الأفعال الكلامية في حِكَمِ الإمام العسكري ومواعظه (عليه السلام) "دراسة
دلالية"
Speech Acts in Imam Al-Askari's (PBUH) Wisdom and
Sermons: A Semantic Study
د. بلسم محمد صكبان القريشي
مديرية تربية واسط
Dr.Balsam Muhammad Sakban
Al-Quraishi
Wasit Education Directorate
الملخص:
إنّ هذا البحث (الأفعال الكلامية في حكم الإمام الحسن
العسكري(عليه السلام) ومواعظه) ما هو إلا نتاج عوامل ذاتية و موضوعية، دفعت بتصوري
لمضمون البحث ليتشكل كمشروع علمي ألحّت الرغبة للكتابة فيه، منها اعتقادي أنّ
تراثنا الديني من المواضيع التي تتطلب من الباحثين العمل على إحيائها بقراءة
جديدة، ولاسيما مع ظهور النظريات اللغوية المعاصرة، وبعد اطلاعي على بعض نوافذ
التراث العربي والإسلامي، قراءة و تذوقاً، رأيت أن أتوغل ببصري إلى العصر العباسي
الثاني منبع الثقافة العربية الإسلامية التي ألقت بظلالها على بقية العصور، وأن
أستقي من هذا العصر، حكم الإمام الحسن العسكري(عليه السلام) ومواعظه؛ لما فيها من
الفصاحة و البيان، وما تضمنته من عجائب و
جواهر العربية، و ثواقب الكلم الدينية و الدنيوية، و لما فيه من قيم فنية و
جمالية. أما خطة البحث، فتكونت من: مقدمة، ومبحثين وخاتمة، ينطوي تحت الأول منهما:
نظرية الأفعال الكلامية، وينضوي تحته:
أ- مفهوم الأفعال الكلامية ب- نشأتها وتطورها ج- أهم
مفاهيم الأفعال الكلامية. والفصل الثاني كان في: الأفعال الكلامية في حكم الإمام
الحسن العسكري(عليه السلام) ومواعظه، وينضوي تحته: التعريف بالإمام الحسن
العسكري(عليه السلام)، أفعال الكلام في مواعظ الإمام الحسن العسكري(عليه السلام).
الكلمات المفتاحية: الأفعال
الكلامية، الأفعال الإنجازية، الأمر، الخبر، الحكميات.
Abstract:
This study is nothing but the product of both subjective and objective
factors that shaped my conception of its core theme and compelled me to develop
it into a scholarly project. Among these motivations is my conviction that our
religious heritage comprises
subjects that demand renewed scholarly engagement through fresh interpretive
lenses, particularly in light of contemporary linguistic theories. After exploring various dimensions of the
Arab-Islamic intellectual tradition, reading and appreciating its literary and
rhetorical richness, I felt drawn to dig deep into the second Abbasid era, the
wellspring of Arab-Islamic culture whose influence extended across subsequent
centuries. From this vibrant period, I chose to focus specifically on the wisdoms and sermons of Imam Al-Ḥasan Al-Askari (PBUH), owing to their eloquence
and rhetorical brilliance, their embodiment of the marvels and linguistic gems
of the Arabic language, and their profound blend of spiritual and worldly
wisdom, replete with artistic and aesthetic values.
As for the structure of the study, it consists of an introduction, a
preface, two main chapters, and a conclusion. The first chapter encompasses the
theory of speech acts and includes the following sections: A- The concept of speech acts B- Their origin and development C- The most important concepts
of speech acts. The second chapter discussed the speech acts in Imam Al-Hasan
Al-Askari's (PBUH) wisdom and sermons, which included: An introduction to Imam
Al-Hasan Al-Askari (PBUH), speech acts in Imam Al-Hasan Al-Askari's (PBUH)
sermons.
key words:
Speech acts, performative acts, imperative, declarative, maxims.
المقدمة:
لقد ظهرت التداولية المعاصرة من أجل نجاح العملية
التواصلية وتفعيل أثر اللغة في عملية التخاطب من خلال التركيز على فكرة الاستعمال،
فعّدت الدراسات التداولية من أبرز الاتجاهات اللغوية التي ازدهرت على ساحة الدرس
اللساني، فبعد أن كانت اللسانيات تقتصر على الجانب البنيوي والتوليدي جاءت
التداولية لتعالج جانب الاستعمال اللغوي، فكان تركيزها على الأساليب الكلامية وأثر
الدلالة المقترنة بالسياق المقامي ومن هنا جاء الاهتمام باللغة من خلال التركيز
على طريقة الاستعمال وربطها بما يتحقق من إنجاز[1].
ولعل اكتشاف الأبعاد التداولية للّغة فتح آفاقاً رحبة،
وأنتج أسئلة جديدة ستكون مسوغاً للاعتراف بنظرية الأفعال الكلامية، بوصفها أحدث
بحث أفرزته اللسانيات الحديثة.
* البحث الذي
أصبح يولي أهمية وعناية كبيرة للشروط الخارجية اللغوية، والمتعلقة بالسياق والمقام
والمتكلمين ومقاصدهم وحيثيات الاستعمال والأفعال اللغوية.
المبحث الأول: مفهوم الأفعال الكلامية
تعدّ نظرية أفعال الكلام من المفاهيم الأساسية للتداولية
ولاسيما أنها نظرية الحدث الكلامي أو النظرية الإنجازية في رأي كثير من الباحثين،
وقد نظرت هذه النظرية إلى اللغة بعدّها قوة فاعلة في الواقع ومؤثرة فيه، فالفعل
الكلامي يعني التصرف أو العمل الاجتماعي الذي ينجزه الإنسان بالكلام، ومن ثم
فالفعل الكلامي يراد به الإنجاز الذي يؤديه المتكلم بمجرد لفظه بملفوظات معينة،
مثل الأمر والنهي والوعد والسؤال والتعيين والإقالة والتعزية والتهنئة، فهذه كلها
أفعال كلامية[2]،
ولقد شاع استخدام مصطلح الفعل الكلامي بين الدارسين، فالأفعال الكلامية نظرية
لغوية تعني: التصرف أو العمل الاجتماعي أو المؤسساتي الذي ينجزه الإنسان بالكلام،
فالفعل الكلامي يراد به الانجاز الذي يؤديه المتكلم بمجرد تلفظه بملفوظات معينة.
