العدد الثاني عشر

حُجِّيَّةُ الأَحْكَامِ المُسْتَنْبَطَةِ مِنْ خُطُوطِ الإِمَامِ العَسْكَرِي وَتَطْبِيْقَاتُهَا الفِقْهِيَّةُ
تحميل
الباحثين م.د. عباس لفته بربوتي المسعودي م.د. عباس لفته بربوتي المسعودي

 

 

حُجِّيَّةُ الأَحْكَامِ المُسْتَنْبَطَةِ مِنْ خُطُوطِ الإِمَامِ العَسْكَرِي وَتَطْبِيْقَاتُهَا الفِقْهِيَّةُ

The Authority of Rulings Derived from Imam Al-Askari's (PBUH) Writings and Their Jurisprudential Applications

م.د. عباس لفته بربوتي المسعودي

كُلِّيَّةُ الإِمَامِ الكَاظِمِ (عليه السلام)

أَقْسَامُ النَّجَفِ الأَشْرَفِ

 

Dr. Lcet. Abbas Lafteh Barbuti Al-Masoudi

College of Imam Kadhim (PBUH)

Department of Najaf Al-Ashraf

 

الملخص:

مِمَّا لا شَكَّ فِيْهِ أَنَّ لأَئِمَّتِنَا (عليهم السلام) طُرُقَاً عَدِيْدَةً، لِلْتَوَاصُلِ مَعَ أَصْحَابِهِمْ وَشِيْعَتِهِمْ؛ تَبَعَاً لِلْظُّرُوفِ الَّتِي ابْتُلِيَ بِهَا الأَئِمَّةُ الهُدَاةُ (عليهم السلام) مِنْ جِهَةٍ، أَو تِلْكَ الَّتِي امْتُحِنُ بِهَا شِيْعَتُهُمْ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، فَمِنْ هُنَا ظَهَرَتْ وَسِيْلَةٌ بَدِيْلَةٌ لِلْتَّوَاصُلِ، تَرْتَكِزُ في بَيَانِ الأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ عَلَى الكِتَابَةِ وَالمُرَاسَلَةِ، وَلَمَّا كَانَ هَذَا العَمَلُ دَاخِلَاً في سُنَّةِ المَعْصُومِ (عليه السلام)؛ إِذْ لَا يَخْلُو مِنْ كَونِهِ فِعْلَاً لَهُ، أَو مُمَارَسَةً وَاقِعَةً تَحْتَ نَظَرِهِ الشَّرِيْفِ، فَيَكُونُ مُقَرَّاً مِنْ قِبَلِهِ (عليه السلام)، وَنَتِيْجَةُ ذَلِكَ أَنْ يُصْبِحَ الحُكْمُ المُسْتَنْبَطُ مِنْهَا دَاخِلَاً تَحْتَ دَائِرَةِ الحُجِّيَّةِ، بِمَعْنَى أَنْ يَكُونَ مُنَجِّزَاً وَمُعَذِّرَاَ.

الكلمات المفتاحية:

 الحُجِّيَّةُ، الأَحْكَامُ، الاستِنْبَاطُ، الإمَامُ العَسْكَرِيُّ، التَّطْبِيْقَاتُ الفِقْهِيَّةُ.

 

Abstract:

There is no doubt that our Imams (PBUT) had several methods for communicating with their companions and followers, depending on the circumstances that afflicted the guiding Imams (PBUT) on one hand, or those by which their followers were tested on the other. Therefore, an alternative means of communication emerged, based on declaring Sharia rulings through writing and correspondence. This work falls within the Sunnah of the infallible (PBUT) , as it is no less than being an action by him or a practice occurring under his noble supervision, it would be approved by him (PBUH). The result is that the ruling derived from it falls within the scope of authoritative proof, meaning that it is both binding and excusing.

key words:

Authority, rulings, derivation, Imam Al-Askari (PBUH),  jurisprudential applications.

 

المُقَدِّمَةُ

لَمَّا وَقَعَ الخِلَافُ بَيْنَ فُقَهَائِنَا في حُجِّيَّةِ الأَحْكَامِ الوَاصِلَةِ إِلَيْنَا بِغَيْرِ طَرِيْقِ المُشَافَهَةِ، فَكَانَ لَابُدَّ مِنْ أَنْ نَتَعَرَّفَ عَلَى دَلَائِلِ دَعْوَى المُثْبِتِيْنَ لَهَا، وَشَوَاهِدِ النَّافِيْنَ، وَسَتَرَى أَنَّ دَعْوَى نَفْي الحُجِّيَّةِ كانَتْ مُبْتَنِيَةً عَلَى شُبْهَةِ احْتِمَالِ التَّقِيَّةِ في المُكَاتَبَاتِ أَكْثَرُ مِنْهَا في المُشَافَهَاتِ، وَمِنْ خِلَالِ النَّظَرِ في دَلَائِلِهِمْ سَتَتَّضِحُ النَّتِيْجَةُ، في أَنَّ رُجْحَانَ الْشَّوَاهِدِ وَالدَّلَائِلِ أَقْوَى عِنْدَ المُثْبِتِيْنَ لِحُجِّيَّةِ تِلْكَ الأَحْكَامِ أَوِ عِنْدَ النَّافِيْنَ لَهَا؟

المبحث الأول: الإطار النظري للبحث

المطلب الأول: مَفْهُومُ الحُجِّيَّةِ.

وَالحَدِيْثُ هُنَا سَيَنْصَبُّ على إِيْضَاحِ جُملةٍ مِنَ الفُرُوقِ بَيْنَ معاني الحُجِّيَّةِ باصطلاحِ عُلَمَاءِ أُصُولِ الفِقْهِ؛ إِذْ إنَّهَا تعني عِنْدَهُمُ القَاعِدَةَ الاجتهاديةَ العامَّةَ التي يستند إليها الفَقِيْهُ، ويجعلها ميزاناً في فَهْمِ النَّصِّ الدِّيْنِي[1]، وَمِنْ هُنَا قيل: إنَّ الحُجَّةَ هُوَ الدَّلِيْلُ الصادرُ مِنَ الشارع المقدس، من قبيل الطرق والأمارات، والسِّرُّ في ذلك أنَّها (تقعُ وَسَطَاً لإثباتِ مُتَعَلَّقَاتِهَا، بِحَسَبِ الجَعْلِ الشَّرْعِيّ، مِنْ دون أن تكون بينها وبين متعلقاتها عُلْقَةٌ ثُبُوتِيَّةٌ[2] بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ)[3]، هذا وإن ذُكِرَ في أبحاثهم الأصولية، إلَّا أَنَّهُمْ لَمْ يقتصروا على ذلك، إِذْ ذكروا لها مَعَاني أُخْرَى، وَمِنْ هُنَا وَجَدْنَا الاختلافَ في مباني جُمْلَةٍ مِنَ العلماء في معناها، وإليك بعضاً منها:

المعنى الأول: وهو الذي تَبَنَّاهُ السيدُ الخوئي رحمه الله تعالى، فَاتَّخَذَهُ مَسْلَكَاً لَهُ، إِذْ فَسَّرَ الحُجِّيَّةَ في مواردِ الأَمَارَةِ مِنْ أَنَّهَا تكونُ ناظرةً إلى الواقع، وَالشَّارِعُ المُقَدَّسُ صَيَّرَهَا عِلْمَاً، وَلَكِنَّهُ عِلْمٌ تَعَبُّدِيٌّ، فإذا كان كذلك حينئذٍ يترتب (عليه كل ما يترتب على القطع من الآثار، فَيَصُحُّ الإِخْبَارُ على طِبْقِهِ، كما يصح أن يُخْبَرَ على طِبْقِ العِلْمِ الوجداني، ولا يكونُ مِنَ القول بغير عِلْمٍ)[4]. ومعنى ذلك أنَّ النتيجةَ التي تترتب على العلم الوجداني بعينها تترتب على العِلْمِ التعبدي، وَهِيَ وَحْدَةُ الأَثَرِ المُتَرَتّبِ عَلَيْهَا.

المعنى الثاني: إِذِ اتَّخَذَهُ الشيخُ الآخوند الخراساني رحمه الله تعالى مَسْلَكَاً لَهُ، حِيْنَ قال: بأنَّ الشَّارعَ المُقَدَّسَ إذا جَعَلَ الحُجِّيَّةَ لِشَيءٍ، فيكون ذلك الشيءُ مُنَجِّزَاً[5] وَمُعَذِّرَاً[6]؛ وَمِنْ هُنَا قيل: إنَّ هناكَ فَرْقَاً – في مَعْنَى الحُجِّيَّةِ - بَيْنَ مَسْلَكَي هذينِ العَلَمَيْنِ رحمهما الله تعالى؛ وذلك أنَّ السَّيِّدَ (جَعَلَ غَيْرَ العِلْمِ عِلْمَاً بالتعبد، يَكُونُ الظَّنُّ المذكورُ حُجَّةً، باعتبار أثر واحد، وهو جواز الإخبار بمتعلقه، فإذا قامَ ظَنٌّ خَاصٌّ على قضية تاريخية أو تكوينية، جاز لنا الإخبار بتلك القضية بمقتضى حُجِّيَّةِ الظَّنِّ المَذْكُورِ؛ لأنَّ جوازَ الإخبار عن الشيء مَنُوطٌ بالعلم به، وقد عَلِمْنَا بِهِ بالتَّعَبُّدِ الشَّرعِيّ، وهذا بخلافِ مَسْلَكِ صَاحِبِ الكفايةِ رحمه الله، فإنَّ جَعْلَ الحُجِّيَّةِ لشيء بمعنى كونه منجزاً ومعذراً، لا يُعقَلُ إلا فيما إذا كان لِمُؤدَّاهُ أثرٌ شرعيٌّ)[7]. وَمُرَادُنَا بِالحُجِّيَّةِ المُسْتَفَادَةِ مِنْ خُطُوطِ مَولَانَا الإِمِامِ الحَسَنِ العَسْكَرِيّ (عليه السلام)
هِيَ خُصُوصُ التَّنْجِيْزِ وَالتَّعْذِيْرِ لَيْسَ غَيْرُ؛ لأنَّ الحُجِّيَّةَ الأُصُولِيَّةَ تِلْكَ الَّتِي يَتَّخِذُهَا الفَقِيْهُ دَلِيْلَاً يُحَدِّدُ بِهَا خَيَارَاتِهِ في فَهْمِ النَّصِّ الدِّيْنِي[8]، وَهِيَ غَيْرُ مَقْصُودَةٍ في هَذَا البَحْثِ.

