الدَّلالةُ التَّداوليَّةُ في خِطَابِ الإمَامِ الحَسَنِ العَسْكَريّ (عليه
السلام)
Pragmatic Meaning in the Discourse
of Imam Al-Hasan Al-Askari (PBUH)
أ.م.د. عبد
الهادي كاظم كريم
جامعة
بابل
كلية
التربية الأساسيَّة
Asst.Prof.Dr. eabd alhadi kazim
karim
University of Babylon
College of Basic Education
الملخص:
جاءَ هذا الجهدُ ليبحث في جانبٍ واحدٍ وفي علمٍ واحد من
العلومِ، بل في بابٍ من أبوابِ فروعها المتعددةِ التي أُثِرتْ عن العسكري(عليه
السلام)، وهو كلامُهُ المُقدَّس الذي وصل إلينا عبر الرواة والمصادر التاريخية
والأدبيَّة؛ ليستجلي بعضًا من الدلالات البلاغيَّة الرَّاقية التي انطوى عليها
خِطابُهُ، والمعانيَ الجميلة السَّامية التي أفادها في أثوابها اللفظيَّة
الزَّاهية البهيَّة التي تشِعُّ نورًا وإيمانًا وعقيدةً راسخة وخُلُقًا رفيعًا
وأدَبًا عظيمًا؛ فَوسِمَ بـ (الدَّلالة التَّداوليَّة في خِطابِ الإمامِ الحَسَنِ العَسْكَريّ(عليه
السلام).
وخطةُ
البحثِ ومنهجُهُ قاما على مبحثين، الأوَّل: ذكرنا فيه تعريفاتٍ ومفاهيمَ نظريَّةٍ
لمصطلحات البحث الأساسيَّة، هي: الدَّلالة، والخطاب، والتداولية، والأفعال
الكلاميَّة؛ والمبحث الثاني: قراءة ما ورد
عنه(عليه السلام) من أقوال، وبيان ما ورد
فيها من مظاهر تداوليَّة في خطابِهِ بحسب ورودها فيها، فيجري البحثُ،
فيتناولها بالدراسة والبيان والشرح والدلالة، ثُمَّ الانتقال إلى مثال آخر منها.
فكشف البحثُ
عن مظاهرَ خطابيَّة بلاغيَّة كثيرة جديرة بالاهتمام والتتبع والبحث على المستوى
اللفظيّ والمستوى الدلاليّ ضمن آفاقِ اللغةِ الرحبةِ وأساليبها البلاغيّةِ
المتنوّعةِ التي شكَّلت نسقًا يجاري أسلوبَ القرآنِ الكريمِ الفريدَ والمعجِزَ
الذي يَسَعُ ما لا يسعهُ أيُّ أسلوبٍ آخر غيرِهِ، وكذلك كشف لنا بعضًا من ملامحِ
سعةِ علمِهِ وطولِ باعهِ(عليه السلام)، في هذا النَّحْوِ من العلمِ وأصولِهِ
العلميّةِ التي يرجعُ إليها وهي اللغةُ والنحو والدلالةُ والبلاغة.
الكلمات المفتاحية: الإمام
الحسن العسكري(عليه السلام)، التداولية، الخطاب، الفعل الكلامي.
Abstract:
This scholarly endeavor focuses on a single aspect within a specific
discipline, on one particular domain among the manifold branches of knowledge
transmitted from Imam Al-Ḥasan
Al-Askari (PBUH), namely, his sacred utterances that have reached us through
reliable narrators and historical-literary sources. The study seeks to uncover
some of the elevated rhetorical significations embedded in his discourse and to
illuminate the sublime, beautiful
meanings he conveyed through resplendent and luminous verbal forms that radiate
faith, firm creed, noble character, and profound ethical refinement.
Accordingly, the study has been titled: “Pragmatic Meaning in the Discourse of Imam Al-Ḥasan Al-Askari (PBUH).
The study’s structure and methodology includes two main sections. The first
section introduces theoretical definitions and conceptual frameworks of the
study core terms: (meaning), (discourse), (pragmatics), and (speech acts). The
second section undertakes a close reading of the authenticated sayings
attributed to the Imam (PBUH), analyzing
the pragmatic features manifest in his discourse as they appear in the
transmitted texts. The study proceeds by examining each utterance in turn,
studying, explicating, interpreting, and uncovering its pragmatic implications,
before moving on to the next example.
The study revealed numerous rhetorical-discursive phenomena worthy of
scholarly attention, tracing their manifestations at both the lexical and
semantic levels within the expansive horizons of the Arabic language and its
diverse rhetorical devices. These stylistic features form a coherent system
that rivals, even echoes, the Quran’s unique and miraculous style, a mode of expression capable of encompassing dimensions of meaning unmatched by
any other linguistic form. Furthermore, the study has uncovered glimpses of the
Imam’s (PBUH) vast
knowledge and profound mastery in this domain of learning and its foundational
sciences, namely, language, grammar, semantics, and rhetoric.
key words:
Imam Al-Hasan Al-Askari (PBUH),
pragmatics, discourse, speech act
المُقَدَّمة
الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على خيرِ
رُسُلِهِ وخَلْقِهِ أجمعين أبي القاسم محمد المبعوثِ رحمةً للعالمين، وعلى آلهِ
الأئمةِ الطيِّبينَ الطاهرينَ المعصومينَ، وأصحابه الغُرِّ الميامينَ الذينَ لم
ينقلبوا على أعقابهمِ بعد حين.
أَمَّا بعدُ:
فإنّ أهلَ بيتِ رسول الله (صلى الله عليه وآله) هم معدنُ
العلمِ والفهمِ والمعرفةِ المتنوعةِ والعلومِ المشرعةِ على مشاربَ شتَّى وميادين َ
واسعة لا تقفُ عند حدٍّ مخصوص، بل تكادُ أن تشملَ كلَّ علمٍ وفن؛ لذا ينهلُ منها
كلُّ طالبٍ للعلمِ والفهمِ والحقيقةِ، ولا غرابةَ في ذلك؛ فهم أهلٌ لذلك، ورثوا
العلمَ عن آبائهم عن أجدادِهم عن رسولِ الله(صلى الله عليه وآله) عن الله سبحانه
وتعالى. والإمام العسكريّ(عليه السلام) فرعٌ من هذه الأرومةِ العظيمةِ، وعِمادٌ من
سلسلتِها الذهبيّةِ المعهودةِ عند المسلمين جميعاً، وعند غيرِهم أيضاً.
جاءَ هذا الجهدُ
ليبحث في جانبٍ واحدٍ وفي علمٍ واحد من العلومِ، بل في بابٍ من أبوابِ فروعهِا
المتعددةِ التي أُثِرتْ عن العسكري(عليه السلام)، وهو كلامُهُ المُقدَّس الذي وصل
إلينا عبر الرواة والمصادر التاريخية والأدبيَّة؛ ليستجلي بعضاً من الدلالات
البلاغيَّة الرَّاقية التي انطوى عليها خِطابُهُ، والمعانيَ الجميلة السَّامية
التي أفادها في أثوابها اللفظيَّة الزَّاهية البهيَّة التي تشِعُّ نوراً وإيماناً
وعقيدةً راسخة وخُلُقاً رفيعاً وأدَباً عظيماً؛ فَوسِمَ بـ (الدَّلالة
التَّداوليَّة في خِطابِ الإمامِ الحَسَنِ العَسْكَريّ(عليه السلام)).
وخطةُ البحثِ ومنهجُهُ قاما على مبحثين، الأوَّل: ذكرنا
فيه تعريفاتٍ ومفاهيمَ نظريَّة لمصطلحات البحث الأساسيَّة، هي: الدَّلالة، الخطاب،
التداولية، والأفعال الكلاميَّة؛ كي تعلق مفاهيمها في ذهن القارئ حين يطلع على
البحث أو يروم قراءته. والمبحث الثاني: قراءة ما ورد عنه(عليه السلام) من أقوال،
وبيان ما ورد فيها من مظاهر تداوليَّة في خطابِهِ بحسب ورودها فيها، فيجري البحثُ،
فيتناولها بالدراسة والبيان والشرح والدلالة، ثُمَّ الانتقال إلى مثال آخر منها،
وهكذا في كلِّ واحد منها إلى إتمام البحثِ ونهايته بعون الله تبارك وتعالى. وكانت
روافدُ البحثِ كتبَ اللسانيات، وكتب البلاغة العربيّة، وكتبَ الأدب العربي، وكتب
الدراسات اللغويَّة القديمة والحديثة والدراسات الأكاديميَّة والبحوث التي تتناوش
هذا العِلم بالبحثِ والدِّراسة.
فكشف البحثُ عن مظاهرَ خطابيَّة بلاغيَّة كثيرة جديرة
بالاهتمام والتتبع والبحث على المستوى اللفظيّ والمستوى الدلاليّ ضمن آفاقِ اللغةِ
الرحبةِ وأساليبها البلاغيّةِ المتنوّعةِ التي شكَّلت نسقاً يجاري أسلوبَ القرآنِ
الكريمِ الفريدَ والمعجِّزَ الذي يَسَعُ ما لا يسعهُ أيُّ أسلوبٍ آخر غيرِهِ،
وكذلك كشف لنا بعضاً من ملامحِ سعةِ علمِهِ وطولِ باعهِ (عليه السلام) في هذا
النَّحْوِ من العلمِ وأصولِهِ العلميّةِ التي يرجعُ إليها وهي اللغةُ والنحو
والدلالةُ والبلاغة على وفقِ أساليب العرب في كلامهم وطرق القول عندهم وأفانين البلاغة
في منطقهم. وأظهر البحث أنَّ أسلوبَهَ وبلاغتَهَ(عليه السلام) كانا منسجمين مع ما
يقتضيه الخطاب على وفق السياق التداولي، وغيرَ خارجين عن أساليب اللغة الفصحى،
وطرقِ العربِ في كلامِهم للتعبيرِ عن المعاني التي يقصدونها، بل لهما وجهٌ يمثِّل
أنموذجاً في الحسن، وينطويان على جوانبَ بيانيَّة وبلاغيَّة تمثِّلُ أنموذجاً
رفيعاً في الفصاحه والبلاغه، وكذلك في التفسير والمعنى، وأوضح البحثُ كذلك أنَّ
أقواله(عليه السلام) تعانقُ نصوص القرآن الكريم المعجزة في اللغةِ والخطاب
والأسلوب والبلاغةِ، وكذلك كلامُهُ وخطبُهُ، ولا عجبَ في ذلك مطلقاً فهو من آلِ
رسول اللهِ(صلى الله عليه وآله) الذين زُفُّوا العِلمَ زَقَّا.
وفي الختام، لا يسعني إلَّا أن أقولَ: مِنَ اللهِ تعالى
التوفيقُ، وآخرُ دعوانا أن الحمدُ للهِ ربِّ العالمين.
المبحث الأوَّل: الدَّلالةُ ومفهومُها
الدَّلالةُ في اللغةِ:
ذكر علماءُ اللغة القدامى أنَّ الدلالةَ بفتح الدَّالِ
وكسرِهِ مصدر الدَّليل[1]. وهو «ما
نستدلُ به، والدليل: المرشد إلى المطلوب.. ومنه: يا دليل المتحيِّرين أي هاديهم
إلى ما تزول به حيرتُهم – وقد دلَّهُ
على الطريق يَدُلُّهُ… أي سدّدهُ
إليه أَوصَلَهُ إلى معرفته بهِ»[2]. والدلالة
على الشيء «إظهار المدلول عليه»[3]. ومنه قولهم
«الدَّال على الخير كفاعله، ودلَّهُ على الصراط المستقيم»[4].
يتبين لنا مِن
هذه الأقوال أنها تعطي المعنى الذي في تعريف القدامى للقرينة في الاصطلاح؛ و«هذا
يعني أنهم لم يفرقوا من ناحية المعنى بين القرينة والدليل، من حيث إنَّ كليهما
يؤدي إلى المعنى»[5].
الدَّلالةُ في الاصطلاحِ:
عرَّفها الشريف الجرجاني (ت: 816هـ)، بأنها: «كون الشيء
بحالة يلزم من العلم به، العلم بشيء آخر، والشيء الأول هو الدال، والثاني هو
المدلول»[6]، هذا ولم
يبتعد هذا التعريف كثيراً عن التعريف اللغوي للدلالة.
والدلالة وحدة تقوم على العلاقة المتبادلة بين عنصرين
مرتبطين ارتباطاً وثيقاً، هما الدال من اللفظ أو غيره، وهو الشيء الذي إذا علم
بوجوده، استدعى انتقال الذهن إلى وجود شيء آخر هو المدلول أو المعنى، وهو العنصر
الثاني[7].
فاللغويون استعملوا الدلالة بوصفها قرينة لفظية، أو
معنوية تظهر في السياق، وجعلها النحاة علة من العلل الأربع والعشرين، وهي تعني
القرينة، ولذا قال ابن السراج (ت:316هـ): "ألا ترى أنَّك تقول: زيدٌ اضرِبْهُ، وزيدٌ تَضرِبُهُ،
فإن كان في موضع الفعل اسم فاعل، لم تقل إلا زيدٌ ضاربه أنا أو أنت؛ لأنّ في
تصاريف الفعل ما يدل على المضمر ما هو"[8].
وتوسع المتكلمون في معنى الدلالة، فهي عندهم قرينة
لفظية، أو معنوية، أو عقلية، أو وضعية، وقرروا هذه العلاقات من خلال المدلول،
والمدلول عليه، والعلاقة بينهما، فسمّوها: الدلالة اللفظية، والدلالة المعنوية،
وغير ذلك[9].
وذكر البلاغيون
عدَّة أوجهٍ للدلالة اسماها الجاحظ (ت: 255هـ) (وجوه البيان)؛ إذ قال: «وجميع
أصناف الدَّلالات على المعاني من لفظ وغير لفظ، خمسة أشياء لا تنقص ولا تزيد:
أولها اللفظ، ثم الإشارة، ثمَّ العقد، ثم الخطّ، ثُمّ الحال التي تسمى نصبةً،
والنِّصبة هي الحال الدّالة»[10].
يتبين لنا مما سبق أنّ الدلالة مصطلح قديم؛ إذ نجده
مستعملاً عند اللغويين وغيرهم من علماء العربية القدامى للتعبير عن المعنى، وله
قرائن تكشف عنه، تتمثل في السياقين اللفظي والحالي، يضاف لها الدَّلالة العقليَّة
التي قال بها المتكلمون.
مفهوم الدلالة عند المحدثين:
الدلالة لدى المحدثين أدق وأوسع مِمَّا كانت عليه قديما؛
إذ ارتبطت بعلم الدلالة (Semantics)، وهي تُعنى
بمعالجة قضايا الدلالة بمفهوم العلم ومناهجه الخاصة.
وتعني الدلالة في علم اللغة الحديث: «قدرة الكلمة
الواحدة في التعبير عن مدلولات متعددة»[11]، ويسمى
العلم الذي يتناولها علم الدلالة، وهو أحد فروع علم اللغة: «الذي يدرس الشروط
الواجب توافرها في الرمز حتى يكون قادراً على حمل المعنى»[12].
وأفاد العرب المحدثون مِمَّا جَدَّ من نظريات، وما
قُدِّم من بحوث في الدلالة[13]. وقد فُصِّل
القولُ في الفرق بين الدلالة والمعنى بشكل وافٍ جداً في رسالة الماجستير (البحث
الدلالي عند ابن سينا في ضوء علم اللغة الحديث(اللسانيات»[14]. ولم يبتعد
معنى مصطلح الدلالة عند القدماء عمَّا هو عند المحدثين، فهو لم يخرج عنه؛ بل يدور
في فلكه وأُفُقِهِ[15]،
ولكنَّ المحدثين توسَّعوا فيه كثيرا؛ فجعلوه عِلْماً قائماً بذاته، له أصوله
ومصطلحاته ومناهج بحثه الخاصة به.
التَّداوليَّة:
التداوليةُ جزءٌ من عِلْم أعم هو دراسة التعامل اللغويّ
الذي هو جزءٌ من التعامل الاجتماعيّ، وهذا ما ذكره أوستين(Austin)؛ إذ نَقَلَ
اللغة من المستوى اللغويّ إلى المستوى الاجتماعيّ الذي يدور في أُفُقِ التأثُّر
والتأثير[16].
فالتداولية تعنى بالاتصال اللغويّ ودراسته في إطاره الاجتماعيّ الذي له خصوصيَّات
تؤثر في الفعل الكلامي[17]،
فالتداوليَّة علمٌ يهتمُّ بدراسة اللغة الإنسانيَّة في الاستعمال، ويسعى إلى الكشف
عن المقدرة الإنجازيَّة في العبارة اللغويَّة، والتداوليَّة بحثٌ عن الدلالات التي
تنتجها اللغة في الاستعمال[18]،
وهي ظاهرة خطابيَّة وتواصليَّة واجتماعيَّة معاً[19].
