عليه السلام) أتباعه درساً في غاية الأهمية، وهو: متى عليك أن تتكلم ومتى تسكت. والذي فرض هذا الدرس هو كثرة المتابعة العباسية له ولمن يتصل به من جانب، وضيق وقت اللقاء فيما بينه سلام الله عليه وبينهم، بل المثير للدهشة أنّ هناك من كان يرافقه ويصحبه لكن متى؟ عند عودته من دار العامة وليس عند الذهاب إليها؛ لأنّ مسألة الذهاب تتطلب عدم مشاركة أيّ أحد سواه والتركيز عليه دون غيره في المقام الأول. ولعل حالة الضيق التي كانت تعتصر بالإمام(عليه السلام) كانت مسيطرة على وضعه وعليه، فجلّ تفكيره كان ينصب على التخلص من هذا الفرض والعودة من دار العامة هذا من جانب، ومن جانب آخر لعل الناس كانت تدرك ما به (عليه السلام) وما يشعر به من تعب إثر مثوله في دار العامة فتأخذ بالترصد لعودته بعد أن أبعد عن كاهله ثقل الذهاب، أو لعل حالة متابعة السلطة العباسية الشديدة للإمام ومن يتصل به جعلت عدم مرافقة الناس له سلام الله عليه وهو ذاهب إلى دار العامة؛ لذا فضلت انتظار عودته منها.

لكن المتعارف عليه أنّ مسألة المتابعة الشديدة باقية سواء ذهب أو عاد من دار العامة، وعليه يمكن ترجيح أن الإمام سلام الله عليه قد عود الناس بعدم الاتصال به عند ذهابه، فأضحى إثر ذلك أن يكون هذا سياق عمل معمولاً به فيما بينهم.

7- خلق الإمام العسكري (عليه السلام) ذلك الإدراك الحذر عند أتباعه عند ذهابه إلى دار العامة باستخدامه تلكم الكلمات المشحونة بالتعليمات التي تصف طبيعة الوضع المشحون الذي فرضته السلطة العباسية، بحيث منع السلام عليه من قبلهم أوحتى الإشارة باليد أو الايماء، وعليه فالأمر الذي يصل إلى حد الامتناع عن الايماء انما يشير إلى أقصى درجات المتابعة والتشديد من قبل السلطة العباسية للإمام ومن حوله. ولفهم إدراك الإمام(عليه السلام) الصحيح للأمور أصدر هذه التعليمات بصورة رسمية من خلال توقيعه عليها تحذيراً وتنبيهاً وحماية وأمناً لاتباعه.

منظومة خلق التأثير للامام الحسن العسكري (عليه السلام) خلال تواجده في دار العامة:

 لا بد من الإشارة إلى أنّ ذهاب الإمام الحسن العسكري(عليه السلام) إلى دار العامة وان لم يكن بقبول منه أو رغبة في الاختلاط برجالات السلطة، الا أن ذلك لم يمنع من أن وجوده كان له الدور الكبير في خلق التأثير القوي على من كان يناصب العلويين من بغض وعداء وتحول حالهم إلى موالين، كما هو الحال مع صاحب الضياع والخراج في قم المقدسة، إذ إنّ عبيد الله بن خاقان كان من وزراء المعتمد العباسي[59]، وكان ابنه عامل السلطان بقم وهو أحمد بن عبيد الله بن يحيى بن خاقان، ويحكم الضياع والخراج فيها، وقد حدث في مجلسه يوما ذكر العلويين ومذاهبهم وكان شديد النصب والانحراف عن أهل البيت(عليهم السلام)[60].

وإذا به يقول في حديث طويل: «ما رأيت ولا عرفت بسرّ من رأى رجلاً من العلويين مثل الحسن بن علي بن محمد بن الرضا(عليهم السلام) في هديه وسكونه وعفافه ونبله وكرمه عند أهل بيته وبني هاشم وتقديمهم إياه على ذوي السن منهم والخطر وكذلك القواد والوزراء وعامة الناس، فإني كنت يوماً قائماً على رأس أبي وهو يوم مجلسه للناس، إذ دخل عليه حجابه - فقالوا: أبو محمد بن الرضا بالباب. فقال بصوت عال ائذنوا له. فتعجبت مما سمعت منهم أنهم جسروا يكنون رجلا على أبي بحضرته، ولم يكنّ عنده إلا خليفة أو ولي عهد أو من أمر السلطان أن يكنى، فدخل رجل أسمر حسن القامة جميل الوجه جيد البدن حدث السن، له جلالة وهيبة، فلما نظر إليه أبي قام يمشي إليه خطى ولا أعلمه فعل هذا بأحد من بني هاشم والقواد، فلما دنا منه عانقه وقبل وجهه وصدره وأخذ بيده وأجلسه على مصلاّه الذي كان عليه وجلس إلى جنبه مقبلا عليه بوجهه، وجعل يكلمه ويفديه بنفسه وأنا متعجب مما أرى منه إذ دخل الحاجب.

فقال: الموفق قد جاء. وكان الموفق إذا دخل على أبي يقدم حجابه وخاصة قواده فقاموا بين مجلس أبي وبين باب الدار سماطين إلى أن يدخل ويخرج فلم يزل أبي مقبلا على أبي محمد (عليه السلام) يحدثه حتى نظر إلى غلمان الخاصة فقال حينئذ: إذا شئت جعلني الله فداك. ثم قال لحجابه: خذوا به خلف السماطين حتى لا يراه هذا. يعني الموفق، فقام وقام أبي وعانقه ومضى، فقلت لحجاب أبي وغلمانه: ويلكم من هذا الذي كنيتموه على أبي وفعل به أبي هذا الفعل؟ قالوا: هذا علوي يقال له الحسن بن علي يعرف بابن الرضا. فازددت تعجباً ولم أزل يومي ذلك قلقاً متفكراً في أمره وأمر أبي وما رأيت فيه حتى كان الليل وكانت عادته أن يصلي العتمة ثم يجلس فينظر فيما يحتاج إليه من المؤامرات وما يرفعه إلى السلطان، فلما صلى وجلس جئت فجلست بين يديه وليس عنده أحد فقال لي: يا أحمد، لك حاجة؟ قلت: نعم يا أبة فإن أذنت لي سألتك عنها. فقال: قد أذنت يا بني فقل ما أحببت. قلت: يا أبة من الرجل الذي رأيتك بالغداة فعلت به ما فعلت من الإجلال والكرامة والتبجيل وفديته بنفسك وأبويك؟

فقال: يا بني، ذاك إمام الرافضة، ذاك الحسن بن علي المعروف بابن الرضا. فسكت ساعة ثم قال: يا بني، لو زالت الإمامة عن حكام بني العباس ما استحقها أحد من بني هاشم غير هذا، وإن هذا ليستحقها في فضله وعفافه وهديه وصيانته وزهده وعبادته وجميل أخلاقه وصلاحه، ولو رأيت أباه رأيت رجلاً جزلاً نبيلاً فاضلاً. فازددت قلقاً وتفكراً وغيظاً على أبي وما سمعت منه واستزدته في فعله وقوله فيه ما قال، فلم يكن لي همة بعد ذلك إلا السؤال عن خبره والبحث عن أمره، فما سألت أحداً من بني هاشم والقواد والكتاب والقضاة والفقهاء وسائر الناس إلا وجدته عنده في غاية الإجلال والإعظام والمحل الرفيع والقول الجميل والتقدم له على جميع أهل بيته ومشايخه»[61]. والمعروف أنّ السماط هو الصف من الناس وخلف السماطين أي خلف هذا الصف من الناس[62] وعلى ما يبدو أنّ أحمد بن عبيد الله بن يحيى بن خاقان صاحب مجلس يدور فيه الحديث عن الإمام الحسن بن علي العسكري (عليه السلام) والحديث ينصب حول وصف سجايا الإمام ووصل الأمر به من شدة التأثر بالإمام ان ألف مؤلفاً يصف فيه الإمام أبا محمد الحسن (عليه السلام)[63].