المطلب الثاني: مَفْهُومُ الخَطِّ.

لا تَخْفَى المُنَاسَبَةُ في ما بَيْنَ الكِتَابَةِ وَالخَطِّ، وَهِيَ إنَّ مَعْنَى الكِتَابَةِ الجَمْعُ، سَوَاءٌ أكانَ على مُسْتَوَى الكَلِمَاتِ أَمِ الحُرُوفِ، فَلِذَا (يقال: تَكَتَّبَت القَومُ إذا اجتمعوا، وَمِنْ ثَمَّ سُمِّيَ الخَطُّ كتابةً، لِجَمْعِ الحُرُوفِ بَعْضِهَا إلى بَعْضٍ)[9]. فَمِنْ هُنَا كانَ الكلامُ المُرْسَلُ بِهِ إلى آخَرَ على أنحاء مختلفة؛ إذ قد يكون بالمشافهة، وأخرى بالكتابة، وهذه الأخيرة لها أَكْثَرُ مِنْ صُورةٍ، من قبيل صياغتها بطريقة التوقيع، وَكُلُّ هذا قد فَعَلَهُ الإمامُ (عليه السلام) مع أصحابِهِ وشيعتِهِ، (فالرسالةُ إِذَنْ ثلاثةُ أقسام؛ لأنَّها إِمَّا شَفَوِيَّةٌ، أو مكتوبةٌ، أو تَوقِيْعَاً)[10].

والتوقيعُ بحسب المَفْهُومِ مِنَ الأخبار الشريفة – وَتُؤَيِّدُهُ اللُّغَةُ – أَخَصُّ مُطْلَقَاً مِنَ الكتابة؛ لأنَّ كُلَّ توقيعٍ كتابةٌ، وَبَعْضَ الكتابةِ تَوقيعٌ؛ وَالسِّرُّ في ذلك يُخْبِرُنَا بِهِ الأزهريُّ، إِذْ يقول: (توقيع الكاتب في الكتاب المكتوب، أنْ يَجْعَلَ بَيْنَ تَضَاعِيْفِ سُطُورِهِ مَقَاصِدَ الحاجةِ، ويحذف الفضول)[11]. إِذَنْ فَلَيْسَ كُلُّ ما يُكتَبُ يُسَمَّى تَوقِيْعَاً، وَإِنَّمَا هُوَ خُصُوصُ ما يُجْعَلُ بين السطور مِنْ مَقَاصِدِ حَاجَةِ الكاتِبِ، فَضْلَاً عَنْ خُلُوّهِ مِنَ الفُضُولِ.

وَهَذَا المَعْنَى مُسْتَفَادٌ – في الجُمْلَةِ – مِنْ مُكَاتَبَاتِ المَعْصُومِيْنَ (عليهم السلام)، فَهَذَا الشيخُ النجاشيُّ حِيْنَمَا تَرْجَمَ لِبَعْضِ الرواةِ من أصحابِ الأئمةِ (عليهم السلام)، قائلاً: (أبو جعفر القُمّي، كان ثقةً، وَجْهَاً، كاتَبَ صَاحِبَ الأَمْرِ (عليه السلام)، وَسَأَلَهُ مَسَائِلَ في أبواب الشريعة، قال لنا أحمد بن الحسين: وَقَعَتْ هَذِهِ المَسَائِلُ إليَّ في أَصْلِهَا، وَالتَّوقِيْعَاتُ بَيْنَ السُّطُورِ)[12]. وَهَذِهِ التَّوقِيْعَاتُ وَاَشْبَاهُهَا هِيَ الَّتِي نَقُولُ بِحُجِّيَّةِ الأَحْكَامِ المُسْتَنْبَطَةِ مِنْهَا، مِنْ جِهَةِ كَونِهَا مُنَجِّزَةً وَمُعَذِّرَةً، وَلَا تَخْتَلِفُ عَنْ مَا نُقِلَ إِلَيْنَا مُشَافَهَةً مِنْ هَذِهِ الجِهَةِ.

المبحث الثاني: أَقْوَالُ العُلَمَاءِ النَّافِيْنَ لِلْحُجِّيَّةِ والمُثْبِتِيْنَ لَهَا

المطلب الأول: أَقْوَالُ العُلَمَاءِ النَّافِيْنَ لِحُجِّيَّةِ تِلْكَ الأَحْكَامِ.

هُنَاكَ مَجْمُوعَتَانِ مِنَ العُلَمَاءِ لَمْ يَرْتَضُوا استِنْبَاطَ الأَحْكَامِ المُتَضَمَّنَةِ في الرُّوَايَاتِ الوَاصِلَةِ بِطَرِيْقِ الخَطِّ وَالكِتَابَةِ، لَا عَنْ طَرِيْقِ النَّقْلِ بِالمُشَافَهَةِ.

المجموعة الأولى: وَهُمُ الَّذِيْنَ ذهبوا إلى عَدَمِ حُجِّيَّةِ مِثْلِ هذِهِ الأخبارِ، دون أَنْ يُعَلِّقُوا عَدَمَ حُجِّيَّتِهَا على شَيءٍ آخَرَ، وهؤلاءِ هُمْ:

أولاً: المُحَقِّقُ الحِلِّيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى، إِذْ أَنْكَرَ صَحَّةَ الصَّلَاةِ في ثَوبٍ مَحْشُوٍّ بِالقَزِّ، مُعَلِّلَاً ذَلِكَ بِأَنَّ رَاوِيَ الخَبَرِ[13]، وهو الحُسَيْنُ بْنُ سَعِيْدٍ الأهوازي رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى، لم يَصِلِ الخَبَرُ إلى مَسَامِعِهِ، وَإنَّمَا كانَ واصلاً إليه بالوَجَادَةِ، وَمِثْلُ هذا الخَبَرِ لا يكونُ حُجَّةً.

وَلَكِنْ رُدَّ على المُحَقِّقِ المَذْكُورِ، بأنَّ المَنَاطَ في تَحَمُّلِ الرّوَايَةِ، هُوَ العِلْمُ واليقينُ بكونِ الخَبَرِ صَادِرَاً عَنِ المَعْصُومِ (عليه السلام)[14]، وَأَمَّا كَونُهُ بالسُّمَاعِ وَالمُشَافَهَةِ أو بِالوَجَادَةِ، فهذا طَرِيْقِيٌّ بالنِّسْبَةِ إلى حُجِّيَّةِ الحُكْمِ المُسْتَنْبَطِ، وَلَمَّا كانَ الرَّاوِي لِلْخَبَرِ جَازِمَاً بِنِسْبَةِ الخَبَرِ إلى المَعْصُومِ (عليه السلام)، وَشَهِدَ بِكَونِهِ صَادِرَاً مِنْهُ، فَتَكُونُ شَهَادَتُهُ مَقْبُولَةً[15].

وَالنَّتِيْجَةُ المُسْتَخْلَصَةُ مِنْ ذَلِكَ هِيَ حُجِّيَّةُ الحُكْمِ المُسْتَنْبَطِ مِنْ هَذَا الخَبَرِ الشَّرِيْفِ، بِمَعْنَى كَونِهِ مُنَجِّزَاً، وَمُعَذِّرَاً.

ثانياً: الشَّيْخُ الأَنْصَارِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى؛ إِذْ أَبْطَلَ العَمَلَ بِالمُكَاتَبَةِ بِدَعْوَى احتمالِ التَّقِيَّةِ في مِثْلِ هكذا أَخْبَارِ؛ إِذْ إنَّ جَمَاعَةً مِنْ شيعَةِ أَهْلِ البَيْتِ (عليهم السلام) كانوا يعملون في صناعة السيوف وَبَيْعِهَا، وَبِمَا أنَّ السَّيْفَ يحتاجُ إلى غَمَدٍ، وَهُوَ مِمَّا يُصْنَعُ مِنْ جُلُودِ المَيْتَةِ – بِحَسَبِ الفَرْضِ –،
فكانَ جَوَابُ الإمامِ (عليه السلام) لهم، بأن يَتَّخِذُوا ثَوباً لصلاتهم، فَفُهِمَ مِنْ جَوابِهِ(عليه السلام) مَجْمُوعَةٌ مِنَ الأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ:

أحدها: جَوَازُ بَيْعِ الغَمَدِ مع السيفِ، وإنْ كانَ الغَمَدُ نَجِسَاً.

وثانيها: صِحَّةُ المعاملَةِ المسؤولِ عنها مِنْ قِبَلِهِمْ.

ثالثها: نجاسةُ الثوبِ المُلَاقي لتلك الجلود.

وَلَكِنَّ الشَّيْخَ الأَنْصَارِيَّ اعتَرَضَ باعتراضَيْنِ:

الاعتراض الأول: إنَّ جَوَابَ الإمامِ(عليه السلام) غَيْرُ ظاهِرٍ في الجَوَازِ، (إلّا من حيث التقرير الغير ظاهر في الرضا)[16].