وقيل إنَّ التداوليَّة جزءٌ من علم أعم هو دراسة التعامل اللغويّ بوصفه جزءا من
التعامل الاجتماعي، الذي ينتقل باللغة من مستواها اللغويّ إلى مستوى آخر هو
المستوى الاجتماعيّ في نطاق التَّأثُّر والتأثير[20]؛
فالتداوليَّة تدرسُ الاتصال اللغويّ في إطاره الاجتماعيّ؛ بالكشفِ عن الشروط
والمعطيات التي تُسهم في انتاج الفعل اللغويّ من ناحية، وتبحث عن فاعليَّته وآثاره
العمليَّة من ناحيةٍ أخرى[21]،
وهي تعنى بالقواعد اللازمة التي تلائم بين أفعال القول ومقتضيات المواقف الخاصة به
من خلال العلاقة بين النَّصِّ والسياق[22].
وكذلك فإنَّ التداوليَّة تَدرسُ الاستعمال اللغويّ في
الاتصال اللسانيّ على وفقِ المعطيات السِّياقيَّة والاجتماعيَّة؛ فتعنى بقضيَّة
التَّلاؤم بين التعابير الرَّمزيَّة والسِّياقات المرجعيَّة والمقاميَّة
والحَدَثِيَّة والبشريَّة[23]،
وكذلك تعنى بالدوافع النَّفسيَّة للمتكلِّمين، وردود أفعال المستقبلين، والنماذج
الاجتماعيَّة للخطاب، والألفاظ وشروط الصِّحة، والتحليل الحواريّ[24]،
والآثار الاجتماعيَّة والإنجازيَّة للغة، والنَّسق والعلامات والتأويل والسِّياق
الدَّاخليّ والخارجيّ، والإحالة، والأغراض والمقاصد، والخلفيَّات التأريخيَّة
والاجتماعيَّة والنَّفسيَّة والمعارف اللغويَّة كالأمثال[25].
وكذلك فإنَّ
التداوليّة تركز على الدلالة القصديَّة التي لا تتجلَّى إلَّا في الاتصال اللغويّ
الذي يضمّه مقامٌ محدد وحال معينة؛ لذلك تهتمُّ التداوليَّة باللغة التي يستعملها
المتكلم، وعوامل المقام التي تؤثّر في اختياره للأدوات والألفاظ والتراكيب
المعبِّرة عن مقصده ومراده[26].
وقد لَخَّصَ
جورج يول آفاق الدرس التداوليّ في أربعةِ مجالات، هي[27]:
1- دراسة المعنى الذي يقصدُه المتكلِّم، وكذلك دراسة
المعنى كما يفهمه السامع أو القارئ أو المخاطَب، وتحليل الألفاظ والكلمات
والعبارات والتراكيب.
2- دراسة المعنى السياقيّ ومعرفة ما يقصدهُ الناسُ في
سياقٍ معين وكيفيةٍ خاصَّة، وتأثير السياق في الكلام والقول، وهذا يتضمن آلية
الكلام أو النظم وهوية صاحب النص، ومعرفة أحواله: أين تكلَّم ؟ ومتى ؟ وفي أي
ظروف؟.
3- دراسة ما يحتمله النص من دلالة وإيصاله أكثر من معنى،
أي دراسة الكيفيَّة التي يصوغ بواسطتها المستمعون استدلالاتهم حول النص للوصول إلى
تفسير المعنى الذي يريدهُ المتكلِّم.
4- دراسة التعبير عن التباعد النسبيّ، فكل ما يقال،
ويتكلَّم به يرتبط بمفهوم التباعد(distance) الماديّ والاجتماعيّ والمفاهيميّ، وهذا
يعتمد على خبرة مشتركة بين المتكلِّم والمستمع.
الخطاب تعريفٌ ومفهوم
الخِطابُ في اللغةِ:
الخِطَابُ بكسر الخاء وتخفيف الطاء هو مراجعة الكلام،
وفعله(خَطَبَ) ومصدره خُطبةٌ من الكلام، وخِطبةٌ لطلب المَرأة[28]،
ويكون مصدراً للفعل (خاطبَ)، أي: خاطَبَهُ يُخَاطبهُ مخاطبةً وخِطاباً[29].
والخَطْبُ «الأمرُ يقع؛ وإنما سُمِّي بذلك لما يقعُ فيه من التخاطب والمراجعة»[30]،
وَخَاطَبَهُ أحسن الخِطاب: واجَهَهُ بالكلام[31]،
وقد خَاطَبَهُ بالكلام مخاطبةً وخِطَاباً، وهما يتخاطَبانِ، أي وجَّه أحدُهُمَا
كلاماً للآخر[32].
ففي المعنى اللغويّ يتجلَّى لنا أنَّ الخِطاب يتطلَّب مُخاطِباً ومُخَاطَباً
وكلاماً يُؤلِّف مادةَ الخِطَاب ومحتواه ودلالته، وهذه الأمور ما اصطُلح عليه
(أركان الخِطاب) كما سيتبين لنا في مفهوم الخِطاب ودلالته الاصطلاحِيَّين.
الخطاب في الاصطلاح:
يتَّصل مفهوم الخطاب الاصطلاحيّ بفهمومه اللغويّ، فقد
عُرِّف بأنَّه: «توجيهُ الكلام نحو الغير للإفهام، ثم نُقِل إلى الكلام المُوَجه
نحو الغير للإفهام، وقد يُعبَر عنه بما يقع به التخاطب»[33].
وقد ربَط علماء اللغة القدماء بين هذا المفهوم وبين تعبير القرآن الكريم (فصل
الخطاب) الذي وصف به النبي داود (عليه السلام) في قوله تعالى: ( وَشَدَدْنَا
مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ)[34]
على الرغم من دلالته المتنوعة عند المفسرين[35]؛ إذ
وردَ عن الجاحظ(ت:255هـ) رأيَه الذي نقله عن عمرو بن عبيد(ت:224هـ) في بيان
المقصود من (فصل الخِطَاب)، فقال:
«إِنَّكَ إن أوتيتَ تقديرَ حُجّة الله في عقول المكلّفين المريدين، بالألفاظ
المستحسنة في الآذانِ المقبولة عند الأذهان؛ رغبةً في سرعةِ استجابتهم نفي الشواغل
عن قلوبهم بالموعظة الحسنة على الكتاب والسنة، كُنْتَ قد أُوتيْتَ فَصْلَ
الخِطَاب»[36]،
ولا يخفى أن الجاحظ هنا فَسّر (فصلَ الخِطَاب) بنوعٍ من «القول تجتمَعُ فيه الصنعة
اللفظيّة والحجة المقنعة مع عدم الإثقال على السامع»[37]،
وقد توسَّعَ الزمخشري في بيان المقصود بـ( فصل الخطاب)؛ فجعل دلالته تتكِىءُ على
البلاغة في إيصال المعنى مع مراعاة حال المخاطبين، فقال: «فمعنى فصل الخطاب: البين
من الكلام الملخص الذي يتبينه من يخاطب به لا يلتبس عليه، ومن فصل الخطاب وملخصه:
أن لا يخطئ صاحبه مظانّ الفصل والوصل، فلا يقف في كلمة الشهادة على المستثنى منه،
ولا يتلو قوله: فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ، إلا موصولاً بما بعده، ولا وَاللهُ
يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ حتى يصله بقوله لا تَعْلَمُونَ، ونحو ذلك، وكذلك مظانّ العطف
وتركه، والإضمار والإظهار والحذف والتكرار، وإن شئت كان الفصل بمعنى الفاصل،
كالصوم والزور، وأردت بفصل الخطاب: الفاصل من الخطاب الذي يفصل بين الصحيح
والفاسد، والحق والباطل، والصواب والخطأ»[38]، فدلالة الخطاب هذه يقترب بها الزمخشريّ من
دلالته عند المحدثين، فالخطاب على وفق هذا المفهوم كل كلام واضح يتجنبُ الغموض
والإبهام[39].
وأعطى الدارسون والباحثون الغربيّون تعريفات متعددة
للخطاب، وتباينوا في مفهومه، فالخطاب عند (دي سوسير) الكلام[40]،
وعند (هاريس) وحدة لغويَّة ينتجها المتكلم تتجاوز في أبعادها الجملة والرسالة[41]،
وعند (بنفيست) وحدة لغويَّة تنتجها لغة جماعيَّة، فهو فعلٌ كلاميٌّ منطوق، يتطلب
راوياً مؤثراً في الآخر ومستمعاً[42]،
وأضاف (بيار شاردو) إلى هذا وجود الاستعمال اللغوي المجمع عليه، والمقام الخطابيّ[43].
وقيل إنَّ الخِطاب هو النتاجات « الفكريّة التي يُرادُ إيصالها إِلى متلقٍ عبر
نصوص مكتوبة أو مسموعة أو مرئية، تقدم موقفاً شمولياً أو جزئياً – في قضية – أو
مشكلة قائمة أَو مفترضة، أَي ما يُقَّدمُ من الفكر وجهة نظر في موضوعٍ ما»[44].
فالخطاب «نظام تعبيرٍ متقن ومضبوط»[45].
وعلاقةَ الفكر بالخِطَاب علاقةٌ وطيدة، ومن خلال الخِطَاب يتجلّى لنا الفكر.
ولكنَّ النتاج الفكري لا يمكن أن يُعدَّ خِطَاباً إِلا بوجود المتلقي لهذا النتاج؛
لأنَّ الخِطَابَ يُعَبِرَ عن علاقة بين المنشئ الذي لديه الرغبة في إيصال الفكرة
والمتلقي الذي يتلقى هذه الفكرة سواء كان هذا التلقي إيجابيّاً أم سلبيّاً[46].
أركان الخِطاب:
الخِطَاب «جسرٌ ممدود بين شخصين محددين اجتماعيا»[47]؛
لذلك يقتضي وجودَ مخاطَب يقوم المخاطِب بتوجيه الإرسال إليه[48]؛
لأن المتكلمَ به «يقومُ بعملية التركيب أي صياغة المفاهيم والمتصوّرات المجردة في
نسقٍ كلامي محسوس ينقلُ عبر القناة الحسية بواسطة الأداة اللسانية، وأما
المستقبلُ، وهو المخاطَب يقومُ بعملية التفكيك»[49]،
وبذلك تكون مهمة المخاطِب هي النقل الفعّال للمعلومات، أي إنَّ ما يوجهه يشترط فيه
الوضوح حتى يتلقاه المخاطَب من دون عناء[50]
كبير قدر الإمكان، أي يشترط في الخِطَاب أن يكون ضمن المنظومة المعرفية؛ ليتسنى له
الدخول إلى عالمه وفك رموزه. وحين نعود إلى التراث الأدبيّ العربيّ القديم نجد ذلك
مبثوثاً في كلام العلماء على مختلف اهتماماتهم، فقد اعتنى سيبويه كثيرا بالمقام
والمتكلم والمخاطب في أكثرَ من موضع[51].
وقال بشر بن المعتمر(ت: 210هـ) «ينبغي للمتكلم أن يعرفَ أَقدار المعاني، ويوازن
بينها وبين أقدار المستمعين وبين أقدار الحالات، فيجعلُ لكلِّ طبقةٍ من ذلك
كلاماً، ولكلِّ حالةٍ من ذلك مقاماً، حتى يقسمَ أقدارَ الكلام على أقدار المعاني،
ويقسم أقدارَ المعاني على أقدارِ المقامات، وأقدارَ المستمعين على أقدارِ تلك
الحالات»[52]،
وقال أيضاً: «والمعنى ليس يشرف بأن يكون من معاني الخاصة، وكذلك ليس يتضعُ بأَنْ
يكون من معاني العامة. وإِنَّما مدارُ الشرف على الصواب وإِحرازِ المنفعة مع
موافقةِ الحال وما يجبُ لكلّ مقامٍ من مقال»[53].
كما أشارَ الجاحظ إلى أركان الخطاب في تعريفهِ للبيان بقوله: «البيان اسم جامع لكل
شيء كشف لك قناع المعنى، وهتك الحجاب دون الضمير، حتى يفضي السامع إلى حقيقته
ويهجم على محصوله، كائنا ما كان ذلك البيان، ومن أي جنس كان الدليل، لأنَّ مدار
الأمر والغاية التي يجري القائل والسامع إِليهما إنَّما هو الفهم والإفهام. فبأي
شيء بلغت الأفهام وأوضحت عن المعنى، فذلك هو البيان في ذلك الموضع»[54].
فمن خلال هذا القول نستطيع رصدَ عناصر الخِطَاب الممثلةَ[55]
بـالآتي:
القائل = المخاطِب.
السامع = المتلقي.
الغاية = التأثير.
وكذلك فصَّل عبد
القاهر الجرجاني( ت: 471 هـ) القول في عناصر الخطاب فقال: «فلو أَّنك عمدْتَ إلى
بيتِ شعرٍ أو فصل نثرٍ فعددتَ كلماته عدّاً كيفَ جاءَ واتفق، وأبطلت نضدَهُ
ونِظَامَهُ الذي عليه يُبنى وفيه أُفرِغَ المعنى وأُجْرِي، وغيّرْتَ ترتيبَهُ الذي
بخصوصيته أفادَ كما أفاد، وبنسقه المخصوص أبان المراد نحو أن نقولَ في (قفا نبك من
ذكرى حبيب ومنزل). (منزل قفا ذكرى من نبكِ حبيب) أخرجته من مجال البيان إلى مجال
الهذيان، نعم وأسقطت نِسْبتَهُ من قائله، وقطعْتَ الرحِمَ بينَهُ وبين منشئه، بل
أحلت أن يكون له إضافة إلى قائل ونسب يختصُ بمتكلم»[56].
فمن يتأمل في هذا النص يجد عناصر الخِطَاب واضحةً، وهي القائل، والمخاطَب والقول،
فضلاً عن تحقيق الترابط والاتساق والانسجام بين أجزاء الكلام.
وتطور مفهومُ الخِطَاب عند النقاد المحدثين؛ فاكتسبَ
دلالاتٍ متنوعة؛ لتأثرهم بالدراسات الأدبيّة والنقديّة الغربيّة الحديثة؛ إِذ
عَدَّ الناقدُ عبد السلام المسديّ الخطابَ الأَدبي «كياناً أفرزته علاقات معينة
بموجبها التأمت أجزاؤه»[57]،
مميزاً بذلك الخطاب الأدبيّ عن غيره من أنواع الخطاب الأخرى. وبذلك يغدو الخِطَاب
هو السمة المشخِّصَة لكل نص؛ وبذلك تتنوع وسائل نقل الخطاب. وأطلق الباحثون
المحدثون على الجهة المتلقية للخِطَاب عدة تسميات، منها: المرسَل إليه، السامع،
المتلقي، المخاطَب[58].
فالتخاطب منظومةٌ تتضمنُ عناصر متعددة، هي المرسِل: هو
المتكلم الذي ينتجُ القول، والمتلقي: هو المستمع الذي يتلقى القول، والموضوع: هو
مدار الحديث الكلامي، والمقام: هو زمان الحدث ومكانه، وكذلك العلاقات بين
المتفاعلين بالنظر إلى تعبيرات الوجه والإيماءات والإِشارات، والقناة: أي الوسيلة
التي يتم بها التواصل( كلام، كتابة، إشارة) وشكل الرسالة: أي الشكل المقصود موعظة،
خطبة، رسالة[59].
وكذلك إنَّ النص المكتوب يمثِّل شكلاً من أشكال الخطاب؛
لأنَّه ينتمي إلى الآخر، وفي النتيجة تكون شروط إمكان الخطاب هي نفسها شروط إمكان
النص المكتوب[60].
تَعَانُقُ التَّداولية والبلاغة والخطاب:
التداولية تعْنَى بالنصِّ وَعَنَاصِرِهِ وَالعَلَاقَاتِ
التي تَرْبطُ بَيْنَهُمَا، وَتَرْبطُهُمَا بَالمَوْقِفِ التَّوَاصُلِيّ الذي
يَنْتَظِمُ فِيَما يُسَمَّى بـ(سِيَاقِ النَّصّ) المُحْكَمِ بِشَكْلٍ مُنْتَظَمٍ
وَطَرِيْقَةٍ مَنْهَجِيَّةٍ مُنْتَظَمَةٍ، وَهَذا كُلُّهُ يَصْدُقُ عَلَيْه
القَوْلُ المَشْهُوْرُ عِنْدَ العَرَبِ فِي وَصْفِهِم لِلْبَلاغَةِ (لِكُلِّ
مَقَامٍ مَقَالٌ)؛ لِأَنَّ المَقَامَ وَالمَقَالَ كِلَيْهِما يُركِّزانِ على
التَّشْكِيْلِ الْلُغَويّ الذي يَتَحَيَّزُ في مَوْقِفٍ مَخْصُوص مُعَيَّن؛
وَهَذَا يَجْعَلُ البَلَاغَةَ وَالتَّدَاوُلِيَّةَ مُتَّفقَتَانِ فِي الاعْتِمَادِ
عَلَى الْلُغَةِ بِوَصْفِهَا الأَدَاةَ التِي بِهَا يُمَارَسُ الفِعْلُ علَى
المُتَلَقِّي فِي مَوْقِفٍ مُعَيَّنٍ مَخْصُوْصٍ، وَمِنْ هَذا يَتَّضِحُ أَنَّ
البَلَاغَةَ تَدَاوُلِيَّةٌ فِي صَمِيْمِهَا؛ لأَّنَّهَا تُمَثِّلُ مُمَارَسَةَ
الاتِّصَالِ بَيْنَ المُتَكَلِّمِ وَالمُخَاطَبِ وَالسَّامِعِ، وبِهَذَا يُحَلُّ
إِشْكَالُ عَلَاقَتِهِمَا، وَيَتَّضِحُ تَأْثِيْرُ بَعْضِهِمَا في بَعْضٍ،
وَتَلْتَقِي البَلَاغة وَالتَّدَاوُلِيَّةُ في الاهْتِمَامِ بَالعَنَاصِرِ التي
تَشْتَرِكُ في الانْجَازِ الْلُغَوِيّ؛ فَالبَلَاغَةُ تَهْدِفُ إِلَى إِيْصَالِ
المَعْنَى إِلَى المُخَاطَبِ وَالسَّامِعِ فِي مَقَامٍ مَخْصُوْصٍ، وَتَعْنَى
بِالسَّامِعِ فِي إِدْرَاكِ المَعْنَى الذي يُرِيْدُهُ المُتَكَلِّمُ فِي مَقَامٍ
مُعَيَّن[61]،
وَهذَا مَا أَشَارَ إِلِيْه أَبُو هِلَالٍ العَسْكريّ( ت: 395هـ) بقوله «ربَّما
كانت البلاغة في الاستماع الحسن»[62].