من المهم الإشارة إلى ما يأتي:

1- إنّ الإمام الحسن العسكري(عليه السلام) في كل الأحوال يتعامل مع ناس شتى يومياً، وهذا من باب التواصل مع الآخرين، وعليه فالإمام بوجوده في دار العامة كان له مبرراته الخاصة بعيداً عن مبررات السلطة العباسية؛ إذ إنّ معظم هذه المبررات ترجع في جذورها إلى خلق شيء من التأثير لإجراء تغيير عند الآخر.

2- لم يكن التأثير محصوراً على الاشخاص الذين يعرفون الإمام كالوزير ابن خاقان، وانما على ابنه الذي كان ناصبياً بل أشد الناصبين عند لقاء العسكري سلام الله عليه بأبيه، وإذا به يخرج من أشد المعجبين والمتأثرين بالامام؛ إذ جمعته بالعسكري سلام الله عليه حجرة بدون ترتيب لهذا اللقاء وانما جاء بشكل عرضي.

3- إنّ الوزير بسلوكه مع الإمام الحسن(عليه السلام) وحفاوته باستقباله بل وبإقباله عليه بطريقة لم يدرج في الغالب على استخدامها رجالات السلطة العباسية مع الاخرين وقد بنوا لأنفسهم بروجاً عاجية جعلت من أحمد بن عبيد الله يستغرب ذلك وهو جاهل ما للإمام من مكانة كان يعرفها الجميع ممن هم في الدار سواه، وعليه ما إن سنحت له الفرصة في التعرف على الإمام سلام الله عليه من أبيه على نطاق ضيق أولاً من خلال طرح الاسئلة حول شخصه الكريم ثم إدراكه ما يتطلبه الأمر منه من متابعة أخبار الإمام وتقصي المعلومة تلو الأخرى حوله، فلم يجد الا ماهو مشرق حول سيرته العطرة، عندها أخذ يتعامل مع أمور أكثر تعقيداً تكمن في تحوله من ناصبي متشدد إلى شخص آخر يؤلف في الإمام(عليه السلام) كتاباً يصفه فيه، كل ذلك كان بدايته حضوره في مكان حضر فيه الإمام مجرد حضور.

4- عندما يؤلف أحمد بن عبيد الله كتاباً يصف فيه الإمام متأثراً به، هذا يعني أنه تقصى أخباره وتابع السؤال عنه والبحث عن كل شاردة وواردة تخصه لاستكمال مستلزمات الوصف المطلوبة وعملية البحث هذه استوجبت تحديد أهدافه وأولوياته، ومن شدة التأثر بالإمام سلام الله عليه أن مجلس أحمد بن عبيد الله وهو يحكم الضياع والخراج في مدينة قم المقدسة باسم الحاكم العباسي كان مجلساً عامراً بذكر سجايا الإمام العسكري(عليه السلام)، والناس كما هو معروف على دين ملوكهم.

5- من الواضح وكما هو معلوم أن الإمامين العسكريين(عليهما السلام) كان يطلقون عليهما تسمية ابن الرضا، وهو جدّهم (عليهم السلام)، ولعل في ذلك كان يشكل إشارة مكنونة مفادها أنهم كانوا ينظرون لشخصهم الكريم إلى ذلك الامتداد الذي رسم للإمام الرضا بن موسى بن جعفر(عليهما السلام)
كونه وليا لعهد المأمون في حقبة من زمان العصر العباسي وأن الصفة السياسية الرسمية للإمام كانت تقلق السلطة ويزيد من مخاوفها في بقاء النفوذ السياسي ممتداً في شخص العسكريين؛ لذا كرسوا جهودهم لتقويض ما فرض سابقاً عليهم من ولاية العهد للرضا (عليه السلام) وأنهم لم يقبلوا ما فرض قبوله سابقاً على مضض، وان استخدام تسمية «ابن الرضا» لعلها تذكرهم بالخطأ الذي ارتكب سابقاً ويجب تفاديه.

واقع الإمام العسكري(عليه السلام)في ظل الاستدعاء العباسي إلى دار العامة:

 لابد من الإشارة إلى أن الإمام الحسن العسكري «سلام الله عليه» قد منح السلطة العباسية منطقه الخاص في الالتزام بما اتخذته من قانون يلزمه (عليه السلام) في المثول أمامها في الأوقات التي حددتها له، وربما لم تدرك السلطة بمنظورها القاصر أن ما تقوم به من تشديد للخناق على الإمام كان يضر بها ويجعل الأعناق تشرئب إليه بمجرد حضوره إلى دار العامة، وخير مثال على ذلك ما جاء في الرواية التالية، مع التنويه إلى أن الاستدعاء كان بسبب أو من دون سبب:

فقد ذكر أبو عبد الله محمد الشاكري في رواية طويلة نختار منها ما يأتي: «وكان يوم النوبة يحضر من الناس شيء عظيم ويغص الشارع بالدواب والبغال والحمير والضجّة، فلا يكون لأحد موضع يمشي ولا يدخل بينهم، قال: فإذا جاء أستاذي سكنت الضجة، وهدأ صهيل الخيل ونهاق الحمير، قال: وتفرقت البهائم حتى يصير الطريق واسعاً لا يحتاج أن يتوقى من الدواب تحفه ليزحمها، ثم يدخل فيجلس في مرتبته التي جعلت له، فإذا أراد الخروج وصاح البوابون: هاتوا دابة أبي محمد سكن صياح الناس وصهيل الخيل، فتفرقت الدواب حتى يركب ويمضي...»[64].

 أشارت الرواية السابقة إلى صورة واضحة للوضع في مدينة سامراء خلال استدعاء الإمام الحسن (عليه السلام) إلى دار العامة، ومن المفيد أن نوضح ما يأتي:

1- إن السلطة العباسية كانت قد أعلنت حالة تواجد الإمام الحسن العسكري سلام الله عليه في دار العامة خلال أيام محددة، وإن هذا الفرض قد كرسته بطريق القوة والترهيب ليس على الامام فحسب وأنما على الجميع وكأن لسان حالها يقول: إن سطوتها ونفوذها فرض على عميد البيت العلوي غير مبالية بما يمكن أن يثير ذلك من خلل في توازن الوضع العام في سامراء.

2- ألهب الإمام الحسن العسكري سلام الله عليه مشاعر العامة، ويؤكد ذلك تحول أحوال الناس بمجرد مروره من الضجة والانشغال بأعمالهم إلى الهدوء التام وكأن على رؤوسهم الطير، وينتهي ذلك الزحام والضجة وتتسع الطرقات وتفتح إلى أن يصل سلام الله عليه إلى دار العامة، عندها يعود الأمر إلى ماكان عليه من ضجة وزحام وغير ذلك.

هذا الوضع بحد ذاته ما هو الا رسالة عملية تقدم للسلطة العباسية على أنها أرادت شيئاً وواقع الحال جاء بشيء آخر تماماً؛ إذ إن تأثير الامام على العامة ضرب السلطة بأمرين يسيران جنباً إلى جنب في التعامل مع سلطة متغطرسة حاولت بشتى الطرق إقصاء دور الإمام(عليه السلام) وتحجيم أثره وإن كل محاولات الإقصاء لم تؤت أكلها بما يناغم هذه السلطة بل على العكس تماماً زاد تأثير الإمام العسكري(عليه السلام).

3- المثير أنّ الناس تبقى تترقب خروج الإمام(عليه السلام)من دار العامة مهما طالت أو قصرت فترة مكوثه فيها وما أن يتبادر إلى أسماعهم صوت البوابين بتجهيز دابة الإمام حتى يعود الوضع إلى حالة السكون والسكينة لمجرد خروج الإمام من دار العامة.

