خصَائِصُ الْأُسْلوب فِي كُتُبِ الْإمَامِ الْحَسَنِ الْعَسْكَرِيِّ (عليه
السلام) إِلَى موَالِيِهِ
Stylistic
Features in Imam Al-Hasan Al-Askari's (PBUH) Letters to His Followers
م. د. علي
هادي محمد
مديرية
الوقف الشيعي في الديوانية
Lect.
Dr. Ali Hadi Muhammad
Shiite
Endowment Directorate in
Diwaniyah
م.م. زهراء
عدنان جاسم
مديرية
الوقف الشيعي في الديوانية
Asst. Lect. Zahraa Adnan Jassim
Shiite
Endowment Directorate in
Diwaniyah
الملخص:
يتناول هذا البحث خصائص الأسلوب
في كتب الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) التي بعثها إلى مواليه، مركّزاً على
المستويات الصوتية والتركيبية والدلالية، بعد تحليل البناء الفني لتلك الكتب. أظهر
البحث أن نصوص الإمام تميزت بأسلوب بلاغي متين، يجمع بين وضوح الدلالة، وبلاغة
التعبير، وترابط البناء؛ إذ جاءت مقدّمات الكتب بدعاءٍ رقيقٍ يدعو للزهد والهدى،
وغالباً ما تبدأ بـ(أما بعد) للانتقال إلى الغرض الأساس. كما كشفت الدراسة عن
معالم الاتساق الفني في النصوص، من خلال افتتاحيات محكمة، وأغراض واضحة، وخواتيم
بليغة ذات أثر، أما على المستوى الصوتي، فقد برز التوازن الإيقاعي والجناس
والتكرار، رغم الطابع الإبلاغي الغالب على النصوص. وأما على المستوى التركيبي،
لوحظ استخدام الجمل الفعلية والإنشائية، وتوظيف أدوات النحو لإيصال المقاصد بأعلى
درجات التأثير. وأخيراً، كشفت الدراسة على المستوى الدلالي عن معانٍ عميقة تعبّر
عن التوجيه الديني والروحي والتربوي، مستخدماً الاستعارات، والتشبيهات، والطباق،
بأسلوب محكم وبليغ.
الكلمات
المفتاحية: الْإمَام الْحَسَن
الْعَسْكَرِي، خصَائِصُ الْأُسْلوب، البناء الفني، المستوى الصوتي.
Abstract:
This study examines the stylistic features of
Imam Al-Hasan Al-Askari’s (PBUH) letters addressed to his followers.
They focus specifically on their phonological, syntactic, and semantic
dimensions following an analysis of their artistic structure. The study reveals
that the Imam’s texts are distinguished by a firm and
eloquent rhetorical style that harmoniously integrates clarity of meaning,
expressive eloquence, and structural coherence. The openings of these letters
typically begin with a tender supplication invoking asceticism and divine
guidance, followed by the transitional formula “as for what
follows” to shift smoothly into the primary purpose of
the letter.
The study further identifies clear markers of
artistic cohesion throughout the texts, manifested in carefully crafted
introductions, well-defined thematic objectives, and impactful, eloquent
conclusions. At the phonological level, the texts exhibit rhythmic balance,
along with effective use of (paronomasia or quasi-homonymy), and strategic repetition,
despite their predominantly didactic and expository nature. At the syntactic
level, the study notes a prominent use of verbal and performative sentence
structures, in addition to skillful deployment of grammatical particles and
constructions to convey intended meanings with maximum rhetorical force and
emotional resonance.
Finally, at the semantic level, the study
uncovers profound layers of meaning that embody religious, spiritual, and
ethical guidance. These are articulated through refined rhetorical devices such
as metaphor, simile, and antithesis all woven into a tightly structured and
highly eloquent discursive style. Together, these features affirm the Imam’s (PBUH)
exceptional mastery of Arabic rhetoric and his profound ability to fuse
spiritual instruction with unmatched linguistic artistry.
key words: Imam
Al-Hasan Al-Askari (PBUH), stylistic features, artistic construction, phonetic
level.
المقدمة
تناول هذا البحث مجموعة من
الكتب التي بعثها الإمام الحسن
العسكري (عليه السلام) إلى مواليه، بوصفها نماذج نثرية تنتمي إلى فن المكاتبات في
العصر العباسي، وتكشف عن أبعاد فكرية وأسلوبية متقدمة في الخطاب الديني والثقافي.
وقد اختير هذا الموضوع في ضوء ما شهده عصر الإمام من ازدهار معرفي واسع، أسهمت فيه
عوامل متعددة، أبرزها: نشاط حركة الترجمة، واتساع دائرة التأليف، وتنامي حضور
العلماء والأدباء في مختلف الحواضر الإسلامية، إلى جانب نشوء عدد من الكيانات
السياسية المستقلة عن السلطة العباسية المركزية، مما أسهم في تنشيط الحركة الفكرية
وتنوعها.
ورغم هذا الاتساع الثقافي، ظلّ
أهل بيت النبوة (عليهم السلام) في موقع الريادة العلمية؛ إذ لم يحجب الرقي العام
دورهم، بل ساعد في إبراز تفردهم المعرفي، وتأكيد مكانتهم في مختلف الفنون والعلوم.
ومن حيث التحديد الزماني والمكاني، تركزت الدراسة على مدينة سرّ من رأى في تلك
الحقبة؛ لما كانت تمثله من مركز علمي بارز، يؤمه طلاب العلم لتلقي المعارف الدينية
واللغوية والأدبية، إلى جانب اهتمامها بالعلوم التطبيقية كالطب والعروض.
وقد اعتنت الدراسة بالبناء
الفني لرسائل الإمام الحسن العسكري (عليه السلام)، مع تحليل خصائصها الأسلوبية في
مستوياتها الصوتية والتركيبية والدلالية، سعياً إلى الكشف عن ملامح التميز البلاغي
والفكري في تلك النصوص، وربطها بسياقها التاريخي والثقافي، وإبراز دورها في تشكيل
الوعي الديني والأدبي لدى المتلقين.
أولاً: البناء
الفني لكتب الإمام الحسن العسكري (عليه السلام)
إن
المتتبع لكتب الإمام (عليه السلام)، قد يجد اختلافاً ملحوظاً في بناء تلك النصوص،
ولا يعزى هذا الاختلاف إلى اختلاف الأسلوب بل إلى الغرض من الكتاب أو إلى إشكاليات
الرواية التي لا تنقل النص كاملاً، فتحذف مقدماته وخواتمه، وتكتفي بموضوع الشاهد
منه، وبعض الكتب وصلتنا مكتملة البناء الفني ومثل هذا النوع من الربط الفنّي في
هذه النصوص، يتكون من جمل متتابعة، هذه المتتاليات تمتلك أبنية كبرى تعد وحدها من
الناحية النظرية نصوصاً[1].