فاللفظ والتركيب
في الأفق البلاغيّ حين يستعملان في مكانهما المناسب وسياقهما المخصوص، يؤديان
أثرهما الفعَّال في تحقيق مقاصد المتكلم أو صاحب النص، وهذا ما ركَّزت عليه
التداوليَّة؛ لأنَّها تعنى بالعلاقة بين بنية النص والموقف التواصلي المرتبط به
الذي قيل فيه النص، وهذا يتطابق بشكل تام مع فكرة مقتضى الحال في المفهوم
البلاغيّ، والبلاغة تركِّز على التقنيات والوسائل البلاغيَّة التي يقتضيها النص
الذي ينشئه المتكلم؛ كي يحقق غرضه المقصود، وتنهض بالكشف عن مقاصد المتكلم،
وتبيِّن مراده من خلال العلاقة بين الفعل اللغويّ والموقف الاجتماعيّ[63]،
وترتكز على اللغة، وتمثل منهجاً معرفياً يعنى بمن يتكلم، وبمن يقع عليه الكلام،
وبما يتكلم به أي الكلام، وهذا ما تدور عليه النظريَّة التداولية، ويمثل أفقها
الذي تخوض فيه[64].
وجعل تشارلز
موريس (Charles Morris) مستوى آخر
يضاف إلى مستويات اللغة ووسائلها في الوصول إلى المعنى وفهمه؛ فذكر في ذلك ثلاثة
مستويات:
المستوى التركيبيّ أوالنحويّ: يعنى بدراسة العلاقة
الشكلية بين العلامات بعضها ببعض.
المستوى الدلاليّ: يعنى بدراسة علاقة العلامات بما تؤول
إليه من معنى.
المستوى التداوليّ: يعنى بدراسة علاقة العلامات
بمستعمليها وبمؤوليها[65].
وَسنقْصِرُ البَحْثَ فِي مَبْحَثِهِ الثَّانِي عَلَى
المُسْتَوى الثَّالِثِ (المستوى التَّداوليِّ) منْ مُسْتَوَيَاتِ المَعْنَى هذِهِ
إِنْ شَاء اللهُ تَعَالَى، فَمِنْهُ نَسْتَمِدُّ العَوْنَ وَالتَّوْفَيْق.
المبحث الثاني: تجلياتُ الدَّلالة
التداوليَّة في خِطاب الإمام الحسن العسكريّ(عليه السلام)
تَضَمَّنَ خِطَابُهُ المُبَارَكِ مجموعةً من مظاهرِ
النظريَّةِ التداوليَّةِ التي تَجلَّت في كلامِهِ(عليه السلام)، سَنَدْرُسُ عدداً
مِنْها في هذا المبَحْثِ، ونُفَصِّل القولَ فِيْهَا إِنْ شَاء اللهُ تَعَالَى؛
فَمِنْ تِلْكَ المَظَاهِرِ مَا يَأْتِي:
1- وَظِيْفَةُ المُحْوَرِ: هي إنَّ الكَاتِبَ أَو
صاحِبَ النَّصِ يريدُ إيصالَ معلوماتٍ للمخاطَبِ تدورُ حَولَ مُحْوَرٍ مُحَدَّدٍ
أَو نَواةِ مَا هو جديرٌ أَوْ مُهِمٌّ بالنسبةِ لهُ وللمُخَاطَبِ، وهذهِ الوظيفةُ
الأُوْلَى منَ الوَظَائِفِ التي تؤدِّيْها التَّدَاوليَّة[66]،
وتكادُ هذهِ الوظيفةُ تَتَجلَّى في قولِهِ (عليه السلام): «... مَا منٍ عَبْدٍ
أَخَذَ نَفْسَهُ بحقوقِ إخوانِهِ فَوفّاهم حُقُوْقَهم جُهْدَهُ، وَأَعطاهم
مُمْكِنَه، وَرَضِيَ منهم بِعَفْوهِم، وتركَ الاستقصاءَ عليٍهم فِيْمَا يكونُ من
زَلَلِهِم، وَغَفَرَهَا لَهُم إلّا قالَ اللهُ عزّ وجلّ لَهُ يومَ القِيَامَةِ يَا
عَبْدِي - قَضَيْتَ حُقُوْقَ إِخْوَانِكَ، وَلَم تَسْتَقْص عَلَيْهم فِيْمَا لَكَ
عَلَيْهم، فَأَنَا أَجْودُ وَأَكْرمُ وَأَوْلَى بمثلِ ما فعلتَهُ من المُسامَحَةِ
وَالتَّكرّم، فَأَنَا أَقْضِيْكَ اليومَ عَلَى حَقّ ما وَعَدتُكَ بِهِ، وَأَزيدكَ
من فَضْلِي الوَاسِعِ، وَلا أَسْتَقْصِي عَلَيْكَ في تَقْصيرِكَ في بعضِ
حُقُوْقِي. قَالَ (عليه السلام):
فَيُلْحِقُهُ بِمُحَمّدٍ وَآلِهِ وَ(أَصْحَابِهِ)، وَيَجْعَلُه مِنْ خِيَار
شِيْعَتِهم»[67].
فهذا القولُ يركِّزُ على مُحْوَرْ رَئيسٍ، يَدُوْرُ فِي أُفُقِهِ، هَوَ التَّمَسكُ
بالخُلقِ الإِسْلاميِّ الرَّفِيْعِ المُتَمَثِّلِ بِإنْصَافِ الآخَرَيْن مِنْ
أَنْفُسِنَا، وَإعْطَائِهم الحُقُوْقَ الواجبةَ علَينَا، والتَّعَامُلُ مَعَهَم
بِرِفْقٍ وَمُرونةٍ وتَجَمُّلٍ وَعَفْوٍ وَصَفْحٍ وَكَرَم؛ كَيْ تَسُوْدَ
الأَخْلَاقُ الفَاضِلَةَ في المجتمعِ الإسلاميِّ بِشَكلٍ عَامٍّ، وَالمُجْتَمعِ
الشِّيْعِيّ بِوَجْهٍ خَاصٍّ.
2- وَظِيْفَةُ البُؤْرَةِ: تَتَجلَّى هذِهِ
الوظيفةُ في تركيبِ النَّصِّ كلِّه من مقَاطعَ مُتَعَدِّدَة، تَنْتَظِمُ بَعْضُهَا
بِبَعْضٍ بِعَلَاقَاتٍ دَلَاليَّةٍ تَرْجِعُ إلى وَحْدةٍ دَلاليَّةٍ عُلْيِا
تَجْمَعُها[68].
وَيظْهرُ هَذَا وَاضِحاً فِي قَوْلِهِ (عليه السلام):
«إِنَّ رَجُلاً جَاعَ عِيَالُهُ، فَخَرَجَ يَبْغِي لَهُم مَا يَأْكُلُونَ،
فَكَسَبَ دِرْهَماً، فَاشْتَرَى بِهِ خُبْزاً وَإِدَاماً، فَمَرَّ بِرَجُلٍ
وَامْرَأَةٍ مِن قَرَابَاتِ مُحَمَّدٍ وَعَلِي (عَلَيْهِمَا الصَّلاةُ
والسَّلامُ)، فَوَجَدَهُمَا جَائِعَيْنِ فَقَال: هَؤُلاءِ أَحَقُّ مِنْ
قَرَابَاتِي، فَأَعْطَاهُمَا إِيَّاهُ، وَلَمْ يَدْرِ بِمَاذَا يَحْتَج فِي
مَنْزِلِهِ، فَجَعَلَ يَمْشِي رُوَيْداً، يَتَفَكَّرُ فِيْمَا يَعْتَلُّ بِهِ
عِنْدَهًم، وَيَقولُ لَهُم مَا فَعَلَ بالدِّرَهَم، إِذْ لَمْ يَجِئْهُم بِشَيْء،
فَبَيْنَا هُو مُتَحَيِّرٌ فِي طَرِيْقِه إِذَا بِفَيْجٍ يَطْلُبُهُ، فَدلَّ عليه
فَأَوصلَ إِلَيْه كِتَاباً مِن مِصْرَ وَخَمْسَمَائة دِيْنَارٍ فِي صُرَّةٍ،
وَقَالَ: هَذِهِ بَقِيَّةُ مَالِكَ حَمَلْتُهُ إِلَيكَ مِن مَالِ ابِنِ عَمِّكَ،
مَاتَ بِمِصْرَ، وَخَلَّفَ مائةَ أَلْفِ دِيْنَارٍ عَلَى تجَّارِ مَكَّةَ
وَالمَدِيْنَةِ، وَعِقَاراً كَثِيْراً وَمَالاً بِمِصْرَ بِأَضْعَافِ ذَلِك؛
فَأَخَذَ الخَمْسَ مَائةِ دِيْنَارٍ وَوَسعَ عَلَى عِيَالِهِ، وَنَامَ لَيْلَتَهُ؛
فَرَأَى رَسُوْلَ اللهِ(صلى الله عليه وآله)، وَعَلِياً (عليه السلام)؛
فَقَالَا لَهُ: كَيْفَ تَرَى إِغْنَاءَنَا لَكَ لَمَّا آثَرْتَ قَرَابَتَنَا عَلَى
قَرَابَتِك)، وقالتْ فاطمَةُ(عليها السلام): أَبَوَا هَذِهِ الأُمَّةِ: مَحَمَّد
وَعَلي، يُقِيْمَانِ أَوَدَهُم، وَيُنْقِذَانِهِم مِنَ العذَابِ الدَّائمِ، إِنْ
أَطَاعُوْهُمَا، وَيَبِيْحَانِهم النَّعِيْم الدَّائمَ إِنْ وَافَقُوْهُمَا»[69].
فَفِي هذا النَّصِ نجدُ كُلَّ جملةٍ وكُلَّ تَرْكيبٍ فيها يَتَضَمَّنانِ دَلالةً
جزئيَّةً، تَرْتَبِطُ بالدَّلالةِ التي قَبْلَهَا والتِي بَعْدَهَا بِرِبَاطٍ
دَلالِيّ عَامٍّ يَتَشكَّلُ بِجَمْعِ تِلْكَ الدَّلالاتِ، فَبُؤْرَتُهُ
الدَّلاليّةُ تَكَادُ تَكُونُ ذاتيَّةً مُتَوجِّهَةً إِلَى المَخَاطَبِ (الآخر)،
تَتَمَثَّلُ في دَعْوَتِهِ إِلَى ضَرُوْرَةِ التَّحَلِّي بِصِفَةِ الإِيْثَارِ فِي
كُلِّ شَيْءٍ؛ لِعَظِيْمِ أَجرِ هَذِهِ الصِّفةِ وثَوَابِهَا عندَ اللهِ تَعَالَى
في الدُّنْيَا والآخِرَةِ، وَلَا سِيَّما إِيْثَار مُحَمَّدٍ وَآلِ مًحَمَّد
(عَلَيْه وَعَلَيْهم الصَّلاةُ والسَّلامُ) وَالمُنْتَسِبِيْنَ إِلَيْهِم
بِالنَّسَبِ الطَّاهِرِ المُبَارَكِ.
3- إِظْهَارُ التَّوَدُّد فِي الخِطَابِ: الاهِتِمامُ
بالمُخَاطّبِ والعِنَايةُ بِهِ وإظهارُ التَّوددِ لَهُ وَاحْتِرامُهُ كلُّ ذلكَ
يُمَثِّلُ مَظْهراً تَدَاوليّاً لَهُ أَثَرٌ كَبِيْرٌ في التَّأْثِيْرِ عَلَى
المُخَاطَبِ وَاسْتِمَالَتِهِ وَاقْنَاعِهِ بالرِّسَالةِ التِي يَقْصِدُهَا
المُتَكلِّم أَوْ صَاحِبُ النَّصِّ(المُخَاطِب)، وَفَهْمِ مُحْتَوَاها
وَمَعَانِيْها، وهًوَ مَا يُعَبَّرُ عَنْهُ بـ(مَنْطِقِ التَّأدُّب)[70].
بَلٍ إنَّ هذا يُعدُّ مَنْهَجاً تَرْبَويّاً صَائباً مُثْمِراً فِي إحْدَاثِ
التَّغْيِيْر المَطْلُوْبِ فِي عَمَليَّةِ التَّرْبِيَةِ وَالتَّعْلِيْم على
اخْتِلافِ مُسْتَوَيَاتِها وَمَرَاحِلِهِا. وَحِيْنَ نَقْرأُ أَقْوَالَهُ
المُبَارَكَةَ نَسْتَشِفُّ حُضُوْرَ هَذَا الجَانِبِ في كَلِّ فِقْرةٍ مِن
فِقْرَاتِها، فَقَدْ حَرَصَ العَسْكَرِي(عليه السلام) عَلَى ابْدَاءِ جَانِبِ
العَطْفِ وَالرِّعَايَةِ وَالتَّوَدُّدِ بِمَنْ يُخَاطبُهُ، وَيَسْتَمِعُ إِلَيهِ –
وَهَذَا شَأنُهُ مَعَ النَّاسِ كُلِّهم عَلَى امْتِدَادِ حَيَاتِهِ الشَّرِيْفَةِ-
لأنَّهُ يُنْشِدُ الإصْلَاحَ فِي كُلِّ شَيْءٍ في الحَيَاة. وَمِنْ أَمْثِلَةِ
ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْهُ فِي جَوَابِهِ لِمَنْ سَأَلَهُ عَنِ الخَلِيْفَةِ
بَعْدَهُ: «فَدَخَلَ البَيْتَ، فَأَخْرَجَ طِفْلاً كَانَ وَجْهُهُ البَدْرَ،
فَقَالَ: «لَوْ لَمْ يَكُنْ لَكَ عِنْدَ اللهِ كَرَامَةٌ لَمَا أَريْتُكَ، ثُمَّ
قَالَ: إِنَّ اسْمَهُ اسْمُ رَسُوْلِ اللهِ(صلى الله عليه وآله) وَكُنْيَتَهُ
كُنْيَتُه، وَهُوَ الذِي يَمْلأُ الأَرْضَ قِسْطاً وَعَدْلاً كَمَا مُلِئَتْ
ظُلْماً وَجَوْرا»[71].