4- السؤال الذي قد يتبادر إلى الذهن: لماذا هذا الصمت الذي يدب في أروقة المكان؟ يبدأ بظهور الإمام حتى دخوله دار العامة، ويعاود بخروجه سلام الله عليه من الدار. هل لرغبة عارمة عند العامة لتنظر إلى ذلك الشخص الذي يهدد السلطة العباسية بما تمتلكه من أجهزة أمن وجيش وعدد وعدة؟

أم إن الإمام(عليه السلام) كان قليل الظهور للعامة، فما أن تسنح لهم الفرصة لرؤيته حتى يقبلون عليه غير آبهين بتوقف أعمالهم ونشاطاتهم ؟

أو لعلهم يستلهمون من رؤية ذلك الشخص الذي تحمل ما تحمله من السلطة العباسية ولم يرزح تحت أعباء حياة حاولت السلطة جاهدة فرضها عليه لكن دون جدوى، فأضحى الإمام العسكري (عليه السلام)
شعار الإباء ورمز المقاومة.

أو لأنّ العامة تواقة لرؤية الإمام(عليه السلام) وقد شغفهم ودّ وحبّ آل البيت المتمثل به سلام الله عليه ؟ أو لعل كل ما ذكرناه؟

مظاهر استدعاء الإمام الحسن العسكري(عليه السلام) إلى دار العامة من دون سبب:

إنّ استدعاء الإمام العسكري سلام الله عليه إلى دار العامة كان في كثير من الأحيان يتم في غير يومي الاثنين والخميس المفروضة عليه «سلام الله عليه» والتي كان يمثل فيهما لإثبات تواجده القسري؛ إذ يتم استدعاؤه في أوقات أخرى، وهذا الاستدعاء في بعض المرات يكون غير مبرر ومن دون سبب يذكر، وخير مثال على ذلك ما جاء في الرواية التالية:

إذ «استدعاه يوماً – المعتمد العباسي - وشق ذلك عليه، وخاف أن يكون قد سعى به إليه بعض من يحسده على مرتبته من العلويين والهاشميين، فركب ومضى إليه، فلما حصل في الدار قيل له: إن الحاكم قد قام ولكن أجلس في مرتبتك أو انصرف قال: فانصرف وجاء إلى سوق الدواب وفيها من الضجة والمصادمة واختلاف الناس شيء كثير، فلما دخل إليها سكن الناس وهدأت الدواب»[65].

أظهرت الرواية السابقة عدداً من النقاط التي يجب الوقوف عليها، ومنها ما يأتي:

1- حالة الضيق والمشقة التي كانت تعتري الإمام(عليه السلام) عند استدعاء الحاكم العباسي له واللقاء به مع حرصه التام على تجنبه وحصر اللقاء ضمن الأيام المحددة له.

2- إن الإسراع في توارد الأفكار السلبية في خاطره (عليه السلام) إشارة واضحة إلى تلكم الظروف القاسية التي كانت متفشية في محيطه، وما للسعاية من دور في التسقيط من دون الوقوف على حيثيات صدقها من كذبها وإن الشبهة كان معمولاً بها بطريقة مزرية. ولثقة الإمام الحسن العسكري(عليه السلام) وشخصيته المميزة لم يجعل الظنون تأخذ مجالاً؛ إذ سرعان ما ركب ليرى فحوى الاستدعاء.

3- اختيار الإمام العسكري(عليه السلام) الانصراف عندما خير بين البقاء أو الانصراف، فعل يترجم بواعثه النفسية ويعلن عن عدم رغبته في البقاء ما لم يوجد مسوغ للبقاء؛ لأنه إنما جاء تلبية للاستدعاء فقط.

4- لم يجد الإمام مبرراً لهذا الاستدعاء ولا توجد حاجة تستوجب وجوده؛ لأنّ المسؤول أو الحاكم قد ترك مجلسه وخير الإمام إما أن يجلس في مكانه المخصص له في دار العامة أو إذا شاء يرجع إلى داره، وعليه فإننا ندرك تماماً أن مثل هذا الاستدعاء يأتيه الباطل من أمامه ومن خلفه، والغاية منه هو بثّ الإرباك وعدم الاستقرار عند الإمام وخلق حالة الذعر وجعلها هي السائدة في حياته سلام الله عليه لإدراك السلطة، ومن دون شك أنه سلام الله عليه يتجنبها بشكل معلن وليس خفياً ويحرص على تقليل اللقاء بينهم ما استطاع إلى ذلك سبيلا.

استدعاء الإمام العسكري(عليه السلام) لغرض الاستسقاء:

 أصاب الناس القحط في مدينة سامراء ومنعت السماء من المطر، عندها أمر المعتمد ابن المتوكل حاجبه وأهل سامراء بالخروج لغرض الاستسقاء، وتم ذلك بالفعل لثلاثة أيام متوالية يصلون ويدعون لكن دون جدوى ولم ينزل المطر. وفي اليوم الرابع خرج الجاثليق إلى الصحراء يرافقه أتباعه من النصارى والرهبان، فمدّ أحد الرهبان يده واذا بالسماء قد هطلت بالمطر.وكذا حدث الشيء نفسه في اليوم الثاني عندها أخذ الناس بالميل إلى النصرانية دون الإسلام، ولم يستطع الحاكم العباسي من فعل شيء، مما اضطرالى استدعاء الإمام الحسن العسكري(عليه السلام) - وكان مسجوناً حينها في سجن المعتمد - يستنجده في إنقاذ الوضع الذي وصل إلى مستواه هذا قائلا: «إلحق أمة جدك فقد هلكت».

ولم يتوان الإمام(عليه السلام) وقام بأخذ دوره وكشف زيف الجاثليق ومن معه بعد أن خرج معه للاستسقاء ووضع خطة محكمة بأخذ ما كان يستسقي به الراهب، وهو عظمة أحد الأنبياء يضعها بين إصبعيه فيسقى[66].

لابد من الإشارة إلى عدد من الأمور وفقاً لما ذكرته الرواية أعلاه:

1- إنطلاقاً مما كتبه الإمام الحسن العسكري(عليه السلام) لبعض شيعته: «نحن كهفٌ لمن التَجَأ إلينا، ونورٌ لِمَن استضاء بنا، وعصمةٌ لمَن اعتَصَم بنا، مَن أحَبَّنا كان مَعَنا في السنام الأعلى، ومَنِ انحَرَفَ عَنّا فإلى النار»[67].

وعليه، فالإمام سلام الله عليه على الرغم من سجنه ظلماً من قبل الحاكم العباسي، الا أنه أسرع في كشف مخادعة الراهب في الاستسقاء ومحاولته في تسويق النصرانية في صفوف المسلمين، مستغلاً مسألة الاستسقاء.

2- كان بإمكان الإمام العسكري(عليه السلام) أن يضع الحاكم في موقف محرج ولا يستجيب لتوسلاته في إنقاذ المسلمين من الارتداد لا سيما وإنه في السجن ظلماً وبهتاناً، لكن هذا ليس من شيم
الإمام(عليه السلام)؛ إذ سرعان ما لبى النداء لإنقاذ الإسلام وبدأ بإنقاذ من تأثر بما حوله من أحداث الاستسقاء وتصرفات وأفعال الرهبان ولم يقبل(عليه السلام)بالمساس بالإسلام وإن كان مناهضاً للسلطة وحكامها ولا يأبه للمتاعب التي قد تثار.

3- كرست هذه الحادثة مسألة في غاية الأهمية، وهي إن الحاكم مهما بلغت جهوده في إقصاء دور الإمام عن أحداث عصره الا أنه سرعان ما يعود اليه كصمام أمان يعيد للوضع اتزانه شاء الحاكم العباسي أم أبى، وأن الحاكم العباسي مهما بلغت إمكاناته الا أنه عاجز عن معالجة المهام العظمى.