إِذْ يُفْهَمُ مِنْ كلامِ الشَّيخِ أَنَّهُ يذهبُ إلى عَدَمِ إِفَادَةِ تَقْرِيْرِ المَعْصُومِ (عليه السلام) لِلْحُجِّيَّةِ، وَهُوَ تَخْصِيْصٌ لِلْسُّنَّةِ بِمَا لا يَشْمَلُ تَقْرِيْرَهُ (عليه السلام)[17]، عِلْمَاً أَنَّ المُكَاتَبَةَ تُعَدُّ مِنْ فِعْلِ المَعْصُومِ (عليه السلام) لا تَقْرِيْرِهِ؛ لأنَّ التَّقْرِيْرَ سُكُوتُهُ المُفْضِي إلى رِضَاهُ، وَالمُكَاتَبَةٌ فِعْلُهُ (عليه السلام)، إلّا إذا قِيْلَ: بأنَّ شَخْصَاً آخَرَ كَتَبَ، فَرَآهُ الإمامُ (عليه السلام) فَسَكَتَ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ فِعْلَهُ، وهذا الاحتمالُ بَعِيْدٌ، بحيثُ يتبرعُ شَخْصٌ نِيَابَةً عن الإمام (عليه السلام) فيكتب إلى شيعته وأصحابه. إِذَنْ فهذا الاعتراضُ لا يَمْنَعُ مِنَ الاحتجاجِ بالمكاتبَةِ، واستنباطِ الحُكْمِ الشَّرعِي منها.

الاعتراض الثاني: احتمالُ اشتمالِ الخَبَرِ على التَّقِيَّةِ، وَهُوَ كَافٍ في اسقاطِهِ عَنِ الاعتبارِ؛ إِذْ قالَ بَعْدَ اعتراضِهِ الأَوَّلِ مُبَاشَرَةً: (خصوصاً في المُكاتَبَاتِ المُحْتَمَلَةِ لِلْتَّقِيَّةِ)[18].

وَفِي قَولِ الشَّيْخِ: (المُحْتَمَلَةِ لِلْتَّقِيَّةِ) احتمالانِ.

الاحتمال الأول: تَفْريقُهُ بَيْنَ المُكَاتَبَاتِ المُحْتَمِلَةِ للتقيةِ، وَبَيْنَ غَيْرِ المحتَمِلَةِ لَهَا، فَتَكُونُ حُجَّةً في الأُولَى دَونَ الثَّانِيَةِ.

الاحتمال الثاني: أنْ تكونَ الجُمْلَةُ التَّرْكِيْبِيَّةُ – أَعْنِي قَولَهُ: (المُحْتَمَلَةِ لِلْتَّقِيَّةِ) – وَصْفَاً للمُكاتَباتِ كافَّةً، بِمَا هِيَ حَاكِيَةً عَنْ مَصَادِيْقِهَا.

وَعَلَى الاحتمالِ الثاني يَدْخُلُ الشَّيْخُ في النَّافِيْنَ لِحُجِّيَّةِ الاستدلالِ بالأخبارِ الواصلَةِ بِالخَطِّ دُونَ المُشَافَهَةِ.

وَلَكِنَّ اعتِرَاضَهُ هذا لَيْسَ بِسَدِيْدٍ؛ وذلك لأنَّ (فِعْلِيَّةَ التَّقِيَّةِ إِنَّمَا هِيَ بِفِعْلِيَّةِ مَوضُوعِهَا، وأمَّا مُجَرَّدُ الاحتمالِ، فَغَيْرُ قَابِلٍ لأن يكونَ موضوعاً لها، وَسَبَبَاً لرفع اليَدِ عن الأدلة الشرعية، نَعَمْ إذا صارت فِعْلِيَّةً، وَجَبَ رَفْعُ اليَدِ عَمَّا يُخالفُها، مكاتبةً كان أو غيرها)[19]. إِذَنْ فهذا ليسَ مُخْتَصَّاً بِمَا وَصَلَنَا عَنِ المَعْصُومِ (عليه السلام) بِالكِتَابَةِ وَالخَطِّ.

المجموعة الثانية: وهؤلاءِ هُمُ الذينَ ذهبوا إلى عَدَمِ حُجِّيَّةِ الأخبارِ الوَاصِلَةِ بِخُطُوطِ المَعْصُومِ وَكِتَابَتِهِ (عليه السلام)، وَلَكِنَّهَا مَشْرُوطَةٌ في حَالَاتِ التَّعَارُضِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الأَخبارِ المَنْقُولَةِ بالمُشَافَهَةِ، فَمِنْ هؤلاءِ:

أولاً: المحقق الداماد: إِذْ صَرَّحَ بِطَرْحِ الأَخْبَارِ الوَاصِلَةِ بِطَرِيْقِ الخَطِّ وَالكِتَابَةِ، حَيْثُ قَالَ: (إنَّ المُشَافَهَةَ مُقَدَّمَةٌ على المُكَاتَبَةِ، على ما هو المُقَرُّ في مَقَرِّهِ في بَابِ التَّرْجِيْحِ)[20].

وَمَعْنَى كَلَامِهِ أَنَّ الأَخْبَارَ سَوَاءٌ أَكَانَتْ مكاتباتٍ وتوقيعاتٍ أم مُشَافَهَاتٍ، فَهِيَ حُجَّةٌ في حَدِّ نَفْسِهَا، وَلَكِنْ عِنْدَ التَّعَارُضِ تُرَجَّحُ الأَخْبَارُ الشَّفَوِيَّةُ على الكَتْبِيَّةِ.

وَلَكِنَّهُ لَمْ يُبَيِّنْ دَلِيْلَهُ على هذه الدعوى، مِنْ طَرْحِ المكاتباتِ، والأَخْذِ بالمُشَافَهَاتِ في بَابَ التَّرْجِيْحِ بَيْنَهُمَا. نَعَمْ هُنَاكَ دَعْوَى احتِمَالِ التَّقِيَّةِ في المكاتباتِ، وَلَكِنَّكَ قَدْ عَرَفْتَ جَوَابَهَا.

ثانياً: الفاضل الآبي: إِذْ رَدَّ مُكاتبةَ محمد بن جزك[21]، التي يقول فيها: (كَتَبْتُ إلى أبي الحَسَنِ (عليه السلام) أَسْأَلُهُ عَنْ رَجُلٍ تَزَوَّجَ جَارِيَةً بِكْرَاً فَوَجَدَهَا ثَيِّبَاً، هل يجب لها الصَدَاقُ وافياً، أَمْ يَنْتَقِصُ؟، قال: يَنْتَقِصُ)[22]، وَالسِّرُّ في حُكْمِهِ عَلَيْهَا بِالضَّعْفِ؛ (لِكَونِهَا مُكَاتَبَةً)[23].

فَجَعَلَ مِنَ الكِتَابَةِ قَرِيْنَةَ تَوهِيْنٍ لِلْخَبَرِ، وَمنْ ثَمَّ حَكَمَ عليه بِعَدَمِ الحُجِّيَّةِ. وَلَكِنَّكَ عَلِمْتَ بِأَنَّ المَنَاطَ في قَبُولِ الخَبَرِ العِلْمُ بِصُدُورِهِ عَنِ المَعْصُومِ (عليه السلام)، سواء أكان وارداً بالمشافهة أم مخطوطاً. ويشهد لكون مناط العمل في الأخبار العِلْمَ بانتسابِ الخَبَرِ إلى الإمام (عليه السلام)، هو ما رواهُ أحمد بن عمر الحلَّال عن مولانا الإمام الرضا(عليه السلام)، بقوله: (قلتُ لأبي الحسن الرضا(عليه السلام): الرَّجُلُ مِنْ أصحابنا يُعطي الكتابَ ولا يقولُ ارْوِهِ عَنِّي؟، فقالَ: إِذَا عَلِمْتَ أَنَّ ذَلِكَ الكِتَابَ لَهُ فَارْوِهِ عَنْهُ)[24]. إذ يُستفادُ مِنْ هَذَا الخَبَرِ الشريفِ جملةٌ من الأمور، منها:

الأمر الأول: جَعَلَ الإمامُ (عليه السلام) روايَتَهُ للكتابِ تدورُ مَدَارَ عِلْمِ الراوي بِنِسْبَةِ الكِتَابِ إلى صَاحِبِهِ، وَلَمْ يُعَلِّقْهُ على شَيءٍ آخَرَ.

الأمر الثاني: ولو لَمْ يَكُنِ الحَدِيْثُ المَرويُّ عن هذا الكتابِ حُجَّةً لَمَا كانَ لروايَتِهِ لَهُ مَعْنَىً مُحَصَّلٌ.

الأمر الثالث: يُفْهَمُ مِنَ الخَبَرِ إِقْرَارُ الإِمَامِ المَعْصُومِ (عليه السلام) لِرُوَايَتِهِ للكتابِ – نَعَمْ هُوَ مَشْرُوطٌ بنسبته إليه – وإقرارُهُ جائزٌ.

وَعَلَى كُلِّ حَالٍ يَبْدُو أَنَّ الجَمْعَ بَيْنَ كَلِمَاتِ هَذَا الفَقِيْهِ تُنْتِجُ لَنَا تَخْصِيْصَ قَولِهِ بِحَالاتِ وقوعِ التَّعَارُضِ بينها وبين الأخبار الشفوية، بدليلِ قَولِهِ عَنْ مكاتَبَةِ صفوانِ بْنِ يحيى لمولانا الإمام الرضا (عليه السلام): (لا يُقالُ: هِيَ مِنَ المكاتباتِ فلا يُعْمَلُ بها؛ لأنَّا نقولُ: إنَّها خاليةٌ عَنِ المُعَارَضَةِ)[25].

وَبِهَذَا يُمْكِنُ إِدْخَالُهُ في المجموعةِ الثانيةِ مِنَ الفُقَهَاءِ الذينَ خَصَّصُوا ضَعْفَ الرواياتِ الخَطِّيَّةِ في صُورَةِ التَّعَارُضِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ المَنْقُولَةِ مُشَافَهَةً.

المطلب الثاني: أَقوَالُ العُلَمَاءِ المُثْبِتِيْنَ لِحُجِّيَّةِ تِلْكَ الأَحْكَامِ.