فَقَدْ جَاء جَوَابُهُ(عليه السلام) بِتَوَدُّدٍ وَإقْبَالٍ عَلَى المُخَاطَبِ
وَالسَّائِلِ، حَرِيْصاً عَلَى جَوَابِهِ وَبَيْانِ الأَمْرِ لَهُ، مُشِيْراً
إِلَى مَسْؤُوْلِيَّةٍ كُبْرَى وَمُهِمَّة عُظْمَى لَا بُدَّ من تَبْلِيْغِهَا
لِلْمُسْلِمِيْن، هِيَ الإمَامَةُ وَالخِلَافَةُ التِي يَقُوْمُ بِهَا وَلدهُ
الحُجَّةُ (عليهما السلام)، وَلَكنَّهُ لَمْ يَبْدَأْ بِذِكْرِ هَذَا مُبَاشَرَةً
فِي أَوَّلِ كَلَامِهِ، وَمُسْتَهلِّ خِطَابِهِ، بَلْ ذَكَرَ شَيْئاً لَهُ
عَلَاقَةٌ وَاتِّصَال بِمَا يُرِيْدُ تَبْلِيْغَهُ وَإيْصَالَهُ لِلْنَاسِ؛
فَقَدَّمَ لِخِطَابِهِ بِذِكْرِ أَمْرِ رَحِيْلِهِ وَوَفَاتِهِ وَلِقائِهِ بِاللهِ
سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى؛ وَلَا يَخْفَى مَا يَنْطَوِيْ عَلَيْهِ هَذَا الذِّكْرُ،
وَيَسْتَجْلِبُهُ مِنْ مَشَاعِرِ المَوْدَّةِ وَالتَعَاطُفِ وَالتَّحَبُّبِ وَالْلِّيْنِ
وَالرَّحْمَةِ بَيْنَ المُخَاطِب والمُخَاطَب، وَهَذَا يُؤَدِّي إِلَى تَقَبّلِ
الخِطَابِ وَالرِّضَا بِالرِّسَالَةِ؛ وَفِي النَّتِيْجَةِ يَتَحَقَّقُ الهَدَفُ
مِنَ الخِطَابِ بِفِعْلِ بَلَاغَتِهِ وَوَظِيْفَتِهِ التَّدَاولِيّةِ التِي
حَمَلَهَا بَيْنَ جَنَبَاتِهِ. وَنَكادُ نَجِدُ هَذَا المَظْهَرِ التَّدَاولِيّ
فِي أَغْلَبِ أَقْوَالِهِ المُبَارَكَةِ التِي تَسْتَلْزِمُ كُلَّ تَجَلِّياتِ هذا
المظْهرِ؛ لِأَنَّ مَقَامَ الأَئِمَّةِ(عليهم السلام) والأنْبِيَاء(عليهم السلام)
كبير وَعَظِيْم عِنْدَ النَّاسِ، وَكَذَلِكَ حَالُ وَظِيْفَتِهم وَتَكْلِيْفِهِم
الإِلَهِي، اللذين يَسْتَدْعِيَانِ مِنْهُم تَزْيِين كَلَامِهِم بِالْلِيْنِ
وَالتَّوَدُّدِ فِي الخِطَابِ؛ بِمَا يُقَرِّبُهُم مِنَ النَّاسِ، وَيُحَبِّبُهُم
إِلَيْهِم، كَيْ يَتَمَكَّنُوا مِنْ تَحْقِيْقِ تِكْلِيْفِهِم بِأَفْضَلِ
وَسِيْلَةٍ، وَأَدَاءِ وَظَائِفِهِم عَلَى أَتمِّ وَجْهٍ، وَكَي يَكُوْنُوا
قُدْوَةً لِغَيْرِهِم الذين تَكُوْنُ أَعْمَالُهُم وَوَظَائِفُهُم فِي التَّمَاسِّ
المُبَاشِرِ مَعَ النَّاسِ وَالمُجْتَمَعِ كَالٍمُصٍلِحِيْنَ وَالقَادَةِ
وَالوُلَاةِ وَالسَّلَاطِيْنِ وَالمُلُوْكِ وَالرُّؤسَاءِ وَالمُعلِّمِيْنَ
وَغَيْرِهِم.
4- الفِعْلُ الكَلامِي الإيجَابيّ: يَتَجَلَّى
هَذا المَظْهَرُ التَّداوليّ فِي أَقْوَالِهِ(عليه السلام)بِالأَفْعَالِ
الكَلَاميَّة التِي تُحَقِّقُ إنٍجازاً فِعْليّاً سَرِيعاً، يَتَمثَّل بِأُسْلُوب
الإقْرَارِ بالشَّيِءِ الذِي يَتَرَكَّبُ مِنَ الاسٍتِفْهَامِ وَجَوابه؛
فَيَجْعَلُ المُخَاطَبَ والمُتَلَقِّي وَالسَّامِعَ يُقرُّونَ، وَيَعْتَرِفُوْنَ
مُبَاشَرَة بِمَا يَطْرَحُهُ المُخَاطِبُ المُتَكَلِّمُ، وَيُرِيْدُهُ مِنْ رُؤًى
وَأَفْكَارٍ وَمَعَانٍ، وَلَعَلَّ خَيْرَ مِثَالٍ عَلَى ذَلِكَ مِنْ أَقْوَالِ
العَسْكَرِيِّ(عليه السلام) قَوْلُهُ المَشْهُوْرُ: «فَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنَ
الفُقَهَاءِ صَائِناً لِنَفْسِهِ، حَافِظاً لِدِيْنِه، مُخَالِفاً عَلَى هَوَاه،
مُطِيْعاً لِأَمْرِ مَوْلَاه، فَلِلْعَوَامِّ أَنْ يُقَلِّدُوْه»[72]،
فَلِهَذَا القَوْلِ وَغَيْرِهِ مِنْ أَقْوَالِ الأَئمَّةِ(عليهم السلام) التِي
تُشَارِكُهُ فِي الدَّلَالَةِ أَثَرٌ إِيْجَابي؛ فَكَانَ مِنْ نَتَائِجِهِ أَنْ
«اهْتَمَّ عُلَمَاءُ الأُمَّةِ عُمُوما - وَالطَّائِفَة خُصُوصاً - بِتِأْلِيْفِ
الكُتُبِ الفِقْهِيَّةِ، سَوَاء المُوَسَّعَة مِنْها أَوْ المُخْتَصَرَة،
فَتَكَوَّنَتْ لَدَيْنَا بِعَوْنِ اللهِ تِعَالَى مَكْتَبَةٌ فِقْهِيَّةٌ
نُفَاخِرُ بِهَا الآخَرِيْنَ. لَكِنْ مِنَ المُؤْسِفِ جِدّاً أَنْ نَجِدَ
إهْمَالاً كَبِيْراً بِهَذَا التُّرَاثِ القَيِّمِ، هَذَا الإهْمَال الذِي أَدَّى
إِلَى إِخْراجِ الآلافِ مِنَ النُّسَخِ الخَطِيَّةِ المُعْتَمَدَةِ إِلَى بِلَادِ
الغَرْبِ، فَفِي الفَاتِكان - مَثَلاً - تُوْجَد (75) مَكْتَبَةً تَحْتَوي عَلَى
كَثِيْرٍ مِنْ مَخْطُوْطَاتِنَا الإِسْلَامِيَّةِ، أَمَّا بريطانيا - التي استعمرت
البلدان الإسلامية ردحاً من الزمن - ففيها من المخطوطات النفيسة ما يدهش العقل.
وهذا الإهمال هو الذي أدى إلى ابتعاد الجيل الناشئ عن مطالعة الكتب الإسلامية،
لرداءة خطها أو طبعها، وتوجه - هذا الجيل - إلى الكتب الإلحادية التي تتصف بجودة
الطبع. والذي يبعث في القلب الأمل هو اهتمام جمع من الفضلاء والأساتذة في الوقت
الحاضر بتحقيق هذا التراث، ثم طبعه ونشره بالشكل اللائق به، فنشأت مؤسسات عدة،
ومراكز تحقيقية لأجل ذلك»[73].
فَفِي هَذَا النَّصِّ وَغَيْرِهِ نَجِدُ أَنَّ الإمَامَ(عليه السلام) وَضَعَ
أُصُوْلَ المَرْجِعِيَّةِ الدِّيْنِيَّةِ الرَّشِيْدَةِ بِوَصْفِهَا مَلْجَأً
وَمَلاذاً لِلْشِيْعَةِ، يَلُوْذُوْنَ بِهِ لِمَعْرِفَةِ أُمُوْرَ دِيْنِهِم
وَدُنْيَاهُم، وَإيْصَالِ هَذَا المَعْنَى وَإِقْرَارِهِ وَتَثْبِيْتِهِ فِي
نُفُوْسِ المُتَلَقِّيْنَ لِخِطَابِهِ(عليه السلام).
فَكانَ
قَوْلُهُ(عليه السلام) وَخِطَابُهُ فِعْلاً كَلَاميّاً إِيْجَابيَّا تَمَثَّلَ فِي
دَعْوَتِهِ إِلَى تِلْكَ الحَرَكَةِ العِلْمِيَّةِ وَنُشُوْئِهَا وَنُمُوِّهَا
وَتَطَوّرِهَا عَبْرَ العُصُوْرِ وَالزَّمنِ مُفَتَّحَةِ الأَبْوَابِ فِي طَلَبِ
العِلْمِ وَالاجْتِهَادِ فِيْهِ.
5- الفِعْلُ الكَلَاميّ السَّلْبيّ: يَتَجَلَّى
هَذَا الفِعْلُ التَّدَاوليّ فِي أَقْوَالِ العَسْكَرِيّ(عليه السلام)
المُبَارَكَةِ بِتِذْكِيْرِ المُخَاطَب باللهِ سُبْحَانه وَتَعَالَى
وَالالْتِزَامِ بِأَوَامِرِهِ وَنَوَاهِيْهِ وَالتَّعَبّدِ بِأَحْكَامِهِ
الشَّرْعِيَّةِ، وَتَحْذِيْرِ المَخَاطَب مِن غَضَبِهِ عَزَّ وَجَلَّ وِعِقَابِهِ
وَمَا أَعَدَّهُ لِمَنْ خَالَفَ ذَلِكَ بِهَوَاه وِعِصْيَانِهِ وِتكَبُّرِهِ؛
فَيَخْلُقُ هَذَا الفِعْل الكَلامِي جَواً مِنَ القَلَقِ وِالخَوْفِ
وَالرَّهْبَةِ؛ فَيَجْلِبُ انْتِبَاهَ المُخَاطَبِ أَوْ المُتَلقِّي، وَيَزِيْدُ
مِنْ جَذْبِهِمَا نَحْوَ المُتَكلِّم؛ فَيُقَوّي عُرَى الاتِّصَالِ بَيْنَهُمَا؛
ويُؤَدي ذَلِكَ الفِعْلُ أَثَرَهُ، وَيُؤَدِّي النَّصُّ رِسَالَتَهُ وَغَرَضَهُ
فِي أَتَمِّ صُوْرَة، فَيَجْعَلُ ذِهْنهِمَا يُنْشِئُ تَصَوُّرَاتٍ مُتَعَدِّدَةً
وَأَفْكَاراً مُخْتَلِفَةً، تَجْعَلُهُمَا فِي شُعُوْرٍ سَلْبيّ نَاتِجٍ عَمَّا
ذُكِرَ مِنْ كَلَام. وَمِنْ أَمْثِلَة ذَلِكَ قَولُهُ (عليه السلام) لِرَجُلٍ
قَالَ بِحَضْرَتِهِ أَنَّهُ مِنْ شِيْعَةِ عَلِيّ بنِ أَبِي طَالِبٍ(عليهم
السلام)، فَقَالَ لَهُ: «يَا عَبْدَ اللهِ، لَسْتَ مِنْ شِيْعَةِ عَلِي(عليه
السلام)، إِنَّمَا أَنْتَ مِنْ مُحِبِّيْهِ، وَإِنَّمَا شِيْعَةُ عَلِي (عليه
السلام) الذِيْنَ قَالَ عَزَّ وَجَلَّ فِيْهِم: (وَالَّذِينَ آمَنُوا
وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا
خَالِدُونَ)[74]
هُمْ الذِيْنَ آمَنُوا باللهِ ووصَفُوْهُ بِصِفَاتِهِ، وَنَزَّهُوْه عَنْ خِلَافِ
صِفَاتِهِ، وَصَدَّقُوا محَمَّداً فِي أَقْوَالِهِ، وَصَوَّبُوْه فِي كُلِّ
أَفْعَالِهِ، وَرَأَوْا عَلِيّاً بَعْدَهُ سَيِّداً إِمَاماً، وَقَرماً هُمَاماً،
لَا يَعْدِلُهُ مِنْ أُمَّةِ مًحَمَّدٍ أَحَدٌ، وَلَا كُلُّهُم إِذَا اجْتَمَعُوا
فِي كَفَّةٍ يُوْزَنُوْنَ بِوَزْنِهِ، بَلٍ يَرْجحُ عَلَيْهِم كَمَا تَرجحُ
السَّمَاءُ وَالأَرْضُ عَلَى الذَّرَةِ. وَشِيْعَةُ عَلِيٍّ (عليه السلام) هُم
الذِيْنَ لَا يُبَالُوْنَ فِي سَبِيْلِ اللهِ أَوَقَعَ المَوْتُ عَلَيْهِم، أَوْ
وَقَعُوا عَلَى المَوْت.
وَشِيْعَةُ عَلِيٍّ (عليه السلام) هُم الذِيْنَ
يُؤْثِرُوْنَ إِخْوَانَهُم عَلَى أَنْفُسِهِم لَوْ كَانَ بِهِم خَصَاصَةٌ، وَهُم
الذِيْنَ لَا يَرَاهُم اللهُ حَيْثُ نَهَاهُم، وَلَا يَفْقِدُهُم حَيْثُ
أَمَرَهُم، وَشِيْعَةُ عَلِيٍّ (عليه السلام) هُم الذِيْنَ يَقْتَدُوْنَ بِعَلِيٍّ
فِي إِكْرَامِ إِخْوَانِهِم المُؤْمِنِيْنَ، مَا عَنْ قَوْلِي أَقُوْلُ لَكَ
هَذَا، بَلْ أَقُوْلُهُ عَنْ قَوْلِ مُحَمَّدٍ (صلى الله عليه وآله)، فَذَلِكَ
قَوْلُهُ تَعَالَى: «وعملوا الصالحات»، قَضَوا الفَرَايضَ كُلَّهَا، بَعْدَ
التَّوْحِيْدِ وَاعْتِقَادِ النُّبُوَّةِ وَالإِمَامَةِ، وَأعْظَمُهَا قرضاً
قَضَاء حُقُوْقِ الإخْوَانِ فِي اللهِ، وَاسْتِعْمَال التَّقِيَّةِ مِنْ أَعْدَاءِ
اللهِ»[75].
فَقَدْ حَذَّرَ(عليه السلام) ذَلِكَ الرَّجُلَ القَائِلَ، وَالمُخاطَبَ، وَمَنْ
كَانَ يَسْمَعُهُ(عليه السلام)، وَيَرَاهُ فِي ذلكَ الموقفِ والزَّمَانِ
أنْفُسِهِمَا؛ مِمَّا سَيُسْألونَ عَنْهُ مِنْ طَاعَةِ اللهِ سُبْحَانَهُ
وَتَعَالَى واتِّبَاعِ أَوَامِرِهِ وَتَجَنُّبِ نَوَاهِيْهِ؛ فَأَقَرُّوا
بِوُجُودِ الحِسَابِ، وَالمَوْتِ، وَالجَنَّةِ وَالنَّارِ؛ فَشَهِدُوا بِذَلِكَ
كُلِّهِ؛ فَأَوْصَلَ النُّصْحَ والتَّحذِيرَ بِفِعْل سلْبِيّ نَاتِجٍ عَنْ قَوْلِ
الرَّجُلِ القَائِلِ؛ لِعَدَمِ تَحَقُّقِهِ وَقْتَ الكَلَامِ؛ فَخَتمَ
جَوابَه(عليه السلام)
بِتَحْذِيْرِ المُخَاطَبينَ مِنَ الهَلَكَة؛ فَجَاءَ
نَفْيُهُ (عليه السلام) لِكَلامِ القَائِلِ وَدَلَالَتِهِ عَنْ ذَلِكَ؛ كَي
يَنْجُوَ مِنَ الهَلَكَة، وَيفلحُوا، وَهَذَا يُمثِّلُ فِعْلاً كَلَامِيّاً
سَلْبِيّاً؛ لِأَنَّه غَيْرُ مُتَحَقِّقٍ فِي الحَالِ، أَيْ بَعْدَ وَقْتِ كَلامِ
الإمامِ(عليه السلام) مُبَاشِرةً، بَلْ يُنْتَظَرُ تَحَقُّقُهُ في المُسْتَقْبَلِ
إِذَا صَدَقَتِ النيَّةُ، وَتَطَابَقَ القَوْلُ وَالعَمَلُ؛ فَهُوَ مُرْتَبِطٌ
بِنَوَايا القَوْم المُخَاطَبَيْنَ وَأَفْعَالِهم تجاهَ هَذا الأَمْرِ؛ فَإِنْ
تَمَسَّكُوا بِنُصْحِهِ وَتَحْذِيْرِهِ وَنَهْيِه(عليه السلام)، وَاتَّبَعُوا
قَوْلَهُ، تَحَقَّقَ الفِعْلُ، وَكَانَ إِيْجَابِيّاً، وَإنْ خَالَفُوا هَذَا
كُلَّهِ فَلَمْ يَتَحَقَّقِ الفِعْلُ؛ فَيَكُوْنُ سَلْبِيّاً، وَهُوَ كَذَلِكَ فِي
وَقْتِ كَلَامِ الإمامِ (عليه السلام) وَمَقَامِهِ.
6- المَجَال التَّخَيُّليّ: الذِي يَتَألَّفُ مِنْ
نَسَقٍ مِنَ الصُّوَرِ التِي تَتْرُكُ أَثَراً إيْجَابيّاً لَدَى المُخَاطَب أَوْ
المُتَلَقّي، بِمَا يَحْتَوِيهِ مِنَ القِيَمِ الدِّينيَّةِ وَالإِنْسَانيَّةِ،
وَالأَنْظِمَةِ المَعْرِفيَّة وَالاجِتْمَاعِيَّةِ؛ فَيَجْعَلُهُمَا أَكْثَرَ اتِّصَالاً
بالمُتَكَلِّمِ؛ فَيَنْجَذِبَانِ إِلِيْهَ وَإلَى نَصِّه، وَيُنْعِمَانِ النَّظَرَ
فِيْه. وَالِقرَاءَةُ «أَكْثر من كونها مجرد إدراك حسّي لما هو مكتوب. فالنصوص
الأدبيَّة تُنَشِّط ملكاتنا وتمكّننا من إعادة خلق العالم الذي تقدمه. ويمكن أن
ندعو نتاج الفعَّالية الإبداعية بالبعد الفعلي للنص الذي يمنح النص واقعيّته، وهذا
البعد ليس النص نفسه ولا تخيل القارئ أنَّه نتيجة النص والتخييل معاً»[76]
فالتخيّل ركن أساس في النص الأدبيّ؛ لأنَّ «الأَدَبَ لَا يَجِدُ سَبِيْلَهُ إِلَى
الظُّهُوْر إِلَّا بِتِلْكَ المُفَارَقَةِ البَارِعَةِ التِي تقوم على التخييل
والتمثيل اللغوي في آن واحد»[77]،
وَهَذَا عَمَلُ الكَاتِبِ أَوْ صَاحِبِ النَّصِ كَيْ يُحْدِثَ التَّأثِيْرَ فِي
المُخَاطَبِ والمُتَلَقِّي، وَإِنْجَاحَ عَمَلِيَّةِ التَّوَاصُلِ[78].