4- لم يتعسَّر على الإمام سلام الله عليه بحث خطة وإيجاد مخرج ووسائل لكشف الرهبان ويلغي تقبل من أخذ بالميل اليهم وإعادة كسب ثقتهم بدينهم.

مظاهر الثبات عند الإمام الحسن العسكري(عليه السلام) ومحاولة التعرض له واغتياله:

 كان شغل السلطة العباسية إيجاد وسائل خاصة للتخلص من الإمام العسكري(عليه السلام) بطريقة وبأخرى، وفي الوقت ذاته لا تريد، بل تخشى أن تتجه أصابع الاتهام إليها إذا ما حققت مبتغاها في التخلص منه؛ لذا سعت جاهدة إلى أن تتحين الفرص للقضاء عليه، ومثال ذلك ما جاء في هذه الرواية:

فقد عرض أحد ندماء المستعين عليه استدعاء الإمام الحسن العسكري(عليه السلام)
إلى دار العامة، وذلك ان المستعين كان لديه بغل مميز بحسنه الا انه كان جامحاً يمنع ظهره واللجام والسرج ولم يتمكن من يتولى العناية بها وتربيتها من ركوبها وترويضها، عندها اقترح بعض ندمائه قائلا: «يا أمير المؤمنين، ألا تبعث إلى الحسن بن الرِّضا حتّى يجيء، فإمّا أن يركبه وإمّا أن يقتله فتستريح منه»[68].

وبالفعل تم استدعاء الإمام(عليه السلام)، وما كان منه الا أن جاء إلى دار العامة وبرفقته الحارث القزويني [69] وهو الذي كان يتعاطى البيطرة في مربط الإمام أبي محمد (عليه السلام)، وما ان وصل الإمام(عليه السلام) حتى لاحظ البغل في صحن الدار، ثم سلّم عليه المستعين ورحب به وأظهر اهتمامه به وقربه، بعدها طلب منه إلجام البغل وأن يقوم بذلك بنفسه، لكن الإمام طلب من البيطري الذي رافقه أن يقوم بإلجامه، الا أنّ المستعين رفض ذلك طالباً من الإمام أن يفعل ذلك بنفسه، وما كان منه(عليه السلام) الا أن ألجمه بيسر وسهولة بعدها رجع ليأخذ مكانه في المجلس، ثم كرر المستعين طلبه بأن يقوم بسرجه، وكرر الامام الطلب إلى البيطري وتكرر طلب المستعين ان يقوم الإمام نفسه بذلك، فأسرجه ورجع ثانية إلى مكانه.

ورجع فقال له: ترى أن تركبه؟ فقال: نعم، فركبه من غير أن يمتنع عليه ثمِّ ركضه في الدّار، ثمَّ حمله على الهملجة[70]، فمشى أحسن مشي يكون، ثمِّ رجع ونزل، فقال له المستعين: يا أبا محمّد كيف رأيته؟ قال: ما رأيت مثله حسناً وفراهة، وما يصلح أن يكون مثله إلاّ لأمير المؤمنين. قال: فقال: يا أبا محمّد فإنَّه قد حملك عليه، فقال أبو محمّد - للبيطري - خذه فأخذه وقاده[71].

من الجدير التنويه إلى ما يلي من الإشارات الواردة في الرواية السابقة:

1- لم يكن عند السلطة العباسية وقت معين لاستدعاء الإمام العسكري(عليه السلام)،
ولعل أنسب الأوقات متوهمة هو ما يقرب التخلص منه سلام الله عليه.

2- أوحت بطانة الحاكم متمثلة بندماء السوء أن الحاكم يمتلك مهارة تدبير الأمور وحياكة المصائد للتخلص منه سلام الله عليه بطريقة بيضاء - إن صح التعبير - دون أن تكون ليد الحاكم مشاركة فعلية في عملية التصفية.

3- لم يشق على الإمام تنفيذ كل ما أمر به الحاكم، ولم يكن غريباً عليه في التعامل مع مثل هذه الحالات، والأهم من ذلك كله هو إفشال محاولات الحاكم الواحدة تلو الاخرى.عندها كان الأجدر بالحاكم أن يشعر بالخجل والخذلان من ثاني محاولة على الأقل، ويمتنع من الاستمرار في محاولاته الفاشلة ويدرك أن الله تعالى يأبى الا أن يتم نوره ولو كره الكافرون.

4- تم استدعاء الإمام العسكري(عليه السلام) إلى دار العامة لمحاولة خسارة حياته، لكنه خرج منها بجائزة تفويت الفرصة على الحاكم وأتباعه بمحاولتهم إقصائه، وزاد على ذلك أخذه الدابة وكبد الحاكم خسارة على خسارته.

استدعاء الإمام الحسن العسكري(عليه السلام) للمشاركة في الأمور الاجتماعية:

من المعروف أن الإمام العسكري سلام الله عليه «كان أكثر عمره تحت النظر، وكان الناس ممنوعين من الالتقاء به، والاستفادة منه، وحال الحكام دون أن تظهر علوم هذا الإمام (عليه السلام) للأمة، ومع ذلك فقد ظهرت منه فوائد، وظهرت منه كرامات، ونقلت عنه روايات كثيرة»[72].

فقد أرسل إلى الإمام الحسن العسكري(عليه السلام) أحد خدم دار السلطان وعلى مايبدو انه من الخدم الخاص ذوي المكانة الرفيعة في الدار، وقرأ السلام على الإمام وأخبره بأنّ الحاكم يطلب منه سلام الله عليه أن يرافقه إلى داركاتبه أنوش النصراني[73]، وقيل: اليهودي، لحضور ختان ولديه بناءً على دعوة من الكاتب للمشاركة في هذه المناسبة والتبرك بوجود الامام والدعاء لولديه بالسلامة والبقاء؛ إيماناً بمنزلة الإمام والتبرك ببقايا الرسالة والنبوة.

«فخرج إليه مكشوف الرأس حافي القدمين وحوله القسيسون[74] والشمامسة[75] والرهبان[76] وعلى صدره الإنجيل، فتلقاه على باب داره وقال له: يا سيدنا أتوسل إليك بهذا الكتاب الذي أنت أعرف به منا إلا غفرت لي ذنبي في عنائك، وحق المسيح عيسى بن مريم وما جاء به من الإنجيل من عند الله ما سألت مسألتك هذا إلا لأنا وجدناكم في هذا الإنجيل مثل المسيح عيسى بن مريم (عليهما السلام) عند الله، فقال مولانا (عليه السلام): الحمد لله. ودخل على فرسه والغلامان على منصة، وقد قام الناس على أقدامهم»[77].

من المفيد بمكان الإشارة إلى ما يلي:

1- من المستغرب أن يقوم الحاكم بإرسال مبعوث ذي طابع رسمي من الخدم الخاص من دار العامة إلى الإمام العسكري(عليه السلام) يدعوه لشأن اجتماعي بحت لا يخص الحاكم بذاته، وإنما أحد رجالات دولته.

2- لعل ما ذهب اليه تفكير الحاكم أن الإمام ربما يمتنع من مرافقته إلى دار كاتبه اليهودي أو النصراني، لكن موافقة الإمام بددت هذه الصورة، بل على العكس من ذلك أقبل الإمام العسكري(عليه السلام)
على الذهاب إلى دار الكاتب مرحباً بذلك.

3- ولعل الحاكم أراد أن يخلق شيئاً من الامتعاض عند الإمام العسكري سلام الله عليه لكن التصرف اللائق من الكاتب في استقبال الإمام واعتبار مجيء الامام إلى داره مكسباً وفضيلة خصه الإمام بها وما كان منه الا أن يعرب عن شدة فرحه بشرف زيارته له وكشف منزلة الامام لديه وحبه له، وعليه بعد كل ذلك فالحاكم أراد من الاستدعاء شيئاً وجاء الرد بشيء آخر تماماً لا يتفق مع رغباته وما أراده، وزيادة على كل ذلك فالصورة الماثلة أمام الحاكم ان حب الناس بصورة عامة للامام لم يكن مقصورا على مواليه، بل حتى عند رجالات دولته.