وإذا أردنا أن نبيِّن موضحات
الربط في الاتساق النّصّي بين العناصر الأساسية -الافتتاح والخاتمة والغرض- لزم أن
نقف على أنواع الربط بينها:
مقدمة كتب الإمام
الحسن
جاء في افتتاح كتابه (عليه
السلام) إلى بعض مواليه: «اسْتَوْهبُ اللهِ لَكُمْ زَهَادَةً فِي الدُّنْيَا
وَتَوْفِيقاً لَمَّا يَرْضَى، وَمَعُونَةً عَلَى طَاعَتِهِ وَعِصْمَةً عَنْ
مَعْصِيَتِهِ، وَهِدَايَةً مِنَ الزَّيْغِ وَكِفَايَةً، فَجَمْعٌ لَنَا
وَلِأَوْلِيَائِنَا خَيْرَ الدَّارَيْنِ»[2].
يتضح من هذا النص أن الإمام
(عليه السلام) ابتدأ كتابه إلى مواليه بالدعاء (والمعنى في الدّعاء في المكاتبات
التودّد والتحبّب؛ وهو من الافتتاحات الحسنة[3] التي
يوظفها الإمام حيث يجمع بين جمال الأسلوب والبعد الديني المتمثل في ما تحمله
المقدمة من نصح وإرشاد في ترك الدنيا والزهد فيها، والحث على طاعة الله والتزام
تعاليمه ونبذ معاصيه، وهذا الدعاء بما يحمله من وصايا وارشادات يوصل المتلقي إلى
النتيجة المرجوة، وهي: أن يجمع الله سبحانه وتعالى الأئمة الأطهار (عليهم السلام)
بأصحابهم، وهذا ما يضمن لهم الفوز بخير الدارين، وهما الدنيا والآخرة، وقد وظف
النص طاقة اللغة في رسم خارطة طريق واضحة للمؤمنين المخاطبين، بدءاً من الأفعال
السلوكية، إلى الصحبة الحسنة، إلى النتيجة المرجوة، وهي الفوز، فقد هيأت هذه
المقدمة ذهن المتلقي ووجهت انتباهه إلى ما يريد النص في غرضه الأساس، أما الجانب
النفسي لمثل هذه المقدمات فقد تحقق في ما ذكره أبو هلال العسكري أنَّ الأصل أنْ
يأتي الكاتب في أوّل الكتاب بحسن الافتتاح المطلوب في سائر أنواع الكلام من نثر
ونظم مما يوجب التحسين؛ ليكون باعثاً على الإصغاء لما يليه، ويتحقق حسن الافتتاح
في المكاتبات إلى معنيين، الأوّل أن يكون الحُسنُ فيه راجعاً إلى المبتدأ به، إما بالافتتاح بالحمد
لله كما في بعض المكاتبات؛ لأن النّفوس تتشوّق إلى الثناء على الله تعالى، أو
بالسلام الذي جعله الشارع مفتتح الخطاب أو نحو ذلك. وإذا كان الابتداء
حسنا بديعا، ومليحا رشيقا جذاباً، كان داعية إلى الاستماع لما يجيء من الكلام.
والثاني أن يكون الحُسنُ فيه راجعا إلى ما يوجب التحسين. كسهولة اللفظ، وصحة
السبك، ووضوح المعنى، وتجنّب الحشو، وغير ذلك من موجبات التحسين[4].
عرض الكتب
تعددت أساليب عرض الموضوع في
كتب الإمام الحسن (عليه السلام) بحسب الغرض من الكتاب، فمنها ما يباشر غرضه
مباشرةً، ومنهم ما يقدم له بمقدمات مناسبة تهيئ ذهن المتلقي لتقبل الخطاب الذي
يتضمنه الكتاب، ومن أساليب الإمام (عليه السلام) في كتبه قوله: (أَمَّا بَعْدُ
فَقَدْ بَلَغَنِي مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ اخْتِلَاَفِ قلُوبكُمْ، وَتَشَتُّت
أَهْوَائِكُمْ، وَنَزغ الشَّيْطَانُ بَيْنَكُمْ حَتَّى أَحَدَث لَكُمِ الْفِرْقَةُ
وَالْإلْحَادُ فِي الدِّينِ)[5].
وبعد أن أتَمَّ الإمام(عليه
السلام) دعاءه لمواليه انتقل إلى غرضه بواسطة اللازمة اللفظية أما بعد، وهي:
«تستعمل في صدور المكاتبات والولايات وربما استعملت في ابتدائها. وهي مركّبة من
لفظين أحدهما (أما) والثاني (بعد). فأما (أما) حرف شرط و(بعد) ظرف زمان إذا أفرد
بُنِيَ على الضم»[6]،
فقد جرت عادة الأدباء بعد الافتتاح في المكاتبات أن يستعملوا أمّا بعد.
وهي لازمة لفظية يُستعان بها للانتقال من جزء إلى جزء آخر في الكتاب، وفي هذا النص
انتقل الإمام (عليه السلام) إلى غرضه، وهو بيان حال الأصحاب وحثهم على طاعة الله
ولزوم سنة نبيه (صلى الله عليه وآله).
وبهذه اللازمة يضمن الكاتب إثارة انتباه المتلقي وتركيز اهتمامه على ما سيأتي من
كلام، فبنية النص الفني تدل على أن ما بعد هذه اللازمة هو الغرض من الكتاب فهذه
اللوازم البنائية من العنوان أو المفتتح تقوم بدور تأويلي فعال؛ لأنه يتحكم في
تحديد الرؤية ويؤسس علاقة التغريض ذلك، أما مفهوم التغريض فإنه يتعلق بالارتباط
الوثيق بين ما يدور في الخطاب، النص وأجزائه، وبين عنوان الخطاب أو نقطة بدايته،
ومن ثمَّ فإنّ الخطاب مركز جذاب يؤسسه منطلقه، وتحوم حوله بقية أجزائه[7].