فـ«التخييلُ هو تظاهرُ أيِّ عبارةٍ منْ أَفْعَالِ كلام متظاهر، بها يصف فيه الكاتب
عالماً متظاهراً به أو يتظاهر بذلك ليحاكي المواقف والعالم حين يحضر الخيال»[79]،
وهذا الفعلُ الكلاميّ المُتخيَّلُ يؤدِّي إِلَى اتِّسَاعِ أُفُقِ الكلامِ،
وَيَفْتَحُ لُغَةَ الكلامِ على معانٍ ودَلالاتٍ تداوليَّةٍ مُتَعَدِّدَة، ويحررُ
الكلامَ من المنطوقِ الشِّفَاهيّ، وَقُيودِ الزَّمانِ والمكانِ[80].
وَنَكادُ لا نَجِدُ نصوصاً مُثْلَى لِهَذا المَظْهَرِ التَّداولي فِي أقوالِ
العَسْكريِّ(عليه السلام)؛ لِأَنَّ وَظِيْفَةَ الأُئمَّةِ(عليهم السلام)
وَظِيْفَةٌ رِسَاليَّةٌ تَبْلِيْغِيَّةٌ تَشْريعيَّةٌ للناسِ والمجتمعِ في الدرجةِ
الأَساسِ، تَبْتَعِدُ عنْ إِيْرَادِ الصُّوَرِ التَّخْييليَّةِ؛ عَلى نَحْو مَا
قِيْلَ (لِكُلِّ مَقَامً مَقَال)؛ وَتُوْجِبُ المُبَاشَرَةَ وَالوضوْحَ وَالإيجازَ
في الخِطَابِ، وَتُحَتِّمُ الابْتِعادَ عنَ تِلكَ الصُّورِ؛ لِإيْصَالِ
الرِّسَالةِ في أَيْسَرِ طَريْقٍ وَأَوْجَزِ عِبَارَةٍ. وَلَكنْ يُمْكُنُ أَنْ
نَلْمَحَ شَيئاً يَسِيْراً مِنْ ذلكَ علَى نَحْوٍ مِنَ البُعدِ فِي مَا
رَوَاهُ(عليه السلام) عَنْ جدِّهِ(صلى الله عليه وآله) حِيْنَ سأَلَه أَبُو جَهْلٍ
بِقَوْلِه: «يا محمدُ، إِنَّ الخًيُوطَ التي في رَأْسِك هِي التي ضَيَّقَتْ
عَلَيْكَ مَكَّةَ، وَرَمَتْ بِكَ إلى يَثْرِبَ، وَإِنَّها لا تَزَالُ بِكَ تنفركُ،
وَتَحُثُّكَ عَلَى مَا يُفْسِدُكَ وَيُتْلِفُكَ إلى أَنْ تُفْسِدَهَا عَلَى
أَهْلِهَا، وَتُصْلِيْهِم حَرَّ نَارِ جَهَنَّمَ وَتَعديْكَ طَوْرَكَ، وَمَا
أَرَىَ ذلكَ إِلَّا وَسَيَؤُوْلُ إِلَى أَنْ تَثُوْرَ عَلَيْكَ قُرَيْشُ ثَوْرَةَ
رَجُلٍ وَاحِدٍ لِقَصْدِ آثَارِكَ وَدَفْعِ ضَرِّكَ وبَلائِكَ، فَتَلَقاهم
بِسُفَهائِكَ المُغْتَرِّيْنَ بِكَ، وَيُسَاعِدَكَ عَلَى ذلكَ مَنْ هُوَ كَافِرٌ
بِكَ مُبْغِضٌ لَكَ، فَيُلْجِئُهُ إِلَى مُسَاعَدَتِكَ وَمُظَافَرَتِكَ خَوْفُهُ
لِأَنْ لَا يُهْلِكَ بِهَلاكِكَ، وَيَعْطبُ عِيَالهُ بِعَطبِكَ، وَيَفْتَقِرَ هُوَ
وَمَنْ يَلِيْهِ بِفَقْرِكَ وَبِفَقْرِ شِيْعَتِكَ، إِذْ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ
أَعْدَاءَكَ إِذَا قَهَرُوْكَ، وَدَخَلُوا دِيَارَهُم عَنْوَةُ لَمْ يُفَرِّقُوا
بَيْنَ مَنْ وَالاكَ وَعَادَاكَ، وَاصْطَلَمُوهم[81]
بِاصْطِلَامِهِم لَكَ، وَأَتَوا عَلَى عِيَالاتِهِم وَأَمْوالِهِم بِالسبَي
وَالنَّهْبِ كَمَا يَأْتُوْنَ عَلىَ أَمْوَالِكَ وَعِيَالِكَ، وَقَدْ أُعْذِرَ
مَنْ أَنْذَرَ، وَبَالَغَ مَنْ أَوْضَح»[82]
فَجَاءَ جَوَابُهُ (صلى الله عليه وآله):
«قَدْ أَطْرَيْتَ مُقَالَتَكَ، وَاسْتَكْمَلْتَ رِسَالَتَك؟ قَالَ: بَلَى. قَالَ:
فَاسْمَعِ الجَوَابَ، إِنَّ أَبَا جَهْلٍ بِالَمَكَارِهِ وَالعَطْبِ
يَتَهَدَّدنِي، وَرَبُّ العَالَمَيْنَ بِالنَّصْرِ وَالظَّفَرِ يَعِدُنِي،
وَخَبَرُ اللهِ أَصْدَقُ وَالقَبَوْلُ مِنَ اللهِ أَحَقُّ، لَنْ يَضُرَّ
مَحَمَّداً مَنْ خَذَلَه، أَوْ يَغْضب عَلَيْهِ بَعْدَ أَنْ يَنْصُرَه اللهُ
وَيَتَفَضَّل بِجُوْدِهِ وَكَرَمِهِ عَلَيْهِ، قُلْ لَهُ: يَا أَبَا جَهْلٍ،
إِنَّكَ وَاصَلْتَنِي بِمَا أَلْقَاُهُ فِي خلدِكَ الشَّيْطَانُ، وَأَنَا
أُجِيْبُكَ بَمَا أَلْقَاُه في خَاطِرِي الرَّحْمَنُ، إِنَّ الحَرْبَ بَيْنَنَا
وَبَيْنَكَ كَائِنَةٌ إِلَى تِسْعٍ وَعِشْرِيْنَ يَوْماً، وَإِنَّ اللهَ
سَيَقْتُلكَ فِيْهَا بِأَضْعَفِ أَصْحَابِي، وَسَتُلْقَى أَنْتَ وَشَيْبَةُ
وَعُتْبَةُ وَالوَلِيْدُ وَفُلانُ وَفُلانُ - وَذَكرَ عَدَداً مِنْ قُرَيْش - فِي
قَلِيْبِ بَدْرٍ مَقْتُوْلِيْنَ، أَقْتُلُ مِنْكُم سَبْعِيْنَ وَآسِرُ مِنْكُم
سَبْعِيْنَ، وَأَحْمِلُهُم عَلَى الفِدَاءِ الثَّقِيْل»[83].
مَا يُمْكِنُ أَنْ نَعُدَّهُ جَانِباً تَخَيُّليّاً فِي هَذِيْنِ النَّصَّيْنِ
يَكُوْنُ مِنْ جِهَتَيْنِ، الأَوْلَى: القَائِلُ الأَوَّلُ فِي النَّصِ الأَوَّلِ
هُوَ أَبُوْ جَهْلٍ(المُخَاطِِبُ)، إِذْ تَخيَّلَ فِي ذِهْنِهِ وَفِكْرِهِ أَنَّهُ
وَقُرَيْش مُنْتَصِرُوْنَ عَلَى الرَّسُوْلِ وَالْمُسْلِمِيْنَ، فَتَخَيَّلَ مَا
يَفْعَلُهُ، وَيَعْمَلُهُ بِالْمُسْلمِيْنَ بَعْدَ انْتِصَارِهِ، بَلْ هُوَ
مُعْتَقدٌ بِذَلِكَ، جَازِمٌ بِهِ، بِعَقِيْدَتِهِ المُتَخَيَّلَةِ كَذِلِكَ.
والجِهَةُ الأُخْرَى: قَوْلُ الرَّسُوْلِ(صلى الله عليه وآله) وَجَوَابُهُ،
وَلِكِنَّ الفَرْقَ بَيْنَ التَّخيُّلَيْنِ، أَنَّ الأَوَّلَ مَحْضُ ضَلاَلٍ
وَكِذْبٍ وَعَقِيْدِةٍ بَاطِلَةٍ وَرَأْيٍ فَاسِدٍ، وَالآخَرُ: لَيْسَ تَخَيُّلا،
بَلْ هُوَ حَقِيْقَةٌ ثَابِتَةً تَسْتَنِدُ إِلَى رُكْنٍ عَظِيْمٍ هُوَ اللهُ سُبْحَانَهُ،
وَلَكِنَّنَا يُمْكِنُ أَنْ نُسَمِّيَه تُخَيُّلا عَلَى المَجَازِ مِنْ بَابِ
المُشَاكَلَةِ وَالمُقَابَلَة. أَمَّا دَوْرُ الإِمَامُ العَسْكَرِيُّ(عليه
السلام) فِي هَذَا فَهُوَ نَاقِلٌ لَهُ وَمُسْتَشْهِدٌ بِهِ فِي مَوْقِفٍ وَظَرْفٍ
مُشَابِهَيْنِ لِمَا حَدَثَ مَعَ الرَّسُولِ (عَلَيهِ وَآلِهِ الصَّلاةُ
وَالسَّلامُ)؛ فَكَأَنَّ ذَلكَ قَوْلُهُ وَكَلَامُهُ وَخِطَابُهُ(عليه السلام)؛
إِذْ رَسَم(عليه السلام) صُوْرَةً لِأَتْبَاعِ الحَقِّ وَمَنْهَجِ الصِّدْقِ؛
لِتَقْرِيْبِ المَعْنَى الذِّهْنِي المُتَخَيَّلِ فِي أَذْهَانِ المُخَاطَبِيْنَ
وَمُقَابَلَتِهِ بمِعَنْىً حِسّيٍّ مُدرَكٍ بِالْحَوَّاسِّ فِي الحَيَاةِ
الدُّنْيَا؛ فيفهمون قَصْدَ هَذَا الخِطَابِ وَغَايَتَه.
7- اسْتِحْضَارُ التَّارِيْخِ وَالتُّرَاثِ: لِذِكْرِ
التَّارِيْخِ ومَا يَنْطِوي عَلَيْهِ التُّرَاثُ أَثرٌ مُهِمٌّ فِي فَهْمِ
النَّصِّ وَإِيْصَالِ دَلَالَاتِهِ إِلَى المُخَاطَبِ وَالمُتَلَقِّي، وَخَلْقِ
تَفَاعُلٍ اجْتِمَاعيٍّ وَثَقَافِيٍّ بَيْنَ المُتَكَلِّمِ أَوْ صَاحِبِ النَّصِّ
وَالمُخَاطَب أَوْ المُتَلَقِّي، وَهَذا يَجْعَلُ الخِطَابَ ذَا مَعْرِفَةٍ
سِيَاقِيَّةٍ تَدَاوُليَّةٍ بَيْنَهُمَا؛ فَيَتَّضِحُ المَوْضُوعُ
والأَيديُولوجِيَّاتُ المُتَدَاخِلَةُ فِيْهِ، فَالذِّكْرَيَاتُ وَالتَّارِيْخُ
تُزَوِّدُ القَارِئَ وَالْمُتَلَقِّي وَالمُخَاطِبَ بالمَعْلُوْمَاتِ؛ لِأنَّها
تُقَرِّبُهُم مِنْ مَخْزُوْنِهَا الثَّقَافِيّ الذِي تشَكَّل فِي المَاضِي
المُشْتَرَكِ بَيْنَهم جَمِيْعاً وَهَذَا يُثْرِي عَمَلِيَّةَ فَهْمِ النَّصَّ
وَدَلَالَاتِهِ التي يَحْمِلُها الخِطَاب[84].
مِنْ ذَلكَ قَوْلُهُ(عليه السلام): «حَدّثَنِي أَبِي عَنْ أَبِيْهِ (عليه السلام)
أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ (صلى الله عليه وآله) كَانَ مِنْ خِيَارِ أَصْحَابِهِ عِنْده
أَبُو ذَرٍ الغِفَارِيَ، فَجَاءَه ذَاتَ يَوْمٍ، فَقَالَ: يَا رَسُوْلَ اللهِ
إِنَّ لِي غُنَيْمَاتٍ قَدْرَ سِتّيْنَ شَاةْ، أَكْرَهُ أَنْ أَبْدُو فِيْهَا،
وَأُفَارِقَ حَضْرَتَكَ وَخِدْمَتَكَ، وَأَكْرَهُ أَنْ أَكِلَهَا إِلَى رَاعٍ؛
فَيَظْلِمَهَا، وَيُسَيْء رِعَايَتَهَا، فَكَيْفَ أَصْنَعُ؟ فَقَالَ رَسُوْلُ
اللهِ (صلى الله عليه وآله): أبْدِ فِيْهَا، فَبَدَا فِيْهَا. فَلَمّا كَانَ فِي
اليَوْمِ السَّابِعِ جَاءَ إِلَى رَسُوْلِ اللهِ (صلى الله عليه وآله)، فَقَالَ
رَسُوْلُ اللهِ (صلى الله عليه وآله): يَا أَبَا ذَر فَقَالَ: لَبّيكَ يَا
رَسُوْلَ اللهِ، فَقَالَ: مَا فَعَلْتَ فِي غُنَيْمَاتِكَ؟ قَالَ: يَا رَسُوْلَ
اللهِ إِنَّ لَهَا قِصَّةً عَجِيْبَة، فَقَالَ: وَمَا هِيَ؟ قَالَ: يَا رَسُوْلَ
اللهِ بَيْنَمَا أَنَا فِي صَلَاةٍ إِذْ عَدَا الذّئْبُ عَلَى غَنَمِي، فَقُلْتُ:
يَا رَبِّ صَلَاتِي يَا رَبِّ غَنَمِي، وَآثَرْتُ صَلَاتِي عَلَى غَنَمِي،
فَأَخْطَرَ الشّيْطَانُ بِبِالِي، يَا أَبَا ذَر أَيْنَ أَنْتَ إِنْ عَدَتِ
الذّئابُ بِغَنَمِكَ وَأَنْتَ تُصَلِّي، فَأَهْلَكَتْهَا كُلّهَا، وَمَا يَبْقَى
لَكَ فِي الدّنْيَا مَا تَعِيْشُ بِهِ؟، فَقُلْتُ لِلْشّيْطَانِ: يَبْقَى
تَوْحِيْدُ اللهِ وَالإِيْمَانُ بِمُحَمَّدٍ رَسُوْلِ اللهِ (صلى الله عليه وآله)
وَمُوَالَاةِ أَخِيْهِ سَيِّدِ الخَلْقِ بَعْدَهُ عَلَيّ بِنِ أَبِيْ طَالِبٍ
وَمُوَالَاةِ الأَئِمَّةِ الطّاهِرِيْنَ مِنْ وُلْدِهِ وَمُعَادَاةِ أَعْدَائِهِم،
وَكُلُّ مَا فَاتَ مِنَ الدّنْيَا بَعْدَ ذَلكَ سَهْلٌ، وَأَقْبَلْتُ عَلَى
صَلَاتِي. فَجَاءَ ذِئْبٌ فَأَخَذَ حَمْلاً، فَذَهَبَ بِهِ وَأَنَا أحِسُّ بِهِ
إِذْ أَقْبَلَ عَلَى الذّئبِ أَسَدٌ، فَقَطعَهُ نِصْفَيْنِ، وَاسْتَنْقَذَ
الحَمْلَ، وَرَدّهُ إِلَى القَطِيْعِ، ثُمَّ نَادَى: يَا أَبَا ذَر أَقْبِل عَلَى
صَلَاتِكَ، فَإِنَّ اللهَ قَدْ وَكّلَنِي بِغَنَمِكَ إِلَى أَنْ تُصَلّي،
فَأَقْبَلتُ عَلَى صَلَاتِي، وَقَدْ غَشِيَنِي مِنَ التَّعَجُّبِ مَا لَا
يَعْلَمُهُ إِلَّا اللهُ، فَجَاءَنِي الأَسَدُ، وَقَالَ: امْضِ إِلَى مُحَمّدٍ
وَأَقْرِئْهُ السَّلَامَ، وَأَخْبِرْهُ أَنَّ اللهَ قَدْ أَكْرَمَ صَاحِبَكَ الحَافِظَ
لِشَرِيْعَتِكَ، وَوَكّلَ أَسَداً بِغَنَمِهِ، يَحْفَظُهَا، فَعَجِبَ مِنْ ذَلِكَ
مَنْ حَوْلَ رَسُوْلِ اللهِ (صلى الله عليه وآله)»[85]
إِذْ استَحْضَرَ(عليه السلام) شَيْئاً مِنْ سُنَّةِ جَدِّهِ (صلى الله عليه وآله)،
وَصَاحِبِهِ أَبِي ذَر الغِفَارِي(رضي الله عنه)، فَاسْتِحْضَارُ التَّارِيْخِ فِي
هَذَا القَوْلِ لَهُ الأَثَرُ الكَبِيْرُ فِي إِيْصَالِ المَعْنَى المَقْصُوْدِ
وَالدَّلَالةِ المُبْتَغَاةِ إِلَى المُخَاطَبِ، فَالنَّصُّ يُفِيْدُ تَرْغِيْبَ
المُخَاطَبِ وَالسَّامِعِ فِي تَعْظِيْمِ أَمْرِ الصَّلاةِ، إِذْ هِيَ عَمُوْدُ
الدِّيْنِ، وَكَذَلِكَ تَعْظِيْمُ أَمْرِ التَّوَكُّلِ عَلى اللهِ سُبْحَانَهُ فِي
كُلِّ أَمْرْ مِنْ أُمُوْرِ الدُّنْيَا وَالالْتِجَاءِ إِلَيْهِ، وَهَذَانِ لَا
يَصْدُرَانِ إِلَّا مِمَّنْ عَظُمَ إِيْمَانُهُ وَقَوِيَ دِيْنُهُ باللهِ
سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَبِرُسُلِهِ وَأَنْبِيَائِهِ، وَبِمَا جَاءُوا بِهِ
وَبَلَّغوْهُ عَنِ المَوْلَى سُبْحَانَه.