4- الأهم من ذلك لا بد من التفكير عن دواعي الحاكم إلى استدعاء الإمام العسكري(عليه السلام) للقيام بشأن أو مناسبة اجتماعية خاصة برجل من رجالات الدولة، هل كان ذلك لإظهار التودد إليه(عليه السلام)
أمام العامة وبذلك يكسب الحاكم مؤيدي ومحبي الإمام إلى جانبه، وبذلك يتخلص من بعض الجبهات المناوئة له؟ أم لإظهار الحاكم ان المصاحبة هذه تكشف عن عدم وجود الشحناء بينه وبين الإمام العسكري وأنه يريده أن يندمج مع السلطة، وأن أية أقامة جبرية إنما هي من نسج الخيال ولا مبرر لوجود ذلك؟ أم إنه استرجع ما حدث من تفاصيل مهمة حدثت جعلت الحاكم يدرك تماماً أن يرسخ وبصورة جلية للعامة والخاصة على حد سواء أن ما يقال عنه وغيره من حكام بني العباس من تضييق الخناق أمام العلويين مجرد افتراضات لم ترق إلى منزلة الصحة واليقين، في حين أن الجميع يدرك تمام الادراك بطلان سياسة الحكام العباسيين هذه، ويكفي ان نقول: (يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ)[78]

تدريب الإمام الحسن العسكري(عليه السلام) الاتباع:

كان يوم ذهاب الإمام الحسن (عليه السلام) معلوماً عند الناس ومن يأتي إلى سامراء ولم يعلم بذلك يتم أخباره بذلك، كما حدث مع أحمد بن ميمون الخراساني الذي قدم من خراسان وأراد اللقاء بالإمام.[79]

استخدام الإمام الحسن العسكري(عليه السلام) الإشارة مع أتباعه في طريقه من وإلى دار العامة:

عندما تكون الإشارة وسيلة للتفاهم وأسلوب عمل في التعامل فإنّ ذلك مؤشر خطر وينذر بتوخي الحذر الشديد حفاظاً على أمن وسلامة الافراد، ومن المهم بمكان الإشارة إلى أنه قد «اشتدت رقابة العباسيين للإمام الحسن العسكري أكثر مما كانت على أبيه؛ وذلك لتعاظم قوة الشيعة في العراق»[80].

وإنّ الإمام العسكري(عليه السلام) كان يتكلم مع أتباعه الخواص وسواهم من وراء الستر ما عدا تلكم الأوقات التي يذهب فيها إلى دار السلطان، والسبب في ذلك انما يكمن منه ومن والده قبله مقدمة لمدة غيبة صاحب الزمان(عجل الله تعالى فرجه الشريف)، ولتتعود الشيعة على ذلك، ولا تستغرب الغيبة[81]

ولا ننسى أن الدواعي الأمنية فرضت أسلوباً خاصاً في تعامل الإمام العسكري مع أتباعه، فعلى سبيل المثال: عند رجوعه(عليه السلام) من دار العامة وهو يؤم الموكب كان بانتظاره محمد بن الربيع الشيباني الشامي النسائي[82] الذي ناظر مسبقا أحد الثانوية في مدينة الاهواز فتركها متوجها صوب سامراء للقاء الإمام وسؤاله عن بعض ما جرى في المناظرة.

وبينا هو جالس قد أقبل أبو محمد الحسن العسكري وقد نظر اليه ومن غير أي حوار قد أشار اليه مجيباً بسبابته أحداً أحداً فرداً. والإجابة كانت بهذا الشكل لأنّ الإمام(عليه السلام) لم يكن بمفرده، وانما كانت ترافقه جماعة فرسان يسيرون برفق وهو عائد من دار العامة. وان هذه الأسماء الثلاثة المشيرة إلى ما ينافي مذهب الثنوية[83].

وكذلك بالنسبة إلى أحمد بن ميمون الخراساني الذي قصد الإمام(عليه السلام) من خراسان إلى سامراء وانتظر خروجه من دار العامة لغرض اللقاء به وأخذ ينتظره في الطريق وذكرت الرواية انه «أتى وهو ماض فوقفت على ظهر دابتي وكان يوما شديد الحر يوم لقيته- أي الإمام العسكري- فأشار إلي بطرفه فتأخرت وسرت من ورائه وقلت في نفسي: اللهم إنك تعلم اني اشهد وأقر بأنك الحجة على خلقك وان مهدينا الثاني عشر، فسهل لي دلائله آية منه تقر عيني وينشرح صدري بها. فأشار إلي وقال: يا محمد بن ميمون، قد أجيبت دعوتك والله. فقلت: لا إله إلا الله، والله قد علم سيدي ما ناجيت ربي»[84].

وعن محمد بن عبد العزيز البلخي[85] ذكر انه أصبح يوماً فجلس في شارع الغنم فإذا بالإمام الحسن العسكري(عليه السلام) قد جاء من داره قاصداً دار العامة، فأخذت نفس محمد بن عبد العزيز تحاوره لو صاح: «يا أيها الناس هذا حجة الله عليكم فاعرفوه يقتلوني؟» فما إن دنا الإمام سلام الله عليه منه حتى أشار اليه بإصبعه السبابة أن اسكت، وعندما شاهده في تلك الليلة مؤكداً (عليه السلام): إنما هو الكتمان أو القتل، فاتق الله على نفسك[86].

من المهم تسليط الضوء على ما يأتي:

1- لابد من التنويه إلى أن استخدام وسيلة الإشارة بين الإمام وأتباعه كانت أحد أهم الوسائل المتبعة، وما ذلك الا صورة من صور التضييق التي مارستها السلطة عليهم بحيث كان اللجوء للإشارة فيه المأمن من بطشها.

2- كان على من يتردد للامام العسكري (عليه السلام) أن يتوخى الحيطة والحذر لأنّ دائرة المراقبة لم تكتف بشخصه سلام الله عليه، وإنما تجاوزتها إلى كل من يتصل به وإن كان اللقاء به لمجرد طرح الاسئلة العلمية أو الفقهية أو حتى إلقاء التحية والسلام عليه؛ لأنّ السلطة بعيدة تماماً عن التفريق والتمييز بين ما هو جوهري وما هو عرضي في تعامل الإمام مع الآخرين، بل الكل بالنسبة إليها يخضع للشبهة والاتهام طالما يكون بالقرب من الامام سلام الله عليه.

3- لم تكتف السلطة العباسية بإلزام الإمام العسكري(عليه السلام) في الحضور وفقاً للجدول الزمني الذي ألزمته بالالتزام به، بل زادت من مراقبتها له عن طريق حفنة من جنودها تراقبه عند مغادرته من دار العامة، وهذا الأمر بالتأكيد لم يغفله الإمام. وعليه فقد زاد من جانبه اتخاذ التحوطات الامنية المشددة باسخدامه الإشارة كأداة تعامل مع من يحاول التعامل معه.

4- من المهم التأكيد عليه أن الوقت ومدته فرض استخدام هذه الوسيلة لأنّ اللقاء أصلاً كان يدور عند ذهاب الامام(عليه السلام) من والى دار العامة، وعليه فلا يوجد متسع من الوقت للحوار، وإن هذه السلوكيات باتت جزءاً من هيكلية التعامل.

5- آتت هذه الطريقة أكلها في فهم الإشارة التي كانت تصدر منه سلام الله عليه، ولا يتوقف الأمر عند ذلك، بل إنّ هذه الطريقة أضحت معروفة عن من رافق الامام وعرفه في سامراء أو من يأتيه من غيرها من الأمصار.