ولو نظرنا إلى أحد كتبه (عليه السلام) الموجهة
لبعض الموالين الذين يحملون الحقوق إليه وإلى أبيه من قبله من بلاد إيران، نجد
أنّه يحمل مضامين عدة، نحاول الإحاطة ببعضها عند ذكر النص الذي جاء فيه: «بِسْمِ
الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيم مِنْ الْحسْن الْمِسْكِين لله رَبّ الْعَالَمِينَ
إِلَى شِيَعَته الْمَسَاكِين أَمَّا بَعْدُ فَالْحَمْدُ لله عَلَى مَا نَزَل
مِنْهُ وَنَشْكُر إِلَيْكُمْ جَمِيل الصَّبْر عَلَيْهِ وَهُوَ حَسْبُنَا فِي
أَنَفْسُنَا وَفِيكُمْ وَنِعْمَ الْوَكِيل، ردُّوا مَا مَعَكُمْ لَيْسَ هَذَا
أوَان وُصُولهِ إِلَيْنَا، فَإِنَّ هَذَا الطَّاغِية قَدْ بَثَّ عَسَسَهُ
وحَرَسَهُ حَولَنا، وَلَوْ شِئنَا مَا صدّكُمْ وَأَمْرنَا يردّ عَلَيْكُمْ
وَمَعَكُمَا صُرَّةٌ فِيهَا سَبْعَة عَشر دِينَارَا فِي خرْقَةٍ حَمْرَاء، لأيوب
بْن سَلِيمَانِ الْآبي فَرَدّاهَا عليه، فَإِنَّهُ مُمتحَنٌ بِمَا فَعْلَهُ،
وَهُوَ مِمَّنْ وَقف عِنْدَ جِدِّيّ مُوسَى بْن جَعْفَرِ(عليه السلام)
فَردّا صُرَّتَهُ عَلَيْهِ، وَلَا تخبروهُ»[8].
تكشف بنية هذا النص عن جملة مضامين عدة كما أشرنا سابقاً: منها المضامين
الاجتماعية، تكشف عن تواضع تلك الشخصية العظيمة؛ إذ يصف نفسه بالمسكين، ثم لا
ينفصل عن بيئة اتباعه، ليكون فرداً من جماعة الشيعة المساكين؛ أما المضامين
السياسية والأمنية، فالنص يكشف عن حرص الإمام على أصحابه وشيعته، ويكشف لهم خيوط
المؤامرة التي تنسجها السلطة العباسية على الإمام وشيعته، ولم يكتف الإمام (عليه
السلام) بالتنبيه والتحذير؛ بل رسم خطة التواصل الآمنة التي تحفظ للموالين
السلامة. ومن المضامين الإنسانية التي كشفها النص، هي إعادة أموال (أيوب بن
سليمان)؛ لأنَّه بحاجة إليها. وقد أتم وأكد الإمام الحسن (عليه السلام) كتابه هذا
بكتاب آخر هو: « قَد انْفذنَا إِلَيْكُمَا إبلاً غَيْرَ إِبِلِكُمَا، فاحْملَا
مَا قبَّلَكُمَا علَيْهَا وَأخْلِيَا لَهَا السَّبِيل، فَإِنَّهَا وَاصِلَةٌ
إليَّ»[9]،
إضافةً إلى المضامين التي حملها النص السابق، فإنَّ هذا النص يحمل مضامين
معرفية خفية، تدل على خصوصية المعصوم (عليه السلام)، فبعد أن كشف المؤامرة وخلص
شيعته منها، جاء الدور لبيان طريقة إيصال الحقوق إلى مستحقيها دون أن تلحظ زبانية
السلطة وعسسها، وكان ذلك بطريقة غريبة؛ إذ أرسل الإمام مع هذا الكتاب إبلاً دون
سائق أو راعٍ يوصلها إليه، فوصلت هذه الإبل وما تحمل –وما لا تحمل[10]-
من حقوق إلى الإمام.
- خاتمة الكتب
قال: (عليه السلام): (وَكِتَابي
هَذَا حُجَّة عَلَيْهمْ وَحُجَّة لِغَائِبكُمْ عَلَى شَاهِدكُمْ إِلَّا مَنْ
بَلَغهُ فَأَدَّى الْأمَانَة، وَأَنَا أَسْأَل الله أَنْ يَجْمَع قلُوبكُمْ عَلَى
الْهُدَى، وَيَعْصِمكُمْ بِالتَّقْوَى ويُوَفِّقكُمْ لِلْقَوْل بِمَا يَرْضَى، وَعَلَيْكُمْ السّلام وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته)[11].
إنَّ كل بليغ يختتم كلامه،
أيّاً كان مقصده، بأحسن الخواتم؛ لأنها آخر ما يعلق في الأسماع، وربما حفظت من بين
سائر الكلام؛ لقرب العهد بها، لذا اجتهد البلغاء في رشاقتها وحلاوتها، وفى قوتها
وجزالتها، وينبغي تضمينها معنى تاماً يشعر السامع بأنها الغاية والمقصد والنهاية[12]،
فجاءت خاتمة كتابه (عليه السلام) تامة شاملة لكل مضامين الكتاب تكشف عن ذلك
التماسك الشديد بين الأجزاء المشكِّلَةِ لنصٍ، أو خطاب ما، ويهتم فيه بالوسائل
اللغوية (الشكلية التي تصل بين العناصر المكونة لجزء من خطاب أو خطاب برمته)[13].
يتجلّى التماسك النصي في هذا
المقطع من خلال الترابط الدلالي بين عناصره؛ إذ يبدأ بتقرير حجّية الكتاب، ثم
ينتقل إلى الدعاء، مما يربط الغرض بالختام. وتُوظَّف أدوات الربط مثل (إلّا)
و(وَأَنَا)، و(وَعَلَيْكُمْ) لتوحيد البنية وتوجيه المعنى. كما يظهر التماسك الإحالي
في الضمائر (عليهم)، (غائبكم)، (قلوبكم)، التي تربط المخاطبين بالنص وتُحافظ على
وحدة الخطاب. ويُعزّز التكرار البنائي والدعائي الانسجام بين الغرض والخاتمة، مما
يجعل النص وحدة متماسكة شكلاً ومضموناً.