وهو مفهوم نظري حديث النشأة ذو طابع اجتماعي يتحقق بمجرد التلفظ به من أجل إنجاح
عملية التواصل[3].
ومن هنا أصبح مفهوم الفعل الكلاميّ يمثل: «نواة مركزية
في كثير من الأعمال التداوليّة، ففحواه أنَّه كُلّ ملفوظ ينهض على شكل نظام دلالي
إنجازيّ تأثيريّ، وفضلاً عن ذلك يُعدّ نشاطاً مادياً نحوياً يتوسل أفعالاً قولية
لتحقيق أغراض إنجازيّة[4].
والنصوص التراثية تمثل مجالاً حياً لتطبيق هذه النظرية،
ولاسيما إذا كانت تلك النصوص تمتلك خصوصية لغوية كون متحدّثيها توارثوا بلاغة
الكلام عن النبي محمد(صلى الله عليه وآله)، ويعد العصر العباسي عصراً امتزجت فيه
ألوان الثقافة اللغوية، غير أن سامراء كانت مسرحاً للنزاعات السياسية الكبرى في
البلد، ولاسيما انها عاصمة الدولة ومركز ثقافاتها الكثيرة؛ إذ لا يخفى أثر وجود
العناصر غير العربية فيها، وبالأخص الأتراك بعد تبوئهم مكانات مهمة في الدولة
تمكنهم من ترك آثار ثقافية مهمة، ولكن سامراء تكاد تكون أفقر المجالات الدراسية،
وهذا ما دعاني إلى اختيار موضوع البحث هذا.
الأفعال الكلامية، نشأتها وتطورها
إنّ مما لاشك فيه أنّ علماءنا العرب تطرقوا لهذه النظرية
ضمن كل من الأسلوب الخبري والإنشائي في دراساتهم اللغوية التراثية آنذاك[5]»،
وقد بحثها كثير من العلماء وتتبعوا أصولها وتطبيقاتها، فنجد لمحات وإشارات توحي
بإدراك علماء العربيّة القدماء والمحدثين (من بلاغيّين وأصوليّين ونحويّين) لأصول
هذه النظرية، ولعل أغلب ما جاء به اللُّغويّون العرب يتوافق مع ما جاء به
التداوليّون المعاصرون، فهم لا يدرسون «الأفعال الكلاميّة بمعزل عن السياق
الكلاميّ، والحالي، أو معزولة عن غرض وقصد المتكلّم، وإنَّما يدرسون إنجازية تلك
الأفعال ولا يعدُّونها (أفعالاً كلاميّة) إلّا بشرط تحقق هويتها الإنجازيّة في
السياق عبر الاستعمال[6]،
ولكن مفهوم الفعل الكلامي وما يحققه من قوى إنجازية وفق المنظور الحديث بدأ عند
الغرب فكان أوستن أول من تطرق إلى هذه النظرية، وهو من وضع المصطلح، وقد تأثر بهذه
النظريّة في اللّسَانيّات المعاصرة وطرح آرائه بشكل محاضرات وجمعها في كتابه «كيف
ننجز الأشياء بالكلمات، وقد تأثر(أوستن) بما نبه إليه (فتجنشتاين) في مسألة دراسة
اللُّغة التي تستعمل لوصف العالم، بيد أنَّ هناك مجموعة الاستعمالات الأخرى للغة
التي تكون غير واصفة للعالم كالأمر والاستفهام، الذي أُطلق على هذه الاستعمالات
(بألعاب اللُّغة). بعد أنَّ كانت الوظيفة الوحيدة للغة هي إنتاج عبارات صادقة أو
كاذبة، ورفض أنْ تفيد الجمل التي لها معنى.
نستنتج مما سبق أنَّ (أوستن) عمل على تطبيق نظريّته
انطلاقاً من ملاحظة مفادها إنَّ كثيراً من الجمل التي ليست باستفهامية أو تعجبية
أو أمرية لا تصف شيئاً ولا يمكن الحكم عليها بالصدق أو الكذب، فهي لا تصف الواقع،
بل تغيره.. وهنا يوضح أوستن الخصائص التي لا توجد في الجمل الوصفية، فتشمل[7]:
خمسة أصناف:
الحكميات:- هي التي تعبر عن حكم يصدره محلّف أو محكّم
وليس الأحكام النهائية، تمثل في التبرئة، والفهم، والأوامر.
(الممارسات –التنفيذيات): - تعبر عن اتخاذ القرارات في صالح شخص أو
ضدّه مثل: يأذن، ويعزم، ويحرم.
الوعديات – ضروب الإباحة:- ويستلزم المتكلّم بالقيام
بفعل ما، مثل: الوعد، والتعاقد، والعزم، والتفصيل.
العرضيات:- وهي أعمال تختص بالعرض، مثل: التأكيد،
والنفي، والوصف، والأصلاح، والذكر.
السلوكيات: - وهي أفعال تتفاعل مع غيرها، نحو: الاعتذار،
والشكر، والتهنئة، والترحيب.
ومن خلال النظر إلى هذا التصنيف يمكن أن نعد المواعظ في
صنف العرضيات، كونها تشتمل على وصف وتوكيد ونفي، ولكن لم يكن أوستن في تصنيفه هذا
قد أوضح كل الملفوظات، لذلك جاء سيرل من بعده وانطلق في نظريّته من دراسة اللسان
الذي ينبغي النظر إلى خصائصه الشكلية انطلاقاً من وظائف التخاطب؛ وذلك عن طريق
الجمل التي يتحقق بها العمل اللُّغويّ. «وهذه تمثل البداية والتطوير الذي حققه
والتي تعد المرحلة الثانية الأساسية للنظرية[8].
تُعَدّ جهود (أوستن) البداية الأولى لتأسيس الأفعال
الكلاميّة، «ثم جاء سيرل وأكمل مساره، حينما حدد مفهوم الفعل الإنجازيّ الذي عُدَّ
مفهوماً محورياً في نظريّة أفعال الكلام، وأحكم الأُسس المنهجية التي يقوم عليها».