انتظار خروج الإمام العسكري (عليه السلام) من والى دار العامة لطرح الاسئلة ومعرفة دلائل إمامته:

 أقبل الكثير ممن يبحث عن إجابات صحيحة من مضانّها السليمة إلى قصد الإمام العسكري سلام الله عليه، يتعنون مقصده غير مبالين بالأحوال الجوية الصعبة ولا الظروف السياسية المقيتة، فعلى سبيل المثال: إنّ إدريس بن زياد من كفرتوثى كان واقفياً، خرج من نصيبين إلى سامراء لطرح اسئلة فقهية على الإمام الحسن (عليه السلام) وعلم انه سلام الله عليه ركب إلى دار السلطان، وأخذ ينتظر رجوعه جالساً في الشارع لا يغادر الا ويلتقي به رغم ارتفاع حرارة الجو مما اضطره إلى أن يجلس إلى باب الدار وأخذه النوم ولم ينتبه الا والإمام(عليه السلام) يوقضه ويجيبه عن سؤاله الذي جاء من أجله دون أن ينطق ببنت شفة، وما كان من ادريس الا ان قال: لا إله إلا الله سبحانه وتعالى، فوالله لقد علمت أنه الإمام والحجة، فلما جرى ذلك آمنت به وأسلمت فكان هذا من دلائله (عليه السلام)[87].

وكذلك الحال عندما أراد أبو بكر الفهفكي بن أبي طيفور المتطبب [88] الخروج من مدينة سر من رأى لبعض الأمور بعد ان طال مقامه بها، فذهب يوم الموكب وجلس في شارع أبي قطيعة بن داود حتى طلع الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) يريد دار العامة فلما رآه أخذ يقول في نفسه «أقول له: يا سيدي إن كان عندك الخروج من سر من رأى خيرا لي، فأظهر التبسم في وجهي. فلما دنا مني تبسم تبسماً بيناً جيداً فخرجت من يومي»[89].

الخاتمة

لا بد من الإشارة إلى عدد من المحاور والمضامين التي جاءت معبرة عن نتائج البحث، ومنها:

الحقيقة إنّ السلطة العباسية حاولت إقصاء دور الإمام الحسن العسكري(عليه السلام)بجهد مضن منطلقة من استخدام الكثير من سلطاتها ومنطلقة من مظاهرها الرسمية المتمثلة بإنطلاق هذه الجهود من دار العامة لكن دون جدوى، وأدركت أنها مهما بلغت من هيمنة ونفوذ وسطوة، الا أن كل ذلك لم يجدها نفعا.

حاولت السلطة العباسية من طريق دار العامة إيجاد حلول استقرائية مناسبة لها، متخطية الكثير من الحقائق التي فرضت نفسها بأن الإمام العسكري (عليه السلام) كان يواجهها بكل حنكة وحسن تدبير والتعامل على ضوء ما هو موجود، فأخذ يلتزم بالمثول إلى دار العامة في الأيام والأوقات المحددة له؛ لأثبات تواجده في مدينة سامراء.

استخدمت السلطة العباسية وسائلها لإقصاء دور الإمام العسكري(عليه السلام) حتى إن كل حاكم من حكام بني العباس الذين عاصرهم الإمام العسكري(عليه السلام) يأتي بأساليبه الخاصة للتعامل معه، لكنه يدرك قصوره أمام شخص الإمام العسكري سلام الله عليه، بل يدرك تماماً أنه قاصر عن أجتناب أسباب المتاعب الذي يوقع نفسه بها ويشوه أكثر فأكثر مؤسسة دار العامة.

إن التركيز على واقع الأعمال التي كانت تقوم بها السلطة العباسية من خلال دار العامة كان عليها توخي الحذر في ما كانت تضعه من خطط لمواجهة الإمام العسكري(عليه السلام)، وعليها أن تشعر باليقين الذي لا يتزعزع بأن ما قامت به جاء ضدها تماماً، وأن خطوات الامام كانت رائدة في إثبات فشل خطط السلطة العباسية عن طريق انتهاج استراتيجية تحقق أفضل النتائج لشيعته وأتباعه، ولهذا كان أسلوب أستخدام الإشارة أحد أساليب التفاهم والتعامل.

قائمة المصادر والمراجع:

- القرآن الكريم

1)      ابن الاثير، علي بن أبي الكرم محمد بن محمد بن عبد الكريم (ت630هـ)، الكامل في التاريخ، بيروت،1966م.

2)      ابن الأثير، مجد الدين المبارك بن محمد الجزري (ت606هـ)، النهاية في غريب الحديث والأثر، تحقيق طاهر أحمد الزاوي، محمود محمد الطناحي، قم المقدسة، 1364ش.

3)      ابن الجوزي، عبد الرحمن بن علي بن محمد (ت597هـ)، المنتظم في تاريخ الملوك والأمم، دراسة وتحقيق محمد عبد القادر عطا ومصطفى عبد القادرعطا، راجعه وصححه نعيم زرزور، بيروت، 1992م.

4)      ابن الصباغ، علي بن محمد أحمد المالكي (ت855 هـ)، الفصول المهمة في معرفة الأئمة، تحقيق سامي الغريري، قم المقدسة، 1422هـ.

5)      ابن العديم، كمال الدين عمر بن أحمد بن أبي جراد (ت660هـ)، بغية الطلب في تاريخ حلب، حققه وقدم له الدكتور سهيل زكار، دمشق، 1988م.

6)      ابن داود الحلي، تقى الدين الحسن بن علي(ت709هـ)، رجال ابن داود، تحقيق وتقديم السيد محمد صادق آل بحر العلوم، النجف الاشرف، 1972.

7)      ابن شهر اشوب، محمد بن علي (ت 588هـ)، مناقب آل أبي طالب، تصحيح وشرح ومقابلة لجنة من اساتذة النجف الأشرف، النجف الاشرف، 1956م.

8)      ابن قدامة، عبد الله بن أحمد بن محمد المقدسي (ت620هـ)، كتاب التوابين، تحقيق عبد القادر الأرناؤوط، بغداد، 1969م.

9)      ابن كثير، إسماعيل بن كثير الدمشقي(ت774هـ)، البداية والنهاية، تحقيق وتدقيق وتعليق علي شيري، بيروت، 1988م.

10)  الإربلي، علي بن عيسى بن أبي الفتح (ت693هـ)، كشف الغمة في معرفة الأئمة، ط2، بيروت، 1985م.

11)  الأصفهاني، أبو الفرج علي بن الحسين بن محمد القرشي (ت 356هـ)، الأغاني، بيروت، 1994م.

12)  الأمين، السيد محسن، أعيان الشيعة، تحقيق حسن الأمين، بيروت، 1983م.

13)  البحراني، السيد هاشم (ت1107هـ)، مدينة المعاجز، تحقيق لجنة التحقيق برئاسة الشيخ عبد الله الطهراني الميانجي، قم المقدسة،1415هـ.

14)  البدري، عادل عبد الرحمن، نزهة النظر في غريب النهج والأثر، قم المقدسة، 1421هـ.

15)  الخصيبي، الحسين بن حمدان (ت334هـ)، الهداية الكبرى، ط4، بيروت، 1991م.

16)  الخوئي، السيد أبو القاسم الموسوي، معجم رجال الحديث وتفصيل طبقات الرواة، ط5، النجف الاشرف،1992.

17)  الدميري، كمال الدين محمد بن موسى بن عيسى بن علي (ت 808هـ)، حياة الحيوان الكبرى، ط2، بيروت، 1424هـ.

18)  الذهبي، محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي (ت 748هـ)، تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام، تحقيق عمر عبد السلام تدمرى، بيروت، 1987م.