ومن أساليب بنية نص كتب الإمام
الحسن (عليه السلام) ختمه باسمه ونسبه (عليه السلام)؛ إذ قال: «أَعُوذُ باللهِ
مِنْ قَوْمٍ حَذَفُوا مُحْكَماتِ الكِتابِ، وَنَسُوا اللهَ رَبَّ الأرْبابِ،
وَالنَّبِيّ وَساقِيَ الكَوْثَرِ فِي مَواطِنِ الحِسابِ، وَلَظَى وَالطَّامَّةَ
الكُبْرَى، وَنَعيمَ يَوْمِ المَآبِ، فَنَحْنُ السَّنَامُ الأَعْظَمُ، وَفِينا
النُّبُوَّةُ وَالإمامَةُ والكَرَمُ، وَنَحْنُ مَنَارُ الهُدَى وَالعُرْوَةُ
الوُثْقَى، وَالأنْبِياءُ كَانُوا يَغْتَرِفُونَ مِنْ أَنْوَارِنا، وَيَقْتَفُونَ
آثارَنا. وَسَيُظْهِرُ اللهُ مَهْدِيَّنا عَلَى الْخَلْقِ، وَالسَّيْفَ
المَسْلُولَ لإِظْهارِ الحَقِّ.
وَهَذَا خَطُّ الحُسْنِ بْن
عَلي بْن مُحَمَّد بْن عَلي بْن مُوسَى بْن جَعْفَرِ بْن مُحَمَّد بْن عَلي بْن
الحِسَّيْنِ بْن عَلِيِّ أَميرِ المُؤْمِنِينَ»[14]. إنَّ هذا التذيل بنسب الإمام الكامل وصولاً إلى الإمام (عليه السلام)
بشخصه وصفته، يضفي على النص بعده القدسي؛ إذ يرتبط بالسلسلة الذهبية الحامية للدين
والمدافعة عن مبادئه، وكأنَّه يوحي للمتلقي أن هذه العقيدة الحقة متصلة بالنبي
الأكرم (صلى الله عليه وآله)، إضافة إلى الجانب العقائدي يظهر هذا التذييل جانباً
توثيقياً يخدم غرض الكتاب الذي يحمل بين سطوره أبعاداً تاريخية (زمكانية) تمر من
عصر النبوة إلى المستقبل حيث البشارة بظهور الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه
الشريف).
وكشفت عناصر البناء الفني عن
التماسك النصي الذي لا يتقق بغير ترابط العناصر الأساسية الثلاثة (الافتتاح والغرض
ثم الخاتمة)، فلا بد أن تأتي هذه العناصر متضافرة؛ لتكون نسيج النص الذي يبنى
عليه، وظهرت براعة
الإمام (عليه السلام) في التنقل بين هذه العناصر ولحصول هذا الاتساق لا بدَّ أن
يكون الكاتب متدرجاً من بداية الخطاب حتى نهايته، مرورا بالغرض منه، مع رصد
الضمائر والإشارات المحلية الإحالة القبلية والبعدية[15].
ثانياً: خصائص
الأسلوب في المستوى الصوتي:
في هذا الجزء من البحث نتناول
التوازن الصوتي في كتب الإمام الحسن (عليه السلام).
لا بوصفه ترفاً فنياً، بل وسيلة إبلاغية مؤثرة، كما في قوله: «قَدْ صَعدَنَا
ذُرَى الْحَقَائِقِ بِأَقْدَامِ النُّبُوَّةِ والولايَةِ، وَنَوَّرَنَا السَّبْعَ
الطَّرَائِقَ بِأَعْلَاَمِ الْفُتُوَّةِ والهِدَايةِ، فَنَحْنُ لُيُوثُ الْوَغَى
وَغُيُوث النَّدَى، وَفِينَا السَّيْفُ وَالْقَلَمُ فِي الْعَاجِلِ، وَلِوَاءُ
الْحَمْدِ وَالْعِلْمُ فِي الْآجِلِ، وأسبَاطُنا وحُلفاءُ (خُلَفَاءُ) الدِّينِ،
وَمَصَابِيحُ الْأُمَمِ وَمَفَاتِيحُ الْكَرَمِ، فَالْكَلِيمُ أُلبِسَ حُلَّةَ
الْاِصْطِفَاءِ لَمَّا عَهِدَنَا مِنْهُ الْوَفَاءَ، وَرُوحُ الْقُدْسِ فِي
جِنَّانِ الصَّاقُورَةِ، ذَاقَ مِنْ حَدَائِقِنَا الْبَاكُورَةَ، وَشِيعَتُنَا
الْفِئَةُ النَّاجِيَةُ وَالْفِرْقَةُ الزَّاكِيَةُ صَارُوا لَنَا رِدْءاً
وَصَوْناً، وَعَلَى الظّلمَةِ إِلباً وَعَوْناً،وَسَيُحفَرُ لَهُمْ يَنَابِيعُ
الْحَيَوَانِ بَعْدَ لَظَى النِّيَرَانِ»[16].
إنَّ تحليل المستوى الصوتي هو
أحد أبرز مستويات التحليل الأسلوبي للنصوص، حيث يكشف عن قوة الطاقة الإيقاعية
وجمالية المفردة الكامنة في بنية النص، ويكتسب هذا المستوى أهمية خاصة في أدب
المكاتبة التي تعتمد على الموسيقى الداخلية لتحقيق أثرٍ إبلاغي ومعنوي عميق، وهذا
ما نجده جلياً في كتابه (عليه السلام) هذا على مستوى الإيقاع الداخلي الذي يتأسس
على الجناس الصوتي بنوعيه الكامل والناقص، مثل: (ليوث/ غيوث، وخلفاء/ حلفاء)، فقد
منح هذا التكرار الجزئي للحروف انسجاماً صوتياً ويمنح النص صبغة سمعية مؤثرة[17]،
وعلى مستوى التوازي الصوتي واللفظي تظهر البنية التكرارية في تراكيب مثل: (السيف
والقلم/ لواء الحمد والعلم) و(مصابيح الأمم/ مفاتيح الكرم) وهو ما أعطى النص
تناغمه الصوتي، وقد كان للتكرار الصوتي للحروف الجهرية (مثل: ق، غ، ض، ظ) التي
توحي بالقوة والعظمة، والحروف المهموسة (مثل: س، هـ، ف) التي تمنح النص نغمة خافتة
أقرب إلى الخشوع الروحي، أمّا تصاعد الأصوات يرافق تصاعداً معنوياً: (ذرى الحقائق،
السبع الطرائق، جنان الصاقورة) فالصوت «في معظم الحالات هو مفتاح التأثيرات
الأخرى»[18]،
وكل هذه المميزات الصوتية التي أوضحها التحليل الصوتي لهذا النص كشف عن بنية
إيقاعية متكاملة تجمع بين الجمالية اللفظية والدلالة الرمزية؛ كونه وسيلة رمزية
للتوصيل تثير معنى إدراكياً[19]،
مما يعزز من فاعلية النص في التأثير في المتلقي، فالتوازن الصوتي في القول العربي،
يشمل فن القول الأدبي شعراً ونثراً بشكل لافت، ونعني بالتوازن: «تعادل فقرات
الكلام وجمله كما في النثر المزدوج، أو شطري البيت الواحد، من حيث الإيقاع والوزن»[20]،
ففي هذا النص، يتجلّى صوت الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) بوصفه حاملاً لراية
النبوة والولاية، وموجّهاً خطابه إلى شيعته بوصفهم الفئة المصطفاة والفرقة
الزاكية. ويُفعّل التحليل الصوتي أثراً نفسياً عميقاً؛ إذ تتآلف الإيقاعات
والنبرات مع المعاني الروحية والبطولية، فتوقظ في وجدان المتلقي شعوراً بالعزة
والانتماء والاصطفاء. وتُضفي خصائص الحروف والتراكيب الرمزية امتداداً تأملياً
يفتح أفقاً من السمو، فيغدو النص تجربة وجدانية تُعاش بالصوت كما تُدرك بالمعنى،
ويترسّخ في نفس الشيعي بوصفه ردءاً للحق وصوناً للولاية.