وقد طرح (سيرل) بعض الاقتراحات والتعديلات، ويمكن تلخيص جهوده على النحو التالي[9]:-
الإخباريات: يتركز هذا القسم من الأفعال على صدق
المتكلّم، وذلك بقصد «أنْ يكون الشيء حقيقة واقعة بالإضافة إلى تعهده بصدق القضية
المعبر عنها، فإنَّ الاعتماد على صدق القضية هي الغاية والهدف الأساسي لهذا القسم؛
لأنها تعمل على إنجاز أفعال إنجازية ناجحة.
التوجيهات: وهي أفعال تتعلق بالسياق اللُّغويّ وغير
اللُّغويّ، وترتبط بالأمر في جميع صوره، فهو قسم يدخل تحت الطلب بغض النظر عن
صيغتها، فهذا النوع يتعلق بالأمر والطلبيات.
الإلزاميات: وهي من الأقسام التي «تلزم المتكلّم بفعل
شيء ما في المستقبل والشرط العام يرتبط بوجود تعبير القضية التي تدور حول إنجاز
الفعل في المستقبل، واتجاه المطابقة فيها يكون من العالم إلى الكلمات، فضلاً عن
ذلك لا يوجد تحقق شرط الإخلاص الذي هو قصد المتكلّم.
التعبيريات: تعني أفعال هذا القسم هي «الأفعال التي يعبر
فيها المتكلّم عن حالته النفسية تجاه اشياء محددة أو شخص ما بعينه أو موضوع أو
فكرة..فهذا الصنف
من الأفعال تنعدم فيه المطابقة، ويشترط الإخلاص في القضية المعبر عنها.
الإعلانيات: السمة المميزة لهذه الأفعال أنَّ أداءها
يكون بشكل ناجح، وذلك لحصول مطابقة المحتوى القضوي للعالم الخارجي.[10].
الأفعال المباشرة وغير المباشرة
تعدّ الأفعال الكلاميّة المباشرة من أهم الركائز التي
تقوم عليها التداوليّة، فالجملة يمكن أنْ تحمل إمّا فعلاً مباشراً أو غير مباشر،
فقد قسم (أوستن) الفعل إلى صريح وأولي، وهذا التقسيم يعتمد على الصيغة الإنشائية
بحسب رأيه، كونه صاحب النظريّة الأوّلى، فهو يقابل بين مستويين للتلفظ بالفعل المباشر،
وهذان المستويان هما[11]1:
الصيغة الإنشائية الأصلية.
الصيغة الإنشائية الصريحة.
ويمكن إيضاح ذلك في المثال الآتي:
أعدك أنْ أكون هناك، فعل كلاميّ إنشائي (صريح) يدل على
الوعد.
سأكون هناك، فعل غير صريح يحتمل دلالة الوعد أو لا
يحتمل؛ وذلك بالاحتكام على ظاهر اللُّغة والعرف من خلال دلالة حرف (السين) السابق
للفعل المستقبل (أكون).
لقد ركّز (أوستن) على الصيغة الصريحة؛ لأنَّها تعبر عن
مراد المتكلّم ولا تحتاج إلى تأويل، أما الإنشائية (غير الصريحة) فهي تحتمل عدة
معانٍ، ويكون التأويل أساساً لها.
وأما (سيرل) فقد قسم الفعل الكلاميّ إلى مباشر وغير
مباشر، ويقصد بالفعل المباشر «هو الفعل الذي يتلفظ به المرسل في خطابه وهو يعني
حرفياً لما يقول، وهو في هذه الحالة فإنَّ المرسل يقصد أنْ ينتج أثراً إنجازيّاً
على المرسل إليه، ويقصد أنْ ينتج هذا الأثر عن طريق جعل المرسل إليه يدرك قصده في
الإنتاج". والفعل
الإنجازيّ المباشر يكون معناه مطابقاً لما يقصده المتكلّم وما يريد أنْ ينجزه،
وهذا القصد يكون مرتبطاً بنص الخطاب.
وبهذا يمكن القول أنْ الفعل المباشر الذي يطابق قوته
الإنجازيّة مراد المتكلّم حرفياً ومعنوياً يتمثل في قواعد التأليف. وهذا الفعل
يكون واضحاً بوساطة الجملة ولا يحتاج إلى غرض آخر، فهو يمتلك معنى حقيقياً وليس
مجازياً.
أما الأفعال الكلامية غير المباشرة، فهي التي
تخالف في قوتها الإنجازية مراد المتكلم، فالمتكلم لا يقصد ما يقوله فحسب،
بل يتعدى قصده إلى ما هو أكثر، فهناك زيادة في معنى المتكلم الإنجازي الحرفي.
ومثال ذلك: قولنا هل أنت من فعل هذا العمل القبيح؟ فحقيقة الجملة استفهام بدلالة
وجود (هل)، ولكن المراد هنا ليس استفهام؛ لأن المتكلم لا ينتظر جواباً؛ لعلمه
بالجواب، بل هو ينفي وقوع الفعل، فالمعنى المراد هنا النفي. وعند النظر في حكم
الإمام (عليه السلام) ومواعظه نلاحظ أن أغلبها كان من الأفعال المباشرة الصريحة
التي لا تحتمل التأويل، ولعل هذا هو أسلوب النصائح والحكم.
