إمامة الحسن العسكري(عليه السلام) فكراً ونهجاً لإمامة المهدي في رحاب
الشعر
The Imamate of Al-Hasan Al-Askari
(PBUH): Thought and Methodology as a Prelude to the Imamate of Al-Mahdi in the
Realm of Poetry
أ.م. د. جنان
فاضل علي الجعيفري
جامعة
الكوفة -كلية التمريض
Asst. Lect. Dr. janan fadil ali
aljaefari
University of Kufa
College of Nursing
الملخص:
جاءت هذه الدراسة الموسومة بـ
(إمامة الحسن العسكري(عليه السلام) فكراً
ونهجاً لإمامة المهدي في رحاب الشعر)،
بمقدمة وثلاثة مباحث، تطرقت بالمبحث الأول
(الإمام الحسن العسكري(عليه السلام) امتداد النبوة والإمامة) إلى بعض من الأحوال
السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي عاصرها الإمام الهادي (عليه السلام) والتخطيط
الرائع في تثبيت إمامة الحسن العسكري(عليه السلام)، موثقة بالأدلة والنصوص. وجاء
المبحث الثاني (التكامل الإنساني والفكري في شخص الإمام الحسن العسكري(عليه
السلام)) بعرض شذرات من السيرة العطرة، وقد تطرقت إلى النسب الشريف. وتناولت
بالمبحث الثالث (التخطيط المحكم للإمام الحسن العسكري(عليه السلام) لدولة
القائم(عجل الله تعالى فرجه الشريف)) الخطوات العظمى للإمام الحسن العسكري(عليه
السلام) لبناء دولة المهدي(عجل الله تعالى فرجه الشريف) المحكم والمبرمج والمؤيد بنصر الله لظهور دولة الحق.
وبعدها توصلت الدراسة إلى خاتمة ضمت نتائج عدة.
الكلمات
المفتاحية: الإمام الحسن العسكري(عليه
السلام)، الشعر، دولة الإمام المهدي(عجل الله تعالى فرجه الشريف)، امتداد،
التخطيط.
Abstract:
This study, titled “The Imamate of Al-Ḥasan
Al-Askari(PBUH): Thought and Methodology as a Prelude to the Imamate of
Al-Mahdi in the Realm of Poetry” comprises an introduction and three main
sections. The first section, “Imam Al-Ḥasan
Al-Askari (PBUH): The Continuation of Prophethood and Imamate,” examines the
political, economic, and social conditions during the Imam Al-Hadi’s (PBUH) age,
highlighting the meticulous strategic planning employed to firmly establish the Imamate of Al-Ḥasan
Al-Askari (PBUH), supported by textual
and historical evidence. The second section, “Intellectual and
Human Integration in the Person of Imam Al-Ḥasan
Al-Askari (PBUH), ” presents selected luminous glimpses from his
noble biography, including an overview of his esteemed lineage. The third
section titled, “Imam Al-Ḥasan
Al-Askari’s (PBUH) Meticulous Planning for the State of
Al-Qaʾim (PBUH), ” explores the
major steps taken by the Imam (PBUH) to lay the divinely guided, precisely
structured, and meticulously programmed foundations for the future state of
Imam Al-Mahdi (PBUH), a state destined to manifest divine truth and be
supported by God’s victory. The study concludes with a
comprehensive summary of its key findings.
key words: Imam
Al-Hasan Al-Askari (PBUH), poetry, the state of Imam Al-Mahdi (PBUH),
extension, planning.
المقدمة
الحمد لله ربّ العالمين، وله
الشكر إذ هدانا للتي هي أقوم باتباع كتابه واقتفاء أوليائه، الذين خصّهم بحفظ
الدين وجعلهم أنواراً يهتدى بهم، والصلاة والسلام على سيد المرسلين وخاتم النبيين
محمد (صلى
الله
عليه
وآله) وأهل بيته الطيبين الطاهرين.
وبعد:
إنَّ محبة آل البيت على وجه العموم،
ومحبة الإمام الحسن العسكري على وجه الخصوص، من عناصر العقيدة ومقومات الإيمان
ومرتكزات الرسالة المحمدية الغراء، وإنّ السعادة في الدارين تتمثل في اتباع آل
البيت،
فحبّهم
يمثل في الواقع حباً لله تعالى وللقيم الربانية والكمالات الإلهية، ولا
ينفك هذا الحب من صدق الولاء وحسن الاهتداء والاقتداء بالهدى؛ إذ يسمو بالمؤمن في
مدارج الوصول إلى الكمال الذي يريده الباري (عزّ وجلّ)، وبالتالي فهو يضمن سلامة
الطريق المؤدي إلى الأهداف التي يسعى إليها الفرد المؤمن، ورثة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) خُلقاً وخَلقا ودينا وعلماً، فقد فاقت أخلاقهم جميع البشر، وطهرت
نفوسهم تطهيراً، وقد جاءت النصوص القرآنية واضحة وصريحة في تأصيل صفاتهم وأخلاقهم
وفضلهم، قال تعالى: (رِجَالٌ لّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ
اللهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ
فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ)[1]،
وقد فضلهم الله على عباده بأنّ لهم الولاية والخلافة، قال تعالى: (إِنَّمَا
وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ
الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ)[2]،
وأهل البيت الأئمة الأخيار بمنزلة الرسول(صلى الله عليه وآله) في كل أمر الاّ أنّه
لا يوحى اليهم، بل ينشرون في الناس ما عندهم من ودائع الرسول(صلى الله عليه وآله)،
يحكمون بحكمه، ويحفظون شريعته وأحكامه، فهم عيبة علمه، وموضع سره. الإمام الحسن بن
علي (عليه السلام)، الإمام الحادي عشر، الملقب بالعسكري، ولد
(سنة 232هـ)[3]
في رحاب مدينة جده رسول الله(صلى الله عليه وآله)[4]؛
الإمام الحسن
العسكري(عليه السلام) سليل الأسرة النبوية والعترة الهادية التي أعز الله بها
البشرية عامة، سراج الحياة الفكرية والعلمية والدينية في دنيا الإسلام والمسلمين،
وقام بأمر الإمامة والقيادة بعد شهادة والده، يروي الشيخ الصدوق (قدس سره)
حديثاً يقول: (عن علي بن أبي طالب (عليه السلام)
قال: دخلت على رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقال لي… وأنّ تبارك وتعالى ركب في
صلبه (أي علي الهادي(عليه السلام)) نطفة، وسماها عنده الحسن، فجعله نوراً في
بلاده، وخليفة في أرضه، وعزاً لأمة جدّه، وهاديا لشيعته…)[5]،
ويقول الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله): (إنما مثل أهل بيتي فيكم كسفينة نوح، من
ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق، وإنما مثل أهل بيتي فيكم مثل باب حطّة في بني
اسرائيل من دخله غفر له)[6].
استشهد (سنة 260 هـ).
وكان من أشهر ألقابه (العسكري)؛ لأنه منسوب إلى عسكر، ويراد بها سرّ من رأى، التي
بناها المعتصم[7]،
وانتقل إليها مع أبيه الإمام الهادي (عليه السلام)؛ فلذلك قيل لكل واحد منهما
العسكري، بالرغم من آراء بعض المؤرخين[8] أنّ
لقب العسكري يختص بالإمام الحسن مما عليه الإمام علي الهادي(عليه السلام)،
ومن ألقابه الأخرى (الخالص، التقي، الفاضل، الزكي، العالم، الناطق عن الله، الأمين
على سر الله، السراج المضيء، ولي الله، الفقيه، المرضي، المرشد إلى الله، الرفيق،
المؤمن بالله….)[9]،
عاش الإمام الحسن العسكري(عليه السلام) شوطاً من حياته مع أبيه الإمام الهادي(عليه
السلام) لم يفارقه في حله وترحاله، وكان الإمام الهادي(عليه السلام) يرى في ولده
الزكي امتداداً للإمامة الكبرى، والنيابة العظمى عن الرسول الأعظم(صلى الله عليه
وآله).