ثالثاً: خصائص
الأسلوب في المستوى التركيبي
وفي هذا المستوى سنتناول
التركيب النحوي لكتابين كتبهما الإمام (عليه السلام)، الأول لتوكيل إبراهيم بن
عبدة، والثاني كتاب أرسله لتأكيد موضوع الكتاب الأول:
الكتاب الأول: (وَبَعْدُ:
فَقَدْ نَصَبتُ لَكُمْ إِبراهِيِمَ بْن عَبْدَةَ لِيَدْفَعَ إلَيهِ النواحِي
وَأَهَّلُ نَاحِيَتَكَ حُقُوقِي الْوَاجِبَةَ عَلَيْكُمْ، وَجَعَلَتُهُ ثِقَتِي
وَأَمينِي عِنْدَ مَوَّالِي هُنَاكَ، فَلَيَتَّقُوا اللهَ جَلَ جَلَالهُ،
وَلَيُرَاقِبُوا، وَلَيُؤَدُّوا الْحُقوقَ، فَلَيْسَ لَهُمْ عُذْرٌ فِي تَرْكِ
ذَلِكَ، وَلَا تَأخِيره، َلَا أَشْقَاكُم اللهُ بِعِصْيَانِ أَوْلِيَائِهِ،
وَرَحِمَهُم اللهُ وَإِيَّاكَ مَعَهُمْ بِرَحْمَتِي لَهُمْ، إِنَّ اللهَ وَاسِعٌ
كَرِيمٌ)[21]
الكتاب الثاني: (وَكِتَابِي
الَّذِي وَرْدَ عَلَى إِبرَاهِيمَ بْنِ عَبْدَةَ بِتَوْكِيلِي إِيَّاهُ بِقَبْضِ
حُقُوقِي مِنْ مُوَالِيِنَا هُنَاكَ، نَعَمْ هُوَ كِتَابِي بِخُطِّي إِلَيْهِ،
أَقمْتُهُ لَهُمْ بِبَلَدِهِمْ حَقاً غَيْرَ بَاطِلٍ، فَلَيَتَّقُوا اللهَ حَقَّ
تُقَاتِه، وَلَيُخْرِجُوا مِنْ حُقُوقِي، وَلَيَدْفَعُوهَا إِلَيْهِ، فَقَدْ
جَوَّزتُ لَهُ مَا يَعْمَلُ بِهِ فِيهَا، وَفَّقَهُ اللهُ، وَمَنَّ عَلَيْهِ
بِالسَّلَاَمَةِ مِنَ التَّقْصيرِ بِرَحْمَتِهِ)[22].
تتألف الجملة العربية من مفردات
مترابطة فيما بينها على وفق نسقٍ معين يطلق عليه التركيب؛ إذ لا يمكن للألفاظ
المفردة أن تقوم بوظيفتها الدلاليّة الإفهاميّة إلاّ عند تآلفها في سياق لغويّ
معين، وهذا ما أوضحه عبد القاهر الجرجانيّ (ت472هـ) الذي عني بنظم الكلم عناية
بالغة؛ كونه الفيصل في الوصول إلى المعاني المفيدة والدلالات البليغة؛ إذ يقول:
«الألفاظ لا تفيد حتى تؤلف ضرباً خاصّاً من التأليف، ويُعمد بها إلى وجهٍ دون وجه
من التركيب والترتيب»[23]؛
لأنّه النسيج الذي تتآلف فيه الكلمات في قوالب لغوية لتفصح عن مكنونات المبدع
وأفكاره، وتجسّد قدرته، ومزايا نصه الأدبيّ الجمالية والبلاغية.
ولعلّ المعنى يمثّل العامل
الأبرز في التباين الصياغي التركيبي، فعنده تتجلى قيمة التركيب النحوي في ترتيب
الألفاظ على وجه يقتضيه تناسق الدلالة وتلاقي المعاني؛ إذ «ليس الغرض بنظم الكلم
أن توالت ألفاظها في النطق، بل إذا تناسقت دلالتها وتلاقت معانيها على الوجه الذي
اقتضاه العقل»[24]،
وهذه القيمة تكون في أسمى درجاتها الوظيفية حينما تدخل الأثر الشعري مؤثِّرة في
معناه، فالغرض من النحو لا يقف عند حدِّ رفع الكلمات أو نصبها أو جرّها، بقدر
إيراده للمعنى الحسن باللفظ الحسن[25]،
فالنحو بوصفه أداةً أسلوبية أصبح عنصراً ذا حساسية في تجديد الخصائص التي تربطه
بمبدعٍ معين؛ لأنّها تعطيه من الملامح ما يميّزه من غيره[26]،
وفي نصوص الإمام(عليه السلام)
سابقة لذكر نلحظ أنَّ التراكيب النحوية تكاد تكون متساوية من حيث الطول، إلا أن
الخطاب في المكتوب الثاني يختلف عن الخطاب الأول من حيث الدلالة، كون الأول أرسله
الإمام والمخاطب خالي الذهن من مضمون الخبر؛ لذلك جاء الخطاب خالياً من المؤكدات،
فقد افتتح خطابه بحرف التحقيق: (قد بعثت لكم إبراهيم بن عبدة) والجملة الفعلية،
بينما يبدأ النص الثاني بالجملة الاسمية (وكتابي الذي ورد على إبراهيم بن عبده)،
وكان لاختلاف الافتتاح هذا أغراضاً بلاغية منحتها طبيعة التركيب النحوي «لأن
الدلالة على التجدد تكون بالجملة الفعلية، وعلى الثبات بالجملة الاسمية»[27]،
وهذا ما يتماشى مع طبيعة موضوعيّ الكتابين، فلما كان المُخاطَب في الأول خالي
الذهن لم يحتج المُخاطِب إلى أن يؤكد الخبر من خلال الجملة الاسمية وما تحمله من
دلالة على الثبوت والاستقرار، بل اكتفى بسبق الخبر بحرف التحقيق (قد)، وهو ما لا
يحتاجه مع الجملة الاسمية لأن؛ (الْجُمْلَة الاسمية فَإِنَّهَا
مَوْضُوعَة للدلالة على مُجَرّد الثُّبُوت مُجَرداً عَن قيد التجدد والحدوث)[28].