هناكَ مجموعةٌ من العلماء سَوَّوا بَين ما وصلنا بِخَطِّ الإمامِ (عليه السلام)، وَبَيْنَ الذي نُقِلَ إلينا عن طريق المشافهة، فَمِنْ هؤلاءِ العلماءِ.

أولاً: الشيخ الطوسي رحمه الله تعالى؛ إذ صرح بكون التواصل بين الإمام (عليه السلام) وشيعته عن طريق المكاتبات والتوقيعات شائعاً، حين قال: (وكانت توقيعاتُ صَاحِبِ الأمرِ (عليه السلام)، تخرج على يَدَي عثمان بن سعيد، وابْنِهِ أبي جعفر محمد بن عثمان إلى شيعته، وَخَوَاصِّ أبيه أبي محمد (عليه السلام)، بالأَمْرِ والنَّهْي والأجوبةِ عَمَّا يسألُ الشيعةُ عنه، إذا احتاجت إلى السؤال فيه، بالخَطِّ الذي كانَ يخرجُ في حياةِ أبيه الحَسَنِ (عليه السلام))[26].

فَفِي كَلَامِهِ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى جُمْلَةٌ مِنَ المُلَاحَظَاتِ، مِنْهَا:

الملاحظة الأولى: إنَّ هذا الأسلوبَ مِنَ الإتصال بين الإمام (عليه السلام)، وَبَيْنَ شيعتِهِ كان مألوفاً في مِثْلِ هذه الظروف[27].

الملاحظة الثانية: إنَّ شيعةَ أهل البيت(عليهم السلام) كانوا عارفينَ بِخُطُوطِ الإمامِ(عليه السلام)، الصادرةِ إليهم من قِبَلِ إمامِ زمانهم؛ بدليل عِرْفَانِهِم لنفس الخط حينَ تسلّموه بعد استشهاد الإمام الحَسَنِ العسكري (عليه السلام)، ومجيء وَلَدِهِ الإمام الثاني عشر مولانا الإمام الحُجَّةِ (عليه السلام).

الملاحظة الثالثة: فَهْمُهُمُ الدَّقِيْقُ لِمَا نُقِلَ إليهم مكتوباً، ومعاملَتُهُمْ لَهُ معاملةَ المنقولِ بالمشافهة.

الملاحظة الرابعة: إنَّ الخَطَّ كَانَ مَنْظُورَاً للإمامِ المعصومِ (عليه السلام)، ولو لم يكن مَرْضِيَّاً عِنْدَهُ هذا الأسلوبُ مِنَ التَّوَاصُلِ لَرَدَعَ عنه، أو امتنع عن مزاولتِهِ مع شيعته، وهذا يكشف عن إِقْرَارِهِمْ عليه، فيكونُ مِنَ السُّنَّةِ، فَيُصْبِحُ كَقَولِهِ وَفِعْلِهِ (عليه السلام)، وإنْ كُنْتُ أُرَجِّحُ دُخُولَ الخَطِّ في فِعْلِهِ (عليه السلام)؛ لأنَّهُ كاتِبُهُ وَمُرْسِلُهُ حَقِيْقَةً.

الملاحظة الخامسة: ويترتبُ على الملاحظَةِ السابقةِ حُجِّيَّةُ خَطِّ الإمامِ المعصومِ (عليه السلام)، ويترتبُ على حُجِّيَّتِهِ صِحَّةُ استنباطاتِ فُقَهَاءِ شِيْعَتِهِ لأَحْكَامِهِمُ الفِقْهِيَّةِ، بَلْ وَغَيْرِهَا كَذَلِكَ.

ثانياً: الشيخُ النَّرَاقِيُّ؛ إذ ذَهَبَ إلى حُجِّيَّةِ مَكَاتِيْبِ الأئمَّةِ (عليهم السلام)، فهي عنده كالأخبار المنقولة بالمشافهة، وَحُجَّتُهُ في ذلك سيرةُ أصحاب الأئمة (عليهم السلام) في العمل بمكاتيبِ الأئمَّةِ الهُدَاةِ (عليهم السلام)؛ ولذا وجدناهُ يقول: (عَمِلَ أَصْحَابُ الأئمَّةِ بمكاتيبِهم الشريفَةِ، التي هي أيضاً أخبارٌ كَتْبِيَّةٌ، وَإنْ كانَ بِخَطِّ الإمَامِ، وَهِيَ بَلَغَتْ حَدَّ الكَثْرَةِ ما يحصل به العِلْمُ)[28]. ففي كلامه جملةٌ مِنَ الأُمُورِ، مِنْهَا:

الأمر الأول: سِيْرَةُ المُتَشَرِّعَةِ مِنْ أصحابِ الأئمَّةِ (عليهم السلام) قائمَةٌ على العمل بأخبارهم الخَطِّيَّةِ.

الأمر الثاني: كثرةُ الأخبار الخَطِّيَّةِ، تبعاً لكثرة الموارد، مُورِثَةٌ لِلْعِلْمِ بِصُدُورِهَا عَنِ المَعْصُومِ (عليه السلام).

 وَمِنْ هُنَا يُقالُ: إنَّ عَمَلَ أصحابِ الأئمَّةِ (عليهم السلام) بمكاتيبهم(عليهم السلام)، المقتضي لِعِلْمِهِمْ (عليهم السلام)، مع سكوت المعصوم (عليه السلام)، وهذا السكوتُ مِنْهُ (عليه السلام)، إِقْرَارٌ لِعَمَلِهِمْ بتلك الأخبار الكتبيةِ، وإلَّا لَنَبَّهَهُمْ على خَطَئِهِمْ، لا سِيَّمَا مَعَ فَقْدِ المَانِعِ، إِذَنْ فهذا الخَبَرُ يُعَدُّ مِنَ الشَّوَاهِدِ على حُجِّيَّةِ الأحكامِ التي عَمِلَ على طِبْقِهَا عُلَمَاؤُنَا الأَبْرَارُ في عَصْرِ النَّصِّ، وَعَامَلُوا مكاتيبَ الأئمَّةِ (عليهم السلام) مُعَامَلَةَ الرواياتِ الشَّفَوِيَّةِ مِنْ جِهَةِ كَونِهَا مُنَجِّزَةً وَمُعَذِّرَةً[29].

ثالثاً: السَّيِّدَانِ الخُوئي وَتِلْمِيْذُهُ محمد باقر الصدر؛ إِذْ ذَهَبَا إلى حُجِّيَّةِ الخَبَرِ المَنقُولِ بالخَطِّ كالمنقُولِ مُشَافَهَةً، وهذا يُسْتَفَادُ مِنِ اعتراضِ السَّيّدِ الخوئي على سَنَدِ أَحَدِ الأخبارِ – الواردةِ مِنْ ضِمْنِ أَدِلَّةِ عَدَمِ تَنْجِيْسِ المُتَنَجِّسِ – وَنَقْضِ الشَّهِيْدِ السَّعِيْدِ الصَّدْرِ عليه، حيث قال السَّيِّدُ الخُوئيُّ مُعْتَرِضَاً: (نَعَمْ الروايةُ مَخْدُوشَةُ السَّنَدِ بسليمانَ بْنِ رشيد، حيث لم يظهر أنَّهُ مَنْ هُوَ، ولم يُعْلَمْ حَالُهُ، وَلَعَلَّهُ قاضٍ مِنْ قُضَاةِ الجُمهورِ، وَمِنْ أَحَدِ حُكَّامِهِمْ، وَمِثْلُهُ إنَّمَا يَنْقُلُ عن أئمَّةِ مَذْهَبِهِ، لا عن أئمتنا (عليهم السلام)، فلم يثبت أنَّ الروايةَ منقولةٌ عنهم (عليهم السلام)، وَمَعَهُ كيف يمكن الاعتمادُ عليها في الاستدلال)[30]. ولمَّا كان سليمان هذا مِمَّنْ لا يَأبَى شَأنُهُ بسؤال غير الإمام (عليه السلام)، فحينئذٍ لا يمكن الاحتجاجُ بِمُكَاتَبَتِهِ؛ لإضمارها، لا لكونِهَا مُكَاتَبَةً، بدليلِ إنْ كانَ المكاتِبُ للإمامِ (عليه السلام) هُوَ علي بن مهزيار لَأَمْكَنَ الاستدلالُ بها، واستنباطُ حُكْمِ طَهَارةِ كَفِّ السَّائِلِ مِمَّا تَوَهَّمَهُ مِنْ إصابتِهِ بِقَطْرَةِ بَولٍ. بمعنى إنْ كانَ المُضْمِرُ لها مِنْ أمثالِ علي بن مهزيار لكانت حُجَّةً، ومعنى ذلك أنَّ خُطُوطَ المَعْصُومِيْنَ (عليهم السلام) صَالِحَةٌ لِأَنْ يُسْتَنْبَطَ مِنْهَا، وَإِلَّا فَلَا مَعْنَى لِكَلَامِهِ المُتَقَدِّمِ.

وَلَكِنَّ المَانِعَ مِنَ الأخذِ بها أنَّ اعتقادَ علي بن مهزيار ليسَ حُجَّةً؛ إِذْ لا يُعامَلُ اعتقادُهُ مُعَامَلَةَ الحِسِّ، وهذا شَاهِدٌ على أنَّ السَّيِّدَ الخُوئيَّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى مِنَ المُثْبِتِيْنَ لِحُجِّيَّةِ خُطُوطِ المَعْصُوم (عليه السلام).

وأمَّا اعتراضُ السيد الشهيد محمد باقر الصدر عليه بقوله: (ويرد عليه...أنَّ عليَّ بْنِ مهزيار – بعد الاعتراف بأنَّهُ كانَ يعتقدُ بأنَّ المُكَاتَبَةَ مع الإمام – يكون قولُهُ: (وَقَدْ قَرَأتُهُ بِخَطِّهِ) شَهَادَةً بأنَّهُ رأى خَطَّ الإمام (عليه السلام)، [وحينئذٍ] تجري فيها أصالةُ الحِسِّ، فتكونُ حُجَّةً،... ولولا هذه الشهادةُ من علي بن مهزيار بأنَّ المكاتبةَ بخط الإمام، لكانت الروايةُ ساقطةً سَنَدَاً، بِقَطْعِ النَّظَرِ عن إضمارها من قِبَلِ سليمان بن رشيد؛ لأنَّ سليمانَ هذا لم يَثْبُتْ تَوثِيْقُهُ)[31].