لقد كان الايمان بالله تعالى عنصراً من عناصره، ومقوماً من مقوماته، فلم يخش الاّ
الله، يقول الإمام الهادي(عليه السلام) عنه: (أبو محمد ابني أصح آل محمد (صلى الله
عليه وآله) غريزة، وأوثقهم حجة، وهو الأكبر من ولدي، وهو الخلف…)[10]،
كان الإمام(عليه السلام)
مدعاة للحق والعدل رغم ما آلت إليه الدولة العباسية من الظلم والجور آنذاك وفرض
الحصار والإقامة الجبرية[11]
عليهم، ومن هنا جاءت هذه الدراسة الموسومة بـ (إمامة الحسن العسكري(عليه السلام)
فكراً ونهجاً لإمامة المهدي في رحاب الشعر)، وقامت الدراسة بمقدمة وثلاثة مباحث،
تطرقت بالمبحث الأول (الإمام الحسن العسكري(عليه السلام) امتداد النبوة والإمامة)
إلى بعض من الأحوال السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي عاصرها الإمام الهادي
(عليه السلام) والتخطيط الرائع في تثبيت إمامة الحسن العسكري (عليه السلام)، موثقة
بالأدلة والنصوص. وجاء المبحث الثاني (التكامل الإنساني والفكري في شخص الإمام
الحسن العسكري(عليه السلام)) بعرض شذرات من السيرة العطرة، وقد تطرقت إلى النسب
الشريف، وبعض من مزايا الامام ومناقبه(عليه السلام) وعرضت لنشأة الإمام الحسن
العسكري(عليه السلام) المتميزة في ظل أبيه الإمام الهادي(عليه السلام)، وكذلك بحثت
في الأصل الرفيع والمقام الكبير وما اشترك به مع الأئمة من خصائص ومزايا، واقتطفت
نصوصاً من النماذج الشعرية للشاعرين علي بن عيسى الإربلي، ومحمد حسين الصغير،
متبعة المنهج الوصفي التحليلي أنموذجا لبيان تلك المحاور. وقام المبحث الثالث
(التخطيط المحكم للإمام الحسن العسكري(عليه السلام) لدولة القائم(عجل الله تعالى
فرجه الشريف)) محملا بالخطوات العظمى للإمام الحسن العسكري(عليه السلام) لبناء
دولة المهدي(عجل الله تعالى فرجه الشريف) بالتمهيد المبرمج والمؤيد بنصر الله
لظهور دولة الحق. وبعدها توصلت الدراسة إلى خاتمة ضمت نتائج عدة، وبعدها قائمة
المصادر والمراجع.
المبحث الأول: الإمام
الحسن العسكري(عليه السلام) امتداد النبوة والإمامة
قيل البدء بالحديث عن الإمامة لابدّ من نظرة
للعصر الذي عاش فيه الإمام الهادي(عليه السلام) وولده الإمام الحسن العسكري(عليه
السلام) وما به من أحوال سياسية واقتصادية واجتماعية؛ إذ عاصر الإمام الهادي (عليه
السلام) ستة من خلفاء بني العباس والواثق حيث كان استشهاد الإمام الهادي(عليه
السلام) سنة (254هـ)، وفي هذا العام تولى الإمام الحسن مهام الإمامة[12]،
وكانت الأوضاع الداخلية والخارجية سيئة جداً فضلاً عن تدهور الأوضاع السياسية
والاقتصادية. وكان الإمام الهادي (عليه السلام) بالمدينة وكانت له منزلة رفيعة
القدر عند أهلها؛ لإحسانه اليهم وعلاقته الطيبة معهم، وهذا مما أدى بالخليفة
المتوكل إلى إبعاد الإمام(عليه السلام) إلى سامراء والذين كانوا أغلبهم من الأتراك
والموالين لبني العباس، ولقد كانت حركة الإمام الهادي(عليه السلام) والقيام بمهامه
الفكرية والدينية والروحية محدودة وشبه مقيدة، بسبب الضغط والارهاب الذي يمارسه
الخليفة العباسي تجاه الإمام(عليه السلام) وأتباعه، الاّ أنّ الامام(عليه السلام)
اتبع نفس النهج الذي سار عليه آباؤه(عليهم السلام)، تنفيذاً للرسالة الإسلامية وفق
ما تقتضيه المصلحة العامة والخاصة في إحقاق العدل ونصر الحق ودحض الباطل، ونتيجة
لتلك الظروف السياسية والاجتماعية الصعبة كان من دواعي الإمام الهادي(عليه السلام)
لحفظ الرسالة النبوية أن يخفي الإمام العسكري(عليه السلام) قدر الإمكان عن الانظار
الاّ في حدود يسمح الظرف بها، أو ضرورة بيان منزلته وإمامته وإتمام الحجة على
الخواص والمحبين من أصحابه، يروي الكليني رواية عند وفاة محمد بن علي الهادي(عليه
السلام) بقوله: (إنهم حضروا يوم توفي محمد بن علي بن محمد دار أبي الحسن (عليه
السلام)
يعزونه وقد بسط له في صحن داره والناس جلوس حوله فقالوا: قدّرنا أن يكون حوله من
آل أبي طالب وبني هاشم وقريش مئة وخمسون رجلا سوى مواليه وسائر الناس؛ إذ نظر إلى
الحسن بن علي(عليه السلام)
قد جاء مشقوق الجيب حتى قام عن يمينه ونحن لا نعرفه، فنظر اليه أبو الحسن(عليه
السلام) بعد ساعة فقال له: (يا بني أحدث لله عزّ وجلّ شكراً فقد أحدث فيك أمرا)
فبكى الحسن(عليه السلام) واسترجع وقال: (الحمد لله رب العالمين، وأنا اسأل الله
تمام نعمه لنا فيك، وانا لله وانا اليه راجعون. فسألنا عنه فقيل: هذا الحسن ابنه
وقدّرنا له في ذلك الوقت عشرين سنة أو أرجح، فيومئذ عرفناه وعلمنا أنه قد أشار
اليه بالإمامة وأقامه مقامه)[13].
ولم يكن الإمام الحسن الزكي(عليه السلام) بعيدا عن هذه الأوضاع المريرة، إذ أثرت
في نفسيته وحياته ألماً وأحزاناً طيلة فترة حياته، وبالرغم من قصر مدة إمامة
الامام الزكي(عليه السلام)
والتي بلغت ست سنوات - هذه المدة عكست لنا مدى بشاعة حكم نظام دولة بني العباس –
والتي واكب في عصر إمامته(عليه السلام)
من حكام بني العباس المعتز عاماً واحداً، ثم المهتدي وبعدها عصر المعتمد الذي
استمر في الحكم أربعة أعوام، حيث استشهد الإمام في حكمه سنة (260) والذي كان اخر
حاكم عباسي في سامراء؛ إذ كانت تمثل سامراء مقراً للسلطة العباسية، وبمقتل المعتمد
سنة (279) صارت بغداد عاصمة لهم، الا أنّ الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) العظيم بمكنوناته النفسية والفكرية كان معيناً من الكمال والفضائل
لا حدَّ لأبعادها، إنَّه هبة الله (تعالى) لهذه الأمة مرشداً وهادياً بعد جده
الرسول الأعظم محمد(صلى
الله
عليه
وآله) وآبائه الأطهار(عليهم السلام).