وإذا ما تتبعنا بناء الجمل في
الكتابين تجد نص تكليف إبراهيم بن عبده من قبل الإمام (عليه السلام). قال في النص
الأول: (جعلتَهُ ثقتي وأميني) والجملة في النص الثاني: (أقمتُهُ لهم
ببلدِهم حقاً غيرَ باطل)، فالنص الأول استعمل الإمام (عليه السلام) الفعل
(جعل) «والجعل تغيير صورته بإيجاد الأثر فيه وبغير ذلك، ألا ترى أنك تقول جعل
الطين خزفا وجعل الساكن متحركا، وتقول عمل الطين خزفا ولا تقول عمل الساكن متحركا؛
لأن الحركة ليست بأثر يؤثر به في الشيء»[29]،
وهذا المعنى يتناسب مع دلالة الجملة الفعلية الدالة على التغيير، فجعل فلان بهذه
المنزلة تدل على تغيير حاله من حال سابق لم يألفه القوم؛ لذلك سألوا عن مصداقية
الخبر، وهذا ما جعل الإمام (عليه السلام) يستعمل في النصِّ الثاني الفعل (أقمته)
بما يحمله هذه اللفظ من تأكيد على منصب الشخص، فيقال: «ويقال: قام
بالأمر
وأقام الأمر: إذا حفظه ولم يضيع شيئاً منه»[30]،
وجاء في الكليات: (وَخلف فلَان فلَانا: قَامَ بِالْأَمر إِمَّا
بعده وَإِمَّا مَعَه)[31]،
ولم يتوقف الفرق بين دلالة التركيبين على المعنى الفائض من استعمال
الأفعال، بل نجد أن في التركيبين اختلافا على مستوى استعمال الضمائر.
وإذا ما أردنا الوقوف على خصائص
الأسلوب لكل نص لوجدنا في النص الأول غلبة الفعلية على الاسمية، ما يضفي على النص
طابعاً حركياً وعملياً، توظيف الجمل الطلبية (الأمر): لأغراض الحث والتوجيه، وهذا
شائع في الرسائل الإدارية الدينية، التكرار التركيبي للأمر والنهي (فلي.../
ولا.../ ليراقبوا): يخلق إيقاعاً نحوياً يوحي بالسلطة والتوجيه المباشر، استخدام
ضمائر المخاطب والجمع: يشير إلى علاقة مباشرة بين المرسل والمخاطبين، ما يمنح النص
طابعاً شخصياً مؤثراً، كثافة شبه الجمل: (عند موالي/ إليهم/ في ترك ذلك) توظف
للتحديد المكاني والزمني.
أما خصائص التركيب في النص
الثاني فهو قائم على التراكيب الطويلة المتداخلة وهيمنة الجمل الفعلية: مما يعطي
النص حيوية وحركية ويرسّخ فعل التكليف والتنفيذ، والتكثيف في الأفعال المبنية
للمعلوم والمجهول: مثل (بعثت، أقمت، فليتقوا، ليخرجوا) يدل على تعدد أنماط الفاعلية،
استخدام واضح للضمائر: يعزز الأثر لمقام المعصوم في الناس، ويوجه الخطاب نحو
المتلقين، توالي الجمل الأمرية والإنشائية والدعائية، مما يخلق إيقاعاً خطابياً
ديناميكياً فيه توجيه وتفويض وتنبيه ودعاء.
وإذا ما انتقلنا من التركيب إلى
دلالته نجد الفرق بين كتابي الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) في توظيف أدوات
التوكيد التي تكشف عن طبيعة المخاطبة وسياقها. ففي الكتاب الأول، يخاطب الإمام جهة
خالية الذهن من مضمون الخبر، فجاء التركيب بجملة فعلية مسبوقة بحرف التحقيق «قد»،
مما يدل على التجدد والاكتفاء بالإعلام دون حاجة إلى تثبيت إضافي. أما في الكتاب
الثاني، فالنص يبدأ بجملة اسمية: «وكتابي الذي ورد على إبراهيم بن عبده...»،
ويُعزَّز التوكيد فيه بعبارة تقريرية صريحة: «نعم، هو كتابي بخطي إليه»، وهي إجابة
ضمنية على تساؤل أو تردّد في ذهن المتلقي حول صحة التوكيل الوارد في الكتاب الأول،
وكأن الإمام يردّ على من يسأل أو يشكك، فيؤكد له بصيغة تقريرية حاسمة.
هذا التوكيد لا يُعدّ مجرد
تثبيت بلاغي، بل هو عنصر تماسك نصي يُعيد ربط الخطاب السابق بالحالي، ويمنح النص
الثاني وظيفة توثيقية تُعزز الثقة وتُزيل اللبس. فعبارة (نعم، هو كتابي...) تُضفي
على النص طابعاً حوارياً ضمنياً، وتُظهر براعة الإمام في استشراف موقف المتلقي،
والرد عليه دون أن يُصرّح بالسؤال، مما يجعل التماسك بين النصين قائماً على
التتابع المنطقي والتفاعل الضمني، ويُرسّخ دلالة الثبات والشرعية في مضمون الرسالة
الثانية.
وعلى وفق ما تقدم يكشف التحليل
التركيبي لهذه النصوص عن بنية نحوية متماسكة تدعم أهمية الرسالة الدينية والخطاب
التوجيهي إلى جماعة محددة، على وفق بنى خطابية مختلفة المستويات بأسلوب فعّال يجمع
بين الأوامر والنفي والدعاء، مما يعكس توازناً بين التكليف والترغيب، في بنية
نحوية غنية بالتراكيب المتداخلة والتوازن الأسلوبي.