المبحث الثاني: الأفعال الكلامية في رسائل
الإمام العسكري (عليه السلام)
هو الحسن بن علي بن محمد(عليه السلام)، الإمام الحادي
عشر من الأئمة الاثني عشر عند الشيعة الإمامية، ولد سنة230 هجرية في المدينة، وقد
لقّب بالعسكري نسبة إلى سامراء؛ كونها ثكنة عسكرية، نشأ وترعرع في بيت أبيه وظل
ملازما له طول حياته، فاكتسب العلم والأدب مما شاهده في أجواء بيته من صور صحيحة
لأسمى صور التربية الرفيعة، لذلك أعلى شأنه ورفع ذكره؛ إذ كان أبوه يغذيه ويفيض
عليه من علمه، فذاع فضله بعدما توفرت فيه جميع الصفات الرفيعة، وشاهد ما جرى عليه
من أصناف الإرهاق والتنكيل من بني العباس ولاسيما المتوكل الذي جهد في ظلم الامام
لفرض الإقامة الجبرية عليه وعلى أبيه (عليه السلام) في سامراء، وكان الهدف من ذلك
تشديد المراقبة على الإمام (عليه السلام)
وعدم السماح له بالاتصال بأتباعه والمقربين منه[12] على
الرغم من الضعف الذي انتاب هيكل الخلافة في هذا العصر، والانحلال الذي بدأ يستشري
في أوصال الدولة العباسية، فقد بقي العباسيون على نفس المنوال الذي سار عليه
أسلافهم إبان عصر القوة والازدهار في التصدي لمدرسـة الأئمة وشيعتهم والنكاية بهم؛
ذلك لأن علاقة الحاكم بالإمام تقوم على أساس ثابت، وهو الخوف مـن نشاط الإمام
ودوره الايجابي في الحياة الإسلامية، والشعور بخطورة هذا الدور حتى وصل لدى
الزعامات العباسية في هذا الفترة إلى درجة الرعب، فطوقوا الإمام بحـصار شـديد ورقابة
صارمة عليه، وتربصوا به وبأصحابه، وأخيراً تآمروا على حياته فاستشهد في محراب
الجهاد ولمّا يبلغ الثلاثين[13].
مرض الإمام العسكري(عليه السلام) في بداية شهر ربيع
الأول من سنة 260 هـ، من أثر السم، واستشهد في الثامن من الشهر نفسه، ودفن في
البيت الذي دفن فيه أبوه الإمام الهادي(عليه السلام). المكان الذي يشتهر اليوم
بـحرم العسكريين[14].
لا ريب أنّ الحالة السياسية السائدة في عصرٍ ما تشكّل
المفصل الأساسـي الـذي تتحرك عليه مجمل الأوضاع الفكرية والاجتماعية والاقتصادية
لذلك العصر، وتنعكس عليه سلباً وإيجاباً، ذلك لأن الحاكم يمتلك ـ بسلطته وسطوته
وسيطرته على منابع الثروة ـ مفاتيح التغيير الاجتماعي والفكري ببسط أسباب الحرية
أو الاستبداد، ويمتلك عوامل الرخاء أو الفساد الاقتصادي بعدله أو جوره، وكلّ ذلك
منوط بنوع الجهاز الحاكم وسلوك أجهزته التنفيذية. وفيما يتعلق بالإمام أبي محمد
الحسن العسكري الذي عاش في العصر العباسي الثاني، فقد أثر الحصار عليه ولاسيما في
مزاولة نشاطاته الفكرية مع المجتمع؛ لذلك كانت رسائله وحكمه ومواعظه تحمل الصفة
العامة، وتحتاج إلى شرح وتوضيح لما يراد منها أو القصد الحقيقي وراء هذه المفردات،
ومن هنا جاءت فكرة دراسة هذا البحث لعرض الأفعال الكلامية في قصار الحكم والمواعظ.
الأغراض الإنجازية للأفعال الكلامية في
الحكم والمواعظ عند الإمام (عليه السلام)
الحِكْمَةُ: تعدّ الحكمة من فنون الكلام ووجهاً من أوجه
النشاط الفكري عند العرب قبل الإسلام وبعده، وهدفها التوجيه والإرشاد، ومحاولة
التأثير في السامع وإقناعه. والتاريخ العربي يزخر بالكثير من الحكماء ونماذج مميزة
من الحكمة التي كان لها أثر في حركة المجتمع وتغييره وتفاعله مع الأحداث، وهناك من
ترك بصمة واضحة في رسم طريق الإصلاح وبناء حركة التغيير ولاسيما في المجتمع
العربي. وعدّت الحكمة من الفنون النثرية، وقد تنوعت الفنون النثرية في العصر
العباسي الثاني، مواكبة لمعطيات العصر ومتطلباته، فاحتلت الحكمة مكانة تميزت ببنية
خطابية مغايرة على وفق آلية التواصل بين المتكلم والمخاطب، فانفرد هذا الفن بميزة
الدلالة المباشرة والتكثيف في الشكل والمضمون، وإن صعب حصر المعنى والإحاطة به؛
لامتزاج هذا الفن بشعور الكاتب وإحساسه وهو يدخل في استدعاء تجربته على مرّ الزمان
وتقديمها للسامع، ولاشك أنّ تجارب الإمام(عليه السلام) خلال مسيرة حياته كانت
مشابهة لتجارب آبائه وأجداده (عليهم السلام) ولاسيما أن أهدافهم السلوكية كانت
موحدة[15].
وعلى هذا كانت التداولية المنهج الأكثر قرباً لهذا الفن
النثري في عنايتها بقضية التلاؤم بين التعبير والسياق والمقام، الذي تحدث فيه
عملية التواصل، وفي ضوء هذا التصور تعددت وظائف المنهج التداولي في الحكم والمواعظ
في العصر العباسي، وأبرز تلك الوظائف (الأفعال الكلامية) التي تتضمن عدداً من
الأساليب منها: أساليب الطلب، والتمني، والترجي، والاستفهام، والجمل الخبرية،
فتعززت الوسيلة التوجيهية في الحكم والمواعظ في التأثير على المتلقي وتوجيهه بحسب
رؤية المتكلم، في حين أدت وظيفة جمالية دورها الأساس محاكاة الواقع وإعادة صياغته
بأسلوب غير مألوف لإثارة المتلقي والتأثير عليه؛ لذا تناول هذا الفصل تحقيق الإنجازية للأفعال
الكلامية في أساليب الطلب، ومنها: الأمر والنهي وأسلوب الشرط، كما تناول أسلوب
الخبر؛ لكثرة ما ورد من الحكم والمواعظ في هذا الأسلوب. وبعد إحصاء الحكم القصار
والمواعظ للإمام (عليه السلام) وجدنا أنها تبلغ خمسين حكمة، وهذا العدد لا يمكن
تحليله ببحث متواضع؛ لذا وقع على اختيارنا على نماذج من كل أسلوب، وسيأتي تفصيل
تلك الوظائف بحسب تحقق الإنجازية في أساليب الطلب: واخترنا أكثرها حضوراً، ومنها
في الخبريات والأمر والشرط.