يقول الإمام(عليه السلام): «قد صعدنا ذرى الحقائق بإقدام النبوة والولاية،
ونوّرنا الطرائق بأعلام الفتوة، فنحن ليوث الوغى، وغيوث الندى، وفينا السيف والقلم
في العاجل، ولواء الحمد والعلم في الآجل، وأسباطنا خلفاء الدين، وخلفاء اليقين،
ومصابيح الأمم، ومفاتيح الكرم، فالكريم لبس حلة الاصطفاء لما عهدنا منه الوفاء،
وروح القدس في جنان الصاقورة، ذاق من حدائقنا الباكورة، وشيعتنا الفئة الناجية،
والفرقة الزاكية، صاروا لنا رداء وصوناً، وعلى الظلمة إلباً وعوناً، وسنفجر لهم
ينابيع الحيوان بعد لظى النيران، لتمام الرواية، والغواشي من السنين»[14]،
وأدى دوره الفاعل الذي مهد له أبوه الإمام الهادي (عليه السلام) في حفظ الرسالة
السماوية، والعمل على إبعاد الأمة عن الانحراف ومواجهة التحديات آنذاك، ولقد أشار
الإمام العسكري (عليه السلام) لما يواجهه من أحداث بقوله: «ما مني أحد من آبائي
بمثل ما منيت به من شك هذه العصابة فّيّ»[15]
والى ذلك ينشد الشاعر، بقوله[16]:
على الإمام الطاهر المجتبى على الكريم الطيب العنصر
ففي البيت يظهر الشاعر أحقية
الإمام الزكي العسكري (عليه
السلام) بالإمامة، وإنَّ هذه الخلافة ليست أدعاء من أحد وإنما هي نص من
أبيه (عليه السلام)، (وقد نص النبي (صلى الله عليه وآله)
بإجماع المسلمين –وهو يحدد الاطار العام لموضوع الإمامة من بعده- أنّ الأئمة من
قريش، وأنّ عددهم اثنا عشر، وأنّ هؤلاء الأئمة الاثني عشر من لباب عترته تحديداً،
ومن صميم أهل بيته خاصة، حيث لا يشاركهم غيرهم من سائر الناس، بل سمّى هؤلاء
الاثني عشر في رواية بعض الحفاظ- واحداً بعد واحد-، ولذا فانّ نص الإمام الهادي
على ولده الحسن العسكري بالإمامة من بعده لم يكن الاّ تنفيذاً عملياً لتلك الضوابط
والأوامر الرسالية المستمدة من الوحي)[17].
ويقول المفيد: (كان الإمام بعد أبي الحسن علي بن محمد (عليهما السلام) ابنه أبا
محمد الحسن بن علي (عليهما السلام)؛ لاجتماع جلال الفضل فيه، وتقدمه على كافة أهل
عصره فيما توجب له الإمامة، وتقتضي له الرياسة من العلم والزهد، وكمال العقل
والعصمة والشجاعة والكرم، وكثرة الأعمال المقربة إلى الله عزّوجل، ثم لنص أبيه
(عليه السلام) عليه وإشارته بالخلافة صلوات الله عليه)[18].
الحسن العسكري (عليه
السلام) خليفة الله من بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وآبائه وأجداده (عليهم السلام) فقد تخلق بخلق جده الرسول(صلى الله عليه وآله) وتربى في بيت النبوة وورث علمه، فقد توافرت في الإمام الزكي
العسكري(عليه السلام) جميع عناصر التقوى والصلاح، واجتمعت به جميع فضائل الدنيا،
تحلى بآداب النبوة ومحاسن الإمامة، فالبذل والعطاء والتضحية بالنفس من أجل أعلاء
كلمة التوحيد ونشر تعاليم الإسلام، فالأولى لهذه الشخصية الفذة (عليه السلام)
أنْ تكون الشخصية الحادية عشرة من الأئمة المعصومين في حمل رسالة الإسلام،
بل لقد مهد الإمام الهادي (عليه السلام) بما ورثه عن أجداده وآبائه التخطيط
الرباني لإمامة ولده العسكري(عليه
السلام)؛ لذلك المعنى يقول محمد حسين الصغير[19]:
وحسبك مجداً انّ فجرك صادق وليلك وضاء، وصبحك رائع
تباركه الأمجاد ما درّ شارق وتحضنه الأفضال ما لاح طالع
فتى عرقت فيه سلالة هاشم فطالت أضواء واشرأبت منابع
فما وازنته حميرٌ أو ربيعةٌ ولا ضارعته نهشلٌ أو مجاشع
سليل رسول الله قامت فواطمُ بمحتده الأسمى وطابت مراضع
تحنّ إليه بالدّعاء الصوامع وتحنو عليه بالصلاة الجوامع[20]
يبين الشاعر في هذه الأبيات
السمات الرفيعة والأخلاق العالية التي يتسم بها الإمام الحسن العسكري(عليه السلام) والتي أهلته لخلافة المسلمين من بعد أبيه(عليه السلام).
وقد استعان الشاعر بالجمل الاسمية التي أغنت النص بما يريده الشاعر من توصيل فكرته
التي يتضح معناها من خلال ما رواه القطب الراوندي: (وأما الحسن بن علي
العسكري(عليه السلام)، فقد كانت أخلاقه كأخلاق رسول اللهm، له جلالة وهيبة حسنة، يعظمه
العامة والخاصة اضطرارا، يعظمونه لفضله، ويقدمونه لعفافه وصيانته وزهده وعبادته
وصلاحه واصلاحه، وكان جليلا نبيلا فاضلا كريما يحمل الأثقال ولا يتضعضع للنوائب،
أخلاقه خرقة للعباد على طريقة واحدة)[21]،
وكذلك نجد أنّ الشاعر يؤكد على سمو قدر الإمام(عليه السلام) ونسبه الشريف وكرمه لا
مثيل له في القبائل العربية المعروفة من أمثال حمير وهوازن وغيرها، فلا معادلة له
معها؛ لأنه سليل النبوة ووريث الإمامة.
ويرى علي بن عيسى أنّ الولاية
والحكم للإمام (عليه السلام)الكريم الطاهر ابن الأئمة الأخيار دون سواه؛ إذ يقول:
على ولي الله في عصره وابن خيار الله في العصر[22]
هنا يبث الشاعر ما اعتلجت به النفس وهامت به
الروح من معان سامية وسمات تقية صافية تطفح بصدق المعتقد تجاه الإمام الحسن
العسكري(عليه
السلام)، موضحاً بأنه كيف لا يكون الإمام الحسن العسكري (عليه السلام)
خليفة الله من بعد رسول الله (صلى
الله
عليه
وآله) وآبائه وأجداده(عليهم السلام)، فقد تخلق بخلق جده الرسول(صلى الله عليه وآله) وتربى في بيت النبوة وورث علمه، يروي أبو دعامة حديثاً عن مولانا
الحسن العسكري؛ إذ يقول: «حدثني أبي محمد بن علي، قال: حدثني أبي علي بن موسى،
قال: حدثني أبي موسى بن جعفر، قال: حدثني أبي جعفر بن محمد، قال: حدثني أبي محمد
بن علي، قال: حدثني أبي علي بن الحسين، قال: حدثني أبي الحسين بن علي، قال: حدثني
أبي علي بن أبي طالب، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): اكتب يا علي، قال:
وما أكتب؟ قال لي: اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم الايمان ما وقّرته القلوب،
وصدّقته الأعمال، والإسلام ما جرى به اللسان، وحلّت به المناكحة». قال أبو دعامة:
فقلت: يا بن رسول الله، ما أدري والله أيهما أحسن الحديث أم الاسناد، فقال: «إنها
لصحيفة بخط علي بن أبي طالب(عليه السلام) بإملاء رسول الله(صلى الله عليه وآله)
نتوارثها صاغراً من كابر»[23].
وأما محمد حسين الصغيرفيجد
الإمام(عليه السلام) هو حجة الله على الخلق، إذ يقول:
هم حججُ الله الذين بحبّهم تنال الأماني أو تردّ المصارع
أساطين علم بل أئمة رحمة بهم سننُ طالت وقامت شرائع
يجسد الشاعر هنا الإمام
الحسن(عليه
السلام) نور الله على الأرض وحجته، أساس الدين وركناً من أركانه، علماً
بارزاً من أعلام الهدى والعروة الوثقى، أهل الرحمة والعطاء، شخصية تجلى فيها نور
العقيدة والهداية للبشرية، معاني روحية وتوثباً فكرياً، وبما اختصت به من إعجاز
الله في خلقه، وما نفحته العناية الإلهية في أفكارهم وأفعالهم، فكانت خلقهم
وخُلقهم، ومواقفهم صورة أمينة لما استودعه الله فيهم من سرّ إعجازه في الخلق.