19)  الراوندي، قطب الدين سعيد بن عبد الله بن الحسين بن هبة الله بن الحسن (ت573هـ)، الخرائج والجرائح، تحقيق مؤسسة الإمام المهدي(عليه السلام)، بإشراف السيد محمد باقر الموحد الأبطحي، قم المقدسة، 1409هـ.

20)  الزمخشري، محمود بن عمر(ت 538هـ)، أساس البلاغة، القاهرة، 1960م.

21)  السمعاني، عبد الكريم بن محمد ابن منصور التميمي (ت562هـ)، الأنساب، تقديم وتعليق عبد الله عمر البارودي، بيروت، 1988م.

22)  الشاهرودي، الشيخ علي النمازي، مستدرك علم رجال، طهران،1415هـ.

23)  الشيخ الطوسي، محمد بن الحسن (ت460 ه‍)، الغيبة، تحقيق الشيخ عباد الله الطهراني، الشيخ علي أحمد ناصح، قم المقدسة، 1411هـ.

24)  الشيخ المفيد، محمد بن محمد بن النعمان العكبري البغدادي (ت 413هـ)، الإرشاد في معرفة حجج الله علي العباد، تحقيق مؤسسة آل البيت(عليهم السلام) لتحقيق التراث، ط2، بيروت، 1993م.

25)  الشيخ المفيد، محمد بن محمد بن النعمان العكبري البغدادي (ت413هـ)، الفصول المختارة، تحقيق السيد نور الدين جعفريان الاصبهاني، الشيخ يعقوب الجعفري، الشيخ محسن الأحمدي، ط2، بيروت، 1993م.

26)  الطبرسي، ميرزا حسين النوري، خاتمة المستدرك، تحقيق مؤسسة آل البيت(عليهم السلام) لإحياء التراث، قم المقدسة، 1415هـ.

27)  الطبري، محمد بن جرير(310هـ)، تاريخ الطبري، مراجعة وتصحيح وضبط نخبة من العلماء الأجلاء، ط4، بيروت،1983 م.

28)  العلامة المجلسي، محمد باقر (ت1111هـ)، بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار، ط2، بيروت، 1983م.

29)  العلامة المجلسي، محمد باقر (ت1111هـ)، مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، قدم له العلم الحجّة السيد مرتضى العسكري، اخراج ومقابلة وتصحيح السيد هاشم الرسولي، ط2، طهران، 1404هـ.

30)  الفتال النيسابوري، محمد بن الحسن بن علي أحمد (ت 508هـ)، روضة الواعظين، تقديم السيد محمد مهدي السيد حسن الخرسان، النجف الاشرف، 1386هـ.

31)  الفراهيدي، الخليل بن أحمد (ت 175هـ)، العين، تحقيق الدكتور مهدي المخزومي والدكتور إبراهيم السامرائي، ط2، قم المقدسة، 1409هـ.

32)  الفيض الكاشاني، محمد محسن (ت1091هـ)، الوافي، تحقيق وتصحيح وتعليق ضياء الدين الحسيني الأصفهاني، اصفهان، 1406هـ.

33)  القاسم، اسعد وحيد، أزمة الخلافة والإمامة وآثارها المعاصرة، بيروت، 1997م.

34)  القاضي التنوخي، الحسن بن أبي القاسم (ت384هـ)، الفرج بعد الشدة، ط2، قم، 1364ش.

35)  القزويني، السيد لطيف، رجال تركوا بصمات على قسمات التاريخ، د. ت - د. مكان.

36)  قلعجي، محمد، معجم لغة الفقهاء، ط2، بيروت، 1988م.

37)  الكليني، محمد بن يعقوب بن إسحاق (ت 329هـ)، الكافي، تصحيح وتعليق علي أكبر الغفاري، ط3، طهران، 1388هـ.

38)  المازندراني، مولى محمد صالح (ت1081هـ)، شرح أصول الكافي، تعليقات الميرزا أبو الحسن الشعراني، ضبط وتصحيح السيد علي عاشور، بيروت، 2000 م.

39)  المسعودي، علي بن الحسين بن علي (ت 346هـ)، مروج الذهب ومعادن الجوهر، ط2، قم المقدسة، 1984.

40)  مسكويه، أحمد بن محمد (ت421هـ)، تجارب الأمم، تحقيق الدكتور أبو القاسم امامي، ط2، طهران، 2001.

41)  موسوعة الإمام العسكري(عليه السلام) تحقيق السيد محمد الحسيني القزويني وآخرون، قم المقدسة، 1426هـ.

42)       الميلاني، السيد علي الحسيني، محاضرات في الاعتقادات، قم المقدسة، 1421هـ.