8- السِّياقُ الاجْتِمَاعِيّ وَالمَوْرُوْثُ الشَّعْبيّ:
السِّيَاقُ
الاجْتِمَاعِيّ أَدَاةٌ مُهمَّةٌ فِي فَهْمِ الخِطَابِ، يَتَجلَّىَ فِي الِقَيِم
والأَعْرَافِ الاجْتِمَاعِيَّةِ وَالعَادَاتِ وَالتَّقَالِيْدِ، يُمَكِّنُ المتكلم
أَوْ صَاحِبَ النَّصِّ مِنْ إِيْصَالِ المَعْنَى الذِي يَقْصُدُهُ إِلَى
المَخَاطَبِ وَالمُتَلَقِّي بِالاعْتِمَادِ عَلَى قِرَاءَتِهِمَا وَذَهْنِهَما
وَخَيَالِهِمَا وَكَفَاءَتِهِمَا الثَّقَافِيَّةِ وَالمَعْرِفِيَّةِ،
وَالمَوْرُوْثُ الشَّعْبِيّ يُثْرْي المَعَارِفَ العَامَّةَ وَالخَاصَّةَ،
وَيَحْمِلُ مَعَانِيَ وَدَلَالاتٍ كَثِيْرَةٍ، يَفْتَحُ أَبْوَابَ الفَهْمِ
وَمَعْرِفَةَ الدَّلَالَةِ أَمَامَ المُخَاطَبِ وَالمُتَلَقِّي مِنْ أَجْلِ
الوُصُوْلِ إِلَى مَقَاصِدَ المُتَكَلِّمِ أَوْ صَاحِبِ النَّصِّ[86].
وَهُمَا يُمَثِّلِانِ مَظْهراً تَدَاوليّاً، وَظِيْفَتُهُ بَيَانَ المَعْنَى
وَالدَّلَالَةِ بَيْنَ المُتَكَلَّمِ وَالمُخَاطَب. وَيَتَجلَّى هَذَا المَظْهَرُ
فِي مَا رَوَاهُ العَسْكَرِيُّ عَنْ جَدِّهِ (صلى الله عليه وآله): «إِنَّ
رَسَوْلَ اللهِ (صلى الله عليه وآله) كَانَ قَاعِداً ذَاتَ يَوْمٍ بِفِنَاءِ
الكَعْبَةِ، إِذْ قَالَ لَهُ عَبْدُ اللهِ بِنِ أُمَيَّةَ المَخْزُوْمِي: لَوْ
أَرَادَ اللهُ أَنْ يَبْعَثَ إِلِيْنَا رَسُولاً لَبَعَثَ أَجَلَّ مَنْ فِيْمَا
بَيْنَنَا مَالاً وَأَحْسَنَهُ حَالاً، فَهَلَّا نَزَلَ هَذَا القُرْآنُ الذِي
تَزْعُمُ أَنَّ اللهً أَنْزَلَهُ عَلَيْكَ وانْبَعَثَكَ بِهَ رَسُولاً عَلَى
رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيْمٍ؛ إِمَّا الوَلِيْد بِن المُغِيْرَة بِمَكَّة،
وَإِمَّا عُرْوَةَ بِنِ مَسْعُوْدٍ الثَّقَفِي بِالطَّائِفِ؟ فَقَالَ (صلى الله
عليه وآله): أَمَّا قَوْلُكَ لَوْلَا نَزَلَ هَذَا القُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ
القَرْيَتَيْنِ عَظِيْمِ؛ الوَلِيْد بِن المُغِيْرَة بِمَكَّةَ، أَوْ عُرْوَةَ
بِالطَّائِفِ، فَإِنَّ اللهَ لَيْسَ يَسْتَعْظِمُ مَالَ الدُّنْيَا كَمَا
تَسْتَعظِمُ أَنْتَ، وَلَا خَطَرَ لَهُ عِنْدَهُ كَمَا لَهُ عِنْدَكَ، بَلْ لَو
كَانَتِ الدُّنْيَا عِنْدَهُ تَعْدِلُ جَنَاحَ بَعُوْضَةٍ مَا سَقَى كَافِراً بِهِ
مُخَالِفاً شِرْبَةَ مَاء. وَلَيْسَ قِسْمَةُ رَحْمَةِ اللهِ إليْكَ، بَلْ اللهُ
القَاسِمُ لِلرحْمَاتِ، وَالفَاعِلُ لِمَا يَشَاءُ فِي عَبِيْدِهِ وَإِمَائِهِ.
وَلَيْسَ هُوَ عَزَّ وَجَلَّ مِمَّنْ يَخَافُ أَحَداً كَما تَخَافُهُ أَنْتَ
لِمَالِهِ وَحَالِهِ، فَعَرَفْتَهُ بِالنُّبُوَّةِ لِذَلِكَ، وَلَا مِمَّنْ
يَطْمَعُ فِي أَحَدٍ فِي مَالِهِ أَوْ حَالِهِ كَمَا تَطْمَعُ أَنْتَ، فَتَخُصُّهُ
بِالنُّبُوَّةِ لِذَلِكَ، وَلَا مِمَّنْ يحِبُّ أَحَداً مَحَبَّةَ الهَوَى كَمَا
تُحِبُّ؛ فَيُقَدِّمَ مَنْ لَا يَسْتَحِقُّ التَّقْدِيْمَ، وَإِنَّمَا مُعَامَلَتُهُ
بَالْعَدْلِ، فَلَا يُؤْثِرُ لِأَفْضَلِ مَرَاتِبِ الدِّيْنِ وَخِلَالِهِ إِلَّا
الأَفْضَلَ فِي طَاعَتِهِ وَالأَجَدَّ فِي خِدْمَتِهِ، وَكَذَا لَا يُؤَخِّرُ فِي
مَرَاتِبِ الدِّيْنِ وَخِلَالِهِ إِلَّا أَشَدَّهُم تَبَاطُأً عَنْ طَاعَتِهِ.
وَإِذَا كَانَ هَذَا صِفَتُهُ، لَمْ يَنْظُرْ إِلَى مَالٍ وَلَا إِلَى حَالٍ، بَلْ
هَذَا المَالُ وَالحَالُ مِنْ تَفَضُّلِهِ، وَلَيْسَ لِأَحَدٍ إِكْرَاهُهُ مِنْ
عِبَادِهِ عَلَيْهِ ضَرِيْبَةَ لَازِبِ، فَلَا يُقَالُ لَهُ: إِذَا تَفضَّلْتَ
بِالمَالِ عَلَى عَبْدٍ فَلَا بُدَّ أَنْ تَتَفَضَّلَ عَلَيْهِ بِالنُّبُوَّةِ
أَيْضاً؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لِأَحَدٍ إِكْرَاهُهُ عَلَى خِلَافِ مُرَادِهِ؛ وَلَا
إِلْزَامُهُ تَفَضُّلاً؛ لِأَنَّهُ تَفَضُّلٌ قَبِلَهُ بِنِعْمَةٍ. أَلَا تَرَى
يَا عَبْدَ اللهِ كَيْفَ أَغْنَى وَاحِداً وَقَبَّحَ صُوْرَتِهِ؟، وَكَيْفَ
حَسَّنَ صُوْرَةَ وَاحِدٍ وَأَفْقَرَهُ؟، وَكَيْفَ شَرَّفَ وَاحِداً
وَأَفْقَرَهُ؟، وَكَيْفَ أَغْنَى وَاحِداً وَوَضَعَهُ ؟ ثُمَّ لَيْسَ لِهَذَا
الغَنِيِّ أَنْ يَقُوْلَ: هَلَّا أضِيْف إِلَى يَسَارِي جَمَال فُلَان ؟ وَلَا
لِلْجَمِيْلِ أَنْ يَقُوْلَ: هَلَّا أضِيْف إِلَى جَمَالِي مَال فُلَان ؟ وَلَا
لِلْشَرِيْفِ أَنْ يَقُوْلَ: هَلَّا أضِيْف إِلَى شَرَفِي مَالَ فُلَان ؟ وَلَا
لِلَوِضِيْعِ أَنْ يَقُوْلَ: هَلَّا أضِيْف إِلَى مَالِي شَرَف فُلَان؟ وَلَكِنَّ
الحُكْمَ للهِ، يُقَسِّمُ كَيْفَ يَشَاءُ، وَيَفْعَلُ كَمَا يَشَاءُ، وَهُوَ
حَكِيْمٌ فِي أَفْعَالِهِ، مَحْمُوْدٌ فِي أَعْمَالِهِ. وَذَلِكَ قَوْلُهُ: (وَقَالُوا
لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْءَانُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ)[87]،
قَالَ اللهُ: (أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ)[88].
يَا مًحَمَّدُ (نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ
الدُّنْيَا)[89]،
فَأَحْوَجنَا بَعْضاً إِلَى بَعْضٍ؛ أحْوجَ هَذَا إِلَى مَالِ ذَلِكَ،
وَأحْوجَ ذَلِكَ إِلَى سِلْعَةِ هَذَا وَاِلَى خِدْمَتِهِ. فَتَرَى أَجَلَّ
المُلُوْكِ وَأَغْنَى الأَغْنِيَاءِ مُحْتَاجاً إِلَى أَفْقَرِ الفُقَرَاءِ فِي
ضَرْبٍ مِنَ الضُّرْوِبِ، إِمَّا سِلْعَةً مَعَهُ لَيْسَتْ مَعَهُ، وَإِمَّا
خِدْمَةً يَصْلُحُ لَهَا يِتَهَيُّأٍ لِذَلكَ المَلْكِ أَنْ يَسْتَغْنِى إِلَّا
بِهِ، وَإِمَّا بَابٍ مِنَ العُلُوْمِ وَالحِكْمَةِ، هُوَ فَقِيْرٌ إِلَى أَنْ
يَسْتَفِيْدَهَا مِنْ هَذَا الَفقِيْرِ الذِي يَحْتَاجُ إلَى مَالِ ذَلِكَ المَلِك
الغَنِيّ، وَذَلكَ المَلِكُ يَحْتَاجُ إِلَى عِلْمِ هَذَا الفَقِيْرِ أَوْ
رَأْيِهِ أَوْ مَعْرِفَتِهِ. ثُمَّ لَيْسَ لِلْمَلِكِ أَنْ يَقُوْلَ: هَلَّا
اجْتَمَعَ إِلَى مَالِي عِلْمُ هَذَا الفَقِيْر، وَلَا لِلْفَقِيْرِ أَنْ
يَقُوْلَ: هَلَّا اجْتَمَعَ إِلَى رَأْيِي وَمَعْرِفَتِي وَعِلْمِي وَمَا
اتَصَرَّفُ فِيْهِ مِنْ فُنُوْنِ الحُكْمِ مَالُ هَذَا المَلِك الغَنِيّ؟»[90]؛
فَالْعَسْكَرِيّ(عليه السلام) عَلَى عِلْمٍ بِهَذَا المَوْرُوْثِ الاجْتِمَاعِي
الذِي يَتَمَثَّلُ بِنَوَازِعِ النَّفْسِ البَشَرِيَّةِ عِنْدَ النَّاسِ وَمَا
تَنْطَوِي عَلَيْهِ نُفُوْسُ القَوْمِ فِي المُجْتَمَعِ؛ فَعَادَةُ البَشَرِ
تتَجَّهُ نَحْوَ التِمَاسِ الشَّاهِدِ وَالدَّلِيْلِ فِي تَقَبُّلِ الأُمُوْرِ
التِي تُنْقلُ إِلَيْهِم، وَلَاسِيَّمَا الكَبِيْرَةُ وَالعَظِيْمَةُ مِنْهَا،
وَتَحْتَاجُ إِلَى قَوْلٍ فَصْلٍ مِنْ مَصْدَرٍ قَوِيّ لَا يَرْقَى إِلَيْهِ
الشَّكُّ، وَهَذَا مَا بيَّنَهُ (عليه السلام) في كَلَامِهِ المُبَارَكِ؛
فَأَوْرَدَ الخِطَابَ عَلَى هَيْأَةِ حَادِثَةٍ تَارِيْخِيَّةٍ وَموروث اجتماعي
معروف بَيْنَ النَّاسِ فِي المُجْتَمَعِ؛ فَيَأْخُذُ خِطَابُهُ الأَثَرَ الفَاعِلَ
فِي نُفُوْسِ المُخَاطَبِيْنَ بِهِ؛ فَيَتَحَقَّقُ الهَدَفُ المَنْشُوْدُ؛ وَهُوَ
إِيْصَالُ الدَّلَالَةِ المَقْصُوْدَةِ.
9- الرَّمْزُ: الرُّمُوْزُ لَهَا بُعدٌ
دَلَالي تَدَاوليّ؛ لِذَا تُسْتَعْمَلُ كَأَدَوَاتٍ وَوَسَائِلَ فِي النُّصُوْصِ
الإبْلَاغِيَّةِ وَفِي الخِطَابَاتِ؛ لِإِيْصَالِ المَعَانِي، فَتَقُوْمُ
بِوَظِيْفَةِ التَّوْصِيْلِ وَالتَّأْثِيْرِ؛ لِأَنَّ لَهَا دَلَالَاتٍ
تَدَاولِيَّةً مُتَعَارفاً عَلَيها بَيْنَ المُتَكَلمِ أَوْ صَاحِبَ النَّصِّ
وَالمُخَاطَبِ أَوْ المُتِلَقِّي أَوْ القَارِئ أَوْ المُسْتَمِع[91].
وَلَعَلَّ أَوْضْحَ مِثَالٍ ظَاهِرٍ قَدْ نَجِد فِيْه دَلَالةً رَمْزيَّة أَوْ
إِشَارَةً رَمْزيَّة يَحْتَمِلُهَا النَّصُّ قَوْلُهُ المَشْهُوْرُ(عليه السلام):
«عَلَامَاتُ المُؤْمِنِ خَمْسٌ: صَلَاةُ الإحْدَى وَخَمْسِيْن، وَزِيَارَةُ
الأَرْبَعِيْنِ، وَتَعْفِيْرُ الجَبِيْنِ، وَالتَّخَتّمُ فِي اليَمِيْنِ،
وَالجَهْرُ بِبِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْم»[92]،
فَصَارَ هَذَا القَوْلُ الصَّادِقُ رَمْزاً دَالاً يُشَارُ بِهِ إِلَى كُلِّ
مُؤْمِنٍ شِيْعِيٍّ؛ إِذْ إنَّ «زِيَارَةَ حَضْرَةِ سَيِّدِ الشُّهَدَاءِ فِي
يَوْمِ الأَرْبَعِيْنِ مِنْ مُخْتَصَّاتِ الشِّيْعَةِ، وَقَدْ طَرَحَهَا الإِمَامُ
الحَسَنُ العَسْكَرِيّ(عليه السلام) بِعُنْوَانِ أَنَّهَا شعَارٌ وَعَلَامَةٌ
لِلإِنْسِانِ الشِّيْعِيّ، كَمَا أَنَّ تَعْفِيْرَ الجَبِيْنِ بِالتُّرَابِ هُوَ
مِنْ عَلَامَاتِ الشِّيْعِيّ، وَكَذَلِكَ الجَهْرُ بِالْبَسْمَلَةِ، وَالقِيَامُ
بَالنَّوَافِلِ طبْقاً لِتَعَالِيْمِ الأَئِمَّةِ المَعْصُوْمِيْنَ (عليهم
السلام)»[93].