الإخباريات: ركز اوستن وسيرل على
الإخباريات؛ لأنها تعمل على إنجاز أفعال إنجازيه ناجحة. فالمتلقي مستعد لقبول
الحكمة، وينتظر سماع ما يجود به المتكلم من خبرة وعلم مسبق، وبذلك يتحدد الإنجاز
بحسب قوة الخبر ونوعه، والإخبار هي التأكيدات وغرضها الإنجازي هو وصف المتكلم
واقعة معينة، واتجاه المطابقة فيها يكون من الكلمات إلى العالم، وشرط الإخلاص
يتمثل في صدق المتكلم ونقله الأمين للواقعة، وأفعال هذا الصنف يمكن الحكم عليها
بالصدق أو الكذب.
ومن الإخباريات التي يمكن بحثها في حكم ومواعظ
الإمام(عليه السلام) وعلى النحو الاتي:
«جرأة الولد على والده في صغره تدعو إلى العقوق في
كبره». فقوله جرأة الولد تدعو إلى العقوق هو الإخبار الذي يمثل
فعلا كلامياً مباشراً، والخبر هنا يقدم معلومة جديدة، فكثير من الأبناء لهم جرأة
على آبائهم، والآباء يظنون أن هذا فعل الطفولة ولابد بعد كبرهم سيتغيرون، فالخبر
هنا يعطي إنجازاً للفعل الكلامي (تدعو) وهو فعل مستقبلي، ينبئ بما سيحصل للأبناء
مع آبائهم في المستقبل، وهنا يدخل الفعل الإنجازي الأقوى، وهو (العقوق). فالخبر
هنا حقق قوة إنجازية عالية لسببين:
الأول: إنه قدّم معلومة جديدة لم تكن موجودة
مسبقاً.
الثاني: توقع المستقبل من طرف لايمكن الحكم بتكذيب
خبره. هذا الأمر فيه إشارة إلى الحذر من تصرف الجرأة في الصغر، والالتفات إلى
عواقبها مستقبلا.
«قلب الأحمق في فمه، وفم الحكيم في قلبه». جاء الفعل الكلامي مباشر
في الخبر شبه الجملة (في فمه)، وهو فعل كلامي يحمل قوة إنجازية تتمثل في التحذير
والإرشاد وتوضح أنّ العاقل لا ينطق بلسانه إلا بعد المشاورة والرأي، ومراجعة
الفكرة، أما الأحمق تسبق فلتات لسانه، وزلّات كلامه، مراجعة فكره، ورأيه، فكان لسان
العاقل تابعاً لقلبه، وقلب الأحمق تابعاً للسانه. صيغة الإخبار تظهر بصورة مباشرة
في الأفعال الكلامية (قلب وفم) ومناضرة (الأحمق والحكيم)، فالفعل الإنجازي (في
فمه) هو تحذير مباشر من الثرثرة وكثرة الكلام التي تجعل من الإنسان أحمق، فخرج الخبر هنا للتحذير
من الوقوع في الحمق، على حين خرج الخبر في الجزء الآخر إلى المدح؛ لأن الحكيم يخزن
الكلام في قلبه، فوقع الفعل الإنجازي موقع المدح.
«المؤمن بركة
على المؤمن، حجة على الكافر»[16]. استهل
الإمام حكمته بالمبتدأ المعرفة، فعرّف المؤمن بأنه بركة؛ لإثارة انتباه المتلقي
لاستقبال المحمول الخبري، فيقول بركة على المؤمن وهنا وقع الفعل الإنجازي ليوضح
فائدة مصاحبة المؤمن وما تحمله هذه الصحبة من خيرات، فيحاول الإمام أن يبين فخره
واهتمامه بهذا المؤمن؛ ليهيئ السامع إلى نقيضه وضدّه، فأعطى تركيب الخبر للتنبيه
لما سيقال، وهنا يكون الانزياح بالخبر الثاني، فيقول: حجة على الكافر، وهو الجانب
الآخر السلبي جانب الكافر، أي البرهان والدليل على الكافر، فأصبح المؤمن بركة من
جانب، ودليل من جانب آخر. فجاء الخبر مؤدياً الفعل الإنجازي في بيان مسؤولية
المؤمن وفائدته.
إنّ هذه الجملة ليست مسندة إلى ضمير المتكلّم في زمن
الحال، ولا تتضمن فعلاً إنشائياً، فمعيارها مقامي وليس مقالياً، وكذلك قوله:
«صديق الجاهل تعب». الجملة خبرية مكونة
من مبتدأ وخبر تقدم وصفاً معيارياً يلزم بالابتعاد عن الجاهل لمن أراد تجنب التعب،
فإذا خرجنا من ظاهر الجملة الخبرية إلى باطن الدلالة نجد الجملة: ابتعد عن مصاحبة
الجاهل؛ لأن في صحبته مشقة. فبلاغة الكلام أوجزت الفعل الكلامي المباشر إلى فعل
كلامي غير مباشر. وفعل الكلام (تعب) مسبوق بالفعل الإنجازي (صديق الجاهل)، وقد ذكر الإمام (عليه السلام) في قوله:
«ليس من الأدب
إظهار الفرح عند المحزون». إنّ الخبر خرج هنا عن فائدة إعلام المخاطب إلى معنى
التوبيخ، فالفعل الكلامي الأول هو (ليس من الأدب)، وهو خبر مقدم، لعله تقدم لإفادة
التوبيخ، فيأتي الفعل الإنجازي الذي يحمل قوة إنجازية (إظهار الفرح) ومكانه الأصلي
في بداية الجملة؛ لأنه مبتدأ، وهنا بيان لزيادة القوة الإنجازية في بيان المكان
(عند المحزون) تقديم خبر ليس على اسمها لتحقيق قوة إنجازية أكبر مما لو كان
متقدماً اسمها، فالموعظة هنا إخبارية بضرورة بيان التأسي عند الشخص المحزون بعدم
إظهار ما يخالف مناسبة المقام وهو الحزن، فإن حدث عكس ذلك فهذا من سوء الأدب،
فالتأكيد هنا مقامه الأول التأدب بآداب أهل البيت؛ لذلك قدم الخبر على الاسم وهنا
تكمن القوة الإنجازية.