[1] ابن الصباغ، علي بن محمد أحمد المالكي، الفصول المهمة في معرفة الأئمة، ج2، ص1094.
[2] الأمين، السيد محسن، أعيان الشيعة، ج1، ص102.
[3] القزويني، السيد لطيف، رجال تركوا بصمات على قسمات التاريخ، ص248.
[4] الشيخ الطوسي، محمد بن الحسن، الغيبة، ص217.
[5] القاضي التنوخي، الحسن بن أبي القاسم، الفرج بعد الشدة، ج1، ص176.
[6] الشيخ الطوسي، الغيبة، ص206.
[7] مسكويه، أحمد بن محمد، تجارب الأمم، ج4،ص322؛ الذهبي، محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي، تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام، ج18، ص23.
[8] مسكويه، تجارب الامم، ج4،ص360.
[9] ابن الجوزي، عبد الرحمن بن علي بن محمد، المنتظم في تاريخ الملوك والأمم، ج11، ص179.
[10] مسكويه، تجارب الأمم، ج4،ص322.
[11] المسعودي، علي بن الحسين بن علي، مروج الذهب ومعادن الجوهر، ج4، ص77؛ العلامة المجلسي، محمد باقر، مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج6، ص133.
[12] مسكويه،تجارب الامم، ج،4ص441.
[13] الذهبي، تاريخ الإسلام، ج،21ص35.
[14] الطبري، تاريخ الطبري، ج7،ص433؛ ابن الجوزي،المنتظم، ج12، ص35.
[15] ابن العديم، كمال الدين عمر بن أحمد بن أبي جراد، بغية الطلب في تاريخ حلب،ج2، ص829.
[16] ابن كثير، إسماعيل بن كثير الدمشقي، البداية والنهاية، ج11، ص51.
[17] مسكويه، تجارب الامم، ج5، ص140.
[18] البدري، عادل عبد الرحمن، نزهة النظر في غريب النهج والأثر، ص407.
[19] ابن الأثير، مجد الدين المبارك بن محمد الجزري، النهاية في غريب الحديث والأثر،ج2،ص401.
[20] ابن الجوزي،المنتظم، ج11، ص164
[21] الطبري، تاريخ الطبري، ج7ص330؛ابن الجوزي، المنتظم، ج11، ص164.
[22] مسكويه، تجارب الأمم، ج4،ص322.
[23] ابن الاثير، علي بن أبي الكرم محمد بن محمد بن عبد الكريم، الكامل في التاريخ، ج7،ص118.
[24] الطبري، تاريخ الطبري، ج7،ص 459.
[25] الأصفهاني، أبو الفرج علي بن الحسين بن محمد، الأغاني، ج16، ص440.
[26] مسكويه، تجارب الأمم، ج4، ص322.
[27] الطبري، تاريخ الطبري، ج7، ص487؛ مسكويه،تجارب الامم، ج4،ص360.
[28] مسكويه، تجارب الامم، ج4،ص360.
[29] مسكويه، تجارب الامم، ج5، ص107.
[30] مسكويه، تجارب الامم، ج5،ص107.
[31] المازندراني، مولي محمد صالح، شرح أصول الكافي،ج7،ص322.
[32] مسكويه، تجارب الامم، ج5،ص107.
[33] الإربلي، علي بن عيسى بن أبي الفتح، كشف الغمة في معرفة الأئمة، ج3، ص202.
[34] مسكويه، تجارب الامم، ج4،ص360.
[35] الإربلي، كشف الغمة، ج3، ص202.
[36] ابن الاثير، الكامل، ج7،ص118.
[37] ابن الجوزي، المنتظم، ج12، ص7.
[38] مسكويه، تجارب الامم، ج4،ص360.
[39] الطبري، تاريخ الطبري، ج7، ص487.
[40] ابن الجوزي،المنتظم، ج11، ص363؛ ابن قدامة، عبد الله بن أحمد بن محمد المقدسي، كتاب التوابين، ص194؛ الدميري، كمال الدين محمد بن موسى بن عيسى بن علي، حياة الحيوان الكبرى، ج1، ص127.
[41] مسكويه، تجارب الامم، ج4،ص360.
[42] ابن الجوزي،المنتظم، ج12، ص79.
[43] الشيخ المفيد، محمد بن محمد بن النعمان العكبري البغدادي، الفصول المختارة، ص330.
[44] القزويني، جال تركوا بصمات على قسمات التاريخ، ص246.
[45] الامين،أعيان الشيعة، ج2، ص41.
[46] الشيخ الطوسي،الغيبة، ص207.
[47] الراوندي، قطب الدين سعيد بن عبد الله بن الحسين بن هبة الله بن الحسن، الخرائج والجرائح، ج1، ص442.
[48] الشيخ الطوسي، الغيبة ص207.
[49] لم نجد له ذكراً في الكتب الرجاليّة، موسوعة الإمام العسكري(عليه السلام)، ج5، ص294.
[50] الخصيبي، الحسين بن حمدان،الهداية الكبرى، ص338.
[51] إدريس بن زياد الكفرتوثي بالكاف المفتوحة والفاء والمفتوحة وقيل الساكنة والراء والتاء المثناة فوق المضمومة والثاء المثلثة، منسوب إلى «كفرتوثا» ومن أصحابنا من صحفه فتوهم أنه بثاءين مثلثين، والحق الأول، قرية بخراسان، ثقة أدرك أصحاب الصادق(عليه السلام). ابن داود الحلي، تقى الدين الحسن بن علي، رجال ابن داود، ص47. وكفرتوثي: هذه النسبة إلى قرية بأعالي الشام، يقال لها كفرتوثا، وهي قرية من قرى فلسطين فيما أظن. السمعاني، عبد الكريم بن محمد بن منصور التميمي، الأنساب، ج5،ص82.
[52] الخصيبي، الهداية الكبرى، ص343-344.
[53] الطوسي، الغيبة، ص217.
[54] أبو الحسن الموسوي الخيبري: روى عن أبيه معجزة للإمام الحسن بن علي العسكري (عليهما السلام)،
وروى عنه محمد بن الحسن بن رزين، ذكره الشيخ في الغيبة: في معجزات العسكري(عليه السلام)، الخوئي، السيد أبو القاسم الموسوي، معجم رجال الحديث وتفصيل طبقات الرواة، ج22،ص129
[55] الشيخ الطوسي، الغيبة، ص207.
[56] هو علي الأحول، وأبوه زيد هو الملقب بالشبيه النسابة، كان فاضلاً، صنف كتاب المقاتل والمبسوط في علم النسب، وتنتهي إليه سلسلة عظيمة، وعلي أبوه كان من ولد الحسين الملقب بذي الدمعة ابن زيد الشهيد ابن زين العابدين (عليه السلام).
المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوارالجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار، ج50، ص264.
[57] الراوندي، الخرائج، ج1، ص437؛ الإربلي، كشف الغمة، ج3، ص224.
[58] الراوندي، الخرائج، ج1، ص440.
[59] الامين، أعيان الشيعة، ج1،ص103.
[60] الشيخ الطوسي، الغيبة، ص218؛ الفتال النيسابوري، محمد بن الحسن بن علي أحمد، روضة الواعظين،ص249؛ المازندراني، شرح أصول الكافي، ج7، ص312.
[61] الكليني، الكافي، ج1، ص503؛ الفيض الكاشاني، محمد محسن، الوافي، ج3، ص845.
[62] الشيخ المفيد، الإرشاد في معرفة حجج الله علي العباد، ج2، ص321؛ المازندراني، شرح أصول الكافي، ج7، ص316.
[63] المازندراني، شرح أصول الكافي، ج7، ص315.
[64] الشيخ الطوسي، الغيبة، ص214 -217؛ الراوندي، الخرائج، ج2، ص782.
[65] الشيخ الطوسي،الغيبة، ص214 -217؛ ابن شهر اشوب، محمد بن علي، مناقب آل أبي طالب، ج3، ص533؛ المجلسي، بحار الأنوار، ج50، ص251.
[66] الراوندي، الخرائج، ج1، ص442.
[67] أبو معاش، علي، الأربعين في حب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام)، ج1، ص91.
[68] الكليني، محمد بن يعقوب بن إسحاق، الكافي، ج1، ص507.
[69] لم نجد له ترجمة في المصادر التي اطلعنا عليها.
[70] هملج: الهملجة: حسن سير الدابة في سرعة وبخترة. الفراهيدي: الخليل بن أحمد، العين، ج4، ص118.
[71] الشيخ المفيد، الإرشاد، ج2، ص328؛ المازندراني، شرح أصول الكافي، ج7، ص322؛ العلامة المجلسي، مرآة العقول في شرح أخبار آل الرّسول، ج6، ص151.
[72] الميلاني، السيد علي الحسيني، محاضرات في الاعتقادات، ج1، ص386.
[73] لم نجد له ترجمة في المصادر التي اطلعنا عليها.
[74] القس: والجمع قسيسون مرتبة دينية بين الأسقف والشماس عند النصارى، قلعجي، محمد، معجم لغة الفقهاء، ص363.
[75] الشماس من رؤساء النصارى الذي يحلق وسط رأسه لازما للبيعة، والجميع: الشمامسة، الفراهيدي، العين،  ج6، ص230.
[76] ترهَّب فلان تعبَّد في صومعته وهو راهب. الزمخشري، محمود بن عمر، أساس البلاغة، ص385.
[77] الخصيبي، الهداية الكبرى، ص334؛ البحراني، السيد هاشم، مدينة المعاجز، ج7، ص671.
[78] سورة الصف، الآية 8.
[79] الخصيبي، الهداية الكبرى،ص337.
[80] القاسم، أسعد وحيد، أزمة الخلافة والإمامة وآثارها المعاصرة، ص178.
[81] الطبرسي، ميرزا حسين النوري، خاتمة المستدرك، ج1،ص124؛ موسوعة الإمام العسكري، ج2، ص85.
[82] محمد بن الربيع الشيباني النسائي هو من أصحاب أبي محمد العسكري(عليه السلام). روى معجزته، الشاهرودي، النمازي، الشيخ علي، مستدرك علم الرجال، ج7،ص94.
[83] المازندراني، شرح أصول الكافي، ج7، ص330؛ الفيض الكاشاني، الوافي، ج3، ص858؛ المجلسي، بحار الأنوار، ج50، ص293.
[84] الخصيبي، الهداية الكبرى، ص338.
[85] من أصحاب أبي محمد العسكري(عليه السلام)، الشاهرودي، مستدركات علم رجال، ج7، ص161، روى عن العسكري(عليه السلام)، وكان شيعيّاً، موسوعة الإمام العسكري(عليه السلام)، ج5، ص358.
[86] الراوندي، الخرائج، ج1، ص447.
[87] الخصيبي، الهداية الكبرى، ص343-344.
[88] محمّد بن خالد بن أبي طيفور المتطبّب، المازندراني، شرح أصول الكافي، ج6، ص223، وهو من أصحاب الهادي(عليه السلام)، الخوئي، معجم رجال الحديث، ج22، ص75.
[89] الراوندي،الخرائج، ج1، ص446.