10 – التَّحَفُّظَاتُ الخِطَابِيَّةُ (الأَقْوَالِ
المُضْمَرَةُ): أَغْلَبُ النُّصُوصِ الأَدَبِيَّةِ العَالِيَةِ
تَتَضَمَّنُ أَقْوَالاً مُضْمَرَةً لَهَا مَعَانٍ وَدَلَالَات مُتَنَوِّعَةً
وَمُخْتَلِفَةً، يَقْصُدُهَا المُتَكَلِّمُ أَوْ صَاحِبُ النَّصِّ بَيْنَ
أَلْفَاظِ النَّصِّ وَتَراكِيْبِهِ علَى الرَّغْمِ مِنْ عَدَمِ ذِكْرِ
أَقْوَالِهَا، فَالأَقْوَالُ المُضْمَرِةُ هِيَ «كُتْلَةُ المَعْلُوْمَاتُ التِي
يُمْكِنُ لِلْخِطَابِ أَنْ يَحْتَوِيها، وَلِكِنَّ تَحْقِيْقَهَا فِي الوَاقِعِ
يَبْقَى رَهْنَ خُصُوْصِيَّاتِ سِيَاقِ الحَدِيْث»[94].
وَهَذَا الإِضْمَاُر يَتَطَلّبُ أُسْلُوباً خِطَابياً مشحوناً وَمَحْبُوكاً
بِالبَلَاغَةِ وَتَوْظِيْفَاتِهَا النَّاجِعَةِ، وَهُوَ مَظْهرٌ تَدَاوليّ
مُقَيَّدٌ أَيْضاً بِظُرُوْفِ الخِطَابِ وَمَوَاقِفِهِ وَأَحْوَالِهِ التي
تَسْتَلْزِمُ الإِضْمَارَ، وَتَسْتَدْعِيْهِ عَلَى وَفَقِ حَالِ المتكلم
وَالمُخَاطَبِ والمُتَلَقِّي وَالمُسْتَمِع، فَهُنَاكَ أَحْوالٌ تَجْعَلُ
الإِضْمَارَ فِي الخِطَابِ ضَرُوْرَةً؛ كَيْ يُوْصِلَ الرِّسَالَةَ وَمَقْصَد
المُتَكَلِّمِ كَمَا يُرِيْدُهُ، وَهُنَاك أَحْوَالٌ لِلْخِطَاب تَأْبَى الإِضْمَارَ،
وَتُبْعِدُهُ عَنْ سَاحَةِ النَّصِّ وَالخِطَابِ؛ لِأَنَّ ظُرُوْفَهُمَا، وَحَالَ
المُتَكَلِّمِ وَالمُخَاطَبِ تَقْتَضِي المُبَاشَرَةَ فِي الكَلَامِ وَالوُضُوحَ
وَالبَيَانِ فِي المَعَانيِ وَالدَّلَالَاتِ، وَهَذا الاقْتِضَاءُ يُنَافيِ
الإِضْمَارَ، بَلْ أَرْكَانَ عَمَلِيِّةِ التَّخَاطُبِ كُلَّهَا (صَاحِب النًصِّ،
المُخَاطَب، النَّصّ، مَوْقِف الخِطَابِ أَوْ ظُرْوْفه)؛ وَلَكِنَّنا قَدْ نَجِدُ
فِي كَلَامِهِ (عليه السلام) مَا يُمْكِنُ أَنْ نَعُدَّهُ مِنْ التَّحَفُظَاتِ
الخِطَابِيَّةِ التِي لَمْ يُصَرَّحْ بِهَا، كَخِطَابِ آبَائِهِ(عليهم السلام)
مَعَ مُخَالِفِيْهِم وَمُنَاصِبِيْهم العِدَاءَ، آمِرِيْنَ أَصْحَابَهُم(عليهم
السلام)
بِاتِّخَاذِ خِطَابِهِم أُنْمُوْذجاً يَحْتَذِوْنَهُ مَعَ غَيْرِهِم، مِنْهَا
عَدَمُ الحَطِّ مِنْ شَأْنِ بَعْضِهِم بِذِكْرِهِم بِمَا يُسِيْءُ لَهُمْ فِي
ثَنَايَا الخِطَابِ حِفَاظاً عَلَى مَاءِ وُجُوْهِهم أَمَامَ الجَمْعِ الغَفِيْرِ
مِنَ النَّاسِ، إِذْ إِنَّ العَسْكَرِي(عليه السلام)
قَالَ: «قَالَ بَعْضُ المُخَالِفِيْنَ بَحَضْرَةِ الصَّادِقِ (عليه السلام)
لِرَجُلٍ مِنْ الشِّيَعَةِ: مَا تَقُوْلُ فِي العَشَرَةِ مِنَ الصَّحَابَةِ ؟
قَالَ: أَقُوْلُ فِيْهِم الخَيْرَ الجَمِيْلَ الذِي يَحِطُّ اللهُ بِهِ
سَيِّئَاتِي، وَيَرْفَعُ بِهِ دَرَجَاتِي. قَالَ السَّائِلُ: الحَمْدُ للهِ عَلى
مَا أَنْقَذَنِي مِنْ بُغْضِكَ، كُنْتُ أَظُنُّكَ رَافِضِيّاً تُبْغِضُ الصَّحَابَةِ!
فَقَالَ: مَنْ أَبْغَض ؟ أَلَا مَنْ أَبْغْضَ وَاحِداً مِنَ الصَّحَابَةِ
فَعَليْهِ لَعْنَةُ اللهِ، قَالَ: لَعَلَّكَ تَتَأَوَّلُ مَا تَقُوْلُ فِي مَن
أَبْغَضَ العَشَرَةِ مِنَ الصَّحَابَةِ ؟ فَقَالَ: مَنْ أَبْغَضَ العَشَرَةَ مِنَ
الصَّحَابَةِ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالمَلَائِكَةِ وَالنَّاِس أَجْمَعِيْنَ.
فَوَثَبَ، فَقَبِّلَ رَأْسَهُ، وَقَالَ: اجْعَلْنِي فِي حِلٍّ مِمَّا قَذَفْتُكَ
بِهِ مِنَ الرَّفْضِ قَبْلَ اليَوْم، قَالَ: أَنْتَ فِي حِلٍّ وَأَنْتَ أَخِي.
ثُمَّ انْصَرَفَ السَّائِلُ، وَقَالَ لَهُ الصَّادِقُ (عليه السلام): جَوَّدْتَ،
للهِ دَرُّكَ، لَقَدْ عَجِبَتْ المَلائِكَةُ فِي السَّمَاوَاتِ مِنْ حُسْنِ
تَوْرِيَتِكَ، وَتَلَفُّظِكَ بِمَا خَلَّصَكَ اللهُ، وَلَمْ تَثْلِمْ دِيْنَك،
وَزَادَ اللهُ فِي مُخَالِفِيْنَا غَماً إِلَى غَمٍّ، وَحَجَبَ عَنْهُم مُرَادَ
مُنْتَحِلِي مَوَدَّتِنَا فِي أَنْفُسِهِم، فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الصَّادِقِ
(عليه السلام): يَا ابْنَ رَسُوْلِ اللهِ، مَا عَقِلْنَا مِنْ كَلَامِ هَذَا
إِلَّا مُوَافَقَةَ صَاحِبِنَا لِهَذَا المُتَعَنِّتِ النَّاصِب، فَقَالَ
الصَّادِقُ (عليه السلام): لَئِنْ كُنْتُم لَمْ تَفْهَمُوا مَا عَنَى فَقَدْ
فَهِمْنَاهُ نَحْنُ، وَقَدْ شَكَرَهُ اللهُ لَه، إِنَّ المُوَالِي
لِأَوْلِيَائِنَا، المُعَادِي لِأَعْدَائِنَا إِذَا ابِتَلَاهُ اللهُ بِمَنْ
يَمْتَحِنُهُ مِنْ مُخَالِفِيْهِ وَفَّقَهُ لِجَوَابٍ يَسْلَمُ مَعَهُ دِيْنَهُ
وَعِرْضَهُ، وَيَعْصِمُهُ اللهُ بَالتَّقِيَّةِ، إِنَّ صَاحِبَكُم هَذَا قَالَ:
مَنْ عَابَ وَاحِداً مِنْهُم، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ، أَيْ مَنْ عَابَ
وَاحِداً مِنْهُم هُوَ أَمِيْرُ المُؤْمِنِيْنَ عَلِيُّ بِنُ أَبِيِ طَالِبِ(عليه
السلام)، وَقَالَ فِي الثَّانِيَةِ: مَنْ عَابَهُم أَوْ شَتَمَهُم فَعَلَيْهِ
لَعْنَةُ اللهِ، وَقَدْ صَدَقَ، لِأَنَّ مَنْ عَابَهُم فَقَدْ عَابَ عَلِيّاً
(عليه السلام)؛ لِأَنَّهُ أَحَدُهُم، فَإِذَا لَمْ يُعِبْ عَلِيّاً (عليه السلام)،
وَلَمْ يَذُمٌّهُ، فَلَمْ يُعِبْهُم، وَإِنَّمَا عَابَ بَعْضهُم»[95].
فَذَكَرَ كُلَّ ذَلكَ بِصُوْرَةٍ عَامَّةِ، وَمَا كَانَ مُتَفَرِّعاً عَنْهُ
مُضْمَرٌ مَعْلُومٌ فِي ذِهْنِ المُخَاطَبِ وَالْمُتَلَقِّي وَالسَّامِعِ، فَلَا
مُوْجِبَ لِذِكْرِهِ، وَلَا زِيَادَةَ بَيَانٍ لَهُ، بَل إِنَّ اضْمَارَهُ
أَفْصَحُ وَأَبْلَغُ مِنْ ذِكْرِهِ.
وَقَدْ أَوْرَدَ
القُرْآنُ الكَرِيْمُ مِثْلُ تِلْكَ التَّحَفُّظَاتِ، مِنْهَا مَا جَاءَ حِكَايَةً
عَنْ مُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ (حِزْقِيْل) مَعَ قَوْمِهِ، إِذْ «وَشَى بِهِ
الوَاشُوْنَ إِلَى فِرْعَوْنَ، وَقَالُوا: إِنَّ حِزْقِيْلَ يَدْعُو إِلَى
مُخَالَفَتِكَ، وَيُعَيْنُ أَعْدَاءَكَ عَلَى مُضَادَّتِكَ، فَقَالَ لَهُمْ
فِرْعَوْنُ: إِنَّهُ ابْنُ عَمِّي، وَخَلِيْفَتِي عَلَى مُلْكِي، وَوَلِيُّ
عَهْدِي، إِنْ فَعَلَ مَا قُلْتُمْ فَقَدْ اسْتَحَقَّ العَذَاب عَلَى كُفْرِهِ
لِنِعْمَتِي، وَإِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِيْنَ فَقَدْ اسْتَحْقَقْتُم أَشَدَّ
العَذَابِ لِإِيْثَارِكُم الدُّخُوْلَ فِي مَسَاءَتِهِ؛ فَجِيءَ بِحِزْقِيْلَ،
وَجَاءَ بِهِم، فَكَاشَفُوْهُ، وَقَالُوا: أَنْتَ تَجْحَدُ رُبُوْبِيَّةَ
فِرْعَوْنَ المَلِكِ، وَتَكْفُرُ نَعْمَاءَهُ، فَقَالَ حِزْقِيْلُ: أَيُّهَا
المَلِكُ، هَلْ جَرَّبْتَ عَلَيَّ كِذْباً قَطُّ ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَسَلْهُم
مَنْ رّبُّهُم ؟ قَالُوا: فِرْعَوْنُ، قَالَ: وَمَنْ خَالِقُكًم ؟ قَالُوا:
فِرْعَوْنُ هَذَا، قَالَ: وَمَنْ رَازِقُكُم؟، الكَافِلُ لِمَعايِشِكُم؟،
وَالدَّافِعُ عَنْكُم مَكَارِهَكُم ؟ قَالُوا: فِرْعَوْنُ هَذَا، قَالَ
حِزْقِيْلُ: أَيُّهَا المَلِكُ فَأُشْهِدُكَ وَمَنْ حَضَرَكَ أَنَّ رَبَّهُم هُوَ
رَبِّي، وَخَالِقَهُم هُوَ خَالِقِي، وَرَازِقَهُم هُوَ رَازِقِي، وَمُصْلِحَ
مَعَايِشهُم هُوَ مُصْلِحُ مَعايِشِي، لَا رَبَّ لِي، وَلَا خَالِقَ وَلَا رَازِقَ
غَيْرَ رَبِّهِم وَخَالِقِهِم وَرَازِقِهِم، وَأُشْهِدُكَ وَمَنْ حَضَرَكَ أَنَّ
كُلَّ رَبٍّ وَخَالِقٍ وَرَازِقٍ سُوَى رَبِّهِم وَخَالِقِهِم وَرَازِقِهِم
فَأَنَا بَرِيءٌ مِنْهٌ وَمِنْ رُبُوْبِيِّتِهِ، وَكَافِرٌ بِإلهيَّتِهِ. يَقُوْلُ
حِزْقِيْلُ هَذَا، وَهُوَ يَعْنِي أَنَّ رَبَّهُم هُوَ اللهُ رَبِّي، وَلَمْ
يَقُلْ: إِنَّ الذِي قَالُوا هُمْ إِنَّهُ رَبُّهُم هُوَ رَبِّي، وَخَفِي هَذَا
المَعْنَى عَلَى فِرْعَوْنَ وَمَنْ حَضَرَهُ، وًتًوًهَّمُوا أَنَّهُ يَقُوْلُ:
فِرْعَوْنُ رَبِّي وَخَالِقِي وَرَازِقِي، وَقَالَ لَهُم: يَا رَجَالَ السُّوْءِ،
وَيَا طُلَّابَ الفَسَادِ فِي مُلْكِي، وَمُرِيْدِي الفِتْنَة بَيْنِي وَبَيْنَ
ابْنِ عَمِّي وَعَضًدِي، أَنْتُمْ المُسْتَحِقُّوْنَ لِعَذِابِي، لِإِرَادَتِكُم
فَسَادَ أَمْرِي، وَإِهْلَاكَ ابنِ عَمِّي، وَالفَتَّ فِي عَضُدِي. ثُمَّ أَمَرَ
بِالأَوْتَادِ فَجُعِلَ فَي سَاقِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُم وَتَدٌ، وَفِي صَدْرِهِ
وَتَدٌ، وَأَمَر أَصْحَابَ أَمْشَاطِ الحَدِيْدِ فَشَقُّوا بِهَا لُحُوْمَهُم مِنْ
أَبْدَانِهِم، فَذَلِكَ مَا قَالَ اللهُ تَعَالَى: (فَوَقَاهُ اللهُ)[96]،
يَعْنِي حِزْقِيْلَ(سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا)[97]
لَمَّا وَشُوا بِهِ إِلَى فِرْعَوْنَ؛ لِيُهْلِكُوْهُ( وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ
سُوءُ الْعَذابِ) وَهُمْ الذِيْنَ وَشُوا بِحِزْقِيْلَ إِلَيْه»[98].
وَاللهُ وَرَسُوْلُهُ أَعْلَم.
هَذَا مَا
وَفًّقَنِي إِلَيْهِ رَبّي سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، اسْتَغْفِرُهُ وَأَتُوْبُ
إِلَيْهِ مِنَ الْخَطَأِ وَالزَّلَلِ، وَآخِرُ مَا أَقُوْلُهُ فِيهِ أَنِ
الْحَمْدُ لِلهِ رَبِّ العَاَلَمِيْنِ، وَالسَّلَامُ عَلَيْكُم.
الخَاتِمَةُ
بَعْدَ هَذِهِ الرِّحْلَةِ النَّافِعَةِ المُفِيْدَةِ
فِي كَلَامِ الإِمَامِ الحَسَنِ العَسْكَرِي(عليه السلام) المُبَارَكِ بَحْثاً
عَنِ الدَّلَالة التَّدَاوليَّةِ فِيْهِ؛ وَالتِقَاطِ دُرَرهِ وَنَفائِسِهِ فِي
ذَلِكَ، وَمَا سَطَّرَهُ(عليه السلام) مِنْ بَصَمَاتِ أَقْوَالِهِ المُقدَّسَةِ
فِي هَذَا العِلْمِ الْلِسَانِيّ، رَصَدْنَا فِي مَتْنِ البَحْثِ وَصَفَحَاتِهِ
عَدَداً مِمَّا يُمْكِنُ أَنْ نَحْسَبَهُ نَتَائِجَ، هِيَ النًّقَاطُ الآتِيَةُ:
كان خطابُهُ (عليه السلام) يُمثِّلُ أنموذجا لغويَّا
راقياً تجلَّت فيه مجموعة من مظاهر النظريَّة التداوليَّة في أبهى ألفاظها
وتراكيبها وصورها.
شكَّل خِطابُهُ (عليه السلام) نَسقاً تداولياً متوازياً
ومتساوياً في أقواله وكلامه، في التعبير وإيصال المعنى والدلالة والتأثير.
خلقت المظاهر
التداوليَّة في خِطابِهِ (عليه السلام) إطاراً تواصليّاً مستمراً بينه وبين
مخاطَبِهِ في أقواله كلها.