رابعاً: خصائص
الأسلوب في المستوى الدلالي
يعد المستوى الدلالي حصيلة
مضمون الوحدات اللغوية المكونة للنص[32]،
آخذين بالحسبان الفضاءات التي تسهم في إنتاج النص، وهذه الوحدات تستدعي استحضار
وظائف اللغة، المتمثلة بـوظيفة الاتصال والوظيفة الشعرية مع الالتفات إلى أن كلا
الوظيفتين تتحقق بفعل النظام التركيبي للجملة وتوظيفه، فإنّ أيّ تغيير يترتب عليه
بالضرورة تغير في الدلالة وانتقالها من مستوى إلى مستوى آخر[33]،
آخذين بالحسبان أنّ «الألفاظ تختلف في دلالتها الإيحائية التخييلية الذاتية
باختلاف رصيد الخبرات عنها»[34]،
وفي هذا الموضع من البحث نرصد المضامين البلاغية الرفيعة في بعض الإمام الحسن
العسكري (عليه السلام) كما في قوله (عليه السلام): «فرجع أكثركم القهقرى على
أعقابكم، تنكصون كأنَّكم لم تقرؤوا كتاب الله جلّ وعزّ، ولم تعنوا بشيءٍ من أمره
ونهيه»[35]،
يحمل بعداً دلالياً كاشفاً عن سمة خطابية قائمة على التوبيخ الشديد النبرة؛ إذ
إنَّه يصور حالة من التراجع والانكفاء بعد الهداية، ويوظّف صوراً بلاغية قوية
للكشف عن هذا التراجع، كما يحفّز لديهم الانتماء الديني من خلال الإشارة إلى كتاب
الله وأوامره ونواهيه، فالنص تضمن أساليب بلاغية متعددة منها: الاستعارة التصريحية
في قوله: (فرجع أكثركم القهقرى على أعقابكم)، واستعمل هذه الرجوع على الأعقاب
للتعبير عن الضلال بعد الهداية، والصورة ذاتها تمثلت في الجملة الثانية
(تنكصون...)، فالنكوص والرجوع بما يحملانه من تجانس دلالي يحملان الدلالة نفسها
التي يعرض النص لها، أمّا أسلوب التشبيه التمثيلي في جملة (تنكصون كأنكم لم تقرؤوا
كتاب الله جلّ وعزّ)، فالمشبَّه هم المخاطبون الذين عبّر عنه بضمير المخاطب (كم)
والمشَّبه به مَنْ لم يقرؤوا القرآن، وعبّر عنه بضمير الغائبين، وأداة التشبيه (كأن)،
ووجه الشبه مذكور وهو النكوص، فرسم النص لوحة متكاملة عن مستوى التخاذل والتراجع
الذي يمر به الموصوفون بالنص، وقد شكلت المقابلة بين (أمره ونهيه) بين مقابلة
معنوية؛ إذ تلمسنا طباقاً بلاغياً يبيّن شمولية الرسالة الإلهية، ويُبرز تقصير
المخاطَبين؛ إذ تجلّى في هذا النص خطاب بلاغيّ مكثف، يجمع بين الصورة الفنية
والخطاب الديني، فيستنكر الانحراف والتراجع عن المبادئ الإلهية باستعارات وتشبيهات
حية، تنقل القارئ من المعنى المجرد إلى مشهد حركي حي، وقد اعتمد النص على أدوات
بلاغية متينة كالتشبيه، والاستعارة، والطباق، لخلق أثر توبيخي لا يُنسى في نفس
المتلقي.
وفي نص آخر نجد أنَّ الإمام
(عليه السلام) يوجه خطابه إلى أصحابه؛ إذ يذكرهم بالحقيقة التي نشأوا عليها،
والفطرة التي فطرهم الله عليها وهي حب العترة، كما في قوله: «وغرس في قلوب
أسلافكم الماضين وأصلابكم الباقين، حب العترة الهادية»[36]،
وهذا النص يحمل دلالة الترسيخ العميق؛ إذ حب العترة ليس عاطفة عابرة، بل هو
أصل ثابت متجذّر في النفس والهوية، وعبّر عن ذلك من خلال الاستعارة التصريحية؛ إذ
استعار الإمام لفظ الغرس للتعبير عن طيب المنبت الذي استقر في قلوب الموالين لهم
(عليهم السلام)، فحبُّ العترة قد غرس في قلوبِ هذه الأجيال المتلاحقة وهذا الغرس
يستمر بالنمو والانتشار بمرور الزمن. ومن أمثلة الكناية التي وردت في هذه الكتب الشريفة
قوله (عليه السلام): «واجتنوا ثمرات ما قدموا، ووجدوا غبّ ما أسلفوا»[37]،
وهي كناية عن الفوز العظيم الذي حظي به من اكتمل إيمانهم بحب العترة الطاهرة
واتباع فكرها علماً وعملاً، أمّا الطباق بين (الماضين/الباقين) فهو طباق زماني
يكشف عن عمق الحب والولاء والانتماء لأهل البيت (عليهم السلام)، فهذه النصوص رغم
قصر جملها، تحمل ثقلاً دلالياً وبلاغياً عالياً، على المستوى الدلالي والبلاغي؛ إذ
تشير إلى أن محبة أهل البيت مغروسة بعمق في النفس والدم، وهي متوارثة وجزء من
الهوية الدينية، وتكتنز عدة صور بيانية، منها الطباق الزمني، والتوازن التركيبي،
ما يجعلها نصوصاً مؤثرة ومتماسكة فنياً.
خاتمة البحث
وفي ختام هذه الدراسة توصلت
الدراسة إلى نقاط عدة، من أهمها:
أولاً: وقع اختيارنا على مجموعة من كتب الإمام الحسن(عليه السلام) القصيرة، وهذا
الاختيار كشف عن الخصائص المشتركة لهذه النصوص التي تدل على صدورها من شخص واحد؛
لأنها تحمل الأسلوب نفسه.
ثانياً: إنّ طبيعة هذه الكتب إبلاغية هدفها إيصال التعليمات الدينية؛ لذا وجدنا أن
لغتها تبتعد عن الإيحاء أو الغموض.