المبحث الثاني: التكامل
الإنساني والفكري في شخص الإمام الحسن العسكري (عليه السلام)
تجسد في شخص الإمام
العسكري(عليه السلام) الصفات الكمالية والإنسانية والقداسة التي تمثل بها آباؤه
وأجداده الأئمة الأطهار(عليه السلام)، لقد كانت أخلاقه صورة حية من أخلاق جدّه
رسول الله(عليه السلام) في هديه وسلوكه وكرمه وحلمه وعلمه وورعه، يقول الشيخ
المفيد: (اجتماع خلال الفضل فيه، وتقدمه على كافة أهل عصره فيما يوجب له الإمامة،
ويقتضي له الرياسة، من العلم والزهد وكمال العقل والعصمة والشجاعة والكرم وكثرة
الأعمال المقربة إلى الله عزّ وجل)[24]،
وقال آخر وهو من المعاصرين للإمام(عليه السلام): (ما رأيت ولا عرفت بسرّ من رأى
رجلاً من العلويّة مثل الحسن بن علي بن محمد بن علي الرضا في هديه وسكونه وعفافه
ونبله وكبرته عند أهل بيته وبني هاشم كافة، وتقديمهم اياه على ذوي السنّ منهم
والخطر، وكذلك كانت حاله عند القّواد والوزراء وعامة الناس)[25].
والحق إن الروايات كثيرة وما اتسم الإمام(عليه السلام) من مزايا لا تعد ولا تسع
الكتب والمؤلفات، ومن هنا سوف نتناول بعضاً من تلك المناقب والفضائل وهي:
- السمات القدسية
والشرف الرفيع
نشأ الإمام العسكري(عليه
السلام) نشأة رائدة في أبعاد متميزة في ظل أبيه الإمام الهادي(عليه السلام)،
فقد ورث هذا الامام الحليم كمال آبائه الذين خلقوا للفضيلة والشرف، وما ينفع الناس
في سلوكهم وتهذيبهم، فصار الإمام مضرب المثل في استيعاب أبعاد هذه النشأة، فقد كان
أعلم أهل عصره وأفضلهم في جميع المجالات، وكان أحلمهم وأكظمهم للغيظ، بل كان من
سمو أخلاقه أنّه يقابل الصديق والعدو بمكارم أخلاقه، وقد قابل من أساء إليه بالعفو
والصفح عنه، وقد تعرض الإمام(عليه السلام)
إلى الظلم والاضطهاد من قبل السلطة الحاكمة آنذاك وزجّه بالسجن، فلم يشك لأيّ أحد
ما هو فيه من الضيق، وفوض أمره إلى الله تعالى، يقول كاظم القزويني: (في ذلك البيت
المنّزه عن كل شائبة، نشأ ذلك المولود المطوق بهالة الشرف الرفيع، وترعرع في حجر
والده الأقدس الأطهر، يشم نسيم الإمامة الكبرى، وتغمر قلبه أنوار الولاية العظمى،
ويرتضع من صدر أم من أطهر أمهات ذلك العصر، ويتغذى بأنواع الحكمة والمعرفة، قد
أكمل الله له العقل والإدراك، وأتم له العلم بجميع معنى الكلمة؛ إذ بلغ ذروة
العظمة منذ خلقه الله، وامتاز عن أبناء زمانه بفضائله وفواضله، جعله الله امتداداً
لخط الإسلام الصحيح، وانتجبه حاملاً لشريعته، واصطفاه حافظاً لدينه وكتابه،
إماماً، ونوراً لبريته، وملاذاً ومناراً لعباده وبلاده)[26]،
فقد ظفر من خلالها بالتأهيل للإمامة والخلافة، (وكان من الطبيعي تقدير الأمة بجميع
طبقاتها للإمام أبي محمد (عليه السلام)،
وتعظيماً له، فقد وقفت على هديه وصلاحه وعزوفه عن الدنيا، وإخلاصه للحق، وتفانيه
في طاعة الله وعبادته، واستبان لها أنه بقية الله في أرضه، والممثل الوحيد لجده
الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله)، يضاف إلى ذلك فقد تبنى الإمام القضايا
المصيرية للعالم الإسلامي، ونادى بحقوق المسلمين، ونعى على حكام عصره ظلمهم
للرعية، واستهانتهم بحقوقها؛ فلذا أجمعت الأمة على تعظيمه والولاء له، والاعتراف
بقيادته)[27]؛
ولذلك يقول علي بن عيسى:
على كريم صوب معروفه يربي على صوب الحيا الممطر[28]
يجسد الشاعر ما اتسم به الإمام(عليه السلام) من
مزايا ومناقب، وهي الجود السخاء، والبر والمعروف، فقد كان من أسخى الناس، وأنداهم
كفاً، وقد قام له وكلاء في أكثر المناطق الإسلامية لقبض ما يرد إليه من الحقوق
الشرعية، وعهد اليهم بإنفاقها على الفقراء والمحرومين، وإصلاح ذات البين، وغير ذلك
مما ينفع الناس[29]،
وكان الإمام(عليه السلام) يحث أصحابه على المعروف، يذكر ابن شهر آشوب قوله: (سمعت
أبا محمد (عليه السلام) يقول: إنّ في الجنة باباً يقال له المعروف، لا يدخله الاّ
أهل بيت المعروف… انّ أهل المعروف في الدنيا أهل المعروف في الآخرة، جعلك الله
منهم يا أبا هاشم ورحمك)[30].
ومن كرم الإمام الذاتي تطلعه في الغيب بما أوتي من علم، يروي أبو هاشم الجعفري،
قال: (شكوت إلى أبي محمد ضيق الحبس، وكلب القيد[31]،
فكتب اليّ: أنت تصلي الظهر اليوم في منزلك. فأخرجت وقت الظهر وصليت في منزلي-كما
قال-وكنت مضيقاً عليّ، فأردت أن أطلب منه معونة في الكتاب الذي بعثته إليه، فلما
صرت إلى منزلي بعث لي مئة دينار، وكتب اليّ: (اذا كانت لك حاجة فلا تستح ولا
تحتشم، واطلبها فإنك على ما تحب إن شاء الله تعالى)[32].
إن هذا العطاء من قبل الإمام(عليه السلام) لسد حاجة الفقراء انما كان يعرفه الإمام
بمنظور غيبي بما أوتي من علم إلهي، قبل أن يظهره السائل وينطق به، فهو قريب من تلك
النفوس المتألمة والمحتاجة، فهو على اطلاع بسوء أحوالهم المعيشية وما آلت إليه
حياتهم في ظل دولة بني العباس، فضلاً عن أنّ الامام(عليه السلام)
كان يخول وكلاء للتصرف بالحقوق الشرعية بصرفها للفقراء والمحتاجين وفقا للمصلحة
العليا التي يفرضها الدين الإسلامي.
وإلى ذلك ينشد علي بن عيسى
قائلا:
أخلاقهم أنى أتى سائل مثل الربيع اليانع المزهر[33]
هنا يجسد الشاعر المعالم
الإسلامية والقيم الخلقية في شخص الإمام
العسكري(عليه
السلام) وما تضمنته من قضايا مصيرية، وهي رسالة إلى العالم الإسلامي في
زرع الأمن في قلوب المسلمين، واستئصال عوامل الشك والقلق منها، والتمسك بالعترة
الطاهرة في الدنيا والآخرة، ويؤكد انّ الإمام(عليه السلام) والأئمّة من آل البيت: هم
أهل الكرم والجود والعطاء اليانع والعدل والصلاح، لا يردون سائلا، بل يغدقون عليه
العطاء الوافر الذي يسد احتياجاتهم. ومن كرم مولانا الزكي(عليه السلام) أنه أهدى
فرسه لعلي بن زيد بن علي[34]،
وأعطى أبا هاشم الجعفري خمسمئة دينار في حاجة مهمة عرضت له[35].
ويرى محمد حسين الصغير أنّ زهو
سامراء ومجدها كان بفضل الإمام الحسن (عليه السلام)
وقدومه اليها؛ إذ لولاه(عليه السلام) لما ربت وأزهرت س من رأى؛ إذ يقول:
زهت بك سامراء بدراً فأزهرت رباها وفاضت بالسّناء المرابع
وطاولت الأرض السماء بقّبة تضم على القبرين منها الأضالع
أطلت على الصحراء في بركانها فماجت سهول واستطالت مقالع
بها يهتدي الحيران من شبهاته ويأمن ذو خوف، ويلجأ فازع[36]
في هذا النص يبين ملامح العظمة
والقداسة في الإمام الحسن (عليه
السلام)، الرحمة والسماحة والخير
والبركة وضعها الله جل جلاله به(عليه السلام)، بركة الإمام حلّت حين الإمام(عليه
السلام) حل، فأزهرت سامراء وطابت هواء، وأثمرت رباها، وأحييت تربتها وانتشر فيها
الخير واعتدل هواؤها وأمن الناس واهتدوا بهدى الإمام وأمنوا واطمأنوا فيها، فذهبت
مخاوفهم وطابت عيشتهم في حياة الإمام وفي رحيله، بقي الإمام ينير طريق محبيه
وساكني سامراء بقبته العالية الشامخة التي كانت مخاوف لا لأعدائه ومبغضيه.