ثم بين الإمام (عليه السلام) في قوله:
«ما أقبح بالمؤمن أن تكون له رغبة تذلّه». الأخبار
بذلّ المؤمن إن جرى خلف رغباته. وهذه حقيقة الإنجاز في الفعل الكلامي الذي تأخر في
قوله (تذله)، ولاسيما ان الفعل جاء بصيغة الحاضر، فيفهم من كلامه (عليه السلام)
بقبح الأعمال عند المؤمن، فقدم صيغة التفضيل (أقبح) على الاخبار بالفعل الناقص
كينونة الرغبة المذلة)، وفي هذا التقديم إشعار بعظمة القبح، وبذلك أصبح الفعل
الإنجازي هو تحقق الذلة بعد وجود العز.
قال الإمام (عليه السلام):
«الغضبَ مفتاحُ كلِّ شر». يصنف الفعل الكلامي في
هذه الحكمة ضمن الإخباريات (الغضب، مفتاح)، فالمتكلم أراد إرسال رسالة عن طريق عرض
فعل اخباري يتضمن وصف قضية خارجية، وهي بيان كل شر يأتي من الغضب، والغرض الإنجازي
هنا من الإخبار جاء للتحذير، وقد ورد المعنى نفسه في حديث الإمام علي (عليه
السلام): (الغضب شر إن أطعته دمَر)[17]،
فالحديث يصف الغضب بأنه كله شر، فجاء حديث الإمام ليضع المعنى الدلالي بوصف الغضب
وصفاً أكثر دقة حين قال (مفتاح) فجعل للشر باباً موصداً لا يُفتح إلا عن طريق
الغضب. فالفعل الكلامي هنا مباشر وصريح يوضح الغضب أصلاً لدخول كل شر، وهذا الكلام
لا يحتاج إلى تأويل؛ لأنّ دلالته مباشرة وصريحة.
(أقل الناس راحة الحقود). جاء الفعل الإنجازي هنا
بصيغة التفضيل (أقل)، يعني أنّ هناك قبلها قليلاً وبعدها الأكثر قلة، أما الإخبار،
وهو فعل الكلام، فكان (الحقود) وهذا يدخل في باب الحكميات عند سيرل؛ لأنّ فيه
حكماً يوحي للفعل الكلامي (الحقود) بأنه أقل الناس راحة، أي أطلق حكماً على الحقود
بأنه أقل الناس راحة ومن جهة أخرى جاء للتحذير من الوقوع في دائرة الحقد، فتكون
مستقبلاً أقل الناس راحة. إنّ الحاقد أبعد الناس عن الراحة، وهو معنى يعرفه
المخاطب، وصيغة الفعل الكلامي مباشر جاء للأخبار وبيان من هو الذي ينال أدنى مراتب
الراحة، ويحذر من الحقد، فالفعل الإنجازي (أقل) و(الحقود) هو الفعل الكلامي.
«ما ترك الحقَ عزيزٌ إلّا ذلّ، ولا أخذ به ذليلٌ إلّا
عزّ». المعنى الصريح للجملة هو النفي، والمعنى الضمني هو
التوكيد بالنفي والاستثناء؛ إذ تصبح الجملة مرادفة لمعنى ذل الشخص العزيز لتركه
الحق، وبعبارة أخرى هذا النوع من الجمل يرجع إلى الدلالة الضمنية التي تقرر المعنى
بالتوكيد، والانجاز الفعلي واضح في (ذل)، ولكن يتوقف على الفعل الكلامي (ترك)؛ إذ
تحقق الانجاز والقوة الإنجازية مقرونة بتحقق الفعل الكلامي(ترك)، فالعزيز لم يتعرض
للذل في حالة ملازمة الحق، وكذلك الجملة الثانية (ولا أخذ به ذليل إلا عز)، ولكن
الدلالة هنا معكوسة، فالمعنى الصريح نفي أيضاً ب(لا)، والمعنى الضمني هو التوكيد
بالنفي والاستثناء؛ إذ تصبح الجملة مرادفة لمعنى عز الذليل لملازمته الحق، والفعل
الكلامي (أخذ) حقق إنجازاً في (عز) الجملة إخبارية، فهي تصف حدثاً وان كانت تحمل
فعلاً، الا أنّ هذا الفعل لم يلزم بشيء، وإنما يصف خبرة حصلت ويمكن ان تكون درساً
للمستقبل.
«خير من الحياة ما إذا فقدته بغضت الحياة، وشر من الموت
ما إذا نزل لك أحببت الموت» المعنى الصريح للجملة هو الاخبار، ولكن المعنى الضمني هو
الشرط؛ إذ تصبح الجملة: إذا وجدت الدين عشت أفضل من الحياة، واذا فقدت الدين بغضت
الحياة. لقد حُذف الفعل الإنجازي من الجملة وجُعل معناه في (ما) الموصولة، فالمعنى
إذا كنت ملتزماً بالدين وأحكامه فستكون في خير هو أفضل من خير الحياة، أما إذا
فقدت الدين وفقدت أحكامه، فانك ستعيش حياة أكثر شراً من الموت.