إذن، فالسيد الشهيد أيضاً مِنَ المُثْبِتِيْنَ لِحُجِّيَّةِ الأَخْبَارِ المنقولَةِ عَنِ المَعْصُومِيْنَ (عليهم السلام)
كِتَابَةً.

المبحث الثالث: التَّطْبِيَقَاتُ الفِقْهِيَّةُ المُنْدَرِجَةُ في فِعْلِ المَعْصُومِ وَتَقْرِيْرِهِ

هُنَاكَ مَجْمُوعَةٌ مِنَ الدَّلَائِلِ التي يُسْتَفَادُ مِنْهَا كَنَمَاذِجَ تَطْبِيْقِيَّةٍ لِحُجِّيَّةِ الحُكْمِ الشَّرعِيّ، المُسْتَنْبَطِ مِنَ المُكَاتَبَاتِ وَالتَّوقِيْعَاتِ الصَّادِرَةِ عَنِ المَعْصُومِ (عليه السلام)، مُسْتَفَادَةٍ مِنْ جُمْلَةٍ مِنَ الأَخْبَارِ الشَّرِيْفَةِ، مِنْ قَبِيْلِ:

أَوَّلَاً: ما رُوِيَ عَنْ (مُحَمَّدٍ بْنِ الحَسَنِ الصَّفَّارِ في الصَّحِيْحِ قَالَ: كَتَبْتُ إلى أبي مُحَمَّدٍ العَسْكَرِيّ (عليه السلام)، رَجُلٌ أَوصَى إلى رَجُلَيْنِ، أَيَجُوزُ لأَحَدِهِمَا أَنْ يَنْفَرِدَ بِنِصْفِ التَّرِكَةِ، والآخَرِ بِالنِّصْفِ؟، فَوَقَّعَ (عليه السلام): (لا يَنْبَغِي لَهُمَا أَنْ يُخَالِفَا المَيْتَ، وَأَنْ يَعْمَلَا عَلَى حَسَبِ مَا أَمَرَهُمَا إِنْ شَاءَ اللهُ)[32].

فَالحُكمُ المُسْتَنْبَطُ مِنْ هذا التَّوقِيْعِ الشَّريفِ حُرمَةُ مُخَالَفَةِ المُوصِي، وَعَدَمُ جَوَازِ التَّصَرُّفِ بِغَيْرِ مَا رُسِمَ لِلْمُوصَى إِلَيْهِ.

قد يُقال: إنَّ التَّعْبِيْرَ الوَارِدَ في الخَبَرِ، أقصى ما يُستفادُ منه الكَرَاهَةُ، ولا يُصَارُ إلى القَولِ بالحُرمَةِ.

فإنه يُقال: إنَّ سُؤَالَ السَّائِلِ كانَ مُنْصَبَّاً على الجَوَازِ، فَمَا يُقَابِلُهُ هُوَ العَدَمُ، وَعَدَمُهُ الحُرْمَةُ بِلَا رَيْبٍ.

بَلْ حَتَّى على فَرْضِ التَّنَزُّلِ، وَالقَولُ بالكراهَةِ، فإنَّهَا حُكْمٌ تَكْلِيْفِيٌّ استفيد مِنَ التوقيع الشريف، فيكونُ دليلاً على جوازِ استنباطِ الحُكْمِ الشرعي مِنْ تَوقيعِهِ (عليه السلام)، وَهُوَ دَاخِلٌ في فِعْلِ المَعْصُومِ (عليه السلام)؛ لأنَّهُ (عليه السلام) كَاتِبُهُ، وَمُرْسِلُهُ حَقِيْقَةً.

ولا يُقال: مَا الشَّاهِدُ على جَوَازِ الاستنباطِ مِنْ هذا التَّوقِيْعِ الشَّريفِ؟؛ لأنَّا نقول: إنْ لَمْ يَسْتَفِدِ السَّائِلُ مِنْ جَوَابِ الإمامِ (عليه السلام) حُكْمَهُ الشَّرْعِيَّ لَصَارَ لَغْوَاً، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ وقُوعُهُ مِنَ المَعْصُومِ (عليه السلام).

وهذا الخَبَرُ الشريفُ قد أَفْتَى بِهِ جُمْلَةٌ مِنْ كِبَارِ عُلمائِنَا الأَبرارِ، كالشيخ الصدوق، إِذْ قَالَ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: (وَالتَّوقِيْعُ عندي بِخَطِّ الإمامِ (عليه السلام)، ثم رَوَى عن بريد بن معاوية قال: إنَّ رجلاً مات وأوصى إليَّ أو إلى آخَرَ أو إلى رَجُلَيْنِ، فقال أحدُهُمَا: خُذْ نِصْفَ ما تَرَكَ، وأعطني النِّصْفَ مِمَّا تَرَكَ، فَأَبَى عليه الآخَرُ، فسألوا أبا عبد الله (عليه السلام)
عن ذلك، فقال: ذَلِكَ لَهُ، قال الشيخُ في كِتَابَي الأخبار: قال أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه، إنَّ هذا الخَبَرَ لا أَعْمَلُ عليه، ولا أُفتي به، وإنَّمَا أعمَلُ على الخَبَرِ الأَوَّلِ، ظَنَّاً مِنْهُ أَنَّهُمَا مُتَنَافِيَانِ، وليسَ الأَمْرُ على ما ظَنَّ؛ لأنَّ قَولَهُ (عليه السلام): (ذَلِكَ لَهُ) ليسَ في صَرِيْحِهِ أَنَّ ذَلِكَ لِلْمُطَالِبِ، الذي طَلَبَ أَنْ يَسْتَبِدَّ بِنِصْفِ التَّرِكَةِ، وليسَ يَمْتَنِعُ أن يكونَ المُرَادُ بقولِهِ (عليه السلام) (ذَلِكَ لَهُ) يعني الذي أَبَى على صَاحِبِهِ الانقيادَ إلى ما يُريدُهُ، فيكونُ تلخيصُ الكَلَامِ أنَّ لَهُ أنْ يَأبَى عليه، ولا يُجِيْبُهُ مَسْأَلَتَهُ، وعلى هذا الوَجْهِ لا تَنَافِيَ بينهما على حَالٍ)[33].

فَتُلَاحِظُ تَقْدِيْمَ شَيْخِنَا الصَّدُوقِ للتَّوقِيعِ الشَّريفِ على المَنقُولِ مُشَافَهَةً ظَنَّاً مِنْهُ بوقُوعِ التنافي بَيْنَ الخَبَرينِ، فيكونُ تَرجِيْحُهُ للخَبَرِ الأَوَّلِ – وَهُوَ التَّوقِيعُ الشَّريفُ – وَتَأَوُّلُ الشَّيْخِ الطُّوسِيّ لِلخَبَرِ الآخَرِ، بَلْ وَتَأيِيْدُ العَلَّامَةِ لِتَأويلِ الشَّيخِ[34] شَاهِدٌ على حُجِّيَّتِهِ عِنْدَهُمْ؛ إِذْ لا تَعَارُضَ بَيْنَ الحُجَّةِ وَاللاحُجَّةِ، إِذَنْ فَلَابُدَّ مِنِ افتراضِ حُجِّيَّةِ الخَبَرَيْنِ المُتَعَارِضَيْنِ في نَفْسَيْهِمَا لَولَا التَّعارُضِ.

فإنْ كانَ حُجَّةً، جَازَ للفقيهِ أَنْ يَسْتَنْبِطَ مِنْهُ حُكْمَاً شَرْعِيَّاً، مع مُرَاعَاةِ سَائِرِ القَوَاعِدِ المُقَرَّرَةِ في استنباطِ الأحكامِ الفِقْهِيَّةِ، وبهذا لا يختلفُ الخَبَرُ الوَاصِلُ إلينا بِخَطِّ الإمامِ (عليه السلام) عَنِ الوَاصِلِ عَنْهُ مُشَافَهَةً.

ثانياً: وَهُوَ الذي رَوَاهُ (سعد بن عبد الله، عن موسى بن الحسن، عن أبي علي أحمد بن محمد بن مطهر قال: «كَتَبْتُ إلى أبي مُحَمَّدٍ (عليه السلام)، إنّي دَفَعْتُ إلى سِتَّةِ أَنْفُسٍ مئةَ دينارٍ، وخمسينَ ديناراً؛ لِيَحِجُّوا بِهَا، فَرَجَعُوا، ولم يُشْخِصْ بَعْضُهُمْ، وَأَتَانِي بَعْضٌ، فَذَكَرَ أَنَّهُ قد أَنْفَقَ بَعْضَ الدنانيرِ، وَبَقِيَتْ بَقِيَّةٌ، وَإنَّهُ يَرُدُّ عَلَيَّ ما بَقِيَ، وَإِنِّي قد رُمْتُ مُطَالَبَةَ مَنْ لم يأتني بما دفعتُ إليه، فَكَتَبَ (عليه السلام): لا تَعْرُضْ لِمَنْ لَمْ يَأتِكَ، ولا تأخُذْ مِمَّنْ أَتَاكَ شيئاً مِمَّا يَأتِيْكَ بِهِ، والأَجْرُ قد وَقَعَ على اللهِ عَزَّ وَجَلَّ»)[35].

إِذِ اشْتَمَلَتِ المُكَاتَبَةُ على جُملةٍ مِنَ الأحكامِ الشَّرْعِيَّةِ، سَوَاءٌ أكانَتْ تَكْلِيفِيَّةً أَمْ وَضْعِيَّةً، مِنْهَا:

أ – جوازُ بَذْلِ المَالِ لِشَخْصٍ لِيَحِجَّ بِهِ، وَهُوَ حُكمٌ تَكلِيفِيٌّ، مُستَفَادٌ مِنْ جَوَابِ الإمَامِ (عليه السلام).