الإمام العسكري (عليه
السلام) نفحة من نفحات الرسالة السماوية
إنَّ الفرد المسلم بحاجة إلى
المنهل الرائق، والمنبع الأصيل الذي يضمن له معرفة الحق من الباطل، ويحقق له أقرب
الطرق التي تُؤمن الوصول إلى خير الدنيا والآخرة، وبما أنَّ الإنسان يميل إلى
الأخذ ممن تعلّق قلبه به، فإنَّ من يهوى آل البيت ومولانا الحسن
العسكري سوف يأخذ العلم من أهله، والدين من محله، والتنزيل من منزله، والاعتقاد من
أصله، قال رسول الله (صلى
الله
عليه
وآله): «حب أهل بيتي وذريتي استكمال للدين»[37]،
وفضل آل البيت
على البشرية لايمكن إخفاؤه؛ إذ لولاهم لظل الناس في غياهب الظلمات، فهم
الطريق الموصلة إلى الهدى والصلاح، ولولاهم لتلاشى الإسلام؛ إذ من أجلهم تحفظ
الدنيا، وتتماسك هذه الصفات الكريمة والخصال النبيلة في آل البيت في
سلسلة لا تنتهي حلقاتها بعضها على بعض. إنّ الحق بجميع مظاهره وصوره تجلى في سيرة
أئمة أهل البيت حين نذكر سمات آل البيت نخص
بها الإمام الحسن العسكري(عليه السلام)؛ لانّ التأمل في سيرتهم يعطينا
هذا الحق، فإنّ كل واحد منهم لم يؤثر عنه في جميع أدوار حياته زلّة في القول ولا
في العمل، وإنما يجد الإيمان والتقوى، يقول مولانا أمير المؤمنين(عليه السلام):
«والله لو أعطيت الأقاليم السبعة بما تحت أفلاكها على أن أعصي الله تعالى في جلب
شعيرة، أسلبها من فم جرادة ما فعلت»[38].
الإمام العسكري (عليه السلام)
نفحة من نفحات الرسالة السماوية وثمرة من ثمرات الشجرة النبوية، ونسخة من الشرف
والكرامة العلوية الطاهرة، لا مثيل لهم في تاريخ الإنسانية، وإنه إمام معصوم، وإنّ
هذه الإمامة هي بنص القرآن والسنة النبوية الشريفة، وإن إمامتهم متصلة اتصالاً
وثيقاً بالرسول الأعظم(صلى
الله
عليه
وآله) وكأنها سلسلة متصلة قد أحكمت حلقاتها، يقول الشبرواي: (فلله در
هذا البيت الشريف، والنسب الخضم المنيف، وناهيك به من فخار، وحسبك فيه من علو
مقدار، فهم جميعاً في كرم الأرومة، وطيب الجرثومة، كأسنان المشط متعادلون، ولسهام
المجد مقتسمون، فيا له من بيت عالي الرتبة، فلقد طاول السماء علا ونبلاً وسما على
الفرقدين منزلة ومحلاً، واستعرق صفات الكمال فلا يستثنى فيه بـ (غير) ولا
بـ(الاّ)، انتظم في المجد هؤلاء الأئمة انتظام اللآلى، وتناسقوا في الشرف فاستوى
الأول والتالي، وكم اجتهد قوم في خفض منارهم، والله يرفعه، وركبوا الصعب والذلول
في تشتيت شملهم، والله يجمعه، وكم ضيعوا من حقوقهم، ما لا يهمله الله ولا يضيعه…)[39].
فالشاعر هنا يثني ثناء حسناً على آل الرسول (صلى الله عليه وآله) الذين حملوا مشاعل النور والهداية إلى الناس عامة فلولاهم لما
سطعت شمس الإسلام وذوّبت بأشعتها جمود الكفر والضلال، وبعثت النور إلى كل جهات
الحياة حتى تغير الوضع وتبدلت الأحوال، فقد تزاحمت جميع الخصال المثالية فيهم من
فضل، وكرم، وسماحة، وحلم، حتى فاقت أخلاقهم وسجاياهم جميع الأنام، فلا يماثلهم أحد
في سجاياهم وسمو أخلاقهم وعلو شأنهم، ونحن نعلم أنّ العرب قديماً كانت تتفاخر
وتضرب الأمثال بقيس الإيادي بالجود والكرم، وإنّ هذا الفخر لا يمثل شيئاً لما يتسم
به آل البيت من الكرم والجود ومكارم الأخلاق، فقد رفع الله (جل جلاله) من شأن آل
البيت:
وجعلهم في الذروة العليا لا يدانيهم أحد، فهم السادات الأطهار الذين أذهب
الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، لا مثيل لهم في الأول والآخر، يقول الشاعر
الإربلي:
من معشر فاقوا جميع الورى جلالة ناهيك من معشر
هم الألى شادوا بناء العلا بالأبيض الباتر والأسمر
هم الألى لولاهم في الورى لم يعرف الحق ولم ينكـر[40]
ففي هذه الأبيات التي تعلوها
الروح الإيمانية والمعاني الوجدانية التي تأصل في النفس العشق الإلهي الروحي لهذا
السيد المجُلل والمعظم. إنَّ هذه السمات التي تأصلت بمولانا الحسن العسكري(عليه
السلام) تثير في النفس الإعجاب، بيد إنَّ هذا الأمر الذي طرحه الشاعر نابع من
إيمان حقيقي وولاء عميق لآل البيت الذين فضلهم الله وشرفهم وأعلى
منزلتهم على جميع الخلق وطهرهم تطهيرا، والشاعر قد أنطلق من هذا الاعتقاد الراسخ
في وجدانه وقلبه، فهؤلاء الأنبياء على عظم شأنهم عند الله ومنزلتهم الكبيرة
العالية إلا أن أهل البيت لهم مكانة خاصة عند الله (عزّ
وجلّ) من حيث قربهم لله (تعالى) ومنزلتهم عند الباري (عزّ
وجلّ) وطهارتهم من الشرك والمعاصي ومن كل ما يبعدهم عن دار كرامته وساحة رضاه. ومما يبدو أنّ الأبيات واضحة وصريحة تدل على صدق الولاء والإخلاص،
والحب لآل البيت فحُّب آل البيت والإمام
العسكري (عليه السلام) عقيدة مستمدة من كتاب الله (تعالى)، أنه مبدأ يتعلق بحب أحد
الثقلين الذين أوجب الرسول الأعظم (صلى
الله
عليه
وآله)
على أمّته التمسك بهما حتى يردا الحوض، لذلك ينشد محمد حسين الصغير قائلاً:
أبا الحجة المهدي حسبك رفعة يضاف إليها كلّ ما هو ناصع
مناقبك الغرّاء بيض سوافر وذكرك محمود وصوتك ساجع
شموخ وإقدام وحزم وعصمة وعلم وحلم والصفات التّوابع[41]
ويصرّح علي بن عيسى أنّ اتباع
مولانا الحسن العسكري (عليه السلام) والتمسك به مدعاة للفوز برضا الله تعالى؛ إذ
يقول:
هم الألى لولاهم في الورى لم يؤمن العبد ولم يكفر
هم الألى سنوا لنا منهجا بواضح من سعيهم نير
هم الألى دلوا على مذهب مثل الصباح الواضح المسفر
فاتضـح الحـــق لوراده ولاح قصد
الطالب المبصر[42]
إنّها آيات بينات تشهد لآل
البيت بالعظمة والطهارة والورع، وتضعهم في مكانة عُليا تفوق البشر، مولانا الإمام
العسكري (عليه السلام) تربى في بيت الهداية، ومركز الإمامة، والمرجعية العامة