«للقلوب خواطر من الهوى، والعقول تزجر، وتزاد في التجارب
علماً مستأنفاً، والاعتبار يفيد الرشاد». الجملة خبرية والفعل
الكلامي (للقلوب) والفعل الإنجازي (خواطر)؛ لأنّ أصل الجملة: خواطر للقلوب؛ إذ
القوة الإنجازية تأخرت لبلاغة المتكلم بوصول رسالة مفادها القلوب ولا يعني هنا
القلب بمعناه الحرفي، بل أراد بذلك قوة العقل والشعور لها خواطر، وهي ما يخطر
بالنفس من أمر أو تدبير، والعقول تزجر وتنهي عنها[18]،
فللقلوب شواهد مما يفيض عليها من أنوار حكمة الله، أو مما جبلها الله عليه
من معرفة الحق أو مما يشاهد ويعتبر به في عالم الخلق تجري تلك الشواهد، وتخرج
الأنفس عن مسالك التقصير في العبادة إلى منازل المتعبدين ودرجات المتقربين[19].
أسلوب الأمر:
الأمر والنهي هما أصل الطلب، وهما فعلان كلاميان
متلازمان في أغلب الأحيان، يحملان قوة إنجازية تحددها إرادة المتكلم وقصده، وهي
إرادة متعلقة بطلب إيقاع المأمور به وعدم إيقاع المنهي عنه. قال الإمام (عليه
السلام):
«تذلل للمقادير نفسك، واعلم أنك غير نائل بالحرص الا
ماكتب لك». جاء الفعل الكلامي(تذلل) بفعل أمر صريح ملزم
ممن هو أعلى مكانة إلى من هو أدنى رتبة، فوجه الانجاز الكلامي إلى المقادير وهي
مفردة لجمع مقدار، فالأمر كائن للخضوع إلى ما هو مقدر، ثم يأتي الانجاز الأكبر في
بيان السبب في أنّ المخاطب لم يأخذ ما حرص عليه إلا بمقدار ما هو مكتوب ومخصص له
سلفاً، وأصل هذه الحكمة وردت خبرية ثم أمرية؛ لأنه في الأصل: (المقادير الغالبة لا
تدفع بالمغالبة، والارزاق المكتوبة لا تنال بالشره والمطالبة.. تذلل للمقادير
نفسك...).
«احذر كل ذكي
ساكن الطرف» أي خذ حذرك من كل فطن يديم النظر ويتفكر. وهذه جملة
تدخل ضمن الإلزاميات والتوجيهات؛ لأنها تصدرت بفعل أمر وهو أمر حقيقي، كونه صادراً
من أعلى رتبة إلى أدنى. فالحذر هنا واجب وعلى المخاطب أن ينفذ القول الموجه اليه.
لقد عبَر عن ذلك الأمر بالفعل الكلامي (احذر) وهو يشير
إلى المنع من جهة الاستعلاء كون المتكلم زعيما، أما قوته الإنجازية وغرضة الإنجازي
التأثير في المتلقي وتحويل ما نُقش في ذهنه إلى ما يطابقه في الواقع. ولمح
الإمام(عليه السلام) إلى ذلك فوصفه (كل ذكي) و(ساكن الطرف) فالأمر بالتحذير ولزم
الحيطة أولاً من كل ذكي وليس من بعضهم، ولكن يجب أن يكون هذا الذكي هادئاً لدرجة
سكون أطرافه وعدم حركتها، وهذه كناية عن ضبط الأعصاب في المواقف أجمعها.
«لا تُكرم الرجل بما يشق عليه» يتضح النهي
بالفعل الكلامي(لا تكرم) وهو نهي ملزم أيضاً؛ لأنه صدر ممن هو أعلى رتبة من
المخاطب، وبحكم علمه المسبق وخبرته وتكليفه، أوجب ذلك إلزام النهي، ثم وصف الإمام
سيطرة القوة الإنجازية في (بما يشق عليه). فالمشقة وعدم الاستطاعة سوف تمنع الرجل
أن يرد الكرم الذي قُدم إليه. وتدخل الجملة ضمن الالزاميات والتوجيهات أيضاً؛
لأنها تصدرت بأمر عن طريق النهي بلا والفعل المضارع، ولاسيما ان المعنى نفسه قد
توارد عن أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله).
أسلوب الشرط
«إذا نشطت القلوب فأودعوها، وإذا نفرت فودعوها». الفعل
الكلامي (اودعوها) ويتألف من فعل إسنادي(اودعوا) والفاعل الضمير المستتر(أنتم)
والقوة الإنجازية هي قوة فعل الأمر، وهذا تناوب لفظي بين الضد وضده يعطي القول
نوعاً من المعنى ينتج عن الدهشة التي تعتري السامع؛ إذ يسمع الصفات المتناقضة
مجتمعة في شيء واحد.
«من أنس بالله استوحش من الناس». الجملة خبرية تصف حالة
مرَّ بها المتكلم وعاش تجربتها، ثم نقلها على سبيل الموعظة إلى المخاطبين. فالجملة
وان تصدرت بفعل إلا أنها خالية من أصل الفعل الكلامي، فهي توجيه غير مباشر.
الفعل الكلامي هو (استوحش) والقوة الإنجازية متحققة في
المعنى الدلالي لاستوحش من الناس الذي تعلق بنتيجة الاخبار عمن يأنس بالله.
«من تعدّى في طهوره كان كناقضه» التعدي هو تجاوز
الحد استعمل الإمام(عليه السلام) التوجيه بصيغة الشرط، أراد أن تجاوز الحد في
الطهارة تساوي عدم الطهارة. فجاء الفعل الكلامي (ناقضه) ليحقق إنجازاً لغوياً في
تفادي المبالغة وتجاوز الحد في الطهارة. الجملة عند اوستن هي من العرضيات كونها
تتضمن الإصلاح عن طريق أسلوب الشرط، فالفعل (تعدى) هو فعل الشرط، لأجل اكمال
الموعظة جاء جواب الشرط بجملة الفعل الناقص (كان) ويمكن عدها أيضاً من الإلزاميات
وإن لم تتضمن أسلوب طلبي؛ وذلك لأنّ كلام الإمام حجة على مواليه لابد من الالتزام
بها وتنفيذه.