ب – صِحَّةُ حَجِّ مَنْ قَبِلَ البَذْلَ، فَحَجَّ بِذَلِكَ المَالِ، وَالصِّحَةُ مِنَ الأَحْكَامِ الوَضْعِيَّةِ، وَهُوَ أيضاً مِمَّا استُفِيْدَ مِنْ جَوَابِ الإمَامِ (عليه السلام).

جـ – عَدَمُ البَحْثِ والاستِقْصَاءِ في كَونِ المَبذُولِ لَهُ، حَجَّ بالفِعْلِ أَمْ لَمْ يَحِجّ، بمعنى لا يجب على مَنْ دَفَعَ مَالاً لآخَرَ؛ لِيَحِجَّ بِهِ أَنْ يَتَيَقَّنَ ببذل ذَلِكَ المالِ في الحَجِّ، وَرُبَّمَا تُستَفَادُ الحُرمَةُ مِنْ نَهْي الإمامِ (عليه السلام) له، بالتَّعَرُّضِ لِمَنْ لَمْ يَأتِ بالمَالِ، أو الأَخْذِ مِمَّنْ أَتَى بِهِ، وهو حُكمٌ تكليفيٌّ مُسْتَنْبَطٌ مِنْ جَوَابِ الإمامِ (عليه السلام).

ثُمَّ نَبَّهَهُ الإمامُ (عليه السلام) لِلْحِكْمَةِ مِنْ ذَلِكَ، وَهُوَ أنَّ هذا البَذْلَ يَسْتَوجِبُ الأَجْرَ مِنَ اللهِ تَعَالَى لِبَاذِلِ المَالِ، سَوَاءٌ حُجَّ بِالمَالِ المَبذُولِ أَمْ لا.

وَمَنْ تأمَّلَ بِمَا وَصَلَنَا عن الإمام (عليه السلام) مكتوباً، يَجِدْهُ قد تَضَمَّنَ إقرارَهُ (عليه السلام) بِتِلْكَ الأُمُورِ التي استُفِيْدَتْ مِنَ الخَبَرِ الشَّرِيْفِ، وإقرارُهُ (عليه السلام) جَائِزٌ، وَهُوَ مِنَ السُّنَّةِ فَيَكُونُ الحُكمُ المُسْتَنْبَطُ مِنْ ذَلِكَ حُجَّةً.

ثالثاً: وَهُوَ المَرْوِيُّ عن محمد بن الحسن الصفار؛ إِذْ كَتَبَ إلى الإمَامِ الحَسَنِ العَسْكَرِيّ (عليه السلام) (في رَجُلٍ مَاتَ، وعليه قَضَاءٌ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، عَشْرَةُ أَيَّامٍ، وَلَهُ وَلِيَّانِ، هَلْ يَجُوزُ لَهُمَا أَنْ يَقْضِيَا عنه جميعاً، خَمْسَةُ أَيَّامٍ أَحَدُ الوَلِيَّيْنِ، وَخَمْسَةُ أَيَّامٍ الآخَرُ؟، فَوَقَّعَ (عليه السلام): يَقْضِي عَنْهُ أَكْبَرُ وَلِيَّيْهِ، عَشْرَةُ أيَّامٍ وَلَاءً، إنْ شَاءَ اللهُ)[36].

إِذِ اشْتَمَلَ الخَبَرُ الشَّرِيْفُ عَلَى جُمْلَةٍ مِنَ الأَحْكَامِ الفِقْهِيَّةِ، مِنْهَا:

الحكم الأول: القَضَاءُ عَنِ المَيْتِ وَظِيْفَةُ وَلِيِّهِ الأَكْبَرِ خَاصَّةً. وَهَذِهِ الوَظيفةُ مُتَضَمِّنَةٌ لِعِدَّةِ أحكامٍ شَرْعِيَّةٍ، مِنْهَا.

أ – وجُوبُ القَضَاءِ على وَلِيّ المَيْتِ الأَكْبَرِ. وَهُوَ حُكْمٌ تكليفيٌّ مُسْتَنْبَطٌ مِنَ الخَبَرِ الشَّرِيْفِ.

ب – صِحَّةُ صِيَامِ الوَلِيّ الأَكْبَرِ قَضَاءً عَنِ المَيْتِ. وَهَذَا حُكْمٌ وَضْعِيٌّ مُسْتَنْبَطٌ مِنَ الخَبَرِ الشَّرِيْفِ.

الحكم الثاني: لا يجب القضاءُ عَنِ المَيْتِ بالنسبة إلى وَلِيِّهِ الأَصْغَرِ، وَإِنْ صَامَ رُبَّمَا لا يَتَرَتَّبُ عليه أَثَرُهُ، بِمَعْنَى عَدَمِ صَحَّةِ صِيَامِ الوَلِيّ الأَصْغَرِ إنْ صَامَ تَبَرُّعَاً، وَعَدَمُ الصَّحَّةِ حُكْمٌ وَضْعِيٌّ مُسْتَنْبَطٌ مِنَ الخَبَرِ الشَّرِيْفِ أَيْضَاً.

الحكم الثالث: يَجِبُ عَلَى مَنْ وَظِيْفَتُهُ القَضَاءُ عَنِ المَيْتِ أَنْ يَأتِيَ بالصِّيَامِ مُتَتَابِعَاً، وَإِنْ خَالَفَ بَطُلَ صِيَامُهُ. والوجوبُ والبُطلانُ، حُكْمَانِ شَرْعِيَّانِ مُسْتَفَادَانِ مِنَ الخَبَرِ المَذْكُورِ، أَحَدُهُمَا تَكْلِيْفِيٌّ، وَالآخَرُ وَضْعِيٌّ.

رابعاً: وَهُوَ الخَبَرُ الذي رَوَاهُ الشيخُ الطوسيُّ (باسناده عن محمد بن الحسن الصفار أنه كتب إلى أبي مُحَمَّدٍ (عليه السلام) في رَجُلٍ اشترى مِنْ رَجُلٍ أَرْضَاً بِحُدُودِهَا الأَرْبَعَةِ، وَفِيْهَا زَرْعٌ وَنَخْلٌ، وغيرُهُمَا مِنَ الشَّجَرِ، وَلَمْ يَذْكُرِ النَّخْلَ، ولا الزَّرْعَ ولا الشَّجَرَ في كتابِهِ، وَذَكَرَ فِيْهِ أنَّهُ قد اشتراها بجميعِ حقوقِها، الداخلةِ فيها والخارجةِ منها، أَيَدْخُلُ الزرعُ والنخلُ والأشجارُ في حقوق الأرض أم لا؟، فَوَقَّعَ: إِذَا ابتَاعَ الأَرْضَ بِحُدُودِهَا، وَمَا أَغْلَقَ عَلَيْهِ بَابَهَا، فَلَهُ جَمِيْعُ مَا فِيْهَا إِنْ شَاءَ اللهُ)[37].

فَالَّذِي يَتَأَمَّلُ في هَذَا التَّوقِيْعِ الشَّرِيْفِ يَجِدْهُ قَدِ انْطَوَى على مَجْمُوعَةٍ مِنَ الأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، سَوَاءٌ أَكَانَتْ تَكْلِيْفِيَّةً أَمْ وَضْعِيَّةً، مِنْهَا:

أولاً: صِحَّةُ المعاملَةِ الجَاريةِ بهذه الطريقةِ بَيْنَ البائعِ والمشتري[38]، ويترتبُ على صَحَّتِهَا:

أ – جوازُ التَّصَرُّفِ للبائعِ بالثَّمَنِ.

ب – وجوازهُ بالنسبةِ إلى المشتري بالمُثْمَنِ.

ثانياً: دُخُولُ ما على الأَرضِ مِنْ مَزرُوعَاتٍ في المُعَامَلَةِ بِالتَّضَمُّنِ، وَإِنْ لَمْ تُذكَرْ في مَتْنِ العَقْدِ بالدلالَةِ المُطَابَقِيَّةِ؛ وَالسِّرُّ في ذَلِكَ أنَّ الأرضَ إذا أُغْلِقَ عليها بَابُهَا كانَ كُلُّ ما فيها لِصَاحِبِهَا. ويترتبُ على ذَلِكَ:

أ – جَوَازُ بَيْعِ مَحْصُولِهَا، بَلْ وَجَوَازُ كُلِّ تَصَرُّفٍ.

ب – صِحَّةُ تَصَرُّفِ صَاحِبِ الأَرْضِ بِمَا غَرَسَ فيها، أَو زَرَعَ، بَلْ وَصِحَّةُ كُلِّ تَصَرُّفٍ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ المَالِكُ، أو دَخَلَ تَصَرُّفُهُ في بَابِ الفَحْوَى.

وَمَعْلُومٌ أَنَّ الجَوَازَ وَالصِّحَّةَ أَحْكَامٌ شَرعِيَّةٌ مُسْتَنْبَطَةٌ مِنَ الخَبَرِ الشَّرِيْفِ.

وَكُلُّ مَنْ لَاحَظَ هذِهِ الأَخْبَارَ الشَّرِيْفَةَ المُتَقَدِّمَةَ وَأَشْبَاهَهَا، فَإنَّهُ سَيَجِدُهَا دَاخِلَةً في فِعْلِ الإمامِ المَعْصُومِ (عليه السلام)؛ لأنَّهُ كَاتِبُهَا وَمُرْسِلُهَا، وَهَذَا مِنَ السُّنَّةِ، فَيَكُونُ مَحْكُومَاً بِحُجِّيَّةِ كُلِّ حُكْمٍ فِقْهِيّ قَدْ استُفِيْدَ مِنْهُ.