المظاهر والمكونات التداوليَّة في الخطاب جعلت تراكيب
كلامه(عليه السلام) تتمحور حول قضيَّة رئيسة تدور حولها يكتشفها المخاطَب بيسر
ووضوح.
أدَّت وظيفة البؤرة بعداً تداولياً تمثّل في رفدِ
المخاطَبِ بمعلوماتٍ متعدَّدة وأخبار؛ فخلقت ربطاً تواصلياً بين المُتَكلِّم
والمخاطَب.
6- تجلى الخطاب التداولي في كلامه(عليه السلام) بالأفعال
الكلاميَّة المباشرة بنسبةٍ كبيرة جدا كأفعال الأمر، والنهي، والتحذير، والنفي
والتوكيد والنداء؛ لأنَّها أنسبُ من غيرها لهذا الموضوع؛ لانسجامها مع أحوال
المتكلِّم والمُخاطَب وموضوع الخطاب والغرض منه أو الهدف، وكذلك المقاصد المبتغاة.
7- أركان الخطاب الرئيسة(المتكلِّم، المُخاطَب،
الرسالة(النَّص» تتجلَّى بشكلٍ واضحٍ ومستمر في كلَّ جملةٍ وفي كلِّ فِقرة وفي
كلِّ موضع، في نسقٍ خطابيٍ واحدٍ في كُلِّ قولٍ من أقواله المباركة(عليه السلام)،
فلم يختفِ ركنٌ منها، ولم يتبدّل نسقها؛ فيظهر البُعْدُ التداولي للخطاب بشكلٍ
واضحٍ جلي؛ يكشف عن دلالة موضوع الخطاب وأهميته.
وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، والصلاةُ
والسلامُ على رسولِهِ الكريمِ وآلِهِ الطيِّبين الطاهرين المعصومين. والسلامُ
عليكم ورحمةُ اللهِ وبركاتُهُ.
قائمة المصادر والمراجع:
القرآن الكريم.
الكتب المطبوعة:
1)
الأبطحي، السيد مرتضى،
الشيعة في أحاديث الفريقين، الطبعة الأولى، ١٤١٦هـ.
2)
ابن فارس، أبو الحسن
احمد، معجم مقاييس اللغة، تحقيق عبد السلام محمد هارون، الدر الإسلامية، 1990م.
3)
ابن منظور(ت 711هـ )،
لسان العرب، تحقيق أَمين محمد عبد الوَهّاب ومحمد الصادق العبيدي، دار إِحياء
التراث العربي، بيروت، الطبعة الثالثة، 1999م.
4)
أبو المظفر، منصور بن
محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزىّ السمعانيّ التميميّ الحنفيّ ثم الشافعيّ (ت
489هـ)، تفسير القرآن، تحقيق ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس بن غنيم، دار الوطن،
الرياض، السعودية، الطبعة الأولى، 1418هـ، 1997م.
5)
الأَحمد، نهلة فيصل،
التفاعل النّصي - التناصية النظرية والمنهج -، مطبعة مؤسسة اليمامة الصحفية،
الرياض، 1423هـ.
6)
أفاية، محمد نور الدين،
المتخيل والتواصل، مفارقات العرب والغرب، دار المنتخب العربي، الطبعة الأولى،
بيروت، 1993م.
7)
الإمام الحسن
العسكري(عليه السلام) (ت٢٦٠هـ)، تفسير العسكري، تحقيق مدرسة الإمام المهدي(عليه
السلام) الناشر مدرسة الإمام المهدي(عليه السلام)، قم المقدسة، الطبعة الأولى،
ربيع الأول ١٤٠٩هـ.
8)
بارة، عبد الغني،
إشكالية تأصيل الحداثة في الخِطَاب النقدي العربي المعاصر، مطابع الهيئة المصرية،
2005م.
9)
بوقرة، نعمان، المدارس
اللسانيَّة المعاصرة، القاهرة، مكتبة الآداب، 2004م.
10) بوقرة، نعمان، المصطلحات الأساسيَّة في لسانيَّات النَّص
وتحليل الخطاب، جدارا للكتاب العلميّ، عمَّان، الأردن، الطبعة الأولى 1429هـ،
2009م.
11) بول، ريكور، نظرية التأويل، ترجمة سعيد الغانمي، المركز
الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الثانية، 2006م.
12) التهانوي، محمد علي (ت 1158هـ)، كشَّاف اصطلاحات الفنون،
دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، 1998م.
13) الثعلبي، أحمد بن محمد بن إبراهيم (ت 427هـ)، الكشف
والبيان عن تفسير القرآن، تحقيق الإمام أبي محمد بن عاشور، دار إحياء التراث
العربي، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى 1422هـ، 2002 م.
14) ج، براون وج، سيرل، تحليل الخطاب، ترجمة وتعليق محمد
لطفي الزليطي ومنير التريكي، السعوديّة، جامعة الملك سعود، 1997م.
15) الجابري، محمد عابد، بنية العقل العربي دراسة تحليليّة
نقديّة لنظم المعرفة في الثقافة العربيّة، بيروت، الطبعة السادسة، 2000م.
16) الجاحظ، أَبو عثمان عمرو بن بحر، البيان والتبيين، تحقيق
عبد السلام محمد هارون، مكتبة الخانجي، الطبعة الخامسة، 1985م.
17) الجرجاني، عبد القاهر (ت471هـ)، أسرار البلاغة في علم
البيان، تحقيق محمد رشيد رضا، منشورات دار المعرفة، بيروت، لبنان.
18) الجرجاني، علي بن محمد بن علي الزين الشريف (ت ٨١٦هـ)،
التعريفات، المحقق ضبطه وصححه جماعة من العلماء، دار الكتب العلمية، لبنان، بيروت.
19) الجزائري، السيد هاشم الناجي الموسوي، آداب القضا
والممدوح والمذموم من صفات القضاة، الناشر ناجي جزائري، قم، الطبعة الأولى،١٣٩١هـ.
ش.
20) جورج، يول، التداوليَّة، ترجمة د.قصي العتَّابي، دار
الأمان، الرباط، الطبعة الأولى، 2010م.
21) جوليا، كرستيفيا، علم النَّص، ترجمة فريد الزاهي، دار
توبقال للنشر، الطبعة الأولى، الدار البيضاء، المغرب، 1991م.
22) الجوهري، أبو نصر إسماعيل بن حماد (ت 393هـ)، الصحاح تاج
اللغة وصحاح العربية، تحقيق أحمد عبد الغفور عطار، دار العلم للملايين، بيروت،
الطبعة الرابعة، 1407 هـ - 1987 م.
23) الحبلرودي، الشيخ خضر الرازي (ت قرن ٩)، التوضيح الأنور
بالحجج الواردة لدفع شبه الأعور، كتاب خانه آيت الله المرعشى النجفى، قم، الطبعة
الأولى، سنة الطبع١٤٢٤ ق.
24) الحربيّ، فرحان بدري، الأسلوبيَّة في النقد الأدبيّ
الحديث دراسة في تحليل الخطاب، المؤسسة الجامعيَّة للنشر والتوزيع، بيروت، الطبعة
الأولى، 1424هـ، 2003م.
25) الحميري، عبد الواسع، في آفاق الكلام وتكليم النص، دار
الزمان للطباعة، دمشق، سوريا، 2009م.
26) خطابي، محمد، لسانيات النص مدخل إلى انسجام الخِطاب،
المركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى، 1991م.
27) الراغب الأصفهاني، أبو القاسم الحسين بن محمد، مفردات
ألفاظ القرآن، تحقيق صفوان داوودي، دار القلم، بيروت، 1412.
28) رامان، سلدن، النظريَّة الأدبيَّة المعاصرة، ترجمة جابر
عصفور، دار قباء للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة، 1998م.
29) الرماني، أبو الحسن علي بن عيسى بن علي، الحدود في النحو
(ضمن ثلاث رسائل في النحو واللغة)، تحقيق إبراهيم السامرائي، دار الفكر، عمان.
30) روبرت سي، هولب، نظرية التلقي، ترجمة د. عزّ الدين
إسماعيل، النادي الأدبيّ الثقافي، جدَّة، الطَّبعة الأولى.
31) زاهد، عبد الأمير، الخطاب العلماني العربي المعاصر
تاريخه وبنيته الموضوعيّة، مجلة المناهج، العدد(27 )، السنة(7)، 2002م.
32) الزبيدي، السيد محمد مرتضي، تاج العروس من جواهر
القاموس، تحقيق عبد الستار احمد، مؤسسة الكويت للتقدم العلمي، 2001، ج7.
33) الزمخشري، أبو القاسم محمود بن عمرو بن أحمد (ت 538هـ)،
الكشَّاف عن حقائق غوامض التنزيل، دار الكتاب العربي، بيروت، الطبعة الثالثة،
1407هـ.
34) الزمخشري، محمود بن عمر (ت 538هـ)، أَساس البلاغة، تحقيق
عبد الرحيم محمود، دار الكتب المصريّة، 1953م.
35) السراج، أبو بكر محمد بن سري، الأصول في النحو، تحقيق
عبد الحسين الفتلي، مؤسسة الرسالة، بيروت.
36) سيبويه، عمرو بن عثمان بن قنبر الحارثي بالولاء أبو بشر
الملقب (ت: 180هـ)، الكتاب، تحقيق عبد السلام محمد هارون، مكتبة الخانجي، القاهرة،
الطبعة الثالثة،1408هـ، 1988م.
37) الشهري، عبد الهادي بن ظافر، استراتيجيات الخطاب، مقاربة
لغوية تداولية، دار الكتاب الجديدة المتحدة، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، 2004م.
38) الشهيد الأول (ت ٧٨٦هـ)، البيان (ط. ج)، تحقيق الشيخ
محمد الحسّون، الطبعة الأولى، ١٤١٢هـ.
39) الطبرسي، أحمد بن علي، الاحتجاج، دار النعمان للطباعة
والنشر، النجف الأشرف، ١٣٨٦، ١٩٦٦ م.
40) الطبري، محمد بن جرير (ت310هـ): جامع البيان عن تأويل آي
القرآن، تحقيق الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي، دار هجر للطباعة والنشر
والتوزيع والإعلان، الطبعة الأولى، 1422 هـ، 2001 م.
41) الطهراني، السيد محمد محسن، الأربعين في التراث الشيعي،
تعريب لجنة الترجمة والتحقيق، دار المحجة البيضاء، بيروت، الطبعة الأولى، ٢٠١٠م،
١٤٣١هـ.
42) الطوسي، الشيخ محمد بن الحسن(ت460هـ)، تهذيب الأحكام،
تحقيق وتعليق السيد حسن الخرسان الموسوي، دار الكتب الإسلامية، طهران، ط4، ١٣٦٥ ش.
43) العسكري، أبو هلال (ت 395هـ)، الصناعتين، تحقيق علي محمد
البجاوي ومحمد أبو الفضل إبراهيم، القاهرة، 1952م.
44) العطاردي، الشيخ عزيز الله، مسند الإمام العسكري(عليه
السلام)، دار الصفوة، بيروت، الطبعة الأولى،١٤١٣ ق.
45) العلامة المجلسي (ت1111هـ)، بحار الأنوار، السيد هداية
الله المسترحمي، مؤسسة الوفاء، بيروت، لبنان، ط2، ١٤٠٣، ١٩٨٣ م.
46) عمر، أحمد مختار، علم الدلالة، عالم الكتب، بيروت،
لبنان.
47) العوادي، مشكور، البحث الدلالي عند ابن سينا في ضوء علم
اللغة الحديث (اللسانيات)، مؤسسة البلاغ، بيروت، لبنان، 2003.
48) فان ديك، علم النَّص، ترجمة سعيد حسن بحيري، القاهرة،
مؤسَّسة المختار، 2001م.
49) الفتلاوي، الشيخ مهدي، المهدي المنتظر من ولد الإمام
الحسن أم الإمام الحسين(عليه السلام)، دار المحجة البيضاء، بيروت، لبنان، الطبعة
الأولى، ١٤٢١هـ. ق.
50) الفراهيدي، الخليل بن أحمد (ت 175هـ)، العين، تحقيق مهدي
المخزومي وإبراهيم السامرائي، مؤسسة دار الهجرة، إيران، الطبعة الثانية، 1952هـ.
51) فرنسواز، أرمينكو، المقاربة التداوليَّة، ترجمة سعيد
علوش، مركز الإنماء القومي، بيروت، د. ت.
52) فضل، صلاح، بلاغة الخطاب وعلم النص، عالم المعرفة،
الكويت، 1992م.
53) فولفغانغ آيز، عملية القراءة، مقترب ظاهراتي، ضمن كتاب
نقد استجابة القارئ، المجلس الأعلى للثقافة، مصر، 1999م.
54) فيليب، بلان شيه، التداوليَّة من أوستين إلى غوفمان،
ترجمة صابر الحباشة، سوريا، دار الحوار، الطبعة الأولى، 2007م.
55) الكفوي، أبو البقاء أيوب بن موسى، الكليات، اعتنى به
عدنان درويش ومحمد المصري، دار الحديث، بيروت.
56) الكوراني، الشيخ علي، الإمام الحسن العسكري(عليه
السلام)، الطبعة الأولى، ١٤٣٥، ٢٠١٤م.
57) المتوكل، أحمد، الوظائف التداوليَّة في اللغة العربيَّة،
دار الثقافة، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى، 1985م.
58) المدرسي، السيد محمد تقي، التشريع الإسلامي (مناهجه
ومقاصده)، انتشارات المدرسي، تهران، ١٤١٣هـ.
59) المرسي، أبو الحسن علي بن إسماعيل بن سيدة (ت 458هـ)،
المحكم والمحيط الأعظم، تحقيق: عبد الحميد هنداوي، دار الكتب العلمية، بيروت،
الطبعة الأولى، 2000م.
60) المرسي، أبو الحسن علي بن إسماعيل بن سيدة (ت 458هـ)،
المخصص، تحقيق خليل إبراهم جفال، دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة الأولى،
1417هـ، 1996م.
61) المسدي، عبد السلام، الأسلوبية والأسلوب، الدار العربية
للكتاب، الطبعة الثالثة.
62) المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية، دار الدعوة، تركيا
الطبعة الثانية، 1989م.
63) ميشال فوكو، حفريات المعرفة، ترجمة سالم يفوت، الدار
البيضاء، الطبعة الثانية، 1987م.
64) نكري، القاضي عبد النبي بن عبد الرسول الأحمد، جامع
العلوم في اصطلاحات الفنون الملقب بدستور العلماء، ترجمه عن الفارسية حسين هاني
فحص، دار الكتب العلمية، بيروت، 2000، ج2.
65) الهروي، محمد بن أحمد بن الأزهري أبو منصور (ت 370هـ)،
تهذيب اللغة، تحقيق محمد عوض مرعب، دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة
الأولى، 2001م.
66) يقطين، سعيد، تحليل الخطاب الروائي، المركز الثقافي
العربيّ، الطبعة الأولى، بيروت، 1989م.
67) الأطاريح الجامعيَّة والرَّسائل:
68) حمزة، سحر كاظم، نظرية التوصيل في النقد الأدبي العربي
الحديث (رسالة ماجستير)، كلية التربية، جامعة بابل، 1424هـ، 2003م.
69) دحمون، كاهنة، تداوليَّة الخطاب السرديّ بين القديم
والحديث، (أطروحة دكتوراه)، الجزائر، جامعة مولود معمري تيزي وزو، كلية الآداب
واللغات، 2014م.
70) الدفاعي، رجاء عبد الرزاق، البحث الصوتي والدلالي عند
الفيلسوف الفارابي، رسالة ماجستير، جامعة بغداد، كلية الاداب، 1992.
71) الزيدي، ابتهال كاصد، البحث الدلالي في التبيان في تفسير
القرآن لأبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي، اطروحة دكتوراه، كلية التربية للبنات،
جامعة بغداد، 2004.
72)
الشرع، عدوية عبد الجبار
كريم، القرائن الدلالية للمعنى في التعبير القرآني، أطروحة دكتوراه، جامعة بغداد،
كلية التربية للبنات، 2006.
البحوث المنشورة:
1)
راضية، خفيف بكري،
(التداولية وتحليل الخطاب الأدبيّ)، مجلة الموقف الأدبيّ، دمشق، اتحاد الكتّاب
العرب، العدد (399) تموز، 2004م.
2)
سامية بنت يامن،
(الاتصال اللسانيّ بين البلاغة والتداوليَّة)، مجلة دراسات أدبيَّة، مجلة دورية
فصلية محكمة تصدر عن مركز البصيرة للبحوث والاستشارات والخدمات التعليمية، جامعة
مستغانم، الجزائر، العدد الأول، ماي، 2008م، جمادى الأولى، 1429هـ.
3)
عيسى، عبد الحليم،
(المرجعيَّة اللغويَّة في النظريَّة التداوليَّة)، جامعة وهران، الجزائر، مجلَّة
(دراسات أدبيَّة) مركز البصيرة للبحوث والاستشارات والخدمات التعليميَّة، العدد
الأول، الجزائر، 1429هـ، 2008م.
الكتب الأجنبيَّة:
1- A.J.Greimas etj.courtes: semiotique, Dictionnaire raisonne,
des sciences du langage, ed. Hachette, paris.
2- C.K. oreccioni: L'imlicite,ed. Armand colin, par is 1986.