للمسلمين، بيت أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، صورة صادقة لأخلاق جده الرسول
الأعظم(صلى الله عليه وآله) التي امتاز بها على سائر الأنبياء والمرسلين، وكان
مولانا العسكري(عليه السلام)
أنموذجاً رائعاً للأئمة المعصومين، وصورة صادقة لأفكارهم واتجاهاتهم، وقد تميز
بسعة علمه، وخلقه الرفيع، وسمو آدابه، وكمال الفضيلة والشرف. ففي هذا النص يبين
الشاعر أنّ الغاية من إرسال الرسل والأوصياء(عليهم السلام) هو صلاح الناس وهدايتهم
إلى طريق النور والحق ليعم الخير والعدل في الارض، قال تعالى بما ورد عن النبي
شعيب(عليه السلام): (قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىَ بَيِّنَةٍ
مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً وَمَا أُرِيدُ أَنْ
أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاحَ مَا
اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ
أُنِيبُ)[43]،
وانّ رسالة النبي محمد (صلى الله عليه وآله) إلى البشرية كاملة شاملة، وقد
استطاع(عليه السلام) بحكمته وحسن إدارته وتأييد الله تعالى له أن يجعل من هذه
الأمة أمة موحدة، وقد تضافر عن رسول الله(صلى الله عليه وآله) أنه صان هذه الأمة
من أن تزل أو تتفرق وتضل بعد الهداية والأصلاح بما خلفه من العترة الطاهرة الأئمة
الاثني عشر(عليهم السلام)؛ ليكونوا مصدرالوعي والايمان من بعده(صلى الله عليه
وآله)؛ لأنهم (عليهم السلام) قد ورثوا تعاليم النبي(صلى الله عليه وآله) وبذلوا كل
ما بوسعهم من جهد لصون الرسالة المحمدية، فكانت جهوده (صلى الله عليه وآله)
وجهودهم (عليهم السلام) خلود الدعوة رغم المعوقات الكثيرة والتيارات المختلفة التي
حاولت طمسها وإخفات صوتها، يقول الإمام الرضا (عليه السلام): (الحمد لله الذي حفظ
منا ما ضيع الناس، ورفع منا ما وضعوه، حتى لقد لعنا على منابر الكفر ثمانين عاماً،
وكتمت فضائلنا، وبذلت الأموال في الكذب علينا، والله تعالى يأبى لنا الا أن يعلي
ذكرنا ويبين فضلنا، والله ما هذا بنا، وانما هو برسول الله (صلى الله عليه وآله)
وقرابتنا منه، حتى صار أمرنا وما نروي عنه أنه سيكون بعدنا من أعظم آياته، ودلالات
نبوته)[44]،
يقول محمد حسين الصغير:
وان شمت في التاريخ حرمان حقكم تأوبني ليلٌ من الهم سافع
لقد دفعتكم عن علاكم معاشر لها الله في يوم القيامة دافع
وقد نازعتكم في الإمامة عصبة يطول لها عند الحساب التنازع
وقد قارعتكم بالسيوف.. وانما لإطفاء دين الله ذاك التقارع
وقد مانعوكم عن حقوق كثيرة ففي ذمة التاريخ ذاك التمانع[45]
ففي هذا النص يبين الشاعر سوء الأوضاع العامة
التي عاشها الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) آنذاك، فهوأحد أئمة أهل
البيت(عليهم السلام) وأحد الثقلين اللذين تركهما الرسول(صلى الله عليه وآله) قدوة
للأمة ونوراً للأجيال على مدى الدهر، وقد اجتمعت فيه جميع فضائل الدنيا، وجميع
عناصر التقوى والصلاح، برز تقدمه على كافة أهل عصره، فقد تحلى بآداب النبوة،
ومحاسن الإمامة، واشتهر بكمال الفعل والعلم والزهد والشجاعة[46]،
ولم ير في عصره من هو أفضل وأتقى منه(عليه السلام)، أعبد أهل زمانه، وأكثرهم طاعة
لله تعالى، (كان الامام يجلس في المحراب ويسجد، فأنام وانتبه وهو ساجد )[47]،
وأنه أعلم أهل عصره وأفضلهم، لا في شؤون الشريعة وأحكام الدين فحسب، بل في كافة
العلوم على اختلافها (عقلية ونقلية )[48]
يقول: بختشوع المسيحي عن الإمام(عليه السلام): (وهو أعلم في يومنا هذا ممّن هو تحت
السماء)[49]،
وكذلك يظهر الشاعر ظلامة التاريخ لأهل البيت(عليهم السلام) وحكام عصره، لقد حاولوا
طمس الدين الإسلامي والعودة إلى الحياة الجاهلية، ولكن بعلم الإمام(عليه السلام) وفكره وجهاده ظلت راية الإسلام خفاقة رغم كل من أراد طمسها
واندثارها، ويلفت الشاعر أنظارنا نحو التاريخ الذي لم ينصف الإمام(عليه السلام) من خلال سيطرة النظام الجائرالذي لا يحكم بتعاليم الدين الإسلامي،
ويقول يبقى حق الإمام(عليه
السلام) في ذمته ليوم تجازى فيه الأنفس.
ويذكر علي بن عيسى بأنّ آل
البيت هم أهل الطهارة والتقوى؛ إذ يقول:
دار بحمد الله قد أسست على
التقى والشرف الأظهر[50]
يبين الشاعر هنا أنّ الإمام
الحسن العسكري(عليه السلام) مثال فذ للانطباع الخلقي المتكامل في تكوينه الخلقي
والخلقي المتأصل، شخصية انسانية جامعة لظواهر ذاتية كريمة، شأنه بذلك شأن آبائه
الأئمة المعصومين الأطهار، فالإمام (عليه السلام) نبعة من تلك الشجرة الثابت أصلها
في السماء، والمتشابكة الفروع في الأرض، تؤتي أكلها كل حين، وترمي بثمارها
للقاطفين، وبذلك أمدت العالم أجمع بأعرق شمائل الإنسان المتحضر، ومهدت السبيل أمام
الخلق الكريم، بما تأصلت به سمات العظمة والقداسة والطهر والشرف.
ويهدي محمد حسين الصغير تحياته
وسلامه للإمام (عليه السلام) نابعة من صدق الحب والولاء؛ إذ يقول:
أبا الحجة المهدي ألف تحية يبلّغها قلب من الوجد خاشع
تلوح عليه للولاء أمارة ويطبعه في ميسم الحب طابع
يلومونني في حبكم وألومهم على بغضكم يا بُعْدَ ما أنت صانع[51]
تتعالى صيحات الحبّ والولاء
الصادق النابع من صدق العقيدة والمعتقد بحبّ الهداة المهديين الذي غرسه الله في
قلوب المؤمنين الصادقين، فالشاعر يجد أنّ حبّ الإمام(عليه السلام) إنما هو ما جبل
عليه وفطر، حب يجري بدمه وقلبه، حبّ صاف لا غبار فيه ولا طمع، حبّ لما هو أهله، بل
يتعجب الشاعر كيف يلومه الناس على حبّه للإمام (عليه السلام) وهو أهل للحب، ويتوجه
اليهم فيقول كيف تبغضون سبط رسول الله وابن ريحانته؟ فماذا تكون نتيجة بغضكم
وكراهيتكم لآل البيت(عليهم السلام) وهم أقرب إلى الله ورسوله(صلى الله عليه وآله).