«من وعظ أخاه سراً فقد زانه، ومن وعظه علانية فقد شانه» الفعل
الكلامي (زانه) متكون من الفعل والفاعل الضمير المستتر(هو) والهاء، أما القوة
الإنجازية فهي في فعل الشرط(وعظ) الذي تقيد حصوله برابط جواب الشرط.- الجملة
إخبارية وإنْ تصدرت بفعل، إلا أنّ الفعل الكلامي هنا جاء يصف حالة ويخبر عنها،
ولكن في الوقت نفسه هو من الالزاميات والتوجيهات ولاسيما ان الكلام موجه لغاية
الوعظ. ونلاحظ إبداع الإمام(عليه السلام) في الموازنة الدلالية في المتضادات
بقوله: (زانه وشانه) و(سرا وعلانية)، فجعل القوة الإنجازية واحدة تكم في
الفعل(وعظ) وباين في اتجاه الفعل الكلامي نحو الزين أو الشين بحسب توجه القوة
الإنجازية هل ستكون في السر أم ستكون في العلن. فجاء بالجناس بين (زانه وشانه)،
وهذا الجمع طابق فيه بين كلمتين متضادتين لغاية تقريب الدلالة لتبرز جمالها في
الجمع بين الاضداد.
«أورع الناس من وقف عند الشبهة، أعبد الناس من أقام
عند الفرائض، أزهد الناس من ترك الحرام، أشد الناس اجتهاداً من ترك الذنوب». يصنف
الفعل الكلامي في هذه الحكمة (من وقف عند الشبهة) ضمن الإخباريات؛ إذ إنّ
الإمام(عليه السلام) أراد أن يوصل رسالة عن طريق عرض فعل إخباري يتضمن وصف أورع
الناس، فيخبر بأنه الذي يقف عند الشبهة ولا يتردد في قبولها، فهناك فعل إنجازي
لأجل الوصول إلى قمة الورع، وهذا الكلام ينطبق أيضاً على (أعبد الناس وأزهد الناس
وأشد الناس اجتهادا، المعنى الصريح هو الشرط؛ لأنّ أصل الجملة (من وقف عند
الشبهة هو أورع الناس) ومعناها الضمني يدل على الاخبار والتقرير؛ إذ تصبح مرادفة
لمعنى: كنتم من أقل الناس ورعاً بسبب عدم حذركم من الشبهات، وهنا يوجد التنافس على
الورع والتقوى، فالمعنى انتقل عبر مرحلتين:
الأولى: دلالة حرفية جاءت بأسلوب الشرط.
والثانية: تنمحي فيها الدلالة الحرفية، فتصبح دلالتها
الوحيدة هي دلالتها المستلزمة.
النتائج
الأفعال الكلامية تعد صورة من صور التداولية في استعمال
الكلام.
تتجاوب الأفعال الكلامية مع النصوص اللغوية التراثية
ولاسيما وأنها تهدف إلى أغراض إنجازية.
يغلب استعمال الأفعال الكلامية المباشرة في مواعظ وحكم
الإمام العسكري (عليه السلام).
توفرت الحكم والمواعظ على الأفعال الكلامية التي أعطت
للفعل قوة إنجازية، كالخبر، والشرط، والأمر، والنهي.
أثبتت الدراسات أنّ المنهج التداولي، ولاسيما الأفعال
الكلامية منه، من أبرز المناهج المساعدة على معرفة مقاصد المتكلم أثناء عملية
التواصل بالمتلقي.
أفرزت الدراسة أن تناول الأفعال الكلامية في ضوء
السياقات اللغوية في الحكم والمواعظ، قد ميزت تلك الحكم بالتعرف عليها وتحليلها من
خلال بنية الفعل الكلامي وتقسيماته.
لم يستطع أوستن ولا سيرل إحصاء الأفعال الكلامية جميعها،
فبقيت أفعال الشرط التي ترتبط إنجازيتها بأكثر من جملة لا تنتمي إلى قسم محدد
بذاته.
يمكن فتح أبواب جديدة من التداولية الحديثة، لتحلل بلاغة
النصوص التراثية التي تحتمل وجوه متعددة للتفسير.
قائمة المصادر والمراجع:
1)
ابن منظور، الأفريقي
المصري أبي الفضل جمال الدين محمد بن مكرم، لسان العرب، دار صادر، بيروت، ط4،
2005.
2)
الآمدي، عبد الواحد
محمد، تصنيف غرر الحكم ودرر الكلم، مركز البحث والتحقيق للعلوم الإسلامية، مكتب
الاعلام الإسلامي، قم المقدسة، 1987م.
3)
بو جادي، خليفة، في
اللسانيات التداوليّة مع محاولة تأصيلية في الدرس العربيّ القديم، دار الحكمة
للنشر والتوزيع، ط1، 2009.
4)
الحراني، ابن شعبة، تحف
العقول عن الرسول، منشورات المطبعة الحيدرية، النجف الاشرف، 1338- 1963م.
5)
سيرل جون، اللُّغة
والعقل والمجتمع الفلسفة في العالم الواقعي، ترجمة وتقديم صلاح إسماعيل، المركز
القومي للترجمة، ط1، 2011م.
6)
صحراوي، مسعود،
التداولية عند العلماء العرب دراسة تداولية لظاهرة (الأفعال الكلامية) في التراث
اللساني العربي، دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت، لبنان، 2005.
7)
نحلة، أحمد حمود، آفاق
جديدة في البحث اللغوي المعاصر، دار المعرفة الجامعية الإسكندرية، د. ط، 2002.
8)
القرشي، باقر شريف، حياة
الإمام الحسن العسكري دراسة وتحليلية، دار الكتاب الإسلامي، دار الأضواء، بيروت،
1988- 1409.
9)
المجلسي، محمد باقر،
مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ط2، دار الكتب الإسلامية، طهران، 1334هـ.
10)
الشيرازي، السيد محمد
الحسيني، من حياة الإمام الحسن العسكري (عليه السلام)، دار العلقمي للطباعة
والنشر، العراق، كربلاء المقدسة.
11)
الكعبي، علي موسى،
الإمام الحسن العسكري(عليه السلام) سيرة وتاريخ، مركز الرسالة للطباعة، تحظى
إصدارات المركز بالإشراف والمتابعة والتقويم العلمي.
12)
المبخوت، شكري، دائرة
الأعمال اللُّغويّة، مكتبة لسان العرب، دار الكتاب الجديدة المتحدة، 2010.