الخَاتِمَةُ

وَفِي خِتَامِ البَحْثِ يُمْكِنُ استِنْتَاجِ التَّالِي:

أولاً: إنَّ التأمُّلَ في نُصُوصِ المَعْصُومِيْنَ (عليهم السلام)، وَمُلَاحَظَةَ سِيْرَتَهُمْ (عليهم السلام)،
يَدْفَعُنَا إلى القَولِ بِحُجِّيَّةِ الحُكْمِ المُسْتَنْبَطِ مِنْ خَطِّهِ كَحُجِّيَّةِ المُسْتَنْبَطِ مِنْ قَولِهِ؛ بِشَهَادَةِ (أَنَّ الأَئِمَّةَ (عليهم السلام) أَمَرُوا بِكِتَابَةِ الحَدِيْثِ وَتَدْوِيْنِهِ، وَهَذَا كَفِيْلٌ بِحُجِّيَّةِ تِلْكَ المُكَاتَبَاتِ)[39].

ثانياً: سِيْرَةُ المُتَشَرِّعَةِ – أعني: سِيْرَةَ أَصْحَابِهِمْ (عليهم السلام) – المُمْضَاةُ مِنْ قِبَلِهِمْ (عليهم السلام)،
فتكونُ دَاخِلَةً في تَقْرِيْرِ المَعْصُومِ (عليه السلام)، وَتَقْرِيْرُهُ مِنَ السَّنَّةِ الشَّرِيْفَةِ، فَيَكُونُ جَائِزَاً. نَعَمْ إِنَّ هذا يَتَطَلَّبُ إِثْبَاتَ عَمَلِ أَصْحَابِ الأَئِمَّةِ (عليهم السلام) بِهَذَا النَّحْوِ، وَلِذَا وَجَدْنَا بَعْضَ فُقَهَائِنَا يَقُولُ: (إنَّ الاستِدلالَ بِهَا يَتَوَقَّفُ على إثباتِ وقُوعِ العَمَلِ – فِعْلَاً – مِنْ قِبَلِ المُتَشَرِّعَةِ، مِنْ أَصْحَابِ
الأَئِمَّةِ (عليهم السلام) بِأَخْبَارِ الثِّقَاتِ)[40].

وَهَذَا – بِحَمْدِ اللهِ تَعَالَى – ثَابِتٌ لا رَيْبَ فِيْهِ، فَهِيَ سِيْرَةٌ مُمْتَدَّةٌ مِنْ رَسُولِ اللهِ (صلى الله عليه وآله)
حَتَّى إِمَامِنَا الثَّانِي عَشَرَ صَلَوَاتُ اللهِ تَعَالَى عَلَيْهِ.

وَمِنْ لَطِيْفِ الاستِدلالِ أنَّ الشَّافِعِيَّ أَنْكَرَ التَّسْوِيَةَ بَيْنَ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ، وَبَيْنَ ما هُوَ مَسْمُوعٌ، فَرَدَّهُ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ بِدَلِيْلٍ غَيْرِ قَابِلٍ لِلدَّفْعِ؛ إِذْ قَالَ – مُنْكِرَاً –: (هذا كِتَابٌ، وَذَاكَ مَسْمُوعٌ، فَقَالَ إِسْحَاقُ: إنَّ النبيَّ (صلى الله عليه وآله)، كَتَبَ إلى كِسْرَى وَقَيْصَرَ، وَكانَ حُجَّةً عَلَيْهِمْ، فَسَكَتَ الشَّافِعِيُّ)[41]. فَهَذَا استِدْلَالٌ مِنْهُ بِسِيْرَةِ العُقَلاءِ، المُمْضَاةِ مِنْ قِبَلِ رَسُولِ اللهِ (صلى الله عليه وآله)، فَتَكُونُ حُجَّةً، بَلْ هُوَ استِدْلَالٌ بِسُنَّةِ المَعْصُومِ، وَهُوَ هُنَا رَسُولُ اللهِ (صلى الله عليه وآله)؛ لأنَّهُ المُرْسِلُ بِكِتَابِهِ إِلَيْهِمْ.

ثالثاً: الأَصْلُ في مُكَاتَبَاتِ المَعْصُومِ(عليه السلام)، وَتَوقِيْعَاتِهِ، كَونُهَا دَاخِلَةً في فِعْلِهِ لا تَقْرِيْرِهِ، وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ اعتِرَاضُ مَنْ شَكَّكَ في إِفَادَةِ التَّقْرِيْرِ لِلْحُجِّيَّةِ – إنْ افْتُرِضَ صِحَّةُ اعْتِرَاضِهِ –.

رابعاً: وَجَدْنَا دَعْوَى احتِمَالِ التَّقِيَّةِ في خُطُوطِ المَعْصُومِيْنَ (عليهم السلام)، أَكْثَرَ مِنْهَا في المُشَافَهَاتِ عَارِيَةً عَنْ مُسْتَنَدٍ مُعْتَبَرٍ، مَعَ قُوَّةِ الشَّوَاهدِ وَالدَّلَائِلِ المُثْبِتَةِ لِلْحُجِّيَّةِ.

 

قائمة المصادر والمراجع: 

القُرْآنُ الكَرِيْمُ

1)      ابن إدريس الحلي، محمد بن منصور بن أحمد (ت598هـ)، كتاب السرائر الحاوي لتحرير الفتاوي، تحقيق لجنة التحقيق في المؤسسة، الناشر مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المقدسة، قم المقدسة، الطبعة الثانية، 1410 هـ.

2)      ابن منظور، محمّد بن مكرم الأفريقي (ت711هـ)، لسان العرب، دار صادر للطباعة والنشر، ودار بيروت للطباعة والنشر، الطبعة الأولى، 1375هـ، 1956م.

3)      أبو رغيف، عمار، حجية الظهور أساس الاجتهاد الفقهي، الناشر دار المعارف الحَكَمِيَّة، بيروت، الطبعة الثانية، 2018م، 1440هـ.

4)      جمال الدين، مصطفى (1996م)، القياس حقيقته وحجيته، الناشر مطبعة النعمان، النجف الأشرف، 1973م.

5)      الحر العاملي، محمد بن الحسن، (ت1104هـ)، تفصيل وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة، تحقيق مؤسسة آل البيت(عليهم السلام) لإحياء التراث، بيروت، منشورات مؤسسة آل البيت(عليهم السلام)
لإحياء التراث، الطبعة الأولى، 1413 هـ، 1993م.

6)      الخميني، روح الله الموسوي (ت1409هـ)، الرسائل، تذييل مجتبى الطهراني، الناشر مؤسسة إسماعيليان للطباعة والنشر، قم المقدسة، الطبعة الأولى، 1385هـ.

7)      الخوئي، أبو القاسم الموسوي (ت 1413هـ)، الصلاة، التنقيح في شرح العروة الوثقى، بقلم الشيخ علي التبريزي الغروي، صححه وعلق عليه: محمد تقي الكشفي، دار الهادي للمطبوعات، قم المقدسة، الطبعة الثالثة، 1410 هـ.

8)      الخوئي، أبو القاسم الموسوي (ت1413هـ )، البيان في تفسير القرآن، الناشر دار الزهراء للطباعة والنشر، بيروت، الطبعة الرابعة، 1395هـ، 1975م.

9)      الخوئي، أبو القاسم الموسوي (ت 1413هـ)، مصباح الأصول، بقلم السيد محمد سرور الواعظ الحسيني البهسودي، مكتبة الداوري، قم المقدسة، الطبعة الخامسة، 1417هـ.

10)  الزبيدي، محمّد مرتضى (ت 1205هـ )، تاج العروس من جواهر القاموس، دراسة وتحقيق علي شيري، دار الجديد للطباعة والنشر والتوزيع.

11)  الشهيد الثاني، زين الدين بن بن علي العاملي(ت965هـ)، الرعاية في علم الدراية، تحقيق عبد الحسين محمد علي بقّال، الناشر: مكتبة السيد المرعشي النجفي، قم المقدسة، الطبعة الثانية، 1408 هـ، 1996م.

12)  الصدر، حسن العاملي الكاظمي (ت1354هـ)، نهاية الدراية في شرح الرسالة الموسومة بالوجيزة للبهائي، تحقيق الشيخ ماجد الغرباوي، الناشر المشعر، قم المقدسة.

13)  الصدر، محمد باقر (ت1402هـ)، بحوث في شرح العروة الوثقى، مطبعة الآداب، النجف الأشرف، الطبعة الأولى، 1391 هـ، 1971م.

14)  الصدر، محمد باقر (ت1402هـ)، بحوث في علم الأصول، بقلم السيد محمود الهاشمي، الناشر مؤسسة دائرة معارف الفقه الإسلامي، قم المقدسة، الطبعة الثالثة، 1417 هـ، 1996م.

15)  الصَّدُوق، محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القُمِّي (ت 381هـ)، مَنْ لا يحضره الفقيه، الأميرة للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، الطبعة الأولى، 1429 هـ، 2008م.

16)  الطوسي، محمّد بن الحسن (ت 460هـ)، الغيبة، تحقيق الشي عباد الله الطهراني، والشيخ علي أحمد ناصح، الناشر مؤسسة المعارف الإسلامية، قم المقدسة، الأولى، 1411هـ.

17)  الطوسي، محمد بن الحسن (ت460هـ)، الاستبصار فيما اختلف فيه من الأخبار، الأميرة للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، الطبعة الأولى، 1429هـ، 2008م.

18)  الطوسي، محمد بن الحسن (ت460هـ)، تهذيب الأحكام فيما اختلف من الأخبار، الأميرة للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، الطبعة الأولى، 1429 هـ، 2008م.

19)  العلَّامة الحلي، الحسن بن يوسف بن المطهَّر، (ت726هـ)، مختلف الشيعة في أحكام الشريعة، تحقيق مؤسسة النشر الإسلامي، الناشر مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المقدسة، قم المقدسة، الطبعة الثانية، 1413 هـ.

20)  العميدي، ثامر الحسيني، رسائل الأئمة، الناشر دار السلام، بغداد، الطبعة الأولى، 1436 هـ، 2015م.