ويقف علي بن عيسى متحيراً لما
يتسم به الإمام(عليه السلام) من هيبة ومقام عال حيث الشرف كل الشرف، فما الذي
يستطيع أن يقوله إذا كان ربُّ السماء قد بنى لآل الرسول (صلى الله عليه وآله) مجداً وسؤدداً، فيقول:
عرّج على من جدّه صاعد ومجده عال على المشتري[52]
فالشاعر يصف انبهاره وتعجبه
بمعاني العظمة وجلالة القدر وعلو الشأن، الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) عترة
المصطفى (صلى
الله
عليه
وآله) والصفوة المختارة من الله (جل جلاله)، إمام يهدي بالحق وإليه
يرشد، تتشرف المنابر وتصدح بالحق الذي هو أهله (عليه السلام)، فلا يقاس مجده بشيء،
فقد علت سماتهم وأخلاقهم كواكب السماء وأفلاكها، وأشرقت أنوارهم الزاهرة إشراقاً
أخجلت كواكب الليل والنهار، والسماء وما فيها والارض ومن عليها، وقد بلغت هيبة
الامام وعظمته في نفوس الناس حداً لا يوصف، بيد أنّ ساجنه بمجرد أن ينظر اليه
الإمام(عليه السلام) يرتعد خوفاً وفزعاً، (إنّ المؤمن يخشع له كل شيء، وإنّ من
يخاف الله يخاف منه كل شيء، حتى هوام الأرض وسباعها، وطيور السماء)[53]،
بل نجد أنّ ما يتسم به الإمام(عليه السلام) له تأثير كبير في نفوس أعدائه وساجنيه
إذ انقلبوا من بغضه والحقد عليه إلى حبه والإخلاص له، وهذا التعظيم والتبجيل
للإمام(عليه السلام) من قبل الباري تعالى انما هو من مكارم أخلاقه وحسن صفاته،
يقول الراوندي: (له جلالة وهيبة حسنة، يعظمه العامة والخاصة اضطرارا، يعظمونه
لفضله ويقدمونه لعفافه وصيانته وزهده وعبادته وصلاحه وإصلاحه)[54]،
وقد وصل تأثير الإمام(عليه السلام) بسيرته العملية والخليقة إلى قاعدة واسعة من
طبقات الأمة؛ إذ أسلم على يده من النصارى صاعد بن مخلد، لما رأى من حسن سمعته
ودلائله[55].
المبحث الثالث: التخطيط المحكم للإمام الحسن العسكري(عليه
السلام) لدولة القائم (عجل الله تعالى فرجه الشريف)
عاش الإمام العسكري (عليه
السلام) طيلة فترة الحكم العباسي محاطاً من الحصار والرقابة، ووقعت على عاتقه مهمة
صعبة ومسؤولية كبرى في حفظ الشريعة والإمامة، فهو يعلن في الوقت الذي يجده مناسباً
عن ولادة المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، فهو يؤصل لمفهوم الغيبة الصغرى والكبرى؛
إذ يدرب الموالين على أخذ التعليمات عن الامام بصورة غير مباشرة، وهو يبرمجها على
فلسفة ظهور الفرج، ويؤكد الإمام لأخذ الحذر والحيطة من الانخداع بالانتفاضات التي
سوف تحدث حين يكون الإمام في الغيبة الكبرى، ومن هنا كان مهمة الإمام الحسن
العسكري (عليه السلام) في إعداد الأمة لهذه المرحلة يتطلب جهداً كبيراً، يقول
الإمام الحسن العسكري (عليه السلام): (انّ ابني هو القائم من بعدي، وهو الذي يجري
فيه سنن الأنبياء بالتعمير والغيبة حتى تقسو القلوب لطول الأمد، فلا يثبت على
القول به الاّ من كتب الله (عزّ وجلّ) في قلبه الإيمان وأيده بروح منه)[56].
ومن الجدير بالذكر ,انّ خلفاء بني العباس في بداية العصر العباسي الثاني تبادرت
لهم معلومات بأنّ الأئمة من قريش وأنهم اثنا عشر إماماً، أولهم أمير المؤمنين علي
بن أبي طالب(عليه السلام)
وآخرهم محمد المهدي(عجل الله تعالى فرجه الشريف)، وكانوا كلما قرب العهد من ظهور
المهدي(عجل الله تعالى فرجه الشريف)
ازداد قلقهم وكثر ظلمهم؛ خوفاً من جلاء حكمهم على يديه، إذ إنهم على يقين بأنّ
جلاء حكم الظالمين يكون على يديه، فكان هذا هاجساً يثير في نفوسهم الرعب والفزع،
لا سيما وقد قرب الإعلان عن إمامته. ومن هنا فإنّ الإمام العسكري (عليه السلام)
عمل جاهداً على كتم خبره طيلة ولادته(عجل الله تعالى فرجه الشريف)
والتمهيد لغيبته؛ إذ كان العمل السري المنظم الأداة الفعالة لهذه الغيبة التي
تحتاج من الإمام العسكري(عليه السلام)
التخطيط الدقيق لها تماشياً مع الوضع السياسي آنذاك، لذلك المعنى يقول محمد حسين
الصغير:
اباؤك دين تعبت عليه في تشييده لتحقق الآمال والأوطارا
الغرّ العظام تعاهدوا غرساً له. وتكفلوا الأعمارا
وسقت دماؤهم ثراه فأزهرت جناته. وتدفقت أنهارا[57]
ويصرح علي بن عيسى أنّ الامام
الحجة المنتظر(عجل الله تعالى فرجه الشريف) هو الذي ينصر المظلوم ويأخذ له الحق من
الظالم؛ إذ يقول:
خليفة الله على خلقه والآخذ للحق من الظالم
العادل العالم أكرم به من عادل في حكمه عالم
مطهر الأرض ومحيي الورى العلوي الطاهر الفاطمي
ناصر دين الله كهف الورى محيي الندى خير بني آدم
الصاحب الأعظم والماجد الأكرم والمولى أبو القاسم
وصاحب الدولة يحيى بها ممتحن في الزمن الغاشم
والنافذ الحكم فرعيا له وجاده الوابل من حاكم[58]
ففي هذا النص يبين الشاعر ظهور
المهدي(عليه السلام) بعد انقضاء زمن الغيبة حين تلقي الأمر من الباري (عزوجل)
بالظهور، واصفا خاتم الأئمة(عليه السلام) بانه إمام عدل يبدد الجهل والظلام والجور
والفساد، يظهر الحق ويدحض الباطل ويظهر الدين كله ولو كره المشركون، ينجي العالم
من براثن الاوهام والضلالات والفتن والاهواء، يوحد كلمة الله في دولة الإسلام،
وكأن الشاعر يجسد ما رواه ابن سعيد الأشعري بقوله: (دخلت على أبي محمد بن الحسن بن
علي(عليه السلام)، وأنا أريد أن أسأله عن الخلف من بعد، فقال لي مبتدياً: يا أحمد
بن اسحاق، إنّ الله تبارك وتعالى لم يخل الأرض منذ خلق آدم، ولا يخليها إلى أن
تقوم الساعة من حجة لله على خلقه، به يدفع البلاء عن أهل الأرض، وبه ينزل الغيث،
وبه يخرج بركات الأرض. فقلت له: يابن رسول الله، فمن الإمام والخليفة من بعدك؟
فنهض (عليه السلام)
مسرعا فدخل البيت، ثم خرج وعلى عاتقه غلام كأن وجهه القمر ليلة البدر، من أبناء
ثلاث سنين، فقال: يا أحمد، لولا كرامتك على الله عزوجل، وعلى حججه ما عرضت عليك
ابني هذا، انه سمي باسم رسول الله(m) وكنيته، الذي يملأ الأرض قسطا وعدلا كما
ملئت جورا وظلما، يا أحمد مثله في هذه الأمة مثل الخضر، ومثل ذي القرنين، والله
ليغيبن غيبة لا ينجو من الهلكة فيها الاّ من ثبته الله على القول بإمامته، ووفقه
فيها للدعاء بتعجيل فرجه)[59]،
فالإمام المهدي(عليه السلام) الأمل المنشود الذي يقضي على طواغيت العصر من
العبودية والظلم، وهو معجزة الإسلام الكبرى.
الخاتمة
اتسمت الخاتمة بنتائج أهمها:
1- كشفت الدراسة حقائق وقضايا
مصيرية ظهرت جلياً في عصر الإمام الحسن العسكري (عليه السلام)؛ إذ اتسمت المفارقات
والمظالم في أجهزة النظام العباسي، كانت سبباً من أسباب التكتم والحذر عند سياسة
أهل البيت(عليهم السلام) لأجل حفظ الرسالة السماوية وتطبيقها في حدودها الصحيحة،
فهي ليست عملاً جسدياً، بل فكراً وعلماً وتكويناً إلهياً لحمل تلك الرسالة
وتنفيذها بحسب ما تقتضيه الارادة الإلهية والمصلحة العامة.