ثالثاً: رغم الظروف المشددة، فقد تميز أسلوبه بالجمال اللغوي والاستعارات والمعاني
العميقة. كان خطابه جامعاً للإقناع والبساطة في الوقت ذاته، متماسكاً وبليغاً رغم
السرية المفروضة عليه
رابعاً: لم تحفل هذه النصوص كثيراً بالجانب الصوتي، وهذا يتناسب مع طبيعة موضوع
النص الذي يهدف إلى إبلاغ مراد الإمام من دون تكلف.
خامساً: وظف الإمام (عليه السلام) وسائل التعبير الفنية اللغوية، والصوتية،
والبلاغية لتثبيت عقيدة اتباعه ورسم معالم الهوية الواضحة لمدرسة أهل البيت (عليهم
السلام).
قائمة المصادر
والمراجع:
1) أ.أ. ريتشادز، مبادئ النقد
الأدبي والعلم والشعر، ترجمة: محمد مصطفى بدوي، مراجعة لويس عوض وسهير القلماوي،
المجلس الأعلى للثقافة، ط1، 2005م.
2) الجرجانيّ، عبد القاهر(ت471هـ)،
أسرار البلاغة، تعليق محمود محمد شاكر، مطبعة المدني، القاهرة، ط1، 1412هـ، 1991م.
3) الجرجانيّ، عبد القاهر، دلائل
الإعجاز في علم المعاني، صحّح أصله محمد عبده ومحمد محمود التركزي الشنقيطي، صحّح
طبعه ووضع حواشيه محمد رشيد رضا، دارالكتب العلمية، ط1، بيروت، لبنان، 1409هـ،
1988م.
4) حسين، مزاحم مطر، رسالة الإمام
الحسن العسكري(عليه السلام) إلى إسحاق بن إسماعيل النيسابوري دراسة في بناء النص
وخصائص الأسلوب، ضمن كتاب، الإمام الحسن العسكري(عليه السلام) إرث النبوة
والإمامة، وقائع المؤتمر العلمي الدولي الثاني، مركز تراث سامراء، 2022م.
5) خطابي، محمد، لسانيات النص مدخل
إلى انسجام الخطاب، المركز الثقافي العربي، بيروت، لبنان، ط2، 2006م.
6) سعيد، علوش، معجم المصطلحات
الأدبية المعاصرة، دار الكتاب اللبناني، بيروت، وسوشبريس، الدار البيضاء، ط1،
1985م.
7) الشامي، يوسف بن حاتم، الدر
النظيم في مناقب الأئمة اللهاميم، مؤسّسة النشر الإسلامي، الناشر مؤسسة النشر
الإسلامي، الموضوع سيرة النبي(صلى الله عليه وآله) وأهل البيت(عليهم السلام)،١٤٢٠،
هـ.ق.
8) صلاح، فضل، بلاغة الخطاب وعلم
النص، سلسلة كتب ثقافية شهرية يصدرها المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب،
الكويت، صدرت السلسلة في يناير 1978 بإشراف أحمد مشاري العدواني، 1923، 1990 م.
9) الطوسي، أبو جعفر، اختيار معرفة
الرجال المعروف برجال الكشي، تحقيق السيد مهدي الرجائي، مؤسسة آل
البيت (عليهم السلام)، 1984م.
10) عبد العزيز، عتيق، علم المعاني،
دار النهضة العربية للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، ١٤٣٠
هـ، ٢٠٠٩ م.
11) عبد المطلب، محمد، البلاغة
والأسلوبية، مطابع الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1984م.
12) العسكري، أبو هلال الحسن بن عبد
الله بن سهل بن سعيد بن يحيى بن مهران، الصناعتين: الكتابة والشعر، (ت نحو ٣٩٥هـ)،
المحقق علي محمد البجاوي ومحمد أبو الفضل إبراهيم، المكتبة العنصرية، بيروت، د.ط،
١٤١٩ هـ.
13) العسكري، أبو هلال الحسن بن عبد
الله بن سهل بن سعيد بن يحيى بن مهران (ت نحو ٣٩٥هـ)، معجم الفروق اللغوية =
الفروق اللغوية بترتيب وزيادة، المحقق الشيخ بيت الله بيات، ومؤسسة النشر
الإسلامي، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بـ «قم»، الطبعة الأولى،
١٤١٢هـ.
14) العلويّ، يحيى بن حمزة بن علي
بن إبراهيم الحسيني الطالبي الملقب بالمؤيد بالله (ت ٧٤٥هـ)، الطراز لأسرار
البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز، المكتبة العنصرية، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤٢٣هـ.
15) القرشي، باقر شريف، حياة الإمام
الحسن العسكري، دار الكتاب الإسلامي، بيروت، 1988م.
16) القلْقشندي، أحمد بن علي (ت ٨٢١
هـ)، صبح الأعشى في صناعة الإنشا، شرحه وعلق عليه وقابل نصوصه محمد حسين شمس
الدين، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، ط العلمية، ١٤٠٧ هـ، ١٩٨٧ م.
17) الكفوي، أيوب بن موسى الحسيني
القريمي أبو البقاء الحنفي (ت ١٠٩٤هـ)، الكليات معجم في المصطلحات والفروق
اللغوية، المحقق عدنان درويش، محمد المصري، مؤسسة الرسالة، بيروت، د.ط، د.ت.
18) ماهر، مهدي هلال، الأسلوبية
الصوتية بين النظرية والتطبيق، مجلة آفاق عربية، العدد 12، 17، سنة 1992م.
19) المجلسي، محمد باقر، بحار
الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار، منشورات مطبعة وزارة الإرشاد
الإسلامي، ط1، 1365هـ.
20) مجيد، عبد الحميد ناجي، الأسس
النفسية لأساليب البلاغة العربية، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع،
بيروت، لبنان، 1984م.
21) الميانجي، علي الأحمدي، مكاتيب
الأئمة، تحقيق ومراجعة مجتبى الفرجي، دار الحديث للطباعة والنشر، ط4، د.ت.
22) ناصف، مصطفى، نظرية المعنى في
النقد العربي، دار القلم، القاهرة، 1965م.
23) الهروي، أبو عبيد أحمد بن محمد
(ت ٤٠١ هـ)، الغريبين في القرآن والحديث، تحقيق ودراسة: أحمد فريد المزيدي، قدم له
وراجعه: أ. د. فتحي حجازي، مكتبة نزار مصطفى الباز، المملكة العربية السعودية،
الطبعة الأولى، ١٤١٩ هـ، ١٩٩٩م.