21)  الفاضل الآبي، الحسن بن أبي طالب ابن أبي المجد (ت690هـ) كشف الرموز في شرح المختصر النافع، تحقيق: الشيخ علي بناه الاشتهاردي، حسين اليزدي، الناشر مؤسسة النشر الإسلامي التابع لجماعة المدرسين بقم، قم المقدسة، من دون طبعة، 1408هـ.

22)  القديري، محمد حسن، البحث في رسالات عشر، الناشر مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم، قم المقدسة، الطبعة الأولى، 1409هـ.

23)  القلقشندي، أحمد بن علي، صبح الأعشى في صناعة الإنشا، وزارة الثقافة والإرشاد القومي المؤسسة المصرية العامة للتأليف والترجمة والنشر.

24)  الكليني، محمد بن يعقوب (ت329هـ)، فروع الكافي، الأميرة للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، الطبعة الأولى، 1429 هـ، 2008م.

25)  المير داماد، محمد باقر الحسيني الاسترآبادي (ت 1041هـ)، الرواشح السماوية، تحقيق غلام حسين قيصيريه ها ونعمة الله الجليلي الناشر دار الحديث، قم المقدسة، الطبعة الأولى، 1422هـ.

26)  النجاشي، أحمد بن علي بن أحمد بن العباس الأسدي الكوفي (ت450هـ)، فهرست أسماء مصنفي الشيعة، المشهور برجال النجاشي، الناشر مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة، قم المقدسة، الطبعة الخامسة، 1416 هـ.

27)  النراقي، أحمد بن محمد مهدي (ت1245هـ)، عوائد الأيام، مؤسسة آل البيت(عليهم السلام) لإحياء التراث، مشهد المقدسة، الناشر مؤسسة آل البيت(عليهم السلام)لإحياء التراث، قم المقدسة، الطبعة الأولى، 1417 هـ.

 

 

 

[1] يُنْظَرُ: أبو رغيف، عمار، حجية الظهور أساس الاجتهاد الفقهي،ص 20.
[2] أخرجوا بهذا القَيْدِ الحَدَّ الأَوْسَطَ مِنَ القِيَاسِ. يُنْظَرُ: الإمام الخميني، روح الله الموسوي، الرسائل، ج1، ص71.
[3] جمال الدين، مصطفى، القياس حقيقته وحجيته، ص223.
[4] الخوئي، أبو القاسم، البيان في تفسير القرآن، ص398 – 399.
[5] ويقصدون بالتنجيز، أنَّ الطريقَ إذا ثبت بحق المكلف، بحيث يكون كاشفاً له عن الواقع كشفاً تعبدياً، فَإِنْ خَالَفَهُ – وكان ثابتاً بحقه واقعاً – يُعَدُّ مُسْتَحِقَّاً لعقوبةِ المَولَى. يُنْظَرُ: الإمام الخميني، روح الله الموسوي، الرسائل،ج 1، ص71.
[6] وَمُرَادُهُمْ مِنَ التعذير هو استنادُ الفقيه إلى ما ثبت عنده من الأدلة، واحتجاجُهُ بها بحيث يوجب العُذْرَ لدى المولى عند مخالفته للواقع. يُنْظَرُ: القديري، محمد حسن، البحث في رسالات عشر، ص380.
[7] البهسودي، محمد سرور الواعظ الحسيني، مصباح الأصول (تقرير بحث السيد الخوئي)، ج2، ص239.
[8] يُنظر: أبو رغيف، عمار، حجية الظهور، ص12.
[9] القلقشندي، أحمد بن علي، صبح الأعشى في صناعة الإنشا، ج1، ص181.
[10] العميدي، ثامر الحسيني، رسائل الأئمة، ص15.
[11] ابن منظور، لسان العرب،ج8،ص406، والزبيدي، محمّد مرتضى، تاج العروس من جواهر القاموس،ج11، ص525.
[12] النجاشي، فهرست أسماء مصنفي الشيعة، المشهور بـ(رجال النجاشي)، ص354 – 355/949.
[13] الخبرُ رواهُ الحسين بن سعيد بقوله: (قرأتُ في كتاب محمد بن إبراهيم إلى الرضا (عليه السلام)، يسأله عن الصلاة في ثوبٍ حشوه قز، فكتب إليه: (قرأتُهُ، لا بأسَ بالصلاة فيه)، الطوسي، محمد بن الحسن، تهذيب الأحكام،ج 2، ص364.
[14] ينظر: الخوئي، أبو القاسم، شرح العروة الوثقى - الصلاة -، ج12، ص369.
[15] ذَكَرَ المُحَقّقُ السبزواريُّ رَدَّ الشهيد الأول مؤيِّدَاً له، وَكِلَاهُمَا قَدِ استَنَدَ إلى هذا الخبر، وإلى آخَرَ أوردَهُ الشيخُ الصدوقُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى جَازِمَاً بجواز الصلاة في ثَوبٍ حَشْوهُ قَزٌّ. ينظر: السبزواري، محمد باقر، ذخيرة المعاد في شرح الإرشاد، ج1، ق2، ص227.
[16] الأنصاري، مرتضى، المكاسب المحرمة، ج1، ص33.
[17] وَمِنْ هُنَا رَدَّهُ السَّيِّدُ الخُوئِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى بقوله: (وَأَعْجَبُ مِنْ ذلكَ تَشْكِيْكُهُ في كاشفيَّةِ التقرير عن الرضا، وفي كونِهِ مِنَ الحُجَجِ الشرعيَّةِ، مع أنَّهُ كسائر الأَمَارَاتِ مشمولٌ لأدلةِ الحُجِّيَّةِ). الخوئي، أبو القاسم، مصباح الفقاهة،ج 1، ص122.
[18] الخوئي، أبو القاسم، مصباح الفقاهة،ج 1، ص122.
[19] الخوئي، أبو القاسم، مصباح الفقاهة، ج1، ص122.
[20] المير داماد، محمد باقر الحسيني الاسترآبادي، اثنا عشر رسالة، ج7، ص71، وينظر: المير داماد، محمد باقر الحسيني الاسترآبادي، الرواشح السماوية، ص242.
[21] هُوَ الجَمَّالُ مِنْ ثِقَاتِ أَصْحَابِ مَولَانَا الإمَامِ الهَادِيّ (عليه السلام). ينظر: العلامة الحلي، الحسن بن يوسف بن المطهَّر، خلاصة الأقوال، ص241.
[22] الكليني، محمد بن يعقوب، فروع الكافي، ج5،ص413.
[23] الفاضل الآبي، الحسن بن أبي طالب ابن أبي المجد، كشف الرموز في شرح المختصر النافع، ج2، ص180.
[24] الكليني، محمد بن يعقوب، فروع الكافي، ج1، ص52، والحر العاملي، محمد بن الحسن، وسائل الشيعة، ج27، ص80.
[25] المصدر السابق، ج1، ص111.
[26] الطوسي، محمد بن الحسن، الغَيْبَةُ، ص356.
[27] كاحتجاب الإمام عن شيعته تقيةً، أو كونه في سجون الظالمين، أو بُعْدِ المسافة بينه (عليه السلام) وبين قواعده الشعبية، فيلجؤون إلى المكاتبة بِيَدِ الثِّقَاتِ مِنْ أصحابهم.
[28] المحقق النراقي، أحمد بن محمد مهدي، عوائد الأيام، ص471.
[29] وهذا هو الذي يُفسر قول بعض علمائنا: (لا ينبغي التَّأَمُّلُ في صحة المكاتبة، والعمل به والرواية له، وهو معدودٌ في الموصول، وقد وقع في زمان العسكريين عليهما السلام منه كثيرٌ، ولم يُنْكِرْ أحَدٌ مِنَّا جوازَ العملِ به، ولولا ذلك لكانت مكاتباتهم (عليهم السلام) عبثاً)؛ لذهاب الأكثر إلى حجيته. الصدر، حسن، نهاية الدراية، ص466.
[30] الخوئي، أبو القاسم، كتاب الطهارة، ج2، ص376.
[31] الشهيد الصدر، محمد باقر، بحوث في شرح العروة الوثقى، ج4، ص218 – 219.
[32] الصدوق، محمد بن علي، من لا يحضره الفقيه، ج4، ص203.
[33] الطوسي، محمد بن الحسن، الاستبصار فيما اختلف فيه من الأخبار، ج4، ص118؛ وينظر: الطوسي، محمد بن الحسن، تهذيب الأحكام فيما اختلف من الأخبار،ج9، ص185؛ وينظر: العَلَّامة الحلي، الحسن بن يوسف بن المطهَّر، مختلف الشيعة في أحكام الشريعة، ج6، ص404.
[34] يُنظر: العَلَّامة الحلي، الحسن بن يوسف بن المطهَّر، مختلف الشيعة في أحكام الشريعة، ج6، ص404.
[35] الصدوق، محمد بن علي، من لا يحضره الفقيه، ج2، ص422، والحر العاملي، محمد بن الحسن، وسائل الشيعة، ج11، ص180.
[36] الصدوق، محمد بن علي، من لا يحضره الفقيه، ج2، ص154، والطوسي، محمد بن الحسن، الاستبصار، ج2، ص109.
[37] الطوسي، محمد بن الحسن، النهاية، ص422، وابن إدريس الحلي، السرائر،ج 2، ص379.
[38] قد يُقال: ما الدليل على صحة مثل هذه المعاملات؟. فإنه يُقال: إنَّها داخلةٌ في سُنَّةِ المَعْصُومِ (عليه السلام)، وَسُنَّتُهُ جَائِزَةٌ، أَيْ: نَافِذَةً.
[39] يُنظر: أبو رغيف، عمار، حجية الظهور، ص61.
[40] الشهيد الصدر، محمد باقر، بحوث في علم الأصول،ج4، ص249 – 250.
[41] الشهيد الثاني، زين الدين بن علي العاملي، الرعاية في علم الدراية، ص29.