2- وضحت الدراسة بعض ما اتسم به
الإمام(عليه السلام) من قيم ومزايا الإيمان، وشجاعة آل البيت: هي
التعبير عن الفكرة والعمل بكل عزم وارادة في الدفاع عن الحق وتحقيق العدل، وليس
غريباً أن يكون أهل البيت أعدل الناس بل الغريب أن لا
يكونوا، فأخبارهم في حُسن أخلاقهم، وعدالتهم
وكرمهم الذي لا حدود له.
3- إنّ للشعر دوراً كبيراً
ومهماً في الكشف عن حقائق مهمة؛ إذ بينّ الشعراء أبعاد هذه الشخصية (عليه السلام) وما تحمل من مزايا وقيم رفيعة، وأخلاق عالية، والتأكيد على إظهار
تلك السمات من ملامح العظمة والهيبة والخلق الرفيع في شخص الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) انما هو تبيان للمسيرة الجهادية للإمام العسكري (عليه السلام) في
تثبيت أصول الفكر الإسلامي وترسيخ مبادئ أهل البيت (عليهم السلام) والدور الجهادي
في بناء دعائم الثورة المهدوية، بتخطيط مبني على قاعدة صلبة ومؤيد من الباري
(عزوجل) لإعلاء كلمة الله تعالى في الأرض لنشر العدل ودحض الباطل.
4- إنّ حبَّ الإمام(عليه
السلام)يتعلق بحب أحد الثقلين اللذين أوجب الرسول (صلى الله عليه وآله) بأمته التمسك بهما حتى يردا الحوض، وجعلهم أماناً لأهل الأرض كما
إنَّ النجوم أمان لأهل السماء كسفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلَّف عنها غرق وهوى،
لقد جعل الشاعر الكلام يدور على لسان النبي (صلى الله عليه وآله)
وكيف أوصى المسلمين بأن يتمسكوا بحبّ آل البيت: فهم الأئمّة من بعده
وهم الباب الذي يأخذون منه كل علم وفكر وهداية.
5- وكما درج الشعراء شعرهم في
مدح الإمام العسكري (عليه السلام)، فقد مدح آل البيت:، وحاول الشاعر أنْ يعط
الامام بعض حقه من خلال شعرهم الذي تناولوا فيه فضل هذه العترة الطاهرة التي تمثل
الامتداد الطبيعي لرسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقد خصهم الباري (عزّوجلّ)
بمنزلة جليلة وقدر عظيم، فهم العترة الطاهرة ومعدن الرسالة وبيت النبوة.
6- إنَّ هذا الفهم لطبيعة
الاعتقاد عند الشاعر تجعلنا لا نستغرب أو نتعجب مما جاء به من أشعار، فالشاعر
ينطلق من اعتقاد من أول القصيدة ليعود إلى اعتقاده في نهايتها ليشكل حلقة الالتزام
الفكري والعقائدي بصورة شعرية، وتراوحت تبعاً لنفسية الشاعر وما تأجج في أعماقه من
حب وولاء للإمام صاحب الكرامات والمناقب التي ورثها عن آبائه وأجداده العظام،
فيصور ملامح العظمة والقدرة في خوض غمار الأحداث والتيارات المعادية لأهل
البيت(عليهم السلام)؛ إذ استطاع الامام(عليه السلام) ان يبني دولة المهدي(عجل الله
تعالى فرجه الشريف) بما أوتي من مؤهلات مثلى.
7- أبانت الدراسة المهام الصعبة
التي تكفل بها الإمام الحسن العسكري(عليه السلام) في بناء الدولة المهدوية والتي
بناها على حذر وسرية تذكرنا بدعوة الرسول الأعظم (عليه السلام)، حيث تقتضي المصلحة
الإلهية بتلك السرية حفاظا لنور الإسلام، وانّ الامام المهدي(عجل الله تعالى فرجه
الشريف) هو آخر الأئمة الاثني عشر لحمل رسالة الإسلام، ومهما عملت الأنظمة الجائرة
لإطفاء نور الإسلام فأبى الله الا إن يتم نوره؛ لأجل ذلك اقتضت المصلحة أن تكون
الغيبة للإمام(عجل الله تعالى فرجه الشريف) لحين الفرج.
قائمة المصادر
المراجع:
القرآن الكريم
1) ابن خلكان، أحمد بن محمد، وفيات
الأعيان، منشورات الشريف الرضي، قم، 1364هـ.
2) ابن شهرآشوب، محمد بن علي،
المناقب (مناقب آل أبي طالب)، الحيدرية، النجف، 1375هـ.
3) ابن منظور، محمد بن مكرم، لسان
العرب، دار صادر، بيروت، ط1، 1416 هـ.
4) الإربلي، علي بن عيسى، ديوان
الصاحب بهاء الدين، تحقيق كامل سلمان الجبوري، الينابيع، ط1، 2006.
5) الإربلي، علي بن عيسى، كشف
الغمة في معرفة الأئمة، مطبعة النجف، النجف، 1358هـ.
6) البهبهاني، محمد باقر، الدمعة
الساكبة في أحوال النبي والعترة الطاهرة، مؤسسة الاعلمي، ط1، 1989م.
7) الراوندي، الخرائج والجرائج،
مؤسسة الإمام المهدي(عليه السلام)، ط1، 1409هـ.
8) الشافعي، محمد بن يوسف، كفاية
الطالب في مناقب علي بن أبي طالب(عليه السلام)، طهران، ط3، 1404هـ.
9) الشاكري، حسين، موسوعة المصطفى
والعترة الهادي، ط1، 1420هـ.
10) الصدوق، محمد بن علي، عيون
أخبار الرضا(عليه السلام)، مؤسسة الأعلمي، بيروت، ط1، 1984م.
11) الصغير، محمد حسين، الإمام
الحسن العسكري(عليه السلام) وحدة الهدف، مؤسسة البلاغ، ط1، 2012 .
12) الطبرسي، الفضل بن الحسن، أعلام
الورى بأعلام الهدى، مؤسسة آل البيت(عليهم السلام)، قم، ايران، ط1، 1417هـ.
13) العاملي، السيد محسن الأمين،
أعيان الشيعة، مطبعة الانصاف، بيروت، 1368 هـ.
14) القرشي، باقر شريف، حياة الإمام
العسكري، مطبعة النعمان، النجف، 1980م.
15) القرشي، باقر شريف، سيرة الرسول
وأهل بيته الأطهار(عليهم السلام)، دار المحجة البيضاء، ط1، 2013
16) القزويني، محمد كاظم، الإمام
الحسن العسكري من المهد إلى اللحد، قم، 1413هـ.
17) القمي، الشيخ عباس القمي،
الأنوار البهية في تواريخ الحجج الإلهية، دار الأضواء، بيروت، ط1، 1417هـ.
18) القندوزي، سليمان بن إبراهيم،
ينابيع المودة، تحقيق سيدعلي الحسيني، دار الأسوة، ايران، ط1، 1416هـ.
19) الكليني، محمد بن يعقوب، أصول
الكافي، دار الكتب الإسلامية، طهران، 1397 هـ.
20) لجنة التأليف، أعلام الهداية،
التعاونية، بيروت، ط6، 2009.
21) المجلسي، محمد باقر، بحار
الأنوار، دار الكتب الإسلامية، طهران، 1385هـ.
22) المجلسي، محمد باقر، بحر
الأنساب (مصور)، مصور في مكتبة أمير المؤمنين(عليه السلام).
23) المسعودي، علي بن الحسين، مروج
الذهب، مؤسسة الأعلمي، بيروت، ط1، 2000 م.
24) المفيد، محمد بن محمد بن
النعمان، الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد، بيروت، ط2، 1993.
25) النيسابوري، محمد بن عبدالله
الحاكم، المستدرك على الصحيحين، نشر دار المعرفة، بيروت، لبنان.
26) هياجنة، محمود، الاغتراب في
القصيدة الجاهلية دراسة نصية، الكتاب الثقافي، عمان، الأردن